10 سنوات من النزاع: معركة سد النهضة الإثيوبي
 
 
وزير الخارجية الإثيوبي غيدو أندارغاشيو ، ووزير المياه والطاقة والري سيليشي بيكيلي والوفد المرافق لهما يغادرون وزارة الخزانة الأمريكية بعد مفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي المتنازع عليه- في واشنطن، الولايات المتحدة، 6 نوفمبر، 2019. رويترز
 

اتفقت مصر وإثيوبيا والسودان على وضع اللمسات النهائية على اتفاق لملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، عقب قمة طارئة لزعماء الدول الثلاث، لعب فيها الاتحاد الإفريقي دور الوسيط يوم الجمعة الماضي.

اجتمعت الفرق الفنية للدول الثلاث في منتصف يونيو الجاري في محاولة للتوصل إلى اتفاق شامل، ولكن المحادثات اختتمت دون اتفاق بشأن العديد من القضايا الرئيسية، من بينها بروتوكولات مُلزمة قانونًا للحد من الجفاف، وآلية لحل النزاعات.

قالت «أديس أبابا» مرارًا إنها ستبدأ في ملء خزان السد في منتصف يوليو المقبل، سواء توصلت إلى اتفاق شامل أم لا. وجاء الاجتماع الاستثنائي يوم الجمعة قبل أيام فقط من موعد اجتماع مجلس الأمن الدولي لمناقشة نزاع سد النهضة اليوم، الإثنين. وكانت «القاهرة» تقدمت بشكوى أمام المجلس، في خطوة دبلوماسية أخيرة، تهدف إلى منع إثيوبيا من ملء السد دون اتفاق.

تصاعدت التوترات بين «القاهرة» و«أديس أبابا» منذ عام 2011، عندما أعلنت إثيوبيا عن خطط لبناء السد الضخم، تمنحها دفعة قوية لتوليد الكهرباء للاستهلاك المحلي والتصدير، ولكن على حساب مخاوف مصر بشأن ندرة المياه.

تحدثنا مع ويليام دافيسون، كبير مُحللي شؤون إثيوبيا في مجموعة الأزمات الدولية حول خلفية النزاع، والعوامل التقنية والسياسية المؤثرة فيه، والمقترحات الخاصة بسبل الخروج من مسار يبدو أنه مسدود.

ولقد أجاب دافيسون كتابةً عن مجموعة من الأسئلة التي طرحتها عليه «مدى مصر».

مدى مصر: في تصريحات يوم الجمعة، قالت كلا من مصر والسودان إن الدول الثلاث اتفقت على أن «أديس أبابا» ستؤجل ملء السد النهضة لحين التوصل إلى اتفاق شامل. بالمقابل، قالت إثيوبيا في بيان لها، إنه من المقرر أن تبدأ في ملء السد خلال الأسبوعين المقبلين، مؤكدة أن الدول الثلاث وافقت فقط على التوصل إلى اتفاق نهائي خلال هذا الإطار الزمني. هل يمكنك شرح تضارب البيانات، وما تم الاتفاق عليه بالضبط، وماذا يعني هذا التطور الجديد؟

وليام دافيسون: بادئ ذي بدء، استئناف المحادثات التقنية الثلاثية حول ملء وقواعد تشغيل سد النهضة وإشراك الاتحاد الإفريقي فيها هي تطورات موضع ترحيب شديد. أفضل طريقة لمحاولة حل القضايا الرئيسية الثلاث المعلقة -الوضع القانوني لأي اتفاق، وطريقة إدارة فترة جفاف طويلة، وكيفية حل النزاعات المستقبلية- تكون من خلال محادثات أكثر مباشرة، بدلًا من التصعيد الدبلوماسي. لذلك، من المناسب أن ييسير الاتحاد الإفريقي الآن المناقشات، إذ يجب استنفاد الجهود الإقليمية قبل أن يتولى مجلس الأمن الدولي العملية.

 ومع ذلك، هناك بالفعل اختلافات كبيرة في تفسير ما تم الاتفاق عليه بالضبط يوم الجمعة، فيما يتعلق بسياسة ملء السد. ربما يرجع السبب إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، تعهد بعدم بدء الملء خلال المرحلة المقبلة من المحادثات على مدى الأسبوعين المقبلين. فيما اتفق الجميع على ضرورة التوصل إلى اتفاق خلال هذه الفترة الزمنية نفسها. يبدو أن مصر والسودان تمسكتا بهاتين النقطتين -أن يتم التوصل إلى اتفاق في جولة المحادثات التالية، وأن إثيوبيا تعهدت بعدم الملء خلال تلك الفترة- واعتبرتا ذلك بمثابة وعد إثيوبي بعدم البدء في ملء السد لحين التوصل إلى اتفاق. لكن الأمور زادت تعقيدًا بسبب البيان الذي صدر يوم السبت من مكتب أبي أحمد، والذي جاء فيه: «من المقرر أن تبدأ إثيوبيا في ملء سد النهضة خلال الأسبوعين المقبلين». أعتقد أنه ينبغي تجاهل ذلك، وأن الموقف الإثيوبي هو أن الملء سيبدأ في الواقع بعد أسبوعين من المحادثات. ومع ذلك، على الرغم من كل الارتباك بشأن هذه المسألة الهامة، فإن الأمر الواضح هو أن هذا النقاش المُربك بشأن خطط الملء الإثيوبية يجب ألا يُسمح له بمنع المفاوضات المقبلة من التركيز على حل النزاعات الأساسية العالقة، والمذكورة أعلاه.

مدى مصر: فشلت المحادثات المتجددة بين مصر وإثيوبيا والسودان في وقت سابق من هذا الشهر في تحقيق اتفاق شامل بشأن السد مرة أخرى. تدعي مصر أنها تتفاوض بحسن نية وتتهم إثيوبيا بالتصرف من جانب واحد. وتتهم إثيوبيا مصر بالإصرار على الحفاظ على حقوق الحقبة الاستعمارية في مياه النيل. من منهما على حق؟

وليام دافيسون: البلدان على حق -إلى حد ما.

إذا تراجعنا خطوة إلى الوراء، يمكن أن نستوعب مخاوف مصر نظرًا لاعتمادها الشديد على النيل، كما أن إحساس إثيوبيا بالظلم أمر مفهوم كذلك، بالنظر إلى أن معاهدة 1959 الثنائية تمنح مصر والسودان حقوقًا حصرية في استخدام مياه النيل. ولهذا للمضي قدمًا، ستكون هناك حاجة إلى التفهم من كلا الجانبين للتوصل لشرعية مصالح الطرف الآخر.

وبشكل أكثر تحديدًا، تفسر إثيوبيا بعض المطالب المصرية للإفراج عن المياه من خزان سد النهضة على أنها محاولات من القاهرة لتأمين حصتها المزعومة الحالية من مياه النيل، والتي نشأت عن معاهدة 1959، خاصة عندما يتعلق الأمر بتدابير التخفيف أثناء سنوات الجفاف الطويلة، وهو ما رفضته إثيوبيا في فبراير الماضي.

تبدو إثيوبيا على استعداد لاستخدام بعض المياه المخزنة في خزان السد لمساعدة دولتي المصب خلال سنوات الجفاف، إلا أنها ليست مستعدة للتوصل إلى اتفاق يصل إلى حد تخصيص حصص المياه (أي ما تعتبره إثيوبيا أي ترتيب من شأنه “إلزامها” بحصة مياه لدولتي المصب من أجل تعويض السنوات التي لا يفي فيها مخزون سد النهضة بالحد الأدنى لإطلاق المياه)، أو السحب من مخزون السد إلى مستوى يؤثر دون داع على إنتاج الكهرباء، ولا يترك للسد سوى مخزون مؤقت صغير فوق الحد الأدنى لمستوى التشغيل. تعتقد «أديس أبابا» أن أي جفاف يجب أن يخفف أيضًا من المياه المخزنة في السدود السودانية والسد العالي في أسوان، وليس فقط من خلال خزان سد النهضة.

سعت مصر جاهدة للتوصل إلى اتفاق وقدمت تنازلات ملحوظة على مر السنين، لكنها لم تحصل على مردود لمساعيها من أجل التوصل إلى توافق في الآراء، فرفعت الأمر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ما أثار اتهامات إثيوبية لمصر بسوء النية.

الادعاء بأن إثيوبيا تعمل بشكل أحادي هو ادعاء صحيح، ولكن يتم تفسيره بشكل مختلف تمامًا من جانب كل دولة من الدولتين: ترى إثيوبيا أن لها الحق في تطوير مواردها المائية الخاصة، ومن بينها تحديد موعد البدء في ملء خزان السد. موقف أديس أبابا العام هو أنها ملتزمة بإعلان المبادئ لعام 2015 (اتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان حول إعلان مبادئ بخصوص مشروع سد النهضة الإثيوبى فى 23 من شهر مارس 2015)، بشأن سد النهضة، وبالمبادئ القانونية الدولية بشأن «الاستخدام المعقول والمنصف» للأنهار العابرة للحدود، وعدم التسبب في «ضرر جسيم» لدول المصب. كما تقول إثيوبيا دومًا إنها لا تتصرف من جانب واحد أكثر مما فعلت مصر عندما شيدت السد العالي في أسوان أو أكثر مما فعله السودان عند إقامة مشروعاته للطاقة الكهرومائية.

إن الادعاء المصري بالأحادية الإثيوبية غير المقبولة يستند أيضًا إلى «إعلان المبادئ»، وعلى المبادئ الدولية نفسها. وتتمثل قراءتها في أن إثيوبيا تنتهك إعلان المبادئ، حيث يُلزم نصه الأطراف بالموافقة على قواعد “الملء الأول”، وبالتالي لا ينبغي أن تبدأ إثيوبيا في حجز المياه بدون اتفاق. وتقول مصر أيضًا إن فعل الملء هذا دون اتفاق يشكل خرقًا لمبدأ «الضرر الجسيم». في حين أن اتفاق المبادئ يحتمل تفسيرات مختلفة، تشير سابقة تاريخية إلى أن مجرد شروع إثيوبيا في الملء بدون التوصل إلى أي اتفاق لن يشكل «ضررًا جسيمًا» على السودان ومصر.

مدى مصر: لماذا فشلت المفاوضات بين الأطراف في التوصل إلى اتفاق على مدار سنوات؟

وليام دافيسون: بناء على الجواب السابق، فإن أحد أسباب الجمود الحالي هو التفسيرات المختلفة لاتفاق المبادئ، والذي كان اتفاقًا سياسيًا هيكليًا غامضًا، أكثر منه معاهدة قانونية محكمة.

إن موقف إثيوبيا قائم على إعلان المبادئ في 2015، وتقول إنها التزمت فقط بالموافقة على خطوط إرشادية وقواعد بشأن التعبئة الأولى والتشغيل السنوي لسد النهضة، وأنها لم تلتزم باتفاقية قانونية شاملة كاملة بشأن هذه المسألة. وعلاوة على ذلك، تشير إثيوبيا إلى بعض بنود اتفاق المبادئ، التي تقول: «لمالك السد حق التعديل، من حين لآخر، في قواعد التشغيل السنوية، ويمكن الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التعبئة بالتوازي مع بناء سد النهضة»، مؤكدة أن الملء هو جزء من البناء.

وكما ذكرت سابقًا، تعتقد مصر أن اتفاق المبادئ يُلزم إثيوبيا بالتوصل لاتفاق بشأن الملء قبل الشروع فيه، وتقول إن الفشل في ذلك سيكون مخالفًا لمبدأ «عدم التسبب في ضرر جسيم». تسعى مصر والسودان إلى اتفاقية قانونية ملزمة بموجب القانون الدولي، إذ يقولان إن المصالح الوطنية الحيوية على المحك ولا يمكنهما الاعتماد على النوايا الحسنة الإثيوبية لحمايتها. وقد أدى رفض أديس أبابا الموافقة على هذا البند في الجولة الأخيرة من المحادثات إلى تعزيز تصور مصر بأن شريكها لم يكن مهتمًا بالتوصل إلى اتفاق شامل.

ولكن وراء هذه التفسيرات المختلفة لاتفاق المبادئ، هناك نقاش أكبر حول تقاسم المياه والاستخدام العادل للنيل، ما يخلق أجواء شديدة التوتر، ويزيد من عدم الثقة، وبالتالي يجعل من الصعب التوصل إلى اتفاق. لقد شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة بعد فشل دول المنبع في الاتفاق مع السودان ومصر على النص الكامل لاتفاقية «الإطار التعاوني لدول حوض النيل».

وبالتالي، كان سد النهضة محاولة إثيوبية لتأكيد حقوقها في النيل والتي تعتقد أن مصر تنكرها. من خلال خلق أمر واقع عبر بناء سد النهضة، تأمل إثيوبيا في تشجيع السودان ومصر على إعادة النظر في اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل كوسيلة لتأمين احتياجاتهما المائية من خلال عملية متعددة الأطراف. لذلك، فإن إثيوبيا ليست مستعدة لتقديم أي تنازلات بشأن القضايا التي تعتقد أنه يجب معالجتها بموجب اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل، سواء فيما يتعلق بما تعتبره تقاسم المياه، أو الالتزام بتحكيم دولي ملزم كآلية لتسوية المنازعات.

مدى مصر: في أبريل، اقترحت إثيوبيا اتفاقية مؤقتة لتغطية أول سنتين من ملء خزان السد. رفضت «القاهرة» الاقتراح، واتهمت أديس أبابا بمحاولة تأخير أي اتفاق شامل أثناء المضي قدمًا في ملء خزان السد. هل تعتقد أن الاتفاقية المؤقتة لا تزال خيارًا قابلًا للتطبيق، خاصة في ضوء السابقة التي سيحددها هذا النزاع لحوض النيل؟

وليام دافيسون: موقف مصر والسودان الرافض لاتفاقية مؤقتة والإصرار على إبرام اتفاق شامل يغطي كل مخاوفهما، يجعل النهج التدريجي خيارًا صعبًا سياسيًا في الوقت الراهن. كانت الاتفاقية التي تغطي أول عامين من التعبئة دائمًا حلًا دون المستوى الأمثل وأصبحت جذابة فقط بسبب المشاكل التي واجهت التوصل إلى اتفاق شامل بشأن قواعد التعبئة والتشغيل الخاصة بسد النهضة. لقد وصلنا إلى هذا الوضع بعد أن رفضت إثيوبيا مشروع الاتفاق في فبراير، وهو نفس الوضع مرة أخرى في الوقت الراهن مع بدء ملء الخزان، ما يضع عقبات وشيكة وضخمة في سبيل التوصل إلى اتفاق شامل.

وكما جادلت «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن اتفاقية مؤقتة ستبني الثقة من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون، كما أنها ستمنح الفرصة لاستبعاد بروتوكولات التعامل مع فترات الجفاف لفترات طويلة، والتي لن تكون مطلوبة على الأرجح إلا كل بضعة عقود، على كل حال.

ومع ذلك، تشعر مصر والسودان بالقلق من أن مثل هذا النهج المجزأ يعني إعطاء المزيد من المُباركة لسد النهضة، دون الحصول على الضمانات التي يريدانها بشأن المخاطر التي يخشيانها من المشروع. لكن أي اتفاق مؤقت سيحتاج إلى آلية لحل النزاعات كجزء منه، وربما يمكن تضمين طرف ثالث في الاتفاق لضمان وفاء إثيوبيا بمواصلة التفاوض بحسن نية بشأن القضايا العالقة.

مدى مصر: في 19 يونيو، طلبت مصر رسميًا من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التدخل وطالبت إثيوبيا بالعودة إلى المحادثات، محذرة من أن ملء السد دون اتفاق «يشكل خطرًا واضحًا وقائمًا على مصر» مع تداعيات «تهدد السلام والأمن الدوليين». كما بعث السودان برسالة إلى المجلس في 24 يونيو، قال فيها إنه «قلق للغاية بشأن قرار إثيوبيا ببدء الملء في ظل عدم وجود اتفاق»، وحث المجلس على «تثبيط» جميع الأطراف عن أي «إجراءات أحادية». وبدورها إثيوبيا أرسلت رسالتها الخاصة إلى المجلس في 22 يونيو متهمة مصر بمحاولة «ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية غير مفيدة على إثيوبيا». هل تعتقد أنه سيتم إحراز أي تقدم من خلال مجلس الأمن الدولي؟ وما رأيك في تدويل النزاع بشكل عام؟

وليام دافيسون: عندما دعت مصر لأول مرة مجلس الأمن إلى الانخراط في قضية سد النهضة، لم يعتقد معظم الدبلوماسيين أن الأمر سيصل إلى حد بعيد على الإطلاق. المجلس، الذي يميل إلى التركيز على النزاعات العسكرية، لا يتعامل عادة مع النزاعات حول حقوق المياه. ومع ذلك، نجحت مصر في إقناع المجلس بمناقشة القضية، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى دعم الولايات المتحدة. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى يمكن أن تستمر دبلوماسية المجلس. لا يزال العديد من أعضاء المجلس حذرين من الانخراط بقوة في النزاع.

في حين نجحت مصر في استخدام دبلوماسية الأمم المتحدة لتسليط الضوء على مخاوفها بشأن سد النهضة، فمن غير المرجح أن تتدخل الأمم المتحدة في النزاع. لن ترغب الصين، التي تدخل بالفعل في نزاعات بشأن حقوق المياه مع جيرانها، في إقامة سابقة تسمح للأمم المتحدة بالبت في مثل هذه القضايا. عرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس دعم الأمم المتحدة لإجراء مزيد من المحادثات حول سد النهضة، لكنه شدد على أن الأمم المتحدة يجب أن تحاول استبدال الأطر القائمة للمحادثات. بشكل عام، أعتقد أن الأمم المتحدة ستشجع جميع الأطراف على حل هذا النزاع، لكنها لن تستطيع التدخل لحله بنفسها.

علاوة على ذلك، فإن التدويل لم يثبت نجاحه حتى الآن، خاصة في فبراير، عندما رفضت إثيوبيا مسودة الاتفاق التي انبثقت عن المحادثات التي جرت برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي، زاعمة أنها كانت محاولة لتأمين حصص المياه التي تطالب بها مصر والسودان من خلال مقترحات تخفيف نوبات جفاف لمدة أربع سنوات. ومع ذلك، بما أن الأطراف كانت تتفاوض منذ سنوات عديدة، وبما أن هذه مسألة ذات أهمية إقليمية ودولية، فمن المفهوم أن الجهات الخارجية ستشارك بشكل متزايد. يمكن أن يساعدوا من خلال تقديم المشورة للأطراف حول كيفية تقديم تنازلات حاسمة، وكذلك مشورة بشأن التكامل الاقتصادي الإقليمي على المدى الطويل. وربما كان هذا هو هدف ضلوع الاتحاد الإفريقي بدور أكبر، لأن ذلك قد يطمئن إثيوبيا وبالتالي يزيد من دوافعها لتقديم تنازلات. هناك أيضًا دور محتمل للولايات المتحدة ودول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي في تقديم المساعدة الفنية والمالية، سواء على المدى القصير من أجل للتوصل إلى اتفاق رغم العقبات، أو التوصل إلى حزمة اتفاقات أكثر طموحًا على المدى الطويل، مع تطور التعاون بين الأطراف بشأن النيل.

في نهاية المطاف، ليس من الواضح أن تدخل مجلس الأمن الحالية سيكون مفيد في تقريب الأطراف من بعضها البعض، وبالتالي فمن المفيد أن يتدخل الاتحاد الإفريقي بقوة في هذه القضية. إن خطر تقدم مصر بشكوى لمجلس الأمن الدولي يكمن في احتمالية زيادة عزم إثيوبيا على عدم تقديم تنازلات والمضي قدمًا في الملء كما هو مخطط في يوليو، وهو أمر محتمل للغاية، سواء كان هناك اتفاق أم لا. 

مدى مصر: بعيدًا عن مجلس الأمن، هل هناك طريقة للتغلب على هذا المأزق على المستوى الدولي؟ هل يمكنك شرح الخلافات الرئيسية حول بروتوكولات تخفيف الجفاف وآلية حل النزاعات؟ وهل هناك اقتراحات بديلة للتغلب عليها؟

وليام دافيسون: لم تتمكن الأطراف من التوصل إلى اتفاقية بسبب غياب التوافق في الآراء حول الوضع القانوني لأي اتفاقية، وكذلك بشأن التفاصيل النهائية لكيفية إدارة فترات الجفاف الطويلة، وكيفية حل أي نزاعات مستقبلية. سيتعين علينا أن نرى ما إذا كانت العملية الجديدة التي يدعمها الاتحاد الإفريقي ستنجح في تنشيط المفاوضات وخلق مساحة للتوصل لحل وسط بشأن القضايا الفنية والقانونية.

في نهاية المطاف، ربما توافق «أديس أبابا» على التوقيع على اتفاقية ملزمة بموجب القانون الدولي، إذا كانت مصر والسودان على استعداد لإعطاء إثيوبيا مساحة أكبر لمراجعة الخطوط الإرشادية للتشغيل مع تغير الظروف الهيدرولوجية، سواء كانت بسبب تغير المناخ أو إنشاء مشروعات تنموية مستقبلية على النيل الأزرق الإثيوبي. القضية الرئيسية هنا هي ما إذا كانت إثيوبيا يمكن أن تراجع القواعد من جانب واحد أم من خلال توافق الآراء فقط. كخيار توفيقي، يمكن لطرف ثالث أو لجنة تسوية تقييم ما إذا كانت المراجعات التي تقترحها «أديس أبابا» ضرورية ومعقولة.

قد يكون أحد سبل المضي قدمًا في قضية الجفاف هو وضع تفاصيل عن كيفية مساعدة خزانات مصر والسودان في التخفيف من النقص المستمر للمياه لكي لا يقع كل العبء على خزان سد النهضة. يمكن أن يصاحب ذلك زيادة إثيوبيا في كمية المياه التي تتعهد بإطلاقها في سنوات الجفاف المتتالية، والموافقة على وصول خزان سد النهضة إلى مستوى أدنى من تعهداتها السابقة خلال فترات الجفاف الطويلة.

ومن الجوانب الرئيسية الأخرى التي يحتاج الأطراف فيها إلى تحقيق تسوية هي قضية حل المنازعات. إثيوبيا، بالإشارة مرة أخرى إلى إعلان المبادئ، تريد تسوية المنازعات بموجب أي اتفاق من خلال المفاوضات بين الدول الثلاث، أو الوساطة في حالة فشل المفاوضات، في حين تفضل مصر والسودان التحكيم المُلزم. في ضوء تفضيل إثيوبيا التقليدي للعمليات الإفريقية، ربما يكون أحد الطرق هو هيئة تحكيم مُلزمة بقيادة الاتحاد الإفريقي -على الرغم من أن هذا المسار يتطلب من «أديس أبابا» تغيير موقفها بشأن التحكيم، كما يتطلب من القاهرة التغلب على اعتقادها بأن العملية التي يقودها الاتحاد الإفريقي تصب في صالح إثيوبيا.

قد تساعد إضافة لجنة تسوية في إقناع الطرفين بإجراء هذا التحول في المواقف. إنه نوع من الوساطة، يقدم فيه الوسيط توصيات غير ملزمة للأطراف، ويعزز التفاهم، ويهدف إلى تحقيق توافق في الآراء من خلال عملية غير عدائية. إذا فشلت عملية التسوية، ستضطر الأطراف عندئذ إلى الخضوع لهيئة التحكيم التابعة للاتحاد الإفريقي.

مدى مصر: إلى أي مدى سوف تستمر المخاوف السياسية الداخلية بالبلدين في الظهور، حتى مع استمرار الجانبين في التصعيد على المستوى الدولي؟

وليام دافيسون: الشؤون السياسية المحلية توفر حوافز قليلة للتسوية. وبما أن مصر تعاملت مع سد النهضة باعتباره خطرًا محضًا على إمدادات المياه الخاصة بها، فإن تقديم تنازلات سيُعرض الحكومة لاتهامات بالتفريط في أمور تتعلق بقضايا ذات أهمية وطنية حيوية.

وبالمثل، فإن «أديس أبابا» ليس لديها مجال كبير للمناورة. تلقى رئيس الوزراء، أبي أحمد، بالفعل انتقادات شديدة بسبب السماح للولايات المتحدة بالتدخل، وسياسيو وجماهير إثيوبيا يركزون الآن بشكل كامل على استكمال المشروع ولا يهتمون بتقديم أي تنازلات قد تكون ضرورية للتوصل إلى اتفاق مع السودان ومصر.

لذلك، وكجزء من الخطوات اللازمة للتوصل إلى اتفاق، تحتاج الحكومتان إلى الاعتراف بأنه من المفترض أن يصبح سد النهضة مفيدًا للطرفين، وأن التنازلات مطلوبة في المجالات الرئيسية للتوصل إلى اتفاق يسمح للمشروع تحقيق أهدافه.

مدى مصر: ما هي العواقب المحتملة لبدء إثيوبيا في ملء السد في غضون بضعة أسابيع، في ظل غياب اتفاق نهائي، وهو السيناريو الذي يبدو محتملًا على نحو متزايد؟

وليام دافيسون: بغض النظر عما إذا كان هناك اتفاق قائم أم لا، فلن يحدث نقص حاد في المياه في دولتي المصب، في العام الحالي أو العام المقبل، لمجرد أن إثيوبيا بدأت الملء من دون اتفاق. ذلك لأن إثيوبيا ستخزن فقط عُشر متوسط التدفق السنوي للنيل الأزرق في السنة الأولى من التعبئة، وهناك ما يكفي من المياه المخزنة في السد العالي في أسوان للتعويض عن ذلك. ولكن بسبب معارضة مصر والسودان لملء إثيوبيا لخزان السد دون اتفاق، هناك خطر من تدهور العلاقات بين إثيوبيا ودولتي المصب، وبالتالي زيادة عدم الاستقرار الإقليمي.

مدى مصر: هل هناك شيء يتعلق بإدارة الموارد العابرة للحدود التي رأيناها حاضرة في هذا النزاع بالذات، والتي من شأنها أن تطرح قضايا تقليدية بشأن السيادة الوطنية مستقبلًا، خاصة وأن تغير المناخ يفرض نفسه بشكل متزايد؟

وليام دافيسون: لا أعتقد ذلك. يعتبر النزاع حول النيل الأزرق وسد النهضة نمطيًا إلى حد ما بالنسبة للجدل الذي يثار بين دول المنبع ودول المصب على أنهار عابرة للحدود، مثل أنهار كولورادو أو ميكونج أو دجلة والفرات. بالطبع، إذا تعرض هطول الأمطار للتذبذب نتيجة تغير المناخ، فقد تزداد شدة هذه الأنواع من النزاعات مع ارتفاع المخاطر بالنسبة للدول المتضررة.

الإجابة على كل هذه الأنواع من المخاوف هي التعاون وتحقيق درجة من التكامل الاقتصادي. تحتاج الدول الثلاث ودول حوض نهر النيل الأخرى إلى التعاون في مشروعات توفير المياه والاستثمارات المشتركة التي تستخدم النيل بكفاءة. إذا واصلت دول حوض النيل، بدلًا من ذلك، النظر إلى مصالحها الوطنية على النهر فقط، فمن المحتمل أن تزداد المنافسة مع نمو الاقتصاديات والسكان، خاصة في سياق تغير المناخ.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن