الصرخة
الفصل اﻷول من كتاب «غَيِّر العالم دون أن تستولي على السلطة: معنى الثورة اليوم»
 
 
 

قبل يونيو 2013، كنا نتحدث حينًا ونهتف حينًا ونصرخ حينًا، وبعد يونيو، لم نعد نفتح أفواهنا لشيء سوى الصراخ، وعلا صراخ كل شيء حتى أصيب الجميع بالصمم. في الفصل اﻷول من كتاب «غَيِّر العالم دون أن تستولي على السلطة: معنى الثورة اليوم» يقول لنا المنظر جون هولواي إن النظرية النقدية الجيدة لا تبدأ من سلسلة من الافتراضات حول طبيعة العالم، أو من تأمل الواقف خارج المشهد، أو من التفكير في الطريقة التي يمكن بها تغيير العالم، بل من الشعور الفطري أن هناك شيئًا خاطئَا -إن لم يكن مفزعًا- يحدث في هذا العالم، هذا الشعور أسماه هولواي بالصرخة. لا غاية لحديثنا اليوم عن النظرية النقدية، أو الفكر السلبي كما أسماه هولواي، سوى أن نتذكر ما حدث لنا بين شتاء 2011 وصيف 2013. – المترجم

صدر الكتاب عام 2002، بعنوان «Change the World Without Taking Power: The Meaning of Revolution Today». الترجمة منشورة بإذن من المؤلف.

1

في البدء كانت الصرخة، نحن نصرخ.

عندما نكتب أو نقرأ من السهل أن ننسى أن البداية ليست الكلمة، بل الصرخة. نصرخ في مواجهة تشوه حياة الإنسان الذي أحدثته الرأسمالية. صرخة حزن، وصرخة رعب. صرخة غضب، وصرخة رفض: لا.

إن نقطة بداية التأمل النظري هي المعارضة والموقف السلبي والنضال، لأن الفكر يولد من الغضب، وليس من ادعاء العقلانية، وليس من استرخاء الحكيم المتأمل في معضلة الوجود الذي يمثل الصورة التقليدية «للمفكر».

نحن نبدأ من الرفض والنفور. النفور الذي يمكن أن يأخذ أشكالًا كثيرة مثل غمغمة الاستياء، ودموع الإحباط، وصرخة الغضب، وصيحة الثقة، والتذبذب القلق المتلهف.

يأتي نفورنا من التجربة، لكن التجربة تختلف. أحيانًا تكون التجربة المباشرة للاستغلال في المصنع، أو القمع في المنزل، أو التوتر في المكتب، أو للجوع والفقر، أو لعنف الدولة وتمييزها. وأحيانًا أخرى تكون التجربة الأقل مباشرة من خلال التلفزيون والجرائد والكتب التي تدفعنا للغضب. يعيش الملايين من الأطفال في الشوارع، في بعض المدن، يقتل أطفال الشوارع بطريقة ممنهجة كوسيلة وحيدة لفرض احترام الملكية الخاصة. لقد بلغت أصول أغنى 200 شخص في عام 1998 أكثر من 45% من الدخل السنوي الكلي لسكان العالم (أكثر من اثنين ونصف بليون). تتسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، ليس بين البلدان فقط، بل داخل البلدان نفسها. في كل مرة يرتفع سوق الأسهم يصبح هناك ارتفاع في البطالة، ويسجن الطلاب بسبب نضالهم من أجل تعليم مجاني بينما يراكم أولئك المسؤولين الفعالين في بؤس الملايين أوسمة الشرف وينالون الألقاب الرفيعة: الجنرال، وزير الدفاع، الرئيس والقائمة تطول. من المستحيل أن تقرأ جريدة دون أن تشعر بالغضب والألم، يمكنك أن تفكر في أمثلتك الخاصة، لكن غضبنا يتغير كل يوم، حيث يتراكم فوق بعضه.[i]

قد نشعر بشكل غامض أن تلك الأشياء التي تغضبنا ليست ظواهر منفردة، وأن هناك صلة بينها، وأن لها جميعًا دور في فساد العالم وظلمه بطريقة أساسية ما. إننا نرى عدد المتسولين في الشوارع يزيد بينما تحقق أسواق الأسهم أرقامًا قياسية جديدة وترتفع رواتب مديري الشركات إلى أرقام مشوشة للذهن أكثر من أي وقت مضى. ونشعر أن كل ظلم العالم ليس مصادفة بل جزء من نظام ظالم كليًا. حتى أفلام هوليوود غالبًا ما تبدأ بتصوير عالم ظالم بشكل أساسي (ربما بصورة مفاجئة) قبل أن تمضي في طمأنتنا أنه يمكن للعدل أن ينتصر من خلال الاجتهاد الفردي (بصورة أقل مفاجأة). إن غضبنا ليس موجهًا ضد حوادث معينة بل ضد ظلم أكثر شمولًا، وإحساسنا أن هذا العالم أعوج وبصورة ما كاذب. عندما نختبر شيئًا مروعًا، نرفع أيدينا في رعب ونقول «لا يمكن لهذا أن يحدث! لا يمكن أن يكون صحيحًا!»، إننا نعلم أنه صحيح، لكننا نشعر أن هذه حقيقة عالم كاذب.[ii]

ما الشكل الذي قد يبدو عليه العالم الحقيقي ربما نملك فكرة غائمة، سيكون عالمًا عادلًا، عالمًا يمكن للناس فيه أن يقيموا علاقات ببعضهم كبشر وليس كأشياء، عالمًا يمكن للناس فيه أن يشكلوا حياتهم الخاصة، لكننا لسنا بحاجة إلى أن نملك تصورًا عن أي عالم حقيقي يمكن حتى نشعر فيه أن هناك خطأ جذريًا في العالم الموجود. الشعور بأن العالم ظالم لا يعني بالضرورة أن لدينا تصورًا عن اليوتوبيا كي نوجدها محلها، ولا يعني بالضرورة فكرة الحلم الرومانسي الذي سنحقق فيه يومًا ما العالم الصحيح، الأرض الموعودة، النهاية السعيدة. إننا لسنا بحاجة إلى نهاية سعيدة كي نبرر اعتراضنا على العالم الذي نشعر بظلمه.

هذه هي نقطة بدايتنا: رفض العالم الذي نشعر بظلمه وإنكار العالم الذي نشعر بسلبيته، هذا ما يجب علينا التشبث به.

2

نتشبث بالتأكيد لأن هناك الكثير مما يكبت طاقتنا السلبية ويهدئ صياحنا، غضبنا يشتعل بالتجربة على الدوام، لكن أي محاولة للتعبير عنه تجابه بجدار من القطن والصوف يمتصها، هناك الكثير من الطرق لتخفيف صيحتنا وردها إلينا بالنظر نحونا والتساؤل عن سبب صراخنا، هل أصبحنا سلبيين بسبب سننا أم خلفيتنا الاجتماعية أم شيء من الخلل النفسي؟ هل نحن جوعى أم لم ننم جيدًا أم هذا مجرد متلازمة ما قبل الحيض؟ ألا نفهم تعقيد العالم والمعوقات العملية لتحقيق التغيير الجذري؟ ألا نعلم أنه من غير العلمي أن نصرخ؟

وهكذا يحثوننا لدراسة المجتمع والنظرية السياسية والاجتماعية مع شعورنا بالحاجة إلى ذلك، فيحدث شيء غريب، أنه كلما درسنا المجتمع، كلما تبددت طاقتنا السلبية ودفعت جانبًا كشيء غير ذي صلة. لا مجال للصراخ في المحاضرات الأكاديمية، وأكثر من ذلك، تزودنا الدراسة الأكاديمية بلغة وطريقة فكر تجعل من صراخنا صعبًا. وتخرج الصرخة، إذا خرجت مطلقًا، كشيء يجب توضيحه، لا كشيء يجب الإفصاح عنه. وبدلًا من أن تكون الصرخة موضوع سؤالنا عن المجتمع، أصبحت مادة للتحليل. لماذا نصرخ؟ أو بما أننا أصبحنا علماء اجتماعيين الآن، لماذا يصرخون؟ كيف يمكن أن نفسر الانتفاضة الاجتماعية والاستياء الاجتماعي؟ جردت الصرخة من فعاليتها بشكل منهجي عن طريق إذابتها في سياقها، إنهم يصرخون بسبب تجاربهم في مرحلة الطفولة، أو بسبب تصورهم الحداثي للموضوع، أو بسبب حميتهم غير الصحية، أو لضعف روابطهم العائلية، تدعم كل هذه التفسيرات بالبحث المعد إحصائيًا. لم تعد الصرخة منكرة مطلقًا، بل تسرق شرعيتها. استبعدت الصرخة من المنهج العلمي بالانفصال «عنا» وبرزت خاصة «بهم». عندما أصبحنا علماء اجتماعيين، تعلمنا أن طريقة الإدراك هي البحث عن الموضوعية، أن نضع مشاعرنا جانبًا. ما يبدو أنه يخفف صراخنا ليس ما نتعلمه بقدر كيف نتعلمه. إن بنية الفكر كلها هي ما تعطلنا.

لكن لا شيء مما أغضبنا بدأ في الزوال حتى الآن، ربما تعلمنا كيف تتناسب مع بعضها كأجزاء من نظام الهيمنة الإجتماعية، لكن طاقتنا السلبية أزيلت من الصورة بشكل ما، بينما تستمر فظائع العالم، ومن أجل ذلك يجب علينا ما يعتبر محرمًا علميًا: أن نصرخ كالأطفال، وأن نرفع عن الصرخة كل تفسيراتها البنيوية، وأن نقول «إننا لا يهمنا ما يقوله الطبيب النفسي، ولا يهمنا إذا كانت ذاتيتنا جزءًا من النظام الإجتماعي، هذه صرختنا، وهذا ألمنا، وهذه دموعنا، وإننا لن ندع غضبنا يخفف بالواقع، إنه الواقع هو ما يجب أن يستسلم لصرختنا. ادعونا بالصبيانية أو بالمراهقة إذا أردتم، لكن هذه هي نقطة بدايتنا: نحن نصرخ».[iii]

3

من «نحن» على أية حال؟ كلمة «نحن» هذه التي تؤكد نفسها بقوة في بداية هذا الكتاب الذي أريد له أن يكون جادًا.

عادة ما تبدأ الكتب الجادة في النظرية الاجتماعية بصيغة الغائب، ليس بتوكيد «نحن» غير مُعرَّفة، «نحن» كلمة خطيرة، مكشوفة للهجوم من كل الجوانب. سيقول بعض القراء، «اصرخ كما تشاء يا صديقي، لكن لا تجمعني معك، ولا تقل «نحن» عندما تقصد «أنا»، لأنك بذلك ستكون تستخدم «نحن» كي تفرض آراءك على القراء». سيعترض الآخرون بلا شك على أنه من غير المنطقي أن تكون البداية من «نحن» بريئة كما لو أن العالم قد ولد لتوه. لقد قيل لنا إن الذات ليست نقطة منطقية للبدء، حيث إن الذات نفسها نتيجة، وليست نقطة بداية، ومن الخطأ أن نبدأ من «نحن نصرخ»، لأن علينا أولًا أن نفهم العملية التي أدت إلى البنية الاجتماعية لهذه الـ«نحن» وإلى بنية صرختنا.

لكن من أين يمكننا أن نبدأ؟ إذا ما كانت الكتابة أو القراءة فعلًا إبداعيًا، فحتمًا يكون الفعل لنا. البداية بصيغة الغائب ليست نقطة بداية محايدة، حيث إنها تستلزم عادةً قمع الـ«نحن»، أي الفاعل في القراءة والكتابة. «نحن» هنا نقطة بداية لأننا صراحةً لا نستطيع البدء من مكان آخر، ولا نستطيع البدء من أي مكان غير أفكارنا وانفعالاتنا. لا تغير حقيقة هذه الـ«نحن» ومفهومنا عنها كناتج للتاريخ الكلي لخضوع الفاعل من شيء[iv]، نحن لا نستطيع البدء إلا من أنفسنا، من حيث لا نريد أن نكون، من حيث نصرخ.

هذه الـ«نحن» الخاصة بنا هي «نحن» حائرة الآن، نحن صيغة جمع متكلمة غامضة، مزيج ضبابي وربما متناقض بين «أنا» الكاتب و«أنا» أو «نحن» القراء. لكننا نبدأ من «نحن»، ليس من «أنا»، لأن «أنا» تفترض التفرد مسبقًا، ادعاء الفردية في المشاعر والأفكار، في حين أن فعل الكتابة أو القراءة يقوم على افتراض نوعًا ما من الجماعة، بالرغم من تناقضها أو حيرتها. «نحن» الخاصة بنقطة بدايتنا هي سؤال إلى حدٍ كبير أكثر منها إجابة: هي تؤكد الصفة الاجتماعية للصرخة، لكنها تضع طبيعة هذه الاجتماعية موضع مساءلة. إن ميزة البدء بـ«نحن» بدلًا من «هذا» هي أننا نواجه صراحةً السؤال الذي يجب أن يشكل الأساس لأي تأكيد نظري، لكنه نادرًا ما يعالج: من «نحن» التي تصيغ التأكيد؟

ليست هذه الـ«نحن» ضمير متعالي نقي بالتأكيد، لسنا الرجل أو المرأة أو الطبقة العاملة، ليس الآن على الأقل. نحن حائرين كثيرًا بسبب ذلك، إننا «نحن» عدوانية من مجتمع عدواني، ما نشعر به ليس بالضرورة صحيحًا، لكنه نقطة بداية جديرة بالاحترام والنقد، ليس يهمل جانبًا لصالح الموضوعية. نحن نناقض أنفسنا بدون شك، ليس بمنطق أن القارئ قد لا يشعر مثل ما يشعر به الكاتب (ليس كل قارئ مثل الآخر)، إنما بمنطق أن مشاعرنا متناقضة أيضًا. ما نشعر به من نفور في العمل أو عندما نقرأ الجرائد قد يفسح مجالًا للشعور بالاطمئنان كما نشعر بالاسترخاء بعد الأكل، ليس نفور «هؤلاء» ضد «العالم»، حتمًا إنه هذا النفور الذي يصل إلينا كذلك ويقسمنا ضد أنفسنا، «نحن» هي السؤال الذي سيستمر في التردد طوال هذا الكتاب.

نحن ذباب مقيد في شبكة العنكبوت، نبدأ من فوضى معقدة، لأن لا مكان آخر للبدء. نحن لا نستطيع البدء من خارج نفورنا من تجربتنا، لأن ذلك سيكون أكذوبة. ذباب مقيد في شبكة من العلاقات الاجتماعية خارج سيطرتنا، نحن لا نستطيع إلا أن نحاول أن نحرر أنفسنا بمهاجمة الخيوط التي تحبسنا، نحن لا نستطيع إلا أن ننعتق بأنفسنا ونخرج من مكاننا بنقديتنا وطاقتنا السلبية. انتقادنا هذا ليس لأننا غير منسجمين، وليس لأننا نريد أن نكون معقدين، ذلك أن الموقف السلبي الذي نعيش فيه لا يترك لنا خيارًا كي نعيش ونفكر ننفي بأي وسيلة ممكنة سلبية وجودنا. يسأل العنكبوت الذبابة «لماذا أنت سلبية هكذا؟ كوني موضوعيًة، وتغاضي عن خسارتك». لكن لا وسيلة للذبابة أن تصبح موضوعية، رغم أنها قد تريد ذلك، تفكر «أن أنظر إلى الشبكة بموضوعية من الخارج، أي حلم هذا؟ أي حلم خادع وفارغ هذا؟». ومع ذلك أي دراسة للشبكة الآن لا تبدأ من ورطة الذبابة فيها كاذبة ببساطة.[v]

نحن لسنا متوازنين أو مستقرين، لسنا نصرخ لأننا مستلقين على الأريكة بل لأننا نقع من على حافة الجرف. المفكر على الأريكة يفترض أن العالم حوله مستقر واختلال التوازن شيء شاذ يمكن تفسيره، التحدث عن إنسان ما كشخص غير متوازن أو غير مستقر هي صفة تحقيرية، صفة تجرد ما يقوله من الأهلية، والمسألة معكوسة بالنسبة لنا، نحن من نقع من على حافة الجرف (ونحن هنا تشمل كل الإنسانية ربما) نرى كل شيء كحركة ضبابية، العالم غير متوازن، وتوازنه وافتراض توازنه شيء يجب تفسيره.

4

صرختنا ليست مجرد صرخة خوف، لسنا نصرخ لأننا نواجه موتًا محتمًا في شبكة العنكبوت، بل لأننا نحلم بتحرير أنفسنا، ولسنا نصرخ بينما نقع من على حافة الجرف لأننا استسلمنا للتحطم على الصخور بالأسفل، بل لأننا ما زلنا نأمل أن هناك شيئًا غير ذلك.

صرختنا رفض للتسليم، رفض للتسليم بأن العنكبوت سيأكلنا، ورفض للتسليم أننا سنموت على الصخور، للتسليم بما لا يقبل، للتسليم بحتمية تزايد الظلم والبؤس والاستغلال والعنف، ورفض للتسليم بحقيقة الكذب، وللتسليم بالنهاية. صرختنا ترفض القبول بالانغماس في تمثيل ضحية القمع، وترفض القبول استيعاب أنفسنا داخل «سوداوية اليسار»[vi] التي أصبحت مميزة تمامًا للفكر المعارض، وترفض أن تقبل بدور كاسندرا الذي اعتمده المثقفون اليساريون دون تردد: التنبؤ بسقوط العالم بينما يقبلون أنه ليس هناك شيء نستطيع فعله حيال الأمر. صرختنا هي صرخة لتحطيم النوافذ ورفض للاحتواء من أجل التدفق واجتياز الحدود، وراء حدود المجتمع المؤدب.

رفضنا للتسليم لا يخبرنا بشيء عن المستقبل، ولا تعتمد شرعيتها على أي نتيجة معينة. حقيقة أننا نصرخ بينما نسقط من على حافة الجرف لا تعطينا أي ضمان للهبوط الآمن، ولا تقوم شرعية الصرخة على نهاية سعيدة، لقد ولى يقين الثوريين القدامى بأن التاريخ (أو الإله) يقف في صفنا، قضي عليها تاريخيًا ودفنت، وتحللت في الحفرة بالقنبلة التي سقطت على هيروشيما، ليس هناك نهاية سعيدة حتمية بالتأكيد، لكن حتى ونحن نندفع إلى الأسفل، حتى في أكثر لحظات اليأس إظلامًا، نرفض أن نقبل باستحالة مثل هذه النهاية السعيدة. تتشبث الصرخة باحتمالية وجود ثغرة، ترفض أن تقبل بنهاية إمكانية وجود شيء آخر جذري.

صرختنا إذن ثنائية الأبعاد: صرخة الغضب التي تحمل داخلها أمل من تجربتنا الحالية، وتسليط الضوء على آخر ممكن، وصرخة ابتهاج بالمعنى الفعلي للبروز أمام نفسها نحو مستقبل مفتوح[vii]. نحن من يصرخون مبتهجين، نبرز أبعد من أنفسنا، ونوجد في بعدين. تنطوي الصرخة على توتر بين ما يوجد وما قد يتصور وجوده، بين الوصفي (الذي عليه) والاحتمالي (الذي قد يكون عليه). نحن نعيش في عالم غير عادل لكننا نتمنى ألا يكون كذلك: إن شقي الجملة غير منفصلين ويظلان في توتر مستمر بينهما. لا تستلزم الصرخة مبرر تحقيق ما يمكن أن يكون: إنها ببساطة تسليم بالبعد المزدوج للواقع. الشق الثاني من الجملة (نود لو لم يكن كذلك) ليس أقل واقعية من الأول. التوتر بين شقي الجملة هو ما يعطي المعنى للصرخة. إذا كان الشق الثاني من الجملة (الرغبة المشترطة) ينظر إليها على أنها أقل واقعية من الأول، إذن تصبح الصرخة عديمة الكفاءة. وما ينظر إليه إذن كواقع هو أننا نعيش في مجتمع غير عادل، فما يمكن أن نرغبه هو شأننا الخاص وذو أهمية ثانوية، وبما أن صفة «غير عادل» لا تحمل معنى حقًا إلا في إشارة احتمالية لوجود مجتمع عادل، فهذا يندرج أيضًا، ويترك لنا «نحن نعيش في مجتمع ما»، وإذا كنا نصرخ لأننا نعيش في مجتمع ما، يجب إذن أن نكون معاتيه.

اهتمت النظرية الاجتماعية منذ زمن ميكافيلي بكسر الجملة غير القابلة للكسر إلى نصفين. يضع ميكافيلي القاعدة للواقعية الجديدة عندما يقول إنه لا يهتم إلا بما تكون عليه الأشياء، ليس بما قد نروم أن تكون.[viii] الواقع يشير إلى الشق الأول من الجملة، إلى ما هو كائن، والشق الثاني من الجملة، ما يجب أن يكون، يتميز بوضوح عن ما هو كائن ولا يعتبر كجزء من الواقع. هذا الواجب ليس مهملًا على الإطلاق، فهو موضوع النظرية الاجتماعية «المعيارية»، إنما وحدة شقي الجملة هي المكسورة تمامًا. تصبح صرخة الرفض والرغبة عديمة الكفاءة بهذه الخطوة وحدها.

تنطوي صرختنا على بُعدين يصران على اقتران التوتر بينهما. نحن موجودون، لكننا نوجد على قوس من التوتر نحو ألا نكون موجودين. المجتمع موجود، لكنه يوجد على قوس من التوتر نحو ألا يكون موجود. الهوية موجودة، لكنها توجد على قوس من التوتر نحو انعدام الهوية. البعد المزدوج هو الوجود المضاد (بالحركة) لما ليس موجود بعد داخل ما هو موجود ولإعدام الهوية داخل الهوية، الصرخة هي انفجار التوتر، انفجار ما ليس موجودًا بعد المحتوى داخل ما هو موجود لكنه ينشق منه. الصرخة هي تعبير عن الوجود الحالي المرفوض، الوجود الحالي لما ليس موجود بعد ولانعدام الهوية. لا تعتمد القوة النظرية للصرخة على مستقبل ما ليس موجود بعد لكن على وجودها الحالي كاحتمالية، من يعلم إذا سيصبح هناك مجتمع مؤسس على الاعتراف المتبادل بالكرامة مطلقًا؟ البدء بالصرخة هو الإصرار على مركزية الديالكتيك ببساطة، حيث إنه ليس أكثر من كونه «المعنى المتسق لإعدام الهوية». (أدورنو، 1990، ص. 5)

صرختنا صرخة استنكار وأمل. إذا كان كلا جزئي الصرخة منفصلين فسوف يصبحان تافهين، يتصاعد الاستنكار من «مرارة التاريخ»[ix]، لكن إذا لم يكن هناك تجاوز لهذه المرارة، لن يؤدي هذا الإستنكار ذو البعد الواحد إلا إلى الإحباط السياسي والانغلاق النظري، وبالمثل إذا لم يكن الأمل مؤسسًا بصرامة على مرارة التاريخ نفسها، فسيصبح تعبيرًا سخيفًا وذا بعد واحد عن التفاؤل. هذا الانفصال بين الاستنكار والأمل يعبر عنه تحديدًا في القول المأثور المقتبس كثيرًا عن جرامشي: «تشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة».[x] يقع التحدي بالأحرى في التوحيد بين التشاؤم والتفاؤل، بين الاستنكار والأمل، في فهم نظري للعالم ثنائي الأبعاد. تفاؤل الروح ليس هو الغاية فقط بل الفكر، إن هذا الاستنكار للعالم يفرض علينا أن نتعلم أن نأمل.[xi]

5

غاية هذا الكتاب تعزيز السلبية، والوقوف إلى جانب الذبابة في الشبكة، وجعل الصرخة أكثر حدة. نحن نبدأ من الذات بوعي تام، أو على الأقل من ذات غير معرفة، مدركين لكل المعضلات التي تتضمن ذلك. نحن نبدأ من هناك لأن البداية من أي مكان آخر كاذبة ببساطة. التحدي يكمن في تطوير طريقة للتفكير تبني بنقدية فوق وجهة النظر السلبية الابتدائية، وطريقة للتفكير تبطل كذب العالم. هذا ليس مجرد سؤال عن النظر للأشياء من أسفل إلى أعلى، لأن هذا كثيرًا ما ينطوي على اعتماد تصنيفات موجودة من قبل، مجرد انعكاس لإشارات سلبية وإيجابية. ليس المنظور الفوقي ما يجب استعراضه فقط، بل نسق التفكير كله الذي يستمد من المنظور السلبي ويدعمه. ليس هناك إلا بوصلة واحدة تدلنا في محاولتنا لاختراق طريقنا خلال النظرية الاجتماعية التي هي جزء من الفروع التي تربط بيننا وهي قوة رفضنا ببعديها، أي رفض ما هو كائن وتسليط الضوء على ما قد يكون.

الفكر السلبي قديم قدم الصرخة، والتقليد الماركسي أقوى تيارات الفكر السلبي بلا شك، لكن تطور التقليد الماركسي بسبب تاريخه الخاص وأيضًا بسبب التحول عن الفكر السلبي إلى أيدولوجية معينة خلق الإطار الذي قيده غالبًا وعرقل قوة سلبيته. وبناء عليه فهذا الكتاب ليس ماركسيًا بمعنى يتخذ الماركسية كإطار مرجعي محدد، ولا تحكم قوة حجته بما إذا كان «ماركسيًا» أو لا، وهو أقل بكثير من أن يكون من تيار الماركسية الجديدة أو ما بعد الماركسية. الهدف بالأحرى هو تحديد هذه المسائل التي غالبًا ما توصف بأنها «ماركسية» في إشكالية الفكر السلبي، أملًا في منح هيكل للتفكير السلبي وشحذ نقد ماركسي للرأسمالية.[xii]

هذا ليس كتاب يحاول تصوير فظائع الرأسمالية، هناك العديد من الكتب التي تفعل ذلك، إلى جانب أن لدينا تجربتنا اليومية كي تحكي لنا القصة. نعتبر ذلك أمرًا مفروغًا منه. فقدان الأمل في مجتمع أكثر إنسانية ليس ناتجًا عن عمى الناس عن فظائع الرأسمالية، فقط لا يبدو أن هناك أي مكان آخر للذهاب إليه، ولا شيء آخر للتحول نحوه. يبدو أن الشيء الأكثر منطقية هو أن ننسى سلبيتنا ونتجاهلها كأنها نزوة شبابية. لكن حتى الآن العالم يزداد سوءًا والتفاوتات تزداد حدة، والتدمير الذاتي للإنسانية يبدو أنه يقترب أكثر. إذن ربما لا يجب أن نتنازل عن سلبيتنا، لكن، على العكس، يجب أن نحاول التنظير للعالم من منظور الصرخة.

وماذا إذا لم يشعر القارئ بالنفور؟ ماذا إذا لم يشعر بالسلبية، إذا كنت راضٍ لأن تقول «هكذا نحن، وهكذا هو العالم»؟ فمن الصعب التصديق أن أي شخص يشعر بالراحة مع العالم دون أن يشعر بالاشمئزاز من الجوع والعنف والظلم الذي يحيط به. إنه من المرجح أكثر بكثير أن يقمع الاشمئزاز أو النفور بوعي أو دون وعي إما لصالح حياة هادئة أو شيء أكثر بساطة بكثير، لأن التظاهر بعدم رؤية أو الشعور فظائع العالم يحمل فوائد مادية مباشرة. نتظاهر بانعدام الرؤية من أجل أن نحافظ على وظائفنا وبطاقاتنا الائتمانية وأرباحنا وفرصنا في الحصول على درجات جيدة وصحتنا العقلية، ونخفف حدة تصورنا ونتجاهل ألمنا مدعين أنها ليست هنا بل هناك بعيدًا في إفريقيا وروسيا منذ مئة سنة، نطهر تجربتنا الخاصة من كل السلبية بكوننا أجانب. تبنى فكرة العلوم الاجتماعية الموضوعية الخالية من القيمة على مثل هذا التصور المسالم. تدفن السلبية والاشمئزاز من الاستغلال والعنف تمامًا ويغرق داخل خرسانة من كتل أساس العلوم الاجتماعية تمامًا مثلما يدفن البناؤون جثث الأضاحي في كتل أساس المباني أو الكباري. يصف أدورنو مثل هذه النظرية بأنها «في طبيعة الموسيقية المصاحبة التي أحب رجال الوحدة الوقائية النازية خفض صرخات ضحاياهم بها». هذه الكتاب موجه ضد مثل هذا القمع للألم.

لكن ما الغاية؟ صرختنا هي صرخة إحباط وسخط المستضعف. لكن إذا كنا مستضعفين، فلا شيء يمكننا أن نفعله، وإذا استطعنا أن نصبح أقوياء عن طريق بناء حزب أو حمل سلاح أو كسب الإنتخابات فلن نختلف كذلك عن جميع الأقوياء في التاريخ. إذن ليس هناك طريق للخروج، ولا كسر لدائرة السلطة، ماذا يمكننا أن نفعل؟

نغير العالم دون الاستيلاء على السلطة.

هأ! هأ! مضحك للغاية.

[i] للحصول على تقرير مفصل بارز ببعض ما يصفه بالحرب العالمية الرابعة، انظر ماركوس 1998

[ii] كما يقول ديبور (1994، ص 14): «في العالم المقلوب واقعيًا رأسًا على عقب، يكون ما هو حقيقي لحظة من لحظات ما هو زائف»، انظر أيضًا هوركهايمر (1978)، وبلوخ (1964 ، II ، ص 18 – 53)

[iii] انظر هوركهايمر (1972، ص 227): «إن النظرية النقدية للمجتمع في مجملها هي كشف لاجتهاد وجودي واحد» («رأي في الوجود» قد تكون ترجمة أكثر وضوحًا)

[iv] يتحدث فوكو عن: «الكدح الهائل الذي أخضع به الغرب أجيال من أجل إنتاج عبودية البشر: كان ترسيخًا لهم كفاعلين وخاضعين بكلا معنيّ الكلمة» (1990، ص 60)

[v] كل الاستعارات ألعاب خطيرة يمكن الإستغناء عنها في وقت لاحق: لا تلعب الذبابة أي دور في بناء خيوط العنكبوت، في حين أننا المبتكرين الوحيدين للنظام الذي نقع في حباله.

[vi] العبارة لفالتر بينامين (1931)

[vii] انظر جَن على سبيل المثال في الفكر المبتهج (1987)

[viii] انظر كتاب الأمير، الفصل 15، «اترك الأشياء المتخيلة عن الأمير جانبًا، ولا تشير إلا لتلك الأشياء التي توجد حقًا..» (ميكافيلي 1995، ص 48)

[ix] فوكو (1990، ص. 7)، تأتي حجة فوكو أن «الخوف من سخرية أو مرارة التاريخ« تمنع «أغلبنا» من ضم الثورة والسعادة، أو الثورة والمتعة. الحجة هنا أنه على العكس، لا تؤدي مرارة التاريخ إلى خفض التوقعات لكن إلى ارتباط أكثر جدية بالأمل.

[x] «حوّل جرامشي حكمة رومان رولان «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة» إلى ما يشبه الشعار البرنامجي على صفحات جريدة الحركة الجديدة في بواكير 1919 (جرامشي، 1971، ص 175، الحاشية 75)

[xi] كما صاغها إرنست بلوخ في مقدمة «مبدأ الأمل» والذي كتب أثناء منفاه من ألمانيا النازية، إنها «مسألة تعلم الأمل» في مثل هذا العالم المخيف (1986، ص 3)

[xii] يمثل انهيار الاتحاد السوفيتي خطرًا على الماركسية وتحررًا، الخطر يكمن في أنها ستصبح لغة ميتة ببساطة، مع قلة من يقرأون «رأس المال» والقدرة على فهم كل المناقشات التي تفترض معرفة عمل ماركس، والتحرر يكمن في أننا أصبحنا أحرار من وضعية الماركسية التي مثلها الاتحاد السوفيتي والقدرة على شحذ الماركسية كتفكير سلبي.

اعلان
 
 
جون هولواي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن