مصر في مواجهة تحولات «العثمانية الجديدة»

بين عامي 1999 و2009، وبين القاهرة وفرانكفورت، أتاح لي العمل الصحفي اللقاء بثلاثة وزراء خارجية أتراك هم على التوالي السادة: إسماعيل جم (من حزب اليسار الديمقراطي) وزير الخارجية في آخر حكومات بولنت أجاويد، ويشار ياكيش، أول وزراء خارجية حكومة العدالة والتنمية، حين كان يرأس الحكومة عبدالله جول في انتظار تسوية المشكلة القضائية التي أجلت تولي رجب طيب أردوغان رئاسة الحكومة، والثالث هو أحمد داوود أوغلو، الذي خلف جول في وزارة الخارجية حين أُختير الأخير رئيسًا للدولة. وكنت قد التقيت ياكيش عدة مرات حين كان يعمل سفيرًا لبلاده في القاهرة، قبل أن يعتزل الدبلوماسية وينخرط في السياسات الحزبية، كما التقيته في فرانكفورت غداة تأسيس حزب العدالة والتنمية، وقبيل فوزه الانتخابي الأول عام 2002.

في ذلك العقد الممتد من 1999 حتى 2009 كانت العلاقات المصرية التركية مستمرة في التحسن والتوسع في المجالات كافة. وكان هؤلاء المسؤولون الأتراك الكبار جميعًا يتحدثون بتفاؤل كبير، بل وبابتهاج واضح عن هذه العلاقات، وقد سمعت عبارة واحدة تتكرر على ألسنة الثلاثة تأكيدًا لعقيدة الأتراك الراسخة بضرورة التعاون الوثيق مع مصر، وللمكانة الخاصة لمصر عاطفيًا لدى الشعب التركي، كانت العبارة هي أن الأتراك وُجدوا في مصر قبل أن توجد تركيا، بل وقبل أن يوجدوا في تركيا نفسها، وأن أول دول الأتراك لم تظهر في آسيا، وإنما ظهرت في مصر، ويقصدون الدولة الطولونية ثم الإخشيدية، اللتين سبقتا قيام دويلات الأتراك السلاجقة في آسيا الغربية والمشرق العربي بقرون من الزمان، ومن ثم قبل ظهور العثمانيين بحقب مديدة.

يجب أن يكون واضحًا أن النبرة التي قيلت بها هذه العبارة من الوزراء الأتراك الثلاثة لم تنم قط عن فخر أو اعتزاز بالماضي الإمبراطوري العثماني، حين كانت مصر من ممتلكاتهم، كما لم تنم عن الإيحاء بمفاضلة من أي نوع بين البلدين لحساب بلدهم، وإلا كنت أنهيت الحديث على الفور. كان العكس هو الصحيح، فقد كانت تلك الكلمات تقال في سياق التودد إلى المصريين والاعتزاز بالصداقة مع مصر، والأمل في فتح صفحة جديدة من التعاون البناء في عموم المنطقة، وسنكتشف توًا أن هذا كله كان سابقًا على ظهور حزب العدالة والتنمية، وعلى بروز ظاهرة أردوغان، بل وسابق على مشاركة تيار الإسلام السياسي في حكم تركيا بقيادة نجم الدين أربكان. كما سنكتشف توًا أن شخصية أردوغان واختياراته السياسية وسلوكه الإقليمي هي السبب الأول في تدهور العلاقات المصرية التركية، وتحولها من الصداقة والتعاون إلى العداء، واحتمال المواجهة المسلحة في ليبيا، على نحو ما نرى الآن.

قد يكون ورود اسم إسماعيل جم ضمن وزراء الخارجية الأتراك الذين تحدثت عنهم منذ قليل دليلًًا في حد ذاته على أن الاهتمام التركي بصداقة مصر سابق على ما يسمى بـ «العثمانية الجديدة»، وهو تعبير لم يظهر إلا مع ظهور أردوغان، لكنه من ابتكار داوود أوغلو، وقُصد به في أول الأمر تصفير المشكلات التركية مع الجميع والتحول للصداقة والتعاون السلمي مع جميع الجيران، الذين كانوا يومًا ما من مكونات الإمبراطورية العثمانية البائدة. فقد كان إسماعيل جم ينتمي إلى حزب اليسار الديمقراطي كما سبق القول، وكانت الحكومة التي عمل فيها وزيرًا للخارجية حكومة يسار وسط، ومن ثم فكل الأحزاب المكونة لها معارضة أصلًا لحزب أردوغان، لكن الأكثر دلالة هو العلاقة الوطيدة بين الدولتين، وبين رئيسيهما منذ كان يحكم تركيا حزب العدالة بزعامة الراحل سليمان ديمريل، الذي ترأس الحكومة عدة مرات ثم أصبح رئيسًا للدولة حتى تقاعده.

فقد أقام ديمريل أوثق العلاقات الشخصية والسياسية مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وكان من ثمار هذه الصداقة نجاح مبارك في نزع فتيل أزمة حادة كادت أن تؤدي إلى نشوب الحرب بين تركيا وبين سوريا عام 1998؛ أقصد أزمة إيواء سوريا لعبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، ودعمها مقاتلي الحزب الذين كانوا يشنون عمليات مسلحة في الأراضى التركية. وكان قد احتشد الجيش التركي على الحدود، وهدد ديميرل علنًا باجتياحها ما لم تسلم دمشق أوجلان إلى أنقرة وتوقف دعم المقاتلين الأكراد. وكان تدخل الرئيس مبارك هو الذي أقنع ديمريل بالاكتفاء بترحيل الزعيم الكردي من سوريا دون تسليمه إلى أنقرة، ووقف الدعم السوري لمسلحي حزب العمال الكردستاني وتوقيع اتفاق بذلك عرف بـ «اتفاق أضنة». 

ظل هذا الخط الاستراتيجي، أي توثيق العلاقات مع مصر، مطردًا مع كل الحكومات التركية التي خلفت سليمان ديمريل وحزبه. ففي وقت نجم الدين أربكان شاركت مصر وتركيا في تأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية. وفي وقت تورجوت أوزال، سواء كرئيس للحكومة أو رئيس للجمهورية التركية، توسعت العلاقات الاقتصادية (تجاريًا واستثماريًا) إلى درجة غير مسبوقة، إذ كان أوزال هو صاحب مشروع تحويل تركيا إلى يابان الشرق الأوسط، أي إلى قوة صناعية سلمية تركز على التجارة والاستثمار مع محيطها الإقليمي في الشرق، حيث الجمهوريات الآسيوية الإسلامية، وفي الجنوب حيث المشرق العربي ومصر امتدادًا إلى شمال إفريقيا.

كانت الخلفية السياسية والاستراتيجية لهذا الاهتمام التركي المتزايد والمتسارع بمصر وسائر الدول العربية، هي رفض الاتحاد الأوروبي ضم تركيا إلى عضويته بعد طول مراوغة من جانب الأوروبيين، وطول انتظار المُحب من طرف واحد من تركيا، والتضاؤل النسبي في الأهمية الاستراتيجية للموقع التركي عند أوروبا والولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، في وقت كانت روسيا فيه مترنحة ومهيضة الجناح، جنبًا إلى جنب مع زوال أسباب الخلافات الجذرية القديمة بين مصر وتركيا حول حلف بغداد والصراع مع إسرائيل، وموروثات العداء القومي العربي لتركيا في المشرق.

كان ذلك ما ورثه أردوغان وحزبه في رصيد العلاقات مع مصر حين تولى الحكم في أنقرة. ويمكن القول إن التحسن استمر حتى بعد ثورة 25 يناير في مصر وسائر ثورات الربيع العربي بقليل، فقد كان لقائي مع أحمد داود أوغلو، الذي بدا فيه متفائلًا ومبتهجًا بالعلاقات المتميزة مع مصر، في مقر سفارة بلاده على نيل الجيزة عام 2009.

عند هذه النقطة لن نتساءل لماذا انعكس هذا المسار، بحيث أن البلدين يقفان الآن على أعتاب مواجهة سياسية ساخنة قد تتحول إلى مواجهة عسكرية في ليبيا، فالأسباب معروفة وقريبة العهد، ولكن السؤال الأصح من وجهة نظري هو كيف كان يمكن تفادي هذا الانزلاق لولا سوء تعامل أردوغان مع الأوضاع في مصر والمنطقة بعد مضاعفات أحداث الربيع العربي وتعقيداتها. ثم نتساءل بعد ذلك عن الاحتمالات المختلفة لتطور الأوضاع في ليبيا بعد أن حددت مصر خطًا أحمر لتدخلها في مواجهة قوات حكومة الوفاق التي تدعمها تركيا، وبالطبع فليس من الوارد الآن التساؤل عن احتمالات عودة العلاقات المصرية التركية إلى مسار الصداقة والتعاون.

 في تقديري أنه كان يمكن لمصر تفهم رفض تركيا أردوغان لإسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين، واستقباله لقياداتهم وكوادرهم اللاجئة عنده، لو كان الرفض ظل تسجيلًا لموقف، وبقى اللجوء عملًا إنسانيًا بحتًا ولم يتحول كل ذلك إلى العداء النشط إعلاميًا وسياسيًا ودبلوماسيًا، وأخيرًا عسكريًا لمصر. ولا مجال هنا للتمييز بين مصر الدولة وبين نظام الحكم القائم، ليس فقط لأن الأغلبية الشعبية أيدت إسقاط حكم الإخوان في حينه، ولكن أيضًا لأن الوطنية المصرية والأمن القومي هما ما أصبحا على المحك، خاصة مع لهجة الوصاية والغطرسة في أحاديث أردوغان شخصيًا. 

هنا كان الاختيار الاستراتيجي سيسبق الأيديولوجي، لكن الرئيس التركي اختار العكس، ومن الواضح أن التحول إلى هذا العداء النشط لمصر كان قرارًا شخصيًا للرئيس التركي في سياق استراتيجية تدخل عدواني شاملة في المنطقة من العراق وسوريا ومصر إلى ليبيا. كذلك من المؤكد أن هذا القرار لقي معارضة قوية من أقرب معاوني أردوغان، مما أدى الى استقالتهم أو إقالتهم، وفي مقدمتهم داوود أوغلو، مُنظر سياسة «صفر مشكلات»، وعبد الله جول وآخرين، وكان هؤلاء من المؤمنين بأن استقرار الشرق الأوسط ونموه يتطلب المثابرة لبناء مثلث ذهبي بين أنقرة والقاهرة والرياض، قد يتحول إلى مربع بعد ضم إيران حين تواتي الظروف، وخوفًا من ظهور محاور بديلة كالمحور الإسرائيلي الخليجي، وذلك في وقت لا يوجد فيه، ولاينتظر أن يوجد فيه، سقف للأطماع الاستراتيجية لليمين الصهيوني المتحالف مع نظيره الأمريكي. ولكن صلف وغرور وجمود أردوغان الإيديولجى أطاح بهذه الرؤى، مع الأخذ في الاعتبار أن كل هذه التطورات في السياسة الخارجية التركية اقترنت بتطورات داخلية جوهرها تحول الرئيس التركي ونظامه إلى حالة سلطوية قريبة للغاية من الدكتاتورية، وكان ذلك من أسباب انفضاض أولئك الزملاء القدامى من حول الرجل.

وحتى إذا اقتنع البعض بأن لتركيا بعض العذر في التدخل في شمال سوريا لأسباب إنسانية تتعلق بحماية سكان مناطق السنة، حتى لا يضطروا إلى اللجوء داخل الأراضي التركية، أو لأسباب سياسية وأمنية في مواجهة تجدد العمليات الكردية المسلحة في الداخل التركي انطلاقًا من الأراضي السورية، فمن الواضح أن هذا التدخل تجاوز تلك الأعذار إلى حد يقترب من ضم أجزاء من الأراضي السورية. لكن ما هو العذر  الإنساني والسياسي للتدخل التركي المسلح في ليبيا، متضمنًا نقل كوادر إرهابية وتسليحًا مكثفًا وإقامة قواعد جوية وبحرية؟

المسألة هنا توسع محض، وطموح إمبراطوري صرف، ومن هنا فهذه ليست مشكلة مصر فقط إلا في حدود أمنها القومي، سواء ما يتعلق بالحدود، أو بتأمين حلفاء وأصدقاء في جوارها الغربي، أو في الحفاظ على نفوذ استراتيجي متوازن في المنطقة عمومًا، ولكنها أيضًا مشكلة أوروبية وأمريكية كذلك، سواء في مواجهة التوسع والطموح التركيين، وكذلك التوسع والطموح الروسيين، وهنا لابد من الانتباه إلى أن قرار أردوغان بالتدخل في ليبيا جاء بعد أسبوعين فقط من اجتماعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في البيت الأبيض في سبتمبر الماضى.

بالنظر إلى كل هذه التعقيدات، وإلى الميزة الاستراتيجية المصرية المتمثلة في الجوار البري المباشر مع ليبيا، يمكن التكهن بأن الإنذار الذي وجهه الرئيس عبدالفتاح السيسي باعتبار خط سرت الجفرة خطًا أحمر للأمن المصري سيؤدي في الأغلب إلى تجميد الموقف العسكري، وتنشيط جهود الحل السياسي، ولكن سيتعين على الجميع الانتظار حتى تنجلي نتيجة سباق انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر المقبل، للتفكير في وضع ترتيبات دائمة أو نهائية.

وأما العلاقات المصرية التركية، فالأغلب أنها لن تتطور إلى مواجهة عسكرية مفتوحة أو محدودة، لكن العودة إلى مسار الصداقة والتعاون القديم تبدو مستحيلة حاليًا، أو حتى المستقبل القريب.  

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن