قطع الطريق على «25 يناير»

رغم مرور نحو 10 سنوات على اندلاعها، ورغم أن العديد من أبنائها طووا صفحتها منذ فترة، إلا أن الرئيس عبدالفتاح السيسي لا يفوّت مناسبة دون أن يحملها مسؤولية التراجع والتدهور الذي طال العديد من قطاعات الدولة، حتى صارت ثورة 25 يناير هي «الشماعة» التي يُعلق عليها الرئيس وسلطته وإعلامه أي فشل ناتج عن سوء إدارة حكومته وأجهزته لأي ملف خلال سنوات حكمه الست.

في نهاية أكتوبر الماضي، وخلال افتتاحه عدد من المشروعات في مدينة شرم الشيخ، قال الرئيس معقبًا على كلمة لوزير السياحة والآثار خالد العناني إن «العمل توقف في عام 2011 في استكمال عدد من المتاحف في ثلاث محافظات نظرًا لأن البلاد كانت تمر بحالة عدم استقرار.. ما حدث في 2011 كان له نتائج كبيرة على قطاع الآثار، منها فقدان بعضها وتهريب جزء كبير منها».

وحمَّل السيسي الثورة وما أعقبها من حالة عدم استقرار، تدمير العديد من الكنائس التي قامت الدولة بترميمها: «إن حالة عدم الاستقرار فى عام 2011 -لا أقصد الإساءة إلى أحد- استغلها أعداء الوطن في تدمير أكثر من 75 كنيسة، وقامت الدولة بترميمها مرة أخرى، وقاموا بتصدير الإرهاب والخراب والدمار».

وحذر السيسي الناس من تكرار ما جرى في يناير، ودعاهم إلى التكاتف للحفاظ على استقرار البلاد: «بتكاتف الجميع سنحافظ على استقرار بلادنا من أجل مستقبل أفضل.. لكن أي فعل الناس هتعمله له تكلفة كبيرة جدًا».

عادةً ما يعقب الحديث عن «المؤامرة» التي جرت في يناير 2011، والتي تسعى السلطة إلى معالجة «آثارها المدمرة»، التحذير من تكرارها، وتخويف الناس من الإقدام على أي خطوة مماثلة، بدعوى الحفاظ على الدولة واستقرارها، وعلى الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة.

«عدم الاستقرار معناه ضياع الدولة.. طب انت بتكرر الكلام ده كتير ليه.. وهفضل أكرر الكلام ده كتير لمصر وغير مصر.. أغلب الناس لا يعرفون ما هي النتائج المترتبة على حالة عدم الاستقرار.. خلو بالكم من بلادكم وحافظوا عليها.. نتائج عدم الاستقرار مدمر للدولة ومدمر لمستقبلها»، يستكمل السيسي حديثه.

ويضيف: «الدليل على كده، إن إحنا النهاردة بنتكلم في 2011، وإحنا في 2020، يعني عشر سنين، وإحنا في القطاع ده، طب بقية القطاعات؟! الشركات التي عُطلت، والحاجات اللي راحت، والإرهاب اللي اتصدرنا في 2011 و2013؟».

ويرى السيسي أن إعادة مشاهد الثورة وخروج الناس للتعبير عن غضبهم سيفتح باب الاعتداء على الدولة، «لو حصل تاني حاجة تانية هيبقى برضو نفس الكلام ده، مش بس كده إن هي تتعثر أو متكملش، ده ممكن يتم الاعتداء عليها، واحنا مش بصدد إننا نذكر كل اللي حصل في الفترة دي عن كل حجم الاعتداءات التي حدثت».

بعد إشاداته بـ«الثورة النبيلة» وشبابها النقي في بدايات حكمه، تحول خطاب السيسي إلى تحميل «25 يناير» كل الشرور والآثام التي جرت في بر مصر خلال السنوات العشر الماضية، فمع كل إخفاق أو فشل أو خروج محدود لجماهير محتقنة وغاضبة من تدهور أحوالها المعيشية أو من قرارات مؤسسات الدولة التي تستهدف حياتهم بشكل مباشر يتم استدعاء الثورة وأحداثها وتحميلها وتحميل كل من شارك فيها المسؤولية.

وكأن الثورة التي تعثرت هي السبب في تراكم الدين الداخلي والخارجي، وزيادة الأسعار، وانهيار سعر العملة، وتراجع السياحة، وفشل الإعلام، وانهيار المنظومة الصحية، وانتشار الإرهاب، وفشل مفاوضات سد النهضة، «لو مكنش 2011 كان هيبقى فيه اتفاق قوي وسهل يراعي مصلحة الطرفين.. لكن لما البلد كشفت ضهرها -وأنا آسف- وعرَّت كتفها.. فأي حاجة تتعمل بقى».

لم يبق إلا أن نحملها أيضًا التراجع الذي جرى في ملف الحقوق والحريات وتعديل مواد الدستور بما يضمن بقاء الرئيس في السلطة وسيطرته على باقي سلطات الدولة، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح المملكة العربية السعودية، وهندسة الانتخابات النيابية بما يضمن تأسيس برلمان مؤيد للرئيس وداعم لسياسته دون قيد أو شرط، وتخريب الصحافة والإعلام بفعل فاعل.

تظن السلطة أن شيطنة «25 يناير» وترهيب المواطنين من تبعاتها، سيدفعهم إلى قبول الأوضاع التي ثاروا عليها قبل 10 سنوات، وتظن أيضًا أن وسائل إعلامها قادرة على إقناع الناس بأنه ليس في الإمكان أفضل مما هو قائم، وأن عليهم قبوله، وإلا فسيكتب عليهم الضياع كما كتب على الذين من قبلهم لعلهم يتقون.

التحذير المتكرر من عدم تكرار ما جرى في يناير في مناسبات مختلفة، يعكس تصاعد قلق النظام من رد فعل الناس على تدهور أوضاعهم، خاصة بعد أن ظهرت بوادر تحركات جماهيرية أشعرت السلطة أن رقعة الغضب قد تتسع لتشمل قطاعات جغرافية وطبقية لم يُعرف عنها المشاركة في أي مظاهر احتجاج سابقة.

دفع هذا القلق السلطة إلى التراجع عن إصرارها على تنفيذ قانون التصالح في مخالفات المباني على النحو الذي بدأته، فبعد التهديد المباشر بإبادة أي عقار مخالف «أجيب معدات هندسية وأجيب وأشيل كل الكلام ده فى كل القرى وأبيد بكل المعدات الهندسية، بتكلم بمنتهى الجدية والحزم مع كل التعديات»، انتهى الأمر إلى تكليف رئيس الوزراء لكل محافظة بتقدير قيمة المخالفات وتسهيل عمليات سدادها، وذلك بعد أن خرج الناس في القرى والنجوع يهتفون ضد النظام وقراراته. ليس هذا فحسب بل أن «حزب السلطة» ومرشحينه في الانتخابات البرلمانية، إضافة إلى بعض الجمعيات الأهلية، قرروا تحمل رسوم التصالح عن بعض الفقراء.

اندلعت ثورة يناير بسبب أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية بائسة، خرج الناس إلى الشوارع وطالبوا بإسقاط نظام مبارك بعد أن سُدت أمامهم منافذ التغيير السلمي للسلطة، ضاق صدر الناس بنظام لم يعمل على تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، واحتكر حزبه الحياة السياسة، فلم يسمح بأي تداول أو مشاركة حقيقة في السلطة، أطلق يد الأمن في التعامل مع المخالفين والمعارضين، وهندس المجالس النيابية لصالح رجاله، فزور على مدار 30 عامًا الانتخابات البرلمانية والمحلية، وعدَّل الدستور وفصَّل مواده حتى تناسب مقاس الرئيس ووريثه من بعده، وظن أن كل ذلك سيمر دون حساب، ظن أن الاحتقان والغضب لن يصل إلى مرحلة خروج الملايين إلى الشوارع للمطالبة برحيله، وقال قولته الشهيرة «خليهم يتسلوا»، حتى جاءت لحظة الحقيقة وفاق مبارك وحزبه ونظامه على كابوس يناير.

ماذا فعل النظام الحالي الذي يحذر دائمًا من خروج الناس للتعبير عن غضبهم واحتقانهم احتجاجًا على سوء الأوضاع؟ ماذا فعل حتى يُجنب الدولة الضياع والسقوط؟

في البعد الاجتماعي والاقتصادي، تعدى النظام الخطوط الحمراء التي ابتعد عنها أسلافه خوفًا من رد فعل الشارع، استهدف جيوب الناس وحمَّلهم أعباء ما أُطلق عليه أجندة «برنامج الإصلاح الاقتصادي» الذي يشمل حزمة من السياسات التقشفية تم الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي، قبل موافقة الأخير على حزمة القروض التي حصلت عليها مصر.

عانى المصريون من نتائج تلك السياسات منذ عام 2016، من تراجع ملموس في مستويات معيشتهم، فارتفعت أسعار المواد البترولية والكهرباء والمياه والمواصلات العامة، فضلًا عن المواد التموينية والعديد من الخدمات الحكومية. ونتيجة لانخفاض قيمة العملة المحلية تضاعفت أسعار الكثير من السلع المستوردة، فتصاعدت حالة التململ من السلطة وسياستها.

ما زاد من حالة الاحتقان أن السلطة التي حمَّلت المواطن أعباء هذا البرنامج، توسعت في الإنفاق على مشروعات استفزت الناس، من العاصمة الإدارية إلى أبراج العلمين، وصولًا إلى القصور الرئاسية التي أشار إليها الرئيس في خطاب سابق «قالوا إني ببني قصور رئاسية أنا بنيت وببني وهبني، ومفيش حاجة باسمي، كله للدولة».

وفي السياسة، أعادت السلطة إحياء «كاتلوج» مبارك، ونقحته وزادت عليه في بعض الأحيان، فعدَّلت الدستور، الذي وافق عليه نحو 98% من المصريين في 2014، بما يضمن بقاء الرئيس في الحكم ويُمكنه من إحكام سيطرته على مؤسسات الدولة، وأممت المجال العام، فحاصرت منصات الصحافة والإعلام ووضعتها تحت رقابتها المباشرة، وأدخلت معظم الأحزاب حظيرتها، ومن استعصى على التدجين تم استهدافه بحملات الاغتيال المعنوي والملاحقة الأمنية.

تفوقت السلطة على نظام مبارك في هندسة الانتخابات النيابية، فوضعت العراقيل القانونية والإجرائية التي تضمن عدم خوض منافسيها للمعركة، وأدارت العملية الانتخابية بما يضمن سيطرة حزبها وحلفائه على البرلمان، وأخيرًا فتحت أبواب سجونها للمعارضين والمخالفين وأصحاب الرأي الذين يرفضون منهجها وسياستها ويدعون الناس إلى الاحتجاج عليه، وسلَّطت على رقابهم عقوبة الحبس الاحتياطي. 

إذا كانت السلطة جادة في قطع الطريق على «25 يناير» جديدة، وإذا كانت لا تريد تكرار ما جرى حفاظًا على الدولة من الضياع، فعليها أن تنسف «كتالوج الاستبداد» بكل ما جاء فيه من موبقات وكبائر سياسية واجتماعية واقتصادية، عليها أن تفتح صفحة جديدة وتقدم للشعب ما يقنعه بأن التغيير السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع ممكن، وأن المشاركة السياسية والاختلاف في التوجهات حق مشروع، وأن تُخلي سبيل المسجونين في قضايا الرأي، وأن ترفع الحصار المفروض على الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والإعلام.

على تلك السلطة أن تطرح أجندتها للإصلاح على الناس قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاعتذار لهم بعد فوات الآون.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن