«بئر العبد»: اختطاف قبطي.. والعائدون لـ«المثلث اﻷخضر» يحملون السلاح لحماية قراهم
 
 

بعد نحو شهر من عودة سكان قُرى المثلث الأخضر في بئر العبد إلى منازلهم، ارتفع عدد المدنيين ضحايا العبوات الناسفة التي زرعها تنظيم «ولاية سيناء» إلى 15 قتيلًا و12 مُصابًا. رغم ذلك، استقرت الأمور المعيشية بدرجة ما في القُرى اﻷربع، مع عودة معظم الخدمات إليها، فيما سلّحت القوات المسلحة مجموعة من شباب تلك القُرى للقيام بدوريات ليلية لحماية الأطراف التي اختفى المسلحون من محيطها.

وفيما يحدث ذلك كله، دخلت مدينة بئر العبد نفسها بؤرة الأحداث مطلع اﻷسبوع الجاري، بعد اختطاف مواطن قبطي من داخل كتلتها السكنية، وهي الواقعة اﻷولى من نوعها في المدينة، وإن كانت تكرارًا لوقائع استهداف اﻷقباط التي شهدتها مناطق أخرى بمحافظة شمال سيناء على مدار السنوات الماضية.

مصادر محلية من بئر العبد قالت لـ«مدى مصر» إن المواطن، واسمه نبيل حبشي سلامة، اختُطف مساء السبت الماضي من أمام منزله، في حي الغزلان بوسط المدينة، بواسطة سيارة ملاكي بها ثلاثة مسلحين، والذين سرقوا أثناء هروبهم سيارة ربع نقل من محيط الحادث. وأضافت المصادر أن سلامة من أبناء محافظة الشرقية، غير أنه هو من بَنَى الكنيسة الوحيدة الموجودة في بئر العبد، حيث يقيم ويملك محلات مجوهرات.

وفي حين يبقى مصير سلامة مجهولًا حتى اﻵن، قال نجله إنه لا يعلم هوية الخاطفين، وأنه حرر محضرًا بعد ساعة من الواقعة، فيما لم يعلن تنظيم «ولاية سيناء» مسؤوليته عن الاختطاف.

كانت آخر حوادث استهداف الأقباط في محافظة شمال سيناء في يناير 2019، حين اختُطف مواطن في كمين لـ«ولاية سيناء» على الطريق الدولي غربي العريش، قبل أن يعلن التنظيم -لاحقًا- مسؤوليته عن اختطاف المواطن وقتله.

وسبق للتنظيم استهداف الأقباط في مدينة العريش بشكل متكرر، ما أدى لنزوح عشرات اﻷُسر القبطية عنها في مطلع 2017، قبل أن يبدأوا في العودة بحلول منتصف 2019، بعدما نجحت عملية «سيناء 2018» الشاملة في بسط سيطرة القوات المسلحة على أطراف العريش والحد من تحركات «ولاية سيناء» داخل كتلتها السكانية.

ومن مدينة بئر العبد إلى جنوبها الغربي، وتحديدًا قُرى: قاطية وإقطية والمريح والجناين، المُسماة بـ«المثلث اﻷخضر»، والتي لا يزال سكانها يحاولون استعادة حياتهم الطبيعية فيها بعد نحو شهر من العودة إليها، بعدما غادروها على خلفية انسحاب مُسلحي «ولاية سيناء» إليها، وسيطرتهم عليها، في أعقاب هجومهم على معسكر القوات المسلحة في قرية رابعة، الملاصقة للمثلث اﻷخضر. 

ما خلفه التنظيم من عبوات ناسفة مزروعة في طرقات القرى ومنازلها، بطريقة الشراك الخداعية، لا يزال هو أكبر اﻷخطار التي يواجهها سكان القرى، والتي أودت بحياة ستة أشخاص خلال اﻷسبوعين الأخيرين، ليرتفع عدد القتلى من المدنيين إلى 15، معظمهم من النساء واﻷطفال، فضلًا عن 12 مصابًا.

وفي حين قتلت الشراك الخداعية طفلًا في قرية قاطية في 21 أكتوبر الماضي، شهدت إقطية حادثة أخرى في 24 من الشهر نفسه، والتي راح ضحيتها خمس سيدات من أسرة واحدة، فقد انفجرت عبوة ناسفة في اثنتين منهن داخل منزلهن، قبل أن تنفجر عبوات أخرى في أقاربهم الذين هرعوا لنجدتهما لتقتل ثلاث سيدات أخريات، وتصيب أربعة، بحسب مصادر محلية تحدثت لـ«مدى مصر».

استمرار سقوط الضحايا المدنيين دفع اﻷهالي للتنسيق مع الإدارة الصحية في بئر العبد، والدعوة للتبرع بالدم في مستشفى المدينة، لإيجاد مخزون كافٍ في بنك الدم للمساعدة في العلاج الفوري للمصابين.

بخلاف إسقاطها هذا العدد من الضحايا، أخّرت العبوات الناسفة أيضًا بدء العام الدراسي في 17 مدرسة بقُرى المثلث اﻷخضر، بعدما أعلن محافظ شمال سيناء، محمد عبد الفضيل شوشة، عن تأجيل بدء الدراسة لمدة 14 يومًا، منذ منتصف أكتوبر الماضي، لحين تطهير المدارس من العبوات الناسفة. ورغم مرور المدة المحددة، يستمر توقف العمل في المدارس، دون إعلان رسمي عن مصير الطلاب والعام الدراسي الجاري.

مصدر محلي في إقطية قال لـ«مدى مصر» إنه جرى، اﻷسبوع الماضي، اكتشاف عبوات ناسفة في مدرسة قرية إقطية الإعدادية، فيما أشار إلى أن الأزمة تُطال طلاب المرحلتين الإعدادية والابتدائية، أما الثانوية العامة فمعظم طلابها مقيدين في مدرسة «رابعة» الثانوية.

من جانبهم، ناشد اﻷهالي رئيس الجمهورية، بتوجيه القوات المسلحة لفحص المنازل، والكشف عن المواد المُتفجّرة في أنحاء القُرى، وكذلك فرض كردون أمني على القُرى اﻷربع من اتجاه ترعة السلام، لمنع المتسللين ليلًا من زرع العبوات الناسفة.

كانت القوات المسلحة قد استبقت عودة اﻷهالي للقُرى بإقامة ارتكازين عسكريين على اثنين من كباري ترعة السلام، الواصلة بين القُرى والظهير الصحراوي الجنوبي حيث يتمركز تنظيم «ولاية سيناء»، وذلك حسبما أفادت مصادر محلية، غير أن أفراد التنظيم استمروا في الظهور المتكرر على أطراف القُرى اﻷربع خلال اﻷيام الأولى لعودة اﻷهالي، بدءًا من 10 أكتوبر الماضي، قبل أن يعاودوا الاختفاء، لتقوم القوات المسلحة بإجرائين جديدين؛ نفصّلهما تاليًا، وقد رأى اﻷهالي أحدهما كسلاح ذي حدين.

بعد أيام من العودة للقُرى الأربع، ومع اختفاء مسلحي التنظيم، وبناءً على طلب من وجهاء القبائل في تلك القرى، قامت القوات المسلحة بتسليح مجموعات من الشباب المقيمين بها، وهم من أبناء قبيلتي البياضية والسماعنة، والذين جرى اختيارهم بعناية من قِبل وجهاء القبائل والقوات المسلحة، حسبما قالت المصادر.

كما كشفت المصادر أن الدور الرئيسي لتلك المجموعات هو حماية أطراف القُرى مع تواجد أقل وسطها، على أن يبدأ نشاطهم مع آخر ضوء للنهار، ويتناوبون على دوريات طوال ساعات الليل، قبل أن يعودوا للانخراط في أعمالهم المعتادة بين اﻷهالي نهارًا دون حمل السلاح، فيما تطلب تلك المجموعات من اﻷهالي عدم الخروج من المنازل ليلًا. ومن جانبها، تكتفي القوات المسلحة بالقيام بحملات تمشيط داخل القرى بين الحين واﻵخر، دون وجود تمركزات لها في أيٍ من القُرى.

رغم قناعتهم بأهمية ذلك التوجه الجديد من التسليح اﻷهلي في حماية أملاكهم، إلا أن سكان القُرى لا يُدارون تخوفهم من تلك الخطوة، نظرًا لسابقة استهداف التنظيم عدد من القُرى التي كان يتعاون سكانها مع القوات المسلحة، خاصة في الشيخ زويد. 

الإجراء الثاني الذي أقدمت عليه القوات المسلحة، بموافقة أهالي القرى، كان منع تسكين أي أفراد سوى أهل القُرى اﻷصليين فقط، وتحديدًا منع عودة النازحين القادمين من مدينتي رفح والشيخ زويد، والذين كانوا قد أقاموا تجمعات في القرى اﻷربع، وهو القرار الذي أوضحت المصادر المحلية أنه جاء بعد تأكد معاونة بعض هؤلاء النازحين لتنظيم «ولاية سيناء» خلال الفترة الماضية، خاصة وأن القوات المسلحة اكتشفت في تجمعات النازحين خزانات تحوي كميات كبيرة من المواد الغذائية، يُعتقد أنه جرى شراؤها بتعليمات وتمويل من التنظيم.

ما قامت به القوات المسلحة لم يكن التحرك الرسمي الوحيد الذي شهدته قُرى بئر العبد، فقامت الجهات التنفيذية بإعادة تشغيل وحدتي الجناين ورابعة الصحيتين، والدفع بأطقمها الطبية، بالإضافة إلى نجاح اﻷطقم الفنية في إعادة عمل شبكة الكهرباء وإصلاح سنترال قرية قاطية، الذي يخدم قُرى المثلث اﻷخضر اﻷربع، فضلًا عن تشغيل المواصلات من وإلى تلك القُرى.

من جانبهم بدأ السكان في استعادة ملامح من حياتهم الطبيعية، حيث أقاموا صلاة الجمعة خلال اﻷسابيع الماضية في المساجد الرئيسية بالقرى، التي شهدت أيضًا عودة إقامة اﻷسواق اﻷسبوعية، وأهمها سوقي قريتي قاطية ورابعة، وهي الأسواق التي تمثّل المصدر الرئيسي لجميع أنواع الطعام للسكان.

كما تلقى أصحاب المحلات في الشارع التجاري بقرية رابعة وعودًا من قوات اﻷمن بالسماح لهم بالعمل مجددًا في وقت قريب، بعدما سُمح لهم بتنظيف الشارع والمحلات، وهي المنطقة الملاصقة لمعسكر القوات المسلحة في القرية، والتي كانت اﻷكثر تضررًا من هجوم تنظيم «ولاية سيناء» في يوليو الماضي.

وفي حين شهدت اﻷيام الأولى من العودة إقامة العديد من اﻷسر في منازلهم بشكل جزئي فقط، عبر التواجد فيها نهارًا، ثم الخروج إلى قرى قريبة أكثر أمانًا في الليل، أدّت تلك المجهودات الرسمية واﻷهلية لتغيير واقع القُرى بدرجة ما، بعدما تحوّل بعضها إلى الإقامة الكاملة، خاصة في ضوء استعادة التواصل مع ذويهم خارج المثلث الأخضر.

غير أن تلك المجهودات لم تمنع حالة الخوف التي يحيا فيها اﻷهالي، مع استمرار سقوط ضحايا العبوات الناسفة، مع خوف أكبر تجاه اﻷطفال الذين تنفجر فيهم تلك العبوات أثناء لهوهم في طرقات القُرى أو مزارعها.

وبخلاف هذا الخطر الدائم، تبقى استعادة المرافق والخدمات بلا نفع للأسر التي تعرّضت منازلها للانهيار الكلي أو الجزئي، جراء الاشتباكات المسلحة التي شهدتها القُرى، والذين ينتظرون تعويضات مالية من المحافظة، التي لم تصدر -حتى اﻵن- أي بيانات بخصوص قيمة التعويض أو موعد دفعه.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن