أزمة رفعت
 
 

* هذا المقال مليء بالسبويلرز.

بعد انتظار طويل شاهدنا أخيرًا مسلسل «ما وراء الطبيعة» الذي أنتجته شبكة «نتفليكس». والمسلسل انتظره الكثيرون لعدة أسباب رئيسية منها شهرة الكاتب وشعبيته، وخصوصًا بين جيل مشاهدي «نتفليكس» (مواليد الثمانينيات ممن قرأوا مجموعة «ما وراء الطبيعة» صغارًا واليوم يمكنهم دفع اشتراك الشبكة) وجمهور الممثل الرئيسي أحمد أمين، وهو أيضًا ذو شعبية واسعة، والمخرج عمرو سلامة. وهذا الثلاثي يجمع فئات مختلفة من المشاهدين المحتملين، ضامنًا له شعبية جاهزة، قبل حتى أن يقدم أي شهادات بجودته. بالإضافة إلى أن كون المسلسل أول إنتاجات «نتفليكس» في مصر هو عنصر جذب في حد ذاته، وهو سبب وحده يجعل الكثيرون مهتمون بمشاهدته. وتعطيه «نتفليكس» ميزة ترويجية، بدفعه عبر منصتها بكثير من الدعاية والترشيح لمستخدميها.

عند إنتاج عمل سينمائي بصري من صنف الفانتازيا والتشويق والرعب، الذي سبق وتكرر نجاحه مع منصات البث، وجب اختيار رواية مصرية تجذب هذه الكتلة الجماهيرية بمنتَج أصيل وخاص بالمنطقة جغرافيًا وثقافيًا. لا توجد نجاحات كثيرة ضمن هذا الصنف أدبيًا تضاهي النجاح الاستثنائي لسلسلة «ما وراء الطبيعة»، وهو من الأعمال النادرة التي استخدمت القصص والأساطير الشعبية في المنطقة (النداهة والعساس)، قبل أن يضطر كاتبها لتوسيع مرجعياته لتشمل تراث الرعب العالمي كذلك (ميدوسا وفرانكشتاين والمينوتور)، واستقطب كاتبها قراءه لاستكشاف هذه العوالم، باستخدامه شخصية ذات تاريخ وتفاصيل مصرية خالصة؛ الدكتور رفعت إسماعيل. 

أدناه سوف تكون هناك عدة مقارنات بين المسلسل وسلسلة «ما وراء الطبيعة»، أو رفعت إسماعيل أحمد خالد توفيق vs رفعت إسماعيل عمرو سلامة. وهنا لا أرغب في إثبات أن الكتب أحلى من المسلسل، ولا أن أشارك حملة (أنقذوا رفعت إسماعيل) من الأيادي الشريرة التي تحاول أن تلوثها، وكأن شخصه بلغ مرحلة الكمال التي لا تقبل إعادة النظر. وأتفهم فكرة الإضافة والحذف وضرورة تقييم العمل بمنأى عن الكتاب المستند عليه، وإن لم يترك لنا مؤلف المسلسل هذه الفرصة. 

صعوبات تحويل سلسلة قصصية إلى مسلسل

قبل مشاهدة المسلسل كان لديّ فضول؛ كيف سيتعامل صناع المسلسل (كاتباته وكتابه ومخرجيْه) مع بعض الصعوبات التقنية في الكتابة، والخاصة تحديدًا بتحويل النص المكتوب إلى عمل بصري، وذلك لوجود عدة مطبات محتملة. 

أي من الأعداد سوف يتم اختياره ليلائم المسلسل؟

طول كل قصة من السلسلة المنشورة محير، فالقصة الواحدة أطول من أن توضع في حلقة واحدة، ولكن أقصر من موسم كامل لمسلسل. لا يوجد بالسلسلة رواية طويلة تصلح لمسلسل كامل بدون الكثير من المط، ومن الصعب اختزال العدد الواحد في حلقة واحدة. يتم بناء الشخصيات وتطورها وعالمها خلال الكثير من الأعداد، حتى يصل إلى شكل متكامل وصوت سردي واضح. وإذا وضعت كل قصة مفردة سوف تستلزم بناءً دراميًا خاصًا لتأهيل المشاهد للارتباط بها وتصديق تفاصيلها أو إيهام نفسه للتورط عاطفيًا ومتابعة المشاهدة. في هذا الصدد، يحتاج صناع العمل -مخرج وكُتاب- مجهودًا إضافيًا لاستدراج المشاهد المصري أو العربي غير المعتاد على هذه النوعية من الأعمال.

الخط الزمني للشخصية الروائية 

في سلسلة أعداد «ما وراء الطبيعة»، التي تفوق أعدادها 80 قصة، يتشابك الدكتور رفعت إسماعيل بنفسه في 50 أو 60 قصة منها بشكل مباشر. البقية قصص وخطابات أو مكالمات تليفونية أو شخصيات أخرى تحكي قصصها للدكتور المهتم بعالم الماورائيات. 50 قصة خارقة للطبيعة ذات مسببات مختلفة تحدث لشخص هي مصادفة عجيبة، يمكن التغاضي عنها في روايات منفصلة عن بعضها، شيء مقبول في سلسلة أدبية للمراهقين، تصدر كتبها فرادى. ولكن، وضع كل ذلك في قالب قصة واحدة متماسكة يحتاج الكثير من الحذف وإيجاد منطق للمصادفات الماورائية المتكررة.

الشخصيات وعلاقتها بالجمهور المستهدف

الشخصيات في عالم ديزني، ميكي وبطوط مثلًا، يتم استخدامهم كقالب فقط لكل قصة جديدة ولا يتم الرجوع لها أو مناقشتها في القصص الجديدة، بل أن ملامح الشخصيات نفسها تتغير، وتكون قابلة حتى لتصرفات غير متسقة مع تاريخها. ميكي أحيانًا هو فأر ساذج طيب القلب، وأحيانًا محقق ذكي يساعد الشرطة في التحقيقات، وأحيانًا أخرق، وأحيانًا ذو تصرفات أخلاقية مثالية. بطوط، وإن وصل بعد تجريب إلى ملامح شخصية أوضح، كدكر بط غاضب ومقهور، إلا أنه أيضًا لا يتعلم من أخطائه من الحكايات المتكررة، ولا يثور على العم دهب ويقاطعه نهائيًا، ولا يكتب كتابه على زيزي ويمشي معها في الحلال. هو معلّق في ذلك الأثير في لحظة واحدة، بلا ماضٍ أو مستقبل، في عالم لا يشيخ فيه أحد، ولا يتعلم أحد من أخطائه. ميزة هذا الصنف أن القصص متجددة ومتنوعة وكثيرة.

من أجل التوجه لجمهور أكبر سنًا، يفضل التخلي عن الإفراط في القصص المقدمة، والتركيز على قصة واحدة بتفاصيل أكثر واقعية، وقصة دسمة ومحكمة. توجد شخصيات مثل باتمان أو تان تان أو جيمس بوند. شخصيات ذات لمحة واقعية وتاريخ شخصي يمكن تصديقها، ولكن يتم إنتاج كل مهمة لصاحبها في قصة منفردة، في عمل موحد تتطور الشخصية خلاله، كأن كل فيلم هو القصة الأولى والأخيرة والرئيسية لصاحبها، يخلق لها الكاتب عالمًا بأكمله، بتقنياته وسياساته وجغرافيته. وتطور هذا الصنف، لتصبح سلسلة باتمان مثلًا في مجموعة كريستوفر نولان ذات إسقاطات سياسية وتفاصيل تقرِّب الشخصية من الواقع.

مسلسل من ست حلقات، مدته ست ساعات تقريبًا، هل يتناوله المخرج كقصة واحدة طويلة جيدة التأسيس والحبكة؟ أم يجعلها مَعرضًا لقصص منفصلة ومختزلة بلا منطق، وفي كل منها يكون البطل بلا ذاكرة لا يتعلم ولا يتطور؟ 

قرر المخرج أن يأخذ أسوأ ما في الصنفين. أرشيف مختزل أو ملخصات قصص ذات تجميعة ومنطق مشوشين، في قالب مسلسل خيالي رعب لمشاهدين فوق 12 سنة. لا هو تنسيق قصص أطفال، ولا تنسيق أفلام تشويقية للبالغين. 

شخصية رفعت إسماعيل في المجموعة القصصية للكاتب أحمد خالد توفيق من المفترض أنها أقرب إلى تنسيق باتمان. يوجد لها تاريخ ثري وتفاصيل اجتماعية وتاريخية وثقافية منمقة، وتصدر كل قصة واحدة في كتاب واحد كوحدة متكاملة. النص المكتوب كوسيط لتداول القصة يسمح ببعض الحرية للكاتب للتركيز على تفاصيل وتهميش تفاصيل أخرى، وبناء تفاصيل العالم الموازي، على مدار السلسلة كاملة.

في المقابل، كان المسلسل متسرعًا في طرح كل أسطورة جديدة والقضاء عليها نهائيًا، خلال دقائق، بدون أي تورط للمشاهد، ليدرك المشكلة وعواقبها، ومن ثم لينتظر لحظة العدالة والخلاص من المشكلة. دقائق ولا تعاود المشكلة الظهور مجددًا. في خلال ست حلقات فقط حدث وباء عالمي وسحابة سوداء غامضة ولعنات أسطورية خلّص الدكتور رفعت إسماعيل العالم منها خلال عشر دقائق، من وقت كل حلقة، بحلول غامضة ومتسرعة.

يصادف أن تُحل كل المشاكل بأن يقوم الدكتور بدفن جثة أو حتى تحريكها من مكان لآخر. جثة الفرعون أو جثة النداهة أو جثة شيراز. بس خلاص. الحبكة غالبًا تكمن في الدفن الشرعي. لا يقدّم السيناريو والحوار أي حجة موضوعية سوى برطمة أحد الشخصيات بأن هو ده الحل، وينتهي الأمر دون اختبار بدائل. لم يتم تأسيس عالم رفعت إسماعيل على رواقة للمشاهدين، ممن لم يقرأوا الروايات بشكل متكامل ومؤهل لاستقبال قصة ما ورائية، (كما استبشرتُ أن يحدث في الحلقة الأولى). ولكن اكتفت الحلقات بمغازلة القراء السابقين وتذكيرهم بقصص يعرفونها سلفًا، برَصّْ استعراضي، وحكي متسرع، وحوارات مقتضبة، وتفاصيل شحيحة، وحبكة مختزلة. أصبحت هذه الخلطة كأنها أحداث ميكي على خلفية باتمان.

تباعًا يوجد مشكلة الفئة المستهدفة لهذا العمل. فقراء «ما وراء الطبيعة» الذي يخاطبهم العمل ويبقيهم بفعل النوستالجيا لسماع إفيهات يعرفونها ورؤية تفاصيل تخيلوها مسبقًا وينتظرونها، وهم كفئة عمرية أكبر سنًا، يبدو العمل بالنسبة لهم ساذجًا، والخدع البصرية مفضوحة وهذا العالم بأكمله ماسخ وطفولي. والمشاهدون الأصغر سنًا، الذين كانت تستهدفهم هذه المجموعة أثناء إصدارها أو يستهدفهم المسلسل الآن وقد يستهويهم عالم الماورائيات، لم تتم مخاطبتهم وتأسيس شخصيات حقيقية متكاملة يرتبطوا بها وبمخاوفهم ومصائبهم. الإفيهات يحفظها جيدًا قراء القصص، ويسدون ثغرات القصة بمعرفتهم بباقي الحدوتة وصيغتها الأطول، وهم فئة، وإن اهتمت بمشاهدة بعض حلقات المسلسل، فلن تستكمله، أما المشاهد الأصغر سنًا، فيرى مسوخًا تظهر وتختفي ولا يعرف من هو «لوسيفر» الذي أتى ذكره في النهاية كسبب لكل المصائب، أو لماذا تعد البدلة الكحلية التي تجعل الدكتور فاتنًا نكتة لمشاهدين أكبر سنًا.

صعوبات عامة تواجه إنتاج صنف الرعب والفانتازيا في الدراما المصرية

تأخر تكنولوجيا المؤثرات البصرية وانخفاض تكاليف إنتاجها في كثير من البلدان بمقارنة السينما الأمريكية، شماعة قد نعلق عليها أسباب هذا التأخر مؤقتًا. لا توجد لدينا -ولا أقصد مصر تحديدًا- رفاهية الإنتاج الأمريكي لقصص الرعب التي تستلزم تقنيات حديثة وجيشًا من المبرمجين واستوديوهات مجهزة وميزانيات ضخمة لعمل مسوخ وكائنات مخيفة. ولكن حتى كثير من المخرجين الأمريكان ليس لديهم هذه الرفاهية، ويلجأ الكثير من صناع الأفلام بدلًا من الإفراط في استخدام تقنيات الخدع البصرية إلى pschyco thriller أو الرعب النفسي. وهو إسناد عناصر الرعب في العمل على مخاوف المشاهد الشخصية والاستثمار في حالة الترقب والخوف من ظهور الوحش عن رؤية الوحش ذاته.

الاهتمام بتفاصيل واقعية لاستدراج هذا الخوف الطبيعي لدى المشاهد هو سر صنعة الرعب النفسي. وأفضل إنتاجات هوليوود، سواء تاريخيًا مثل كلاسيكيات هيتشكوك والأعمال الأولى لرومان بولانسكي، أو أفلام الرعب الحديثة ذات التقييمات النقدية والتجارية الجيدة مؤخرًا، مثل  Us وGet out وA quiet place استعاضت عن المباشرة وظهور المسوخ المشوهة بلحظات الترقب والتأسيس والبناء الدرامي المتماسك والموتر. الزهد في استخدام المؤثرات البصرية وندرة ظهور الوحش والاستثمار في القصة ومشاعر الشخصيات والتورط العاطفي معهم، بينما لحظات اللقاء مع مسبب الخوف تعد لحظات نادرة وخاطفة، مما يجعلها أكثر قيمة، وهي ما يخلق هذا النزاع النفسي في المشاهد، يأكله الفضول لرؤية المسخ، ويسعد إذا اجتنب رؤيته. بينما في «ما وراء الطبيعة» كانت كل المشاهد التي اعتمدت على ظهور المسوخ ذات إفراط مخجل، لعمل بهذا الحجم، بدون تأسيس أو رؤية لقدرة ذلك المسخ على إلحاق الضرر بأي شيء. 

العساس مثلًا، كأحد المسوخ المستخدمة كتيمة الحلقة الثالثة، وهو نسخة لا نعرف اختلافها عن أي غوريلا طبيعية، أو لماذا هي كائن أسطوري، يأتي ذكره في الحلقة ثم يظهر بعدها بدقيقتين، وخلال العشر دقائق التالية يكون الدكتور رفعت قد قابله وناوره وشقلطه وفهم مبتغاه وتخلص من مشكلته نهائيًا، بدون أي خسائر لحقت به أو بفريقه سوى أن ملابسه اتسخت بالأتربة والرمل قليلًا. ما علينا طبعًا من نقطة أن دكتور رفعت وفريقه هائمون لعدة أيام في الصحراء الليبية بلا حقائب ولا خيمة ولا زجاجة مياه ولا غيار.

على النقيض، تم اختزال كل مقومات الرعب النفسي الموجودة أساسًا في القصة مثل حكاية الطفل الذي يقتل الدجاج على السطح، والتي بها غموض وتشويق غريزي، وسؤال إذا كان الطفل ممسوس من قوة ماورائية أم أن هناك تفسيرًا علميًا ونفسيًا لتصرفاته السايكوباتية. إلا أن العمل فضّل أن يمضي في استعراض بصري مستهلَك حول العفاريت الخيالية متواضعة التنفيذ، التي إذا قورنت بمثيلتها في فيلم «كينج كونج» مثلًا، تجدها أقرب إلى خدع مسلسل «ألف ليلة وليلة» بتاع ليلى علوي والأشكيف 1989.

مقومات في القصة كان من الممكن استخدامها بدلًا من الاكتفاء بحلب النوستالجيا 

الصنف

صنف الرواية الذي يمزج بين الكوميدي والرعب مع التفاصيل الحسية والعاطفية التي تم بروزتها في المسلسل بوضع ماجي شخصية أكثر مركزية من القصص، كان واعدًا بعمل ذي تصنيف جديد وخاص. كذلك تاريخ حدوث هذه القصة في السنوات التالية للنكسة كان واعدًا بعنصر درامي قوي، ومزج متشابك ما بين أحداث القصة الخيالية وحقبة مشحونة سياسيًا وذات حضور ثقافي طاغٍ في الشارع، وحدوث غارة جوية في الحلقة الأولى وتداخلها مع أحداث القصة رفع من سقف هذه التوقعات وانتظرت منها المزيد، ولم يحدث.

قيمة النقاش حول الماورائيات والميتافيزيقا وأشباه العلوم pseudoscience اليوم تحديدًا هي نقطة قيّمة قد يطرحها المسلسل للنقاش، ويجعل من استرجاع قصص «ما وراء الطبيعة» الآن ذي أهمية جديدة. يوجد أرضية مثالية لاستضافة عمل كهذا اليوم، لمناقشة القناعات الغيبية وإعادة النظر في الثوابت وفرز صحتها، في وقت استبدلت فيه مواقع التواصل الاجتماعي دور المؤسسات العلمية والصحفية والتعليمية. من ناحية، قلّت الرقابة والتابوهات على النقاشات العامة، ومن ناحية أخرى انتشرت الأخبار الكاذبة والاستقطاب السياسي. تبدو اللحظة الراهنة مثالية لتقديم شخصية تؤْثِر التحليل والنقد والتفكير العلمي على تناقل الشائعات وترويج قصص خيالية.

هدم فكرة المنقذ والبطل المثالي، هي فكرة ضرورية أيضًا في تطور شكل الدراما في المجتمعات الديمقراطية. ورفعت إسماعيل منذ 25 عامًا حطم شيئًا من جمود هذا القالب الكلاسيكي. شخصية رفعت إسماعيل مقارنةً برجل المستحيل، أدهم صبري، أو بفريق ملف المستقبل، قدمت لأول مرة للقراء المراهقين في مصر فكرة الـantihero. لا يستلزم البطل المعاصر القوة والوسامة والصحة، يمكن أن يكون عجوز مدخن، وربما كان ذلك تطورًا كافيًا عام 1998. 

رفعت إسماعيل مع ذلك لا يزال مثاليًا، هو ليس وسيمًا، ولكنه شجاع وعقلاني ذو معرفة موسوعية، يثبت بها دائمًا أنه يعرف أكثر ممن حوله. لم أتوقع الكثير من التطوير أو معالجة الشخصية بشكل أكثر عصرية، أكثر تشاركية في البطولة واتخاذ القرارات وأكثر تواضعًا، كان كافيًا أن يظهر رفعت إسماعيل البطل الإشكالي في مسلسل تم إنتاجه 2020 بنفس نسخته القديمة من باب الأمانة الأدبية لنقل حالة القصة كما هي وقت كتابتها وقناعات كاتبها. لكن بدلًا من هذا تقهقرت شخصية رفعت إسماعيل وغابت عنها أي عقلانية، فهو يقوم طوال الوقت في المسلسل بأفعال تتناقض مع قناعته العلمية، بل وفي كل مرة تنجح هذه الأفعال في القضاء على الشرور، تأكيدًا على خطأ فرضياته العلمية وهادمة لتفكيره العقلاني ومروجة مرة أخرى لخطاب الغيبيات والتطير. نسخة رفعت 2020 احتفظت بدمامته ونزعت عنه العقلانية كذلك. فهو لا زال البطل الذكر المنقذ الأوحد، بتأييد شعبي غير مبرر وبمباركة ماورائية.

الصراع الرئيسي

بينما يتشابك دكتور رفعت مع الوحوش والمومياوات ولعنات الفراعنة كرجل علم، من المفترض أن هناك صراعًا أعمق داخل شخصه، وهذه النقطة بالنسبة لي هي الموضوع الجدير بالمناقشة وهي حبكة المسلسل الأهم؛ صراع الشخصية الرئيسية بين الإيمان بالغيبيات كمسبب ظاهري لأي حدث غامض من جهة، وتفكيره العلمي من جهة أخرى. وهو ما مهد المسلسل له في المونولوج الأول. رفعت الطبيب والمحاضر متأفف دائمًا، لأنه نظريًا محاط بالجهلة، لكن هو العاقل الذي يحاول التفكير بتروٍ ليجد حل علمي لكل مشكلة. هذه هي قيمته التي يضيفها للمتشككين والمهاويس والمتطيرين من حوله، وهي الميزة الوحيدة التي قد تجعل منه بطلًا، بدونها يفقد كل خصوصية.

شخصية هادم الأساطير هي قالب درامي دارج، الـMyth buster  كما في قصص شارلوك هولمز، الذي يواجه مشاكل معينة تبدو للوهلة الأولى بلا أي تفسير سوى الميتافيزيقا، إلا أنه رغم كل الأدلة يتمسك بتفكيره العلمي، يجادل إلى أن يجد حلًا منطقيًا للغز، ويصطدم أحيانًا بالسلطة القضائية أو الدينية ليثبت صحة حدسه. 

في الأعداد الأولى لسلسلة «ما وراء الطبيعة» كانت هناك بوادر لشخصية رفعت هادم الأساطير الذي يكتشف النصب والنصابين؛ رأس ميدوسا هي مجرد حيلة لنصاب وزوجته، ووحش لوخ نس خدعة كذلك. يقل حضور هذا الصراع في القصص تدريجيًا، في (أسطورة تختلف 43) يروي أحمد خالد توفيق على لسان أحد الشخصيات الفرعية، أن ميزة رفعت أنه متعادل، لا يسهل خداعه وفي نفس الوقت منفتح لفكرة وجود أمور خارقة.

ينتصر الكاتب أحمد خالد توفيق في النهاية في معظم القصص لصالح الفانتازي ووجود العفاريت، ربما بدافع التشويق وإثارة الرعب فقط، ولكن النتيجة هي غياب صراع العقل تدريجيًا، ثم نهائيًا يختفي ذلك التعادل والانفتاح ويصبح محض تساهل مع إعادة إنتاج واستهلاك الخرافة. حتى أن الكاتب يستسلم في كثير من الأحيان لعدم إيجاد أي مخرَج لتبرير وجود الماورائيات غير المفسرة، فينسبها جميعًا إلى أساس واحد، وينتهي به الأمر إلى أن يقرأ قرآن فينصرف العفريت (مثل أسطورة طفل آخر، التي تشبه قصة الطفل طه في المسلسل).

يُحتسب للكاتب وضعه على لسان شخصية رفعت إسماعيل الروائية الكثير من الإسنادات التاريخية والأدبية الغزيرة أثناء رواية حكايته، تعطيه وجاهة معرفية، وتعطي المجموعة قيمة جذبت حتى غير المهتمين بأدب الرعب، هذه القيمة المعلوماتية كلها تغيب عن المسلسل تمامًا، فقط يذكر الراوي قوانين «ميرفي» مرات متتالية بشكل ممل (وهي نكتة شعبية وليست مقولة غريبة ونادرة) ويكرر حكمة واحدة جوفاء (لو عقلك لاعبك…). 

في المسلسل لا نعرف إذا كان رفعت شخص مؤمن بالخرافات أو غير مؤمن بها، وكل ذلك الصراع ليس له وجود. ورفعت بدون ذلك الصراع الداخلي فهو شخص حانق فقط بلا داعٍ. ما هي ضرورته الدرامية، ولماذا كان يشخط كل مرة أمام أي تفسير ما ورائي برد فعل (إيه التخريف ده؟!)، ثم يمضي في التخريف عادي جدًا مع بقية المخرفين. هو يزدري آراء محيطيه ولا يثبت عكسها. لا يوجد سبب واضح لحنقه وتوحده، بينما يعيش بانسجام فكري تام مع محيطيه وقناعتهم. 

يكتسب هولمز أهميته بسلطته المعرفية التي تضعه فوق الجميع، تعطيه الحق في التعامل الجاف مع من حوله، وبالتالي مبررًا دراميًا لتعدد الحكايات ولرجوع محققي الشرطة للتعامل معه وطلب خدمته بالرغم من سوء خلقه، ومن هنا تتكرر اللقاءات القصصية. ولكن ماذا ينتظر الجميع من رفعت؟ لماذا لم يقم عدو الشمس بلقاء النداهة أو الراجل بتاع الفراعنة بدفن الفرعون؟ لأن رفعت وحده لديه تصريح الدخول إلى غرفة التشريح؟ أهمية رفعت أصبحت محض سلطة بيروقراطية فقط، كشخص معاه تصريح دخول المشرحة، أو سلطة حانوتي شرعي.

صراع رفعت، ظهر كخلل في الكتابة وليست عقدة لدى الشخصية الخيالية يحاول تخطيها، الكاتب لم يعد لديه اليد العليا لقدَر شخصياته، ولا يستطيع أن يبرر سلوكهم. الراوي غير مقتنع بالعفاريت ولكنه يلجأ لنفس المخرَج السهل وينسب كل الخرافات إلى «لوسيفر»، و«لوسيفر» الشيطان هو الحيطة المايلة أصل كل المشاكل، والجن موجود في القرآن. فالبطل في هذه الحالة خاضع لنفس القيود وهو مُحمل، مثل الجميع، بنفس الإرث المقدس بعالم الغيبيات الذي لا يستطيع أو لا يرغب في الصدام معه. وبلا صراع لا يوجد حبكة، رفعت ليس في رحلة من الشك لليقين أو لا هو قابل للتطور إزاء صحوة معرفية معينة. 

سبب الخلل في شخصية هادم الأساطير تحديدًا، أو كل أدب الرعب عمومًا، في المنطقة العربية في التاريخ الحديث، أن حل اللغز معروف ومتداول وزائد عن الحاجة. الشيطان أصل كل الشرور، والشيطان بنقرا له قرآن ونصرفه، فأي شخص ورع يمكن أن يبخر ويصرف العفريت، وما أكثر الورعين بالمقارنة بالعفاريت، الحل بسيط. 

ومن هنا يعتبر المسلسل، فعلًا، منتجًا أصيلًا وخاصًا بالمنطقة، جغرافيًا وثقافيًا. هو يجسد ذلك الخلل، ويبرز أهمية التشويش على أي مشكلة بالبرطمة وانتظار العدالة الإلهية تعمل الصح. فما هي أهمية أي بطل في مواجهة الماورائيات، أو أهمية رفعت إسماعيل تحديدًا؟ لماذا لا يعمل الصح من الأول؟ ولماذا لا يقوم المتضررون بعمل الصح بدون اللجوء إليه؟ ما هو سر دور رفعت المحوري في الأحداث وعنصر بطولته؟ هل لمجرد أنه الشخص الذي يصادف العفاريت ويشتبك في حكايات ميتافيزيقية بمبررات عشوائية واحدة وراء التانية، ولا يستخلص منها أي عبرة؟ ولماذا هو رفعت إسماعيل، وليس ميكي ماوس؟

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن