هكذا ودَّعت «الإنسانية» سارة حجازي إلى منفاها الأخير
 
 
من مراسم الجنازة في كندا - المصدر: أحمد علاء
 

صباح السبت، 13 يونيو الجاري، رحلت الناشطة اليسارية الكويرية سارة حجازي في منفاها بمدينة أوشوا القريبة من تورونتو في كندا. لم يكن رحيل سارة حدثًا عابرًا، ففي خلال الأسبوعين الماضيين، نظم عدد من النشطاء العرب والمصريين وأصدقاء سارة، عدة وقفات بالشموع ومسيرات في عواصم عربية وأوروبية وأمريكية، تخليدًا لذكراها ولمسيرتها الحافلة رغم قصرها.  

كانت سارة، التي رحلت في الثلاثين من عمرها، قد قبض عليها في أكتوبر 2017، بعد أيام من رفعها علم قوس قزح، المعبر عن التنوع في الميول الجنسية، في حفل للفرقة الغنائية اللبنانية «مشروع ليلى» في القاهرة، واُتهمت بـ«بالانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون والدستور هدفها الإضرار بالسلم الاجتماعي، والترويج لأفكار هذه الجماعة من خلال طرق العلانية، والتحريض على الفسق والفجور في المجتمع». بعد الحفل قررت نقابة المهن الموسيقية منع مشروع ليلى من الغناء في مصر، بينما استهدفت الداخلية الكثيرين وألقت القبض على العشرات، بسبب ميولهم الجنسية. أُخلي سبيل سارة في يناير 2018، هي والمتهم الآخر معها في نفس القضية أحمد علاء، وسافرت كلاجئة في مارس من نفس العام إلى كندا، ولحقها أحمد في مايو، بحسب ما قاله لـ«مدى مصر». 

كان وداع سارة الأخير في مدينة ميسيساجا الكندية يوم الإثنين الماضي، 22 يونيو، الجنازة التي حضرها عدد من أصدقائها ومن بينهم أحمد، من الكنديين والمصريين المقيمين بكندا، وسوريين، ممن تفاعلت سارة مع قضيتهم، وشاركتهم وقفاتهم من أجل وطنهم الأم، ورفاق كنديين أعضاء في أحزاب شيوعية بكندا، كانت سارة قد نشطت معهم قبل رحيلها، بحسب أحمد. لاحقًا دُفنت سارة في مقابر على بعد خمسين كيلومترا من هذه المدينة، وآلاف الكيلومترات من وطنها، الذي اضطرت لمغادرته، بحسب رفيق رحلتها في القضية أحمد. 

بحسب محامي سارة وصديقها، مصطفى فؤاد، الذي كان مسؤولًا عن إجراءات الدفن، من بلد أخرى خارج مصر وكندا، دُفنت سارة في صندوق ملون بألوان قوس قزح. يضيف: «موت سارة مكانش المفروض يعدي طبيعي. حياتها كانت صاخبة، وموتها كان لازم يبقى صاخب. سارة مكانتش مجرد ناشطة في حقوق المثليين، فيه تقاطعية في النضال، هي مثلت حالة من التهميش، نضال المتوحدين، اليساريين، ونضال مجتمع الـ LGBTQ. هي حتى اختارت إنها تمشي في شهر الفخر Pride Month وده شهر مهم لمجتمعات الميم حول العالم، عشان كده اتعمل باسمها مسيرات في إيطاليا والبرازيل والفلبين وغيرها».

«قصة موت سارة، الجزء الإنساني منه، ورسالتها للعالم إنها ناقمة عليه لكن سامحته، أجبرت العالم انه يبصلها بمنحى إنساني أكتر من أنها ناشطة مثلية، التاريخ مش هيسيب سارة تروح هدر»، يقول مصطفى. 

وقفة أمستردام - المصدر: نور سادات

«أنا اسفة انك مريتي بكل ده لوحدك، بعض الأوقات بابقي عايزاكي تشيلي الماسك اللي دايما لابساه وتبقي على طبيعتك، وساعات بابقى عايزاكي تلبسيه طول الوقت لاني بحس ان نتيجته كبيرة قوي، احنا مش هنستحملها، انتي كنتي اهم حاجة عندي في الدنيا، كنتي اكتر من أخت، كنتي صديقتي الوحيدة، كنتي بطلتي، كنتي حياتي، بتمنى انك تكوني مبسوطة في المكان اللي انتي موجودة فيه دلوقتي، وأتمنى انك لقيتي النور والسلام اللي بتدوري عليهم». كانت هذه جزء من رسالة أخت سارة الصغرى، والتي قُرأت في جنازتها في كندا. 

بحسب أحمد الذي حضر الجنازة، بدأت مراسم الجنازة بمقطوعة موسيقية، طلبت سارة أن يستمع إليها أصدقائها عند وفاتها، Until The Last Moment، وإلى جانب رسالة أختها، كانت هناك رسائل عدة من أصدقاء سارة خارج كندا وداخلها، تحدثوا عن تأثير سارة القوي على حياتهم/حياتهن، بينما أوضح أحمد ما قصدته أخت سارة بالماسك أنه ماسك القوة بعكس طبيعتها المتوحدة. بسبب كورونا حضر الجنازة 35 شخصًا، وحضر الدفن 40 شخصًا، وخلال أسبوعين يضاف اسم سارة وتاريخ ميلادها ووفاتها وعبارة «ولكنى أسامح» على شاهد قبرها، بحسب أحمد.

في الرابعة من مساء الأحد 21 يونيو، تجمع حوالي 40 شخصًا في ميدان Dupont Circle بالعاصمة الأمريكية واشنطن من أجل سارة. تقول باحثة مصرية مقيمة في واشنطن، فضلت عدم ذكر اسمها، ساعدت في تنسيق الوقفة، ووقفات أخرى حول العالم، والتي دعت لها إحدى مجتمعات الميم في المدينة، لـ«مدى مصر»، إنهم استمعوا إلى أغاني أم كلثوم، التي أحبتها سارة، وقرأوا واستمعوا إلى شهادات من أصدقاء سارة، ممن لم يتمكنوا من الكتابة عنها.

قبل وقفة واشنطن بخمسة أيام، شاركت رزان غزاوي، سورية فلسطينية كويرية، وطالبة دكتوراة في جامعة ساسكس في بريطانيا، ومقيمة في شيكاغو، في عزاء أُقيم في السابعة من مساء الثلاثاء 16 يونيو، في مدينة شيكاغو الأمريكية من أجل سارة، شارك فيه حوالي 40 شخصًا. دعا للعزاء مجموعات كويرية محلية، من بينهم نور، من أصول عربية ومن مواليد مدينة شيكاغو، بحسب نور كانت الوقفة في Hyde Park وهي منطقة سوداء تاريخيًا ويسكن بها ناس مختلطي الأعراق. تضمنت الوقفة صلاة جنازة رمزية، وبعض الخطابات من المشاركين، بحسب نور. 

«خسارتها كانت حزينة في كل مكان حول العالم، فيما عدا بلدها الأم! أليس هذا حزينا! التعامل مع خسارة سارة هنا ثقيل، فالأشخاص الكويريون الذين يعيشون في مصر لا يمكنهم الحزن بشكل علني، ولا يمكنهم إظهار تألمهم لرحيل صديقة.. ماتت سارة مرات عدة قبل أن تقرر أن تنهي حياتها بيدها، ماتت حين اُعتقلت وتعرضت للتعذيب، ماتت حين اضطرت لمواجهة الوجه القبيح لرهاب المثلية المجتمعي، ماتت حين أُجبرت على مغادرة مصر تاركة أمها وأخوتها، ماتت حين رحلت والدتها وهي بعيد، ولم تتمكن من وداعها، ماتت حين وجدت نفسها في عزلة في المنفى تشاهد أصدقائها يُعتقلون ويختفون قسريًا، ماتت في بلد غريب بعيد عن الأهل والأصدقاء». هذا هو مقتطف من رسالة من إحدى صديقات سارة المقيمة في مصر، والتي قُرأت في وقفة واشنطن. 

برلين - المصدر: هالة، ناشطة كويرية

في العاصمة الألمانية برلين، تجمع ما بين مئة إلى مئتي شخص، السبت 20 يونيو، في وقفتين من أجل سارة، الأولى في Herman Plaz، وكانت سياسية بالأساس، والثانية في Rosa Luxembourg Plaz وكانت مساحة أكبر للعزاء والمواساة، وذلك بحسب هالة، ناشطة كويرية وحقوقية مصرية، مقيمة في برلين، شاركت في تنظيم الفاعلية الأولى وشاركت بالحضور في الثانية. 

في الفاعلية السياسية، قرأ المنظمون/ات مقتطفات مما كتبته سارة، وتحدثوا أيضًا عن «تواطؤ الاتحاد الأوروبي، ومنهم ألمانيا، اللي بيتكلموا عن حقوق الإنسان، لكن بيدعموا مصر. ازاي واحدة زي سارة اتبهدلت كل ده عشان حتة صورة ماسكة فيها علم وقررت تنهي حياتها في الآخر»، تقول هالة، مضيفة أن هناك أمرًا آخر هام تحدثوا عنه، وهو كيف تتعامل دول اللجوء مع لاجئين مثل سارة، ذهبوا محملين بصدمات ما بعد الكرب، موضحة أنه يجب أن تقدم هذه الدول دعمًا حقيقيًا لصحتهم النفسية، وليس بشكل patronizing، «مش بطريقة الشفقة، إنها غلبانة جاية من مصر مقهورة»، تقول هالة. 

«حين كنت في الرابعة عشر من عمري، ظننت أنني يجب أن أموت. لم أريد الموت، لكنني ظننت أن الشئ الصحيح بالنسبة لي هو الموت، ظننت أن أمي تريد لي الموت، وأن أخواتي سيفضلن موتي، وأن أصدقائي سيكونون أفضل حالا وأنا خارج دائرتهم. حين كنت في الرابعة عشرة، تحملت كل الكراهية التي يمكنني تخيلها في هذا العالم، وحملتها في نفسي كلمة كلمة، أنا غلطة، أنا إهانة للطبيعة، أنا لست على الشكل المفترض بي أن أكونه، هناك خطأ في برمجتي، فالطبيعية لا تجد طريقها إلى رأسي، يجب أن أموت، سيكون ذلك أسهل، سيجعل حياة الجميع أفضل، فمن الأنانينة أن أبقي على مشاعري وأختار الحياة، أن أتنفس، وأنني هنا أستحق كل هذا. أنا الآن في العشرين، بسيناريو معدل، فيه أمي تريد لي الحياة، وأخوتي وأصدقائي يريدون لي الحياة، وأنا أريد لنفسي الحياة، لست متأكدة من باقي العالم، لا أعرف إذا كان عماتي يريدونني حية، لا أعلم كم عدد الناس الذين سيرغبون في التعرف على جوانبي الجيدة، إن علموا أنني أحب امرأه». هذا جزء من رسالة أخرى تمت قراءتها في برلين، من واحدة من المنتمين لمجتمع الكوير، ممن لم يتمكنوا أيضًا من التعبير عن حزنهم بشكل علني. 

أما نسرين، وهي لبنانية مقيمة في هولندا، تعرف نفسها كسحاقية وعابرة، وعضو مجموعة سحاق، وهي مجموعة للاجئين/اللاجئات الكوير والعابرون/العابرات جنسيًا في هولندا، شاركت ومجموعتها في تنظيم وقفة في مدينة أمستردام، الجمعة 19يونيو، بالتعاون مع مجموعة كويريات مصريات، عند نصب Homomonument التذكاري في قلب المدينة، بمشاركة ما بين مئة ومئة وعشرين شخص، استمعوا إلى أغاني أم كلثوم ومشروع ليلى من أجل سارة، كما استمعوا إلى شهادات من مثليون/مثليات وعابرون/عابرات من مصر وفلسطين والمغرب.

«كلمات قليلة على سطح الهاتف. سارة حجازي مشيت انتحرت. كان وقعها كالصفعة. لا أذكر اليوم نفسه ولا الأيام بعدها، أذكر صباحًا منهم وأنا أستعد للخروج إلى دوامة الحياة، فيحملني جسدي مسرعًا إلى الحمام، لأتقيأ، تشبع جسدي بسم الغضب واليأس والخوف. لم تكن سارة الأولى، قبلها كان العديد من الأقربين، لم أعرف سارة ولم أحاول أن أتواصل معها، لكنني عرفت الكثير ممن رحلوا طواعية للمنفى أو للموت، عرفت من رحل أو اختطف غصبا للموت صغيرين مثلها، مثل سارة، لنودعهم في صمت، كأصدقاء، كغرباء، لا نجرؤ على الحزن والعويل عليهم كأحباء ورفقاء، نشارك الذكريات همسًا، احترامًا لحياتهم وذكراهم، احترامًا لقوة الكره، لا نرغب في توثيق ذكراهم كشواذ، كجزء من عائلة بديلة لا تزال تترك مقعدهم فارغًا». هذا جزء من شهادة قرأها أحد المشاركين الكويريين العرب في أمستردام. 

وفي بيروت، دعت سينتيا سليمان وصديق لها لوقفة صامتة بالشموع، تخليدًا لنضال سارة، يوم الإثنين 15 يونيو، أمام السفارة المصرية هناك، «اختارنا السفارة المصرية لأن سارة ما ماتتش إلا بسبب النظام الرجعي الأبوي، اللي اعتقلها لمجرد تعبيرها عن حريتها”، توضح سينتيا لـ«مدى مصر»، مضيفة أن حوالي 60 شخصًا حضروا الوقفة، ووضعوا صور لسارة على جدران السفارة الإسمنتية، قبل أن تُزال الصور في اليوم التالي.

في مقالها المنشور في «مدى مصر» في سبتمبر 2018 حكت سارة عن تعذيبها أثناء الحبس، كما حكت عن تجربة المنفى الثقيلة.  قالت: «أُصبت باكتئاب حاد واضطراب ما بعد الكرب وتوتر وقلق ونوبات فزع، مع علاج بالصدمات الكهربائية أدى إلى مشاكل بالذاكرة، قبل أن أُجبر على السفر خوفًا من الاعتقال مرة أخرى، وفي الغربة أفقد أمي، لتليها مرحلة أخرى من العلاج بالصدمات الكهربائية في تورونتو، ومحاولتا انتحار وتأتأة بالنطق وذعر وخوف ومحاولات لتجنب الحديث عن السجن، عدم القدرة على الخروج من الحجرة وتدهور أكبر في الذاكرة وتجنب الظهور وسط التجمعات والإعلام بسبب فقدان التركيز والشعور بالتيه والرغبة في الصمت، كل هذا مع الشعور بفقدان الأمل من العلاج والشفاء. هذا ما جنيته من عنف الدولة بمباركة المجتمع المتدين بطبعه». 

وفي خطاب وداع أخير، بخط يدها، نسب لسارة قبل رحيلها،  قالت: «إلى إخوتي: حاولت النجاة وفشلت، سامحوني. إلى أصدقائي: التجربة قاسية وأنا أضعف من أن أقاومها، سامحوني. إلى العالم: كنت قاسيا إلى حد عظيم، ولكني أسامح». 

«سارة اتزقت انها تسافر من أصحابها خوفا عليها، هي ماختارتش السفر، عشان كده كنا بنتخانق كتير على تسمية منفى، هي كانت معتبراه منفى، أما أنا كان بالنسبة لي بداية جديدة، فرصة أدرس وأشوف عايز أعمل إيه حتى لو كنت وما زلت تعبان ومكتئب»، يقول أحمد، مضيفًا أن وفاة والدة سارة بعد سفرها بوقت قصير كان صعبًا، يقول: «كان كسرة، ده أصعب كابوس لينا كلاجئين، أن حد عزيز يموت ومنعرفش نودعه». بحسب مصطفى، كانت سارة تريد العودة إلى مصر منذ وفاة والدتها، يقول: «كانت بتقولي اخواتي مالهمش حد غيري». 

عرف أحمد سارة في منتصف 2017، وتقابلا أكثر من مرة، قبل أن يتقابلا في الحفل، الذي حُبسا على خلفيته، يقول: «بعد الحفلة، بسبب التحريض، ناس كتير شالت صورها بالعلم، أنا سبت صورتي، واتحرض ضدي، وهي كتبت بوست دعمتني، بعدها أنا اتقبض عليا في أول اكتوبر وهي تاني يوم، ماشفتهاش غير بعد أيام في النيابة، اتكلبشنا مع بعض، وهي قالتلي ممكن أمسك إيدك، فاتطمنت وفضلنا قاعدين، وغنينا أغنية «ونعيد» لمشروع ليلى (فينا ننطر الفجر لنخلص عد النجوم..ونعيد ونعيد ونعيد.. فينا نحمل الصخر فوق الجبل ونرميه.. ونعيد ونعيد ونعيد.. فينا نفتح عينينا لما يرموا فيها تراب.. قل لهم لسا شايفين.. فينا نرفض نأكل بعض ولو الناس شافت عظامنا.. قل لهم مش جيعانين). كانت المقابلة التالية بعد ثلاثة أشهر سريعًا في جلسة بالمحكمة، ثم تقابلا بعد إخلاء سبيليهما في يناير، وكانت سارة في حال غير جيدة «كأنها كبرت 15 سنة»، ثم تقابلا مجددًا في كندا، حيث استقبلته سارة في المطار. 

في السنة ونصف الأولى، كان كلٌ منهما قريب من الآخر، جغرافيًا، بحسب أحمد، بينهما حوالي ستة محطات مترو، لكنها تنقلت بين أكثر من مدينة في الشهور الأخيرة، حتى استقرت في أوشوا. يقول مصطفى إنها كانت تشكو من الوحدة والضغط العصبي في الشهور الأخيرة، زادت معاناتها مع القلق واضطراب ما بعد الكرب، وتحولوا لآلام جسدية، ويضيف: «كانت بتقول لي انها لو كلمت كل حد من صحابها القريبين اللي برة كندا كلهم، نص ساعة، كل يوم، هيبقوا ساعتين، باقي الاتنين وعشرين ساعة في اليوم بتتألم. كان ونسها الوحيد، بحسب مصطفى، هو الوقت الذي كانت تقضيه متطوعة في إحدى دور المسنين بالمدينة التي أقامت فيها قبل رحيلها. 

بحسب أحمد، كانت سارة تبحث عن مصر في كندا، يقول: «كانت بتحاول تعمل صورة من مصر في كندا، من صحابها، من وسط البلد، من حزب العيش والحرية. سارة كان جسمها في كندا وعقلها في مصر. اتصدمت مثلا لما عرفت ان اليسار هنا مش من أولوياته قضايا العمال». يضيف أحمد أنه في كندا أرادت سارة استكمال النضال، لم تفكر في نفسها أو مستقبلها، فكرت في الآخرين، كانت مهتمة بقضايا المرأة، وذوي الاحتياجات الخاصة. يقول: «سارة كان نفسها تغير العالم القاسي اللي بنعيش فيه لكن طاقتها خلصت».

واشنطن

عرفت هالة سارة منذ 2018، إلكترونيًا، وبقيتا على تواصل، خاصة وأنها أجرت مقابلة مع سارة لرسالة الماجستير التي تكتبها هالة عن قصص وحكايات المجتمع الكويري المصري ومجتمع العابرين/العابرات تحت القمع. أثرت وفاة سارة على هالة للغاية، ودفعتها للقلق أكثر عمن لا زالوا داخل مصر من أن يواجهوا نفس المصير. أما نسرين فتقول لـ«مدى مصر»: «شاركت في تنظيم الوقفة بدافع الغضب والحزن على وفاة سارة، ولأنه حسيت بضرورة وجود مساحة عزاء للكوير والترانس من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لندعم بعضنا ولنفاخر بشذوذنا وإلحادنا في وسط مجتمعاتنا الذكورية وأنظمتنا القمعية».  

«لازم الواحد يبقى موقفه واضح في الدعم في الأوقات الفاصلة دي عشان احتماليات التغيير. قصة سارة كانت قوية جدا وفتحت حوار مجتمعي كبير بين المناصرين للحريات والمساواة بين المحافظين وكارهي الاختلاف»، توضح الباحثة المصرية بواشنطن لـ«مدى مصر»، لذلك كان مشاركتها في تنظيم الوقفة دعمًا للحريات وخاصة الأقليات التي عانت كثيرًا من الكره المجتمعي والظلم والإقصاء. بينما تقول سينتيا إن «الرابط القوي بين الناشطين في مصر وبيروت فعلًا غريب، فيه علاقة حب بتخلق بين الناس من دون حتى ما يعرفوا بعض، علاقة قوية بتخلينا نطبطب على بعض. عسى أن نحتفل سويًا بالحرية والعدالة الاجتماعية».

بينما رزان كانت بحاجة للعزاء، تقول: «انصدمت لخبر رحيل ناشطة قيادية، كان الها دور، تعبت، الرسالة كانت محفزة كتير، الخبر كان كتير سيئ، كنت بحاجة إلى مساحة أمرر من خلالها كتير مشاعر، لاحس اني جزء من جماعة، خصوصا بالمنفى، فكنت محظوظة، لاحضر العزا». لاحقًا شاركت رزان أيضًا في عزاء إلكتروني صغير، مكون من خمسة أشخاص، للفلسطينين والسوريين الكويريين، موضحة أنهم كلاجئين ومنفيين لا يوجد لديهم مكان يتجمعون فيه للحزن، خاصة وأن كثير من اللاجئين يعيشون في عزلة في المنفى. تضيف رزان «قصص مثل اللي صار بتراكم عزلة ورا عزلة، فكان فيه مساحة نحكي عن كل المواضيع اللي هي كتير رأسمالية وكتير سياسية، لأن جنسانيتنا هي قضية سياسية، وكيف النضال ضد السلطات هو محور هذا النضال». 

كان عزاء شيكاغو، بحسب نور، هو أمر طبيعي لخسارة أحد أعضاء المجتمع، فمن المهم أن تكون هناك مساحات للأشخاص للتعبير عن حزنهم وخسارتهم بشكل علني، خاصة وإن كان هذا التعبير في شكل ثقافي مألوف كالعزاء، حيث أحضر المشاركون/المشاركات قهوة سادة وبلح في محاكاة لطقوس العزاء العربية. 

أما عن تكرار الوقفات والعزاءات من أجل سارة، فلقد كانت هذه المشاهد مهمة، بحسب نور، لأعضاء/عضوات مجتمعات الكوير لإرسال رسالة «أنتم لديكم مجتمع، أنتم محبوبون، حياتكم غالية، رجاء ابقوا معنا»، أما الرسالة لمن هم خارج هذه المجتمعات هي أن يسألوا أنفسهم ما الذي يفعلونه للمساهمة في تلك الأشياء البشعة، والأهم ما الذي يمكنهم فعله لإيقافها.

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن