كيف تنصف المؤسسات التعليمية والحقوقية الناجيات من العنف الجنسي؟
 
 

في العشرين من يونيو من العام الماضي، كانت إيمان طالبة بالسنة الرابعة بكلية الهندسة٬ جامعة عين شمس، تتابع مشروع تخرجها مع مدرس مساعد بالكلية، وأثناء متابعة المشروع٬ اكتشفت إيمان أن المدرس المساعد يقف أمامها وقد أخرج عضوه الذكري من ملابسه، حسبما قالت إيمان لـ«مدى مصر»، ونشرت لاحقًا تفاصيل الواقعة على فيسبوك. تقول إيمان «أنا كنت أول مرة أتعرض لده ومكنتش عارفة أعمل إيه، كلمت دكتورة في الكلية بثق فيها، قالتلي لازم تقدمي شكوى. راحت أستاذتي أتكلمت مع رئيسة القسم اللي كان ردها أن الموضوع هيكون كلامي قصاد كلامه». بحثت إيمان عن ضحايا/ناجيات أخريات، ووجدت زميلة أخرى تعرضت لنفس الأمر، وقررت الفتاتان التقدم بشكوى، في يوليو من نفس العام.

رحلة إيمان منذ تقديمها الشكوى في يوليو 2019 حتى أغسطس 2020 تكشف جانبًا كبيرًا عن مدى فعالية سياسات مكافحات التحرش في الجامعات.

خلال أكثر من عام استمع القسم إلى تفاصيل شكواها مرة واحدة واستمعت إليها الشؤون القانونية مرة ثانية، وذلك في الشهر الذي قدمت فيه الشكوى، ولم ينظر في الشكوى بجدية، لكن حين نشرت الواقعة التي جرت معها على صفحتها على فيسبوك، في نوفمبر 2019، اتصل بها الجميع للجلوس معها. وفي اليوم التالي أجري تحقيقًا مطولًا معها وزميلتها بحضور نائب رئيس الجامعة ورئيسة وحدة مناهضة التحرش والعنف ضد المرأة بالجامعة. تقول إيمان «السرعة دي مكانتش عشانا ولا عشان باقي الطالبات كانت عشان الفضيحة». وفي اليوم التالي٫ أصدرت الكلية بيانًا بحفظ التحقيق، موضحة أن جهة أخرى تحقق بالجامعة.

هذه الجهة الأخرى لم تتواصل مع إيمان حتى مايو الماضي حين استدعيت للتحقيق في الجامعة. كانت اللجنة مكونة من أستاذ بكلية حقوق ونائب رئيس الجامعة وشخص ثالث لم يعرف نفسه. تحكي إيمان عن التحقيق الذي غابت عنه أي ممثلة عن وحدة مناهضة التحرش. «كانت المعاملة سيئة جدًا في التحقيق. يسألوني إيه اللي حصل بالظبط فأقولهم مكتوب في الشكوى. وأقولهم ده كسر حياء بنت، فيقولولي إنتي اللي كسرتني حياءنا كلنا. من كتر الإحراج عيطت، واستمر كلام من نوعية، اللي بتقوليه ده مش منطقي أنا راجل ومش هأفكر في السيكو بيكو وأركز في الشغل». علمت إيمان بالصدفة في يوليو 2020 أن التحقيق انتهى إلى براءته واستمراره في عمله، دون إبلاغها. أرسلت إيمان شكوى إلكترونية للمجلس القومي للمرأة في يوليو الماضي، «وما شافوش الرسالة»، تقول إيمان.

جامعة عين شمس هي واحدة من 23 جامعة بها وحدات لمناهضة التحرش أنشأها المجلس القومي للمرأة، كان آخرها الإعلان عن تدشين وحدة لمناهضة العنف ضد المرأة في جامعة بني سويف في الثالث من نوفمبر الجاري.

عدالة بطيئة وغائبة

أثارت الحملات الأخيرة الخاصة بفضح وقائع عنف جنسي أسئلة حول التعامل مع هذه الوقائع داخل المؤسسات٬ خاصة تلك المتوقع منها أن يكون لديها الوعي بهذه القضية: الجامعات٬ ومؤسسات العمل المدني٬ والأحزاب.. إلخ. وعند مراجعة وقائع مختلفة في أماكن مختلفة٬ وجدنا أنفسنا أمام تحديات هامة في التعامل المؤسسي مع حوادث العنف الجنسي٬ لا سيما في الأماكن الأكثر وعيًا٬ والأكثر تقدمية٬ والأسبق في تبني سياسات مناهضة.

الجامعة الأمريكية في القاهرة لديها أيضًا سياسة لمكافحة التحرش والتمييز. كان أحمد بسام زكي، المتهم بالاعتداء جنسيًا على عدد من الفتيات، وتجري محاكمته حاليًا، طالبًا في الجامعة، وشملت بعض شهادات العنف الجنسي ضده طالبات بالجامعة. ورغم ذلك٬ فإن الجامعة لم تتخذ إجراء ضده. بعد ظهور الشهادات على صفحة «Assault Police»، وهي صفحة أُنشئت على انستجرام يوليو الماضي لعرض أدلة وشهادات على عنف جنسي من تحرش واغتصاب ضد بسام زكي، واستمرت لاحقًا في نشر شهادات عنف جنسي أخرى مثل قضية «اغتصاب فيرمونت»، اكتفت الجامعة الأمريكية بإصدار بيان في الثاني من يوليو، لم تنف فيه ورود شكاوى إليها عن اعتداءات جنسية ولم تؤكده، بل دافعت عن نفسها، ذاكرة أن «أحمد بسام زكي ليس طالبًا حاليًا بالجامعة حيث إنه قد غادرها عام 2018. وإذ تؤكد الجامعة الأمريكية بالقاهرة أنها لا تتسامح إطلاقًا مع التحرش الجنسي وتلتزم بالحفاظ على بيئة آمنة لجميع أفراد مجتمع الجامعة».

تواصل «مدى مصر» مع إدارة الجامعة الأمريكية، وأرسلت لنا المسؤولة الإعلامية بالجامعة، دينا راشد، رد الجامعة الرسمي على أسئلتنا. وقالت راشد إن السياسة الحالية أقرت في 2019، وهي أكثر تشديدًا وتشمل إدعاءات التحرش داخل الجامعة أو الفعاليات التي تنظمها الجامعة، بصرف النظر عن موقعها، موضحة أن الجامعة لطالما كانت لديها سياسة لمكافحة التحرش والتمييز. وأضافت ردًا على سؤال حول ما فعلته الجامعة تجاه شهادات التحرش ضد بسام زكي، أن الجامعة لديها نظام إلكتروني سري لتقديم الشكاوى رسميًا، وأنها لا تستطيع الإفصاح عن أي تحقيقات سابقة، كما أنها لا تستطيع التحقيق في شكاوى شفهية أو إلكترونية غير رسمية. تزامنًا مع قضية أحمد بسام زكي، اتخذت الجامعة عددًا من الإجراءات، بحسب راشد، منها رفع المكتب المسؤول عن الشكاوى ليصبح مكتبًا للمساواة المؤسسية تحت إشراف رئيس الجامعة مباشرة، بالإضافة لفرض تدريب لكل العاملين لمواجهة التحرش، إلى جانب استضافة الجامعة عدد من المناقشات والضيوف مثل رئيس المجلس القومي للمرأة مايا مرسي، لرفع الوعي. وعن عدم فعالية السياسة السابقة٬ قالت راشد إن الجامعة تحسن وتشدد من السياسات والاجراءات الحالية خاصة أن هناك كثيرين في مجتمع الجامعة ليس لديهم الوعي الكافي بسياسات الجامعة.

الحالات السابقة في الجامعات أشارت إلى أن وجود سياسة مناهضة للعنف الجنسي؛ لا يمثل ضمانًا لإدانة متهمين بالعنف الجنسي. التحدي موجود أيضًا بطبيعة الحال عندما لا يكون هناك سياسات في المقام الأول٬ ويفجر الاحتياج لها خروج الناجيات/الضحايا للعلن بشكاوهن.

وجود سياسة مناهضة للعنف الجنسي لا يمثل ضمانًا

في يوليو الماضي، خرجت شهادة من الباحثة الحقوقية إسراء سراج ضد محمد ناجي، مدير وحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، نشرتها عبر فيسبوك، وجاء فيها إنها تعرّضت لـ«اعتداء بدني» قبل خمس سنوات، تبعه تهديد وترهيب من قِبل ناجي إذا ما أثارت الموضوع، وأنها بدأت منذ الخامس من يوليو الماضي تجميع شهادات من نساء أخريات تعرضن للاعتداء من نفس الشخص. وفي خطوة استباقية٬ نشر ناجي ما أسماه «اعتذار» على صفحته على فيسبوك، قبل حذف حسابه، وفي هذا الاعتذار اعترف ناجي باعتدائه جنسيًا على بعض النساء. وفي التاسع من يوليو٬ أعلنت «حرية الفكر والتعبير» عن فصل ناجي بعد اعترافه عبر فيسبوك بارتكاب انتهاكات وجرائم جنسية عديدة تجاه عدد من النساء، كما وعدت المؤسسة بإجراء تحقيق في «مدى استغلال ناجي لعمله بالمؤسسة في القيام بالانتهاكات والجرائم الجنسية»، ثم أعلنت المؤسسة عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول أي اتهامات بالانتهاكات الجنسية أو التجاوزات الإدارية داخل المؤسسة أو من جانب العاملين فيها حاليًا أو سابقًا، مضيفة أنها تبنت سياسة مؤقتة لمواجهة التحرش الجنسي والتمييز، تتبعهامؤسسة شقيقة٬ المبادرة المصرية للحقوق الشخصية٬ لحين الانتهاء من سياسات داخلية خاصة بها.

محمد عبدالسلام، المدير التنفيذي للمؤسسة، والذي تولى منصبه بداية العام الجاري، أوضح لـ«مدى مصر» أن البيان تضمن التسريع بكتابة سياسة لمكافحة التحرش الجنسي، مضيفًا أن المؤسسة شكلت لجنة قبل واقعة ناجي بهدف كتابة مسودة، نافيًا أن يكون التفكير في السياسة جاء تحت ضغط نشر الشهادات. بينما التبني المؤقت لسياسة «المبادرة المصرية» فهو للتعامل مع أي شكاوى لحين انتهاء المؤسسة من بناء سياستها، التي لا تزال خاضعة للمناقشة داخليًا، وتجرى بمساعدة خبيرة في النوع الاجتماعي. وفيما يخص اللجنة، فهي تنظر حاليًا في شكاوى سابقة وحالية، وستكون توصياتها ملزمة للإدارة، كما أن تلك التوصيات ستساعد في كتابة السياسة، بحسب عبدالسلام.

الواقعة التي نشرت عنها إسراء لم تكن بالفعل الوحيدة بالمؤسسة الحقوقية. فليلى*٬ إحدى العاملات السابقات بالمؤسسة٬ بدأت العمل بها نهاية 2017، وفي بداية 2018 وأثناء تجمع سنوي لفريق المؤسسة خارج القاهرة، لاحظت أن زميلة لها تتعرض للتحرش من قبل مديرها المباشر. تقول ليلى لـ «مدى مصر» إنها بعد الواقعة٬ تقدمت هي وزميلتها الضحية/الناجية بشكوى للإدارة. بحسب ليلى، لم يكن هناك في المؤسسة سياسة لمكافحة التحرش ولا حتى لائحة داخلية. تضيف «قالولي عندنا لايحة بس مش عارفين هي فين». بعد الشكوى٬ قرر المدير التنفيذي أن يستمع للزميلات في المؤسسة، واتضح أن هناك حوادث مماثلة مع الشخص المتهم وأشخاص آخرين في المؤسسة. وتحكي لـ«مدى مصر» أن المدير التنفيذي حينها «جاب الشخص المتهم اللي مقالش حاجة غير أنا عندي ولاد ومتجوز واللي بتعملوه ده هيضيع مستقبلي. بعدها المدير التنفيذي قالنا إن الشخص اتجازى. طلبنا نتيجة التحقيق طالما اتضح أن الشخص مدان، فاتقالنا إننا دبحناه ودبحنا سمعته. وطلبنا سياسة لمكافحة التحرش، ومتعملتش لغاية دلوقتي. الشخص ده موجود في المؤسسة لغاية دلوقتي، وكان العقاب هو خصم من المرتب». بحسب ليلى، تبع ذلك إساءة استخدام المنصب من قبل المدير التنفيذي تجاه الشاكية، بأن قال لها في إحدى المرات، تزامنا مع التحقيقات «أنا ممكن ماخليكيش تشتغلي تاني في حتة، ممكن ماخليكيش تعرفي تنامي»، وفي أثناء التحقيقات أيضًا قال المدير التنفيذي أيضًا للشاهدة «مش الأمن اللي هيقفل المؤسسة، النسويات اللي هيقفلوها». استقالت الشاكية بنهاية المطاف، خاصة بعد اتهامها بالصراخ في المدير، بحسب ليلى، بيئة العمل بالمؤسسة كانت بها مشكلات عديدة.

تضيف ليلى أنه بعد أن تركت الضحية/الناجية العمل، حاولت التواصل مع أعضاء بمجلس أمناء المؤسسة واللجنة الاستشارية، وكان الاقتراح من قبلهم أن يعتذر لها المدير التنفيذي، ولم يتم اتخاذ خطوات أخرى. لم يعتذر المدير التنفيذي أيضًا. مع الإعلان عن لجنة التحقيق مؤخرًا، تم استدعاء ليلى للتحقيق، في أغسطس الماضي، في الشكوى القديمة ورغم عدم وجود تحفظات لدى ليلى على اللجنة المشكلة، لكنها لم تشعر بجدية الخطوة من قبل المؤسسة، معتبرة أن التحرك جاء فقط بعد شعورهم أنهم في طريق السقوط.

يوضح عبدالسلام أنه كانت هناك مشكلة في بيئة العمل بالمؤسسة، تعود إلى ثقافة سائدة بقوة العلاقات الشخصية في المؤسسة، وبالتالي عدم الحاجة لوضع قواعد وسياسات منظمة لعلاقات العمل، وما تحاول المؤسسة عمله حاليًا هو وضع قواعد وسياسات تنظم علاقات العمل بما يحمي كل العاملين والعاملات.

كانت الشكاوى هي الدافع لوجود سياسات مواجهة التحرش

في عام 2018 أيضًا٬ ظهرت إلى العلن اتهامات بالاعتداء الجنسي ضد المحامي محمود بلال، وهو عضو بحزب العيش والحرية تحت التأسيس، وهو حزب يساري يتبنى قيم الثورة المصرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والقضاء على التمييز، ووجه اتهام بالتحرش إلى عضو آخر مؤسس بالحزب، وهو المحامي والمرشح السابق للرئاسة خالد علي. استقال العضوين من الحزب، وقدم علي اعتذارًا علنيًا للشاكية. تقول وكيل الحزب إلهام عيداروس لـ«مدى مصر» إن تلك القضية كانت زلزالًأ حقيقيًا داخل الحركة الديمقراطية، وأجبرت الجميع على الجلوس معا لتعريف العنف الجنسي وآليات العدالة. تضيف أن مفهوم العدالة تطبيقه صعب ومركب في قضايا العنف الجنسي، لأن لها خصوصية، كما أن في المؤسسات العقوبات تأديبية وليست استنساخ للعقوبات الجنائية. الحزب أجرى تحقيقًا برأ علي واتهم بلال بأنه قام بـ«سلوك مشين»

طرحت سياسة مكافحة التحرش داخل حزب العيش والحرية في 2014 بعد حادثة تحرش جماعي في جامعة القاهرة، ثم طرحت مجددًا، بحسب عيداروس، في 2018 مع القضية الأخيرة. تضيف أنه لم يطلب من الحزب التدخل في القضية، ولكن حين علموا بالأمر كان عليهم مسؤولية التدخل. توضح عيداروس أن التدخل كان عبر الاستعانة بـ «ناس في المجال النسوي عشان يحطوا معايير للتحقيق (لجنة مستقلة من الخبراء)» لكن اللجنة والحزب فشلوا في إشراك صاحبة الشكوى في التحقيق. تضيف عيداروس «إحنا مسؤوليتنا كانت في البطء في المواجهة، والتكتم الشديد اللي أدى انطباع أننا مطنشين. فعلى ما قلنا، كانوا أنصار البنت فقدوا الثقة فينا. الناس اتعاملوا معانا، أننا عملنا التحقيق لما اتزنقنا. كمان كان عندنا مشكلة أن البيان كان فيه رسائل متناقضة ولم يوضح إشكالية التحقيق ولا نتيجته، لأن التحقيق لم يصل إلى نتائج قاطعة». تقول عيداروس «خلال وبعد التحقيق فيه ناس كتير استقالوا من الحزب، بعضهم شاف أننا خضعنا لابتزاز، والبعض التاني شاف أن التحقيق غير نزيه». أعلن الحزب عن سياسته لمواجهة التحرش في مارس 2020.

هل قمع الدولة يعيق وجود الإنصاف؟

في كل ما سبق الإشارة إليه٬ كان المحرك لهذه القضايا في رأي الأكاديمية المتخصصة في العلوم السياسية وحقوق المرأة٬ هند أحمد زكي، هو آلية الفضح، التي كانت السبب في أن نبحث الآن عن سياسات وآليات، لأنها خلقت ارتباكًا. تضيف زكي أن الشهادات لا تهدف فقط للعدالة، في بعض الأحيان تكون للتعافي والإحساس بالكرامة، أو لتوجيه رسالة أن هذه الأفعال يجب أن تتوقف، أو أن تغييرًا ثقافيًا واجتماعيًا يجب أن يحدث في العلاقات بين الجنسين.

توضح زكي لـ«مدى مصر» أنه يجب أن يكون هناك لوائح للعنف ضد النساء في المؤسسات، وهي  ليست بديلة عن سياسات الدول. مؤسسات العمل والصحافة والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والأحزاب لا تعيش في فقاعة، تخضع للوائح وقوانين الدولة، حتى إن كانت الدولة تضيق عليها. «لو حصلت جريمة قتل أي مؤسسة هتخضع لقانون العقوبات»، تضيف زكي، موضحة أنه رغم التعديلات على قوانين العقوبات التي عادة ما تحدث تحت ضغط، إلا أن مصر لا تزال في حاجة لقانون شامل لمناهضة العنف الجنسي، وأن يكون القانون مرجعية لكل المؤسسات. تقول «مصر مافيهاش قوانين وسياسات ليها علاقة بالمرأة».

ولكن كيف للعدالة أن تكون في سياقات تتقاطع فيها إشكاليات هيكلية في فهم العنف ضد المرأة حتى داخل الجماعات الأكثر تقدمية٬ مع إشكاليات قمع الدولة الموجه لتلك الجماعات؟

بحسب عيداروس، في المؤسسات الحزبية والحقوقية٬ هناك ضغط على الضحية لعدم اللجوء للدولة بسبب عدم حياد الدولة مع المؤسسة التي تعمل بها أو الحزب الذي تنتمي له. تقول «أول حاجة هتبقى بتعترف على نفسها وممكن تحس كأنها بتبلغ عن جماعتها، وده قد يستغل ضد الضحية من قبل الدولة اللي هتتعامل مع الضحايا دول أنهم مش بناتنا. غير الضغط الشديد والابتزاز من الدولة بيبقى فيه ضغط كمان من زمايلها باسم الرفاقة والمعارضة وعدم تدمير المجتمع الحقوقي. كمان بيكون فيه خوف عند البنات من الحكم الأخلاقي والسياسي عليهم، أو يتقال عليها أمن أو بتساعد الأمن». وتضيف «بسبب الموضوع، مش البنت، هي ملهاش ذنب، اترفعت قضية لحل وحظر حزب العيش والحرية بقالها سنتين، رغم أن الواقعة لم تحدث في الحزب والشخص المتهم استقال. مش ده ممكن يخوف زميلات أخريات عندهن شكاوى من اللجوء للدولة لأنها طرف غير محايد؟ مش الحل أن البنات تسكت بل أن الأماكن تكون أكثر أمانًا وأكثر حسمًا في توفير العدالة للستات جوة المؤسسات».

أما زكي فتوكد أنه بسبب أن الدولة قمعية، كل شيء يمكن تسييسه، وتضيف «هل إحنا ممكن نضمن عدم تسييس قضايا ضد رموز في المعارضة؟ لأ. هل ده ممكن يستخدم للتنكيل بهم؟ آه. لكن هل نبطل نتهمهم؟ لأ». تضيف «اتهام الناجيات أنهم من أضر باليسار المصري، دلوقتي فيه اعتقاد من الأجيال الأصغر أن سؤال النساء مش مهم عند اليسار وأنهم مرتع للتحرش، وده أضر بسمعة الحركات التقدمية وهتحتاج كتير لتصليحها».

ليس بالبيئة التشريعية فقط تحل مشاكل الناجيات

ومن هنا يأتي الاحتياج لسياسات وممارسات داخل المؤسسات تضمن العدالة بقدر الإمكان. بدأ العمل على سياسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 2015، وتم تطويرها والحصول على توافق عليها من العاملين. تقول لبنى درويش٬ مسؤولة ملف النوع الاجتماعي وقضايا النساء بالمبادرة٬ أنه لا يوجد ما يسمى بسياسة صحيحة أو سياسة خاطئة، بل أنه لا يوجد سياسة نهائية، لأنها عملية تعلم ومراجعة جمعية وبطيئة تخضع للتجربة، وتخضع للالتزام بها بشكل حقيقي وتقدمي. فالأمر يحتاج توافق من العاملين وليس «عملنا سياسة الحمد لله».

الخطر في رأي درويش يكمن في السياسات الصورية. تضيف «لو عندنا أفضل سياسة في العالم، لكن الرجالة مهيمنة ومفيش تنوع، إيه فايدتها؟ قدرتنا على مواجهة التمييز والعنف الجنسي مش هتتحقق بس بسياسات لكن بشكل أوسع بيشمل علاقات العمل والمساواة. إزاي الأماكن دي عادلة للنساء؟ فيها تنوع؟ فيها ستات في مناصب مختلفة؟ وفيها مرتبات متساوية؟». وبشكل عام، دون الحديث عن مؤسسات بعينها، وتضيف درويش أن كل المؤسسات التي تتعامل بطريقة «إدارة الأزمة» تفشل، وفي المقابل حين يكون الالتزام حقيقي لضمان عدم تكرار الحوادث والأخطاء، وتكون العملية منصفة ومرضية للشاكية وتدفعها للثقة، تكون لحظة التغيير حقيقية.

«أي حد هيقول إنه بيعمل سياسة، هشجعه وهفترض حسن النية حتى يثبت العكس، وهيظل التطبيق العملي هو المحك» تقول المحامية الحقوقية عزة سليمان، موضحة أن غياب سياسات مكافحة التحرش والتمييز في المؤسسات الحقوقية مرتبط بدولة القانون بشكل عام، مضيفة أننا في إطار نظام متهلهل وبه عدم جدوى دولة القانون، وانعكس هذا أيضًا على المؤسسات الخاصة، فأصبح الفاعلون فيها أيضًا مهلهلين ولا يؤمنوا بسيادة القانون. فالقوانين والسياسات في رأي سليمان هي أدوات، فإن لم يكن هناك تفعيل لها وإجراءات تتخذ وفقًا لها، لن تطبق. تضيف «لو عاملة قانون ودستور بيدعموا الستات وضد التمييز أو سياسة بدون تهيئة الناس لمحاربة الموضوع على أرض الواقع، مفيش حاجة هتتطبق. فيه ثقافة مجتمعية تؤدي للتمييز وتمجد غياب العدالة وغياب دولة القانون».

تعود درويش لتؤكد أن هناك مسؤولية جماعية في إتاحة كل الخيارات للنساء اللاتي تعرضن لتجربة عنف جنسي، هذه الخيارات قد تكون أدوات الدولة، أدوات مؤسسية، أو أداة الإنترنت بالفضح بشكل مجهل أو بشكل غير مجهل. «مش من حقي أقول للستات لو عندي سياسة، إنهم مايلجأوش لوسيلة تانية، إحنا شفنا التمن اللي بتدفعه الستات لما بيقرروا يتكلموا، مش بس التشهير لكن كمان الأثر النفسي. الكتابة والفضح مش حل مؤقت لغاية ما يبقى عندنا سياسات، هو اختيار من ضمن الاختيارات ومن حقهم كل الاختيارات تكون متاحة».

*اسم مستعار

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن