سياسيّات التجهيز الفني
 
 
عمل مارسيل بروتارس التجهيزي «متحف الفن الحديث، قسم العِقبان» بصالة المعارض كونستاله دوسلدورف في 1970، والذي ثبّت فيه لافتة بجوار كل معروضة تقول: «هذا ليس عملا فنيًا».
 

الأصل منشور على إ-فْلَكْس في 2009، والترجمة منشورة بإذن من المؤلف ومن المجلة، وبالتعاون مع برنامج قيِّم/ماس الإسكندرية.

*

كثيرًا ما يُساوى اليوم بين مجال الفن وسوق الفن، ويعرَف العمل الفني في المقام الأول كسلعة. وكون السياق الذي يؤدي فيه الفن وظيفته هو سوق الفن، وكون كل عمل فني سلعة، أمر لا يرقى إليه الشك؛ إلا أن الفن أيضًا ينتَج ويُعرض لمن ليس في نيتهم أن يصبحوا جامعي مقتنيات فنية، وهؤلاء في الحقيقة هم من يشكلون أغلبية جمهور الفن. والزائر النمطي للمعرض نادرًا ما يشاهد العمل المعروض كسلعة. وفي الوقت نفسه، فإن عدد المعارض الموسّعة -معارض السنتين والثلاث سنوات والدوكيومنتات والمانيفتستات- يزيد زيادة مطردة. وبالرغم من الكميات الهائلة من الأموال والطاقات المستثمرة في هذه المعارض، فإن الهدف الأساسي من وجودها ليس شراة الفن، بل الجمهور -أيْ زائر مجهول قد لا يشتري عملًا فنيًا يومًا. وبالمثل، فمهرجانات تسوُّق الفن، بينما الغرض من وجودها في الظاهر هو خدمة المشترين، تتحول الآن على نحو متزايد إلى فعاليات مفتوحة للجمهور، فتجذب شرائح لا تهتم كثيرًا، إن اهتمت، بشراء الأعمال الفنية، أو لا تملك القدرة المالية. وهكذا فإن منظومة الفن في طريقها إلى أن تصبح جزءًا من الثقافة الجماهيرية ذاتها التي طالما كانت قد سعت إلى مراقبتها وتحليلها عن بعد. الفن آخذ في أن يصبح جزءًا من الثقافة الجماهيرية، ليس كمصدر للأعمال المفردة المطروحة للتداول التجاري في سوق الفن، وإنما كممارسة معرضية، مجتمعة بالعمارة والتصميم والموضة -تمامًا كما بشر به أصحاب العقول الطليعية الرائدة، فنانو الباوهاوس والڤخوتيماس، وغيرهم، في وقت مبكر يعود إلى عقد 1920. ومن ثم يمكننا أن نفهم الفن المعاصر بوصفه في المقام الأول ممارسة معرضية. ويعني هذا، من بين ما يعنيه، أنه يصبح أصعب فأصعب في يومنا هذا أن نفرق بين شخصيتين رئيسيتين في عالم الفن المعاصر: الفنان والقيّم.

كان التقسيم التقليدي للعمل داخل منظومة الفن واضحًا. فاتُّفق على أن الأعمال الفنية ينتجها الفنانون ثم ينتقيها ويعرضها القِيَّم. ولكن هذا التقسيم للعمل، على الأقل منذ دوشا[Marcel Duchamp]، تعرض للانهيار. واليوم، لم يعد هناك أي اختلاف «أنطولوجي» بين صنع الفن وعرض الفن. وفي سياق الفن المعاصر، فأن تصنع فنًا يعني أن تعرض الأشياء بوصفها فنًا. وهنا يطرح السؤال نفسه: أمن الممكن، وإن كان من الممكن، فكيف يمكن، التفريق بين دور الفنان ودور القيّم حين ينعدم الفارق بين إنتاج الفن وعرضه؟ وسوف أحاجج بأن هذا التمييز ما زال ممكنًا. وأود أن أفعل هذا عن طريق تحليل الاختلاف بين المعرض الفني المتعارف عليه وبين التجهيز الفني. من المتصوَّر أن المعرض الفني التقليدي هو تراكم من الأشياء المادية الفنية الموضوعة جنبًا إلى جنب في مساحة عرض لكي تشاهد على التوالي. وفي هذه الحالة، فإن مساحة المعرض تعمل كامتداد للفضاء المديني العام، المحايد -تشبه شيئًا من قبيل زنقة يمكن للمارّ الانعطاف إليها بعد دفعه رسم دخول. تبقى حركة الزائر عبر مساحة المعرض مشابهة لحركة شخص يمشي في الشارع ويتطلع إلى معمار المنازل يسارًا ويمينًا. وليس اعتباطًا على الإطلاق أن يبني ڤالتر بنيامين «مشروع البواكي» حول هذه المقابلة بين متسكع من أبناء المدينة وزائر لمعرض فني. يبقى جسد المتفرج في هذا المحيط خارج نطاق الفن: فالفن يحدث أمام أعين المتفرج -شيئًا ماديًا فنيًا، أو أداءً، أو فيلمًا. وبناء عليه، فإن مساحة المعرض هنا يُفهم منها أنها فضاء عام، محايد، شاغر -ملكية عامة رمزية. والوظيفة الوحيدة لفضاء كهذا هي جعل المعروضات الفنية داخله يسهل على نظرة الزوار الوصول إليها.

 يدير القيّم هذه المساحة المعرضية باسم الجمهور -بصفته ممثلًا عن الجمهور. وبناء عليه، فإن دور القيم هو القيام على حراسة طابعها العام، بينما يجلب الأعمال الفنية المفردة إلى هذا الفضاء العام، متيحًا الوصول إليها أمام الجمهور، معمعمًا إياها. من الجليّ أن العمل الفني الفرد يتعذر عليه تأكيد وجوده بمفرده، ليجبر المشاهد على معاينته. فهو يفتقر إلى الحيوية والطاقة والعافية اللازمة. يبدو أن العمل الفني، في أصله، مريض، عاجز؛ لكي يراه الناظرون لابد من إيصالهم إلى سرير المريض طريح الفراش بمرافقة العاملين في المشفى. وليس من قبيل الصدفة أن كلمة «كيوريتور» [قيم] تتعلق في تأصيلها اللغوي بكلمة «كيور cure»: أن تقوم على الفن يعني أن تعالجه وتشفيه. العمل القيِّمي يشفي الصورة من عجزها، من قصورها عن عرض نفسها بنفسها. والممارسة المعرضية على هذا النحو هي العلاج الشافي الذي يداوي الصورة العليلة اعتلالًا أصليًا، الذي يمنحها الحضور، الطابع المرئي؛ تأتي بها إلى مجال الرؤية العام وتحولها إلى موضوع للحكم من قبل العامة. غير أن بإمكان المرء القول بأن العمل القيّمي يؤدي وظيفة عقار مكمل، كأنه فارماكون [السم والترياق، الداء والدواء] بالمعنى الدريداوي: فهو يشفي الصورة ويزيدها مرضًا على مرض في آن معًا.[i] في البداية طُبقت إمكانية العبث بالمقدسات المتوفرة في العمل القيّمي على الأغراض التقديسية العائدة للماضي، بتقديمها كمجرد أغراض فنية في المساحات المعرضية الشاغرة، المحايدة، بالمتحف الحديث أو الكونستاله [قاعة المعارض]. القِيَّم، في الحقيقة، بما في ذلك أمناء المتاحف، هم من في الأصل أنتجوا الفن بالمعنى الحديث للكلمة. فمتاحف الفنون الأولى -المتأسسة في أواخر القرن الـ18 وبدايات الـ19 والمتوسعة على مدار القرن الـ19 جراء الفتوحات الإمبريالية ونهب الثقافات غير الأوروپية- كانت تَجمع كل أنواع الأغراض المادية والأدوات «الجميلة» المستخدمة في السابق في الطقوس الدينية، أو الديكورات الداخلية، أو كمظاهر للثروة الشخصية، وتعرضها بوصفها أعمالًا فنية، أي كأشياء مستقلة عن منشئها، مجردة من وظيفتها، معدة بغرض أن تشاهد فحسب. كل الفن ينشأ كتصميم، أكان تصميمًا دينيًا أم تصاميم الحكم والسلطة. والتصميم، في الحقبة الحديثة كذلك، سابق على الفن. وإذ يبحث المرء عن الفن في متاحف اليوم، فلابد أن يدرك أن ما يُرى هناك هو، قبل كل شيء، شذرات تصميم مجردة من وظيفتها، أكان تصميمًا ثقافيًا جماهيريًا، من مبولة دوشا إلى «علب بريلو» وارهول، أم تصميمًا طوباويًا – من اليوغنستل إلى الباوهاوس، من الطليعة الروسية إلى دونالد جود -كان يسعى إلى إعطاء «الحياة الجديدة» المستقبلية شكلًا ملموسًا. الفن تصميم أصبح غير قائم بوظائفه لأن المجتمع الذي أمده بلبنته الأساسية تعرض للانهيار التاريخي، مثل إمپراطورية الإنكا أو روسيا السوڤياتية.

 في سياق العصر الحديث، على كل حال، بدأ الفنانون يؤكدون على استقلالية فنهم -استقلالية يفهم منها الاستقلال عن الرأي العام والذوق العام. لقد طالب الفنانون بحق اتخاذ قرارات سيادية بشأن محتوى عملهم وشكله غير معنية بأي تفسير أو تبرير في مواجهة الجمهور. وقد مُنحوا هذا الحق- ولكن فقط في حدود معينة. فحرية إبداع الفن وفقًا لإرادة الفرد السيادية الخاصة لا تضمن في الوقت نفسه أن يُعرض عمل الفنان في الفضاء العام. فضم أي عمل فني إلى معرض فني عام يستوجب -على الأقل بشكل احتمالي- تفسيره وتبريره علنًا. وإن يكن الفنان والقيم والناقد الفني أحرارًا في الحجاج لصالح أو ضد تضمين بعض الأعمال الفنية، فكل تفسير وتبرير كهذا يضعف الطابع المستقل السيادي للحرية الفنية كما تطلع الفن الحداثي إلى الفوز به؛ كل خطاب لشرعنة عمل فني، وضمه في معرض عام من باب أنه كغيره من الأعمال في الفضاء العام نفسه، هو فعل يجوز اعتباره إهانة لذلك العمل الفني. وهذا ما يدعو إلى اعتبار القيم شخصًا يواصل التدخل بين العمل الفني والمشاهد، مجردًا الفنان والمشاهد من سلطتيهما سواء بسواء. ومن هنا يظهر سوق الفن محبَّذا على المتحف أو الكونستاله عند الفن الحديث، الاستقلالي. ففي سوق الفن، تسري الأعمال الفنية بصفتها الفردية، منزوعة السياق، غير مَقُومة، وهو ما يبدو أنه يتيح لها فرصة إظهار أصلها السيادي دون وساطة. يؤدي سوق الفن وظيفته وفقًا لقواعد الپوتلاتش كما وصفها مارسيل موس وجورج باتاي. فالقرار السيادي من الفنان بصنع عمل فني فوق التبرير يغلبه القرار السيادي من الشاري ذي الذمة الخاصة بأن يدفع مقابل هذا العمل الفني قدرًا من المال يتجاوز حدود الفهم.

والحال أن التجهيز الفني لا يسري. بل هو بالأحرى يركب في الفراغ كل ما يسري في حضارتنا: الأغراض المادية، النصوص، الأفلام.. إلخ. وفي الوقت نفسه فهو يغير وبطريقة جذرية دور المساحة المعرضية ووظيفتها. يشتغل التجهيز من خلال خصخصة رمزية للفضاء العام المتمثل في معرض. وقد يبدو هذا التجهيز كمعرض متعارف عليه، مَقُوم، لكن فضاءه مصمم وفقًا للإرادة السيادية الخاصة بفنان فرد ليس مفترضًا منه أن يبرر علنًا انتقاءه الأشياء الداخلة في التكوين، ولا تنظيمه فراغ التجهيز ككيان كلي. كثيرًا ما يُحرم التجهيز من حقه في تبوء مكانه كشكل فني بعينه، لأن الماهية الفعلية للوسيط الذي ينتمي إليه التجهيز غير واضحة. فالوسائط الفنية التقليدية معرّفة كلها على أساس متن مادي محدد: قماش اللوحة، أو الحجر، أو شريط الفيلم. أما المتن المادي للوسيط التجهيزي فهو الفراغ ذاته. غير أن هذا لا يعني كون التجهيز على نحو ما «لا مادي». فالتجهيز، على العكس، مادي بامتياز، بما هو مكاني [فراغي] -وشَغْل حيز من الفراغ هو التعريف الأعم لمادية الشيء. يُحدث التجهيز تحولًا في الفضاء العام، الشاغر، المحايد، ليصير عملًا فنيًا فردًا- وهو يدعو الزائر إلى أن يَخبر هذا الفراغ بوصفه الفضاء الكلّاني، الجامع، الخاص بعمل فني. وكل ما يُضم إلى فراغ كهذا يصير جزءًا من العمل الفني لمجرد أنه موضوع داخل هذا الفراغ. والتمييز بين الشيء الفني والشيء العادي يصبح بلا قيمة هنا. وعوضًا عن ذلك فما يصبح حاسمًا هو التمييز بين فراغ تجهيز، له شاهد، وفضاء عام، ليس له شاهد. عندما قدم مارسيل بروتارس عمله التجهيزي «متحف الفن الحديث، قسم العِقبان» بصالة المعارض كونستاله دوسلدورف في 1970، ثبّت لافتة بجوار كل معروضة تقول: «هذا ليس عملًا فنيًا.» غير أن هذا التجهيز، في المجمل، اُعتبر عملًا فنيًا، وليس دونما سبب. فالتجهيز يظهر عملية انتقاء بعينها، سلسلة بعينها من الاختيارات، منطقًا خاصًا بعمليات الضم والاستبعاد. وهنا يمكن للمرء أن يرى تناظرًا مع معرض مَقُوم. لكن هذا هو بيت القصيد: فهنا، يكون الانتقاء ونمط التمثيل حقًا سياديًا أصيلًا للفنان. وهو قائم حصرًا على القرارات السيادية الشخصية الغنية عن المزيد من التفسير أو التبرير. يمثل التجهيز الفني طريقة لتوسعة نطاق الحقوق السيادية التي للفنان بدءًا من نطاق الشيء الفني المفرد ومده حتى يشمل النطاق المتمثل في فضاء المعرض نفسه.

 يعني هذا أن التجهيز الفني هو فضاء يصبح فيه الفارق بين الحرية السيادية للفنان والحرية المؤسسية للقيّم فارقًا ظاهرًا ظهورًا فوريًا. فالحال أن النظام السياسي الذي يعمل في ظله الفن في ثقافتنا الغربية المعاصرة يُفهم منه عمومًا أنه نظام يهب الفن الحرية. لكن حرية الفن تعني شيئين مختلفين عند القيم وعند الفنان. وكما ذكرت، فالقيم -بما في ذلك من يسمى بالقيم المستقل- ينتقي الأعمال في آخر المطاف باسم الجمهور الديمقراطي. وفي واقع الأمر، لكي يصبح مسؤولًا أمام الجمهور، لا يحتاج القيم أن يكون جزءًا من أي مؤسسة ثابتة: فهو فعليًا مؤسسة قائمة بذاتها، بحكم التعريف. وبناء عليه، فواجب على القيم أن يبرر علنًا اختياراته -وقد يحدث أن يقصّر القيّم في هذا. وبالطبع فإن للقيّم كما يُفترض حرية تقديم حجته للجمهور -لكن حرية النقاش العام هذه أمر لا يخص حرية الفن، إذا فهمناها باعتبارها حرية اتخاذ قرارات فنية خاصة، فردية، ذاتية، سيادية، فوق أي مساجلة أو تفسير أو تبرير. ففي ظل نظام الحرية الفنية، لكل فنان حق سيادي في صنع الفن وفقًا للخيال الخاص حصرًا. والقرار السيادي بصنع الفن بهذه الطريقة أو تلك أمر مقبول عند المجتمع الليبرالي الغربي كمسوغ لافتراض المشروعية في ممارسة الفنان. وبالطبع يمكن كذلك نقد العمل الفني أو رفضه -لكن لا يمكن رفضه إلا جملة. لا معنى لنقد أي اختيارات أو إدخالات أو استبعادات بعينها يجريها فنان. وبهذا المعنى، فإن الفضاء الكلي الخاص بتجهيز فني لا يمكن كذلك رفضه إلا جملة. وبالعودة إلى مثال بروتارس: ما كان أحد لينقد الفنان لإغفاله في تجهيزه هذه الصورة المعينة أو تلك لهذا الصقر المعين أو ذاك.

 يجوز للمرء القول بأن فكرة الحرية في المجتمع الغربي ملتبسة بعمق -ليس فقط في مجال الفن، وإنما كذلك في المجال السياسي. فالحرية في الغرب يفهم منها أنها تبيح اتخاذ القرارات الخاصة، السيادية، في نطاقات كثيرة من نطاقات الممارسة الاجتماعية، من قبيل الاستهلاك الخاص، أو استثمار رأس المال الخاص، أو اختيار المرء دينه. ولكن في بعض النطاقات الأخرى، خصوصًا في المجال السياسي، تفهم الحرية بوصفها في المقام الأول حرية النقاش العام التي يكفلها القانون -بوصفها حرية غير سيادية، مشروطة، مؤسسية. وبالطبع فإن القرارات الخاصة، السيادية، في مجتمعاتنا خاضعة إلى حد معين لسيطرة الرأي العام والمؤسسات السياسية (كلنا نعلم الشعار الشهير «الشخصي سياسي»). إلا أن النقاش السياسي المفتوح، من ناحية أخرى، تعطله مرارًا وتكرارًا القرارات الخاصة، السيادية، للفاعلين السياسيين وتتلاعب به المصالح الخاصة (التي تعمل عندئذ على خصخصة ما هو سياسي). يجسد الفنان والقيم، على نحو شديد البروز، هذين النوعين من الحرية: الحرية السيادية، غير المشروطة، غير المسؤولة أمام العامة، والخاصة بصنع الفن، والحرية المؤسسية، المشروطة، المسؤولة أمام العامة، والخاصة بالقيمومة. وفوق ذلك، يعني هذا أن التجهيز الفني -والذي يترافق فيه فعل إنتاج الفن مع فعل تقديمه وعرضه- يصبح هو الساحة التجريبية المثلى لكشف واستكشاف الالتباس الكامن في صلب الفكرة الغربية عن الحرية. وبناء عليه، فقد رأينا في العقود الأخيرة ظهور مشاريع قيّمية مبتكرة تبدو بمثابة تمكين للقيم من التصرف على نحو سيادي خاص بالمؤلفين. كما رأينا ظهور ممارسات فنية تسعى إلى أن تكون تعاونية، ديمقراطية، لا مركزية، غير منسوبة إلى مؤلف.

 والحق أن التجهيز الفني كثيرًا ما يرى اليوم بوصفه شكلًا يسمح للفنان بأن يمقرط فنه، بأن يتحمل المسؤولية العامة، بأن يبدأ التصرف باسم مجتمع صغير بعينه أو حتى باسم المجتمع ككل. وبهذا المعنى، يبدو ظهور التجهيز الفني علامة فارقة على نهاية الادعاء الحداثي بالاستقلالية والسيادة. ويفسر قرار الفنان بالسماح لحشد الزوار بدخول فضاء العمل الفني على أنه انفتاح للفضاء المغلق الخاص بعمل فني على الديمقراطية. وهذا الفضاء المغلق يبدو متحولًا إلى منبر للنقاش العام، والممارسة الديمقراطية، والتواصل، والتشبيك، والتعليم، وهلم جرا. لكن هذا التحليل لممارسة فن التجهيز يميل إلى إغفال الفعل الرمزي المتمثل في خصخصة الفضاء العام المتمثل في المعرض الفني، وهو الفعل السابق على فعل انفتاح فراغ التجهيز أمام مجتمع من الزوار. وكما سبق أن ذكرت، ففضاء المعرض الفني التقليدي هو ملكية عامة رمزية، والقيم الذي يدير هذا الفضاء يتصرف باسم الرأي العام. الزائر لمعرض فني نمطي يبقى في أرضه، كمالك رمزي للفضاء الذي تقدم فيه الأعمال الفنية لتكون موضوعًا لنظرته وحكمه. وعلى العكس، فإن فضاء التجهيز الفني هو الملكية الخاصة الرمزية للفنان. وبدخوله هذا الفضاء، يكون الزائر قد ترك الأرض العامة ذات الشرعية الديمقراطية ودخل فضاء السيطرة السيادية، السلطوية. الزائر هنا، إن جاز التعبير، على أرض أجنبية، في الغربة. يصبح الزائر مغتربًا ملزمًا بالامتثال لقانون أجنبي -قانون يضعه له الفنان. يعمل الفنان هنا بوصفه مشرعًا، بوصفه سيدًا على فضاء التجهيز- حتى لو، وربما على الأخص لو، كان القانون الموضوع من قِبل الفنان لمجتمع من الزوار قانونًا ديمقراطيًا.

 ومن ثم يجوز للمرء القول بأن الممارسة التجهيزية تكشف عن فعل العنف السيادي، غير المشروط، الذي يقيم أي نظام ديمقراطي في البداية. نحن نعلم أن النظام الديمقراطي لا يؤتى به أبدًا بطريقة ديمقراطية -فالنظام الديمقراطي دائمًا ما ينشأ نتيجة لثورة عنيفة. أن تقيم قانونًا يعني أن تخالف قانونًا. ولا يمكن أبدا للمشرع الأول أن يتصرف على نحو مشروع- فهو يقيم النظام السياسي، لكنه لا ينتمي إليه. يبقى غريبًا على النظام حتى إذا قرر لاحقًا الامتثال له. ومؤلف التجهيز الفني هو بدوره هذا المشرع، الذي يمنح لمجتمع الزوار الفضاء اللازم لتأسيس نفسه دستوريًا وتعريف القواعد التي يلزم على هذا المجتمع الصغير الانصياع لها، لكنه يفعل ذلك دون أن يكون منتميًا إلى هذا المجتمع الصغير، باقيًا خارجه. ويبقى هذا صحيحًا حتى إذا قرر الفنان الالتحاق بالمجتمع الصغير الذي كان قد خلقه. وهذه الخطوة الثانية لا يجب أن تقودنا إلى إغفال الأولى -الخطوة السيادية. كما يجب على المرء ألا ينسى: بعد ترسيمه نظامًا بعينه- كيانًا سياسيًا مدنيًا بعينه، مجتمعًا بعينه من الزوار -يلزم على الفنان الاعتماد على المؤسسات الفنية للحفاظ على هذا النظام، لتكون شرطة الكيان السائل المتمثل في زوار التجهيز الفني. وبالنظر إلى دور الشرطة في الدولة، يقترح جاك دريدا في أحد كتبه «Force de loi/ قوة القانون» أن الشرطة، بالرغم من توقعنا منها الإشراف على العمل بقوانين محددة، فهي بحكم الواقع ضالعة كذلك في خلق القوانين ذاتها التي يفترض أنها تشرف عليها وحسب. أن تحافظ على القانون دائمًا ما يعني أيضًا أن تعيد اختراع ذلك القانون باستمرار. يحاول دريدا إظهار أن الفعل الثوري، العنيف، السيادي، المتمثل في إقامة القانون والنظام لا يمكن قط محوه فيما بعد -ففعل العنف المبدئي هذا يمكن تحريكه دائمًا من جديد وسوف يحدث هذا دائمًا. وهذا جلي الآن على نحو خاص، في زمننا، زمن تصدير الديمقراطية وإقامتها وتأمينها. على المرء ألا ينسى: فراغ التجهيز فراغ قابل للنقل. التجهيز الفني ليس ملتحمًا بالموقع، ويمكن إقامته وتركيبه في أي مكان ولأي مدة زمنية. وحري بنا ألا تنطلي علينا أي أوهام مؤداها إمكان وجود شيء من قبيل فضاء تجهيز كامل الفوضى العمائية، كامل الدادائية، شبيه بالدفق الفلكسساوي الخارج عن أي سيطرة. في رسالته الأدبية الشهيرة «Français, encore un effort si vous voulez être républicains / أيها الفرنسيون، تبقّى أمامكم جهد واحد إضافي إن أردتم أن تكونوا جمهوريين»، يقدم الماركيز دي ساد رؤية تتصور مجتمعًا حرًا حرية مثلى ألغى كل القوانين القائمة، وأقام قانونًا واحدًا وحيدًا: يلزم على كل إنسان أن يفعل ما يحب، بما في ذلك اقتراف أي جرائم من أي نوع.[ii] والمثير للاهتمام على الأخص هو كيف في آن واحد يشير دي ساد إلى ضرورة تطبيق القانون لمنع المحاولات الرجعية من بعض المواطنين ذوي العقليات التقليدية للعودة إلى الدولة القمعية القديمة التي تقدس فيها الأسرة وتمنع الجرائم. وإذن فنحن نحتاج الشرطة أيضا لحماية الجرائم المرتكبة من الحنين الرجعي إلى القانون الأخلاقي القديم.

 ومع ذلك، فالفعل العنيف المتمثل في تأسيس مجتمع صغير منظم ديمقراطيًا لا يجب تفسيره بوصفه مناقضًا لطبيعته الديمقراطية. من الجلي أن الحرية السيادية لا ديمقراطية، فتبدو كذلك معادية للديمقراطية. غير أن الحرية السيادية، حتى لو بدت هذه مفارقة عند النظرة الأولى، هي شرط مسبق ضروري في سبيل نشأة أي نظام ديمقراطي. وممارسة التجهيز الفني، مرة أخرى، مثال جيد على هذه القاعدة. فالمعرض الفني المتعارف عليه يترك الزائر الفرد لحاله، سامحًا له أن يواجه ويتأمل المعروضات الفنية بصورة فردية. ومتنقلًا من معروضة إلى أخرى، يغفل زائر فرد كهذا بالضرورة الطبيعة الكلية لفضاء المعرض، بما في ذلك وضعه هو بداخله. أما التجهيز الفني فهو، على العكس، يبني مجتمعًا صغيرًا من المتفرجين تحديدًا بسبب الطابع الكلّاني الموحِّد الذي لفراغ التجهيز. الزائر الحق للتجهيز الفني ليس فردًا معزولًا، وإنما كيان جماعي من الزوار. والمساحة الفنية بوصفها هذا يتعذر إدراكها من قبل جمع من الزوار -حشد، إن شئت- وقد صار هذا الحشد جزءًا من المعرض عند كل زائر فرد، والعكس بالعكس.

 كثيرًا ما يُغفَل أحد أبعاد الثقافة الجماهيرية، وهو يتجلى بالذات في السياق المحيط بالفن التشكيلي. فحفل موسيقى پوپ أو عرض أفلام يخلق مجتمعات صغيرة فيما بين الحضور. وأعضاء هذه المجتمعات العابرة يجهلون بعضهم البعض -بِنْيتهم عرَضية؛ يبقى من غير الواضح من أين أتوا وإلى أين هم ذاهبون؛ ليس لديهم ما يقولونه لبعضهم البعض إلا القليل؛ ليست لديهم هوية مشتركة أو تاريخ سابق يمكنه أن يمدهم بذكريات جامعة يتشاركونها؛ وبالرغم من ذلك، فهم يشكلون مجتمعات. وهي تشبه مجتمعات المسافرين على متن قطار أو طائرة. وإذا عبّرنا بشكل مختلف: هي مجتمعات معاصِرة معاصَرة جذرية -أكثر كثيرًا من المجتمعات الدينية أو السياسية أو مجتمعات العمل. المجتمعات التقليدية كلها تقوم على أساس أن أعضاءها، ومنذ البداية، يربط بينهم شيء نابع من الماضي: لغة مشتركة، إيمان مشترك، تاريخ سياسي مشترك، تنشئة مشتركة. تميل مجتمعات كهذه إلى أن تكرس حدودًا بينها وبين الغرباء الذين لا يجمعها بهم أي ماضٍ مشترك.

 أما الثقافة الجماهيرية فهي، على النقيض، تخلق مجتمعات خارج أي ماضٍ مشترك -مجتمعات غير مشروطة من نوع جديد. وهذا هو ما يكشف إمكانيتها الهائلة في سبيل التحديث، والتي تُغفَل على نحو متكرر. غير أن الثقافة الجماهيرية نفسها لا تستطيع أن تعكس هذه الإمكانية أو تتمخض عنها بالكامل، لأن المجتمعات التي تخلقها ليست بهذه الصفة واعية كفاية بنفسها. ويمكن قول الشيء نفسه عن الجماهير إذ تتنقل عبر فضاءات المعرض الفني المتعارف عليه في المتاحف المعاصرة والكونستالات. كثيرًا ما يقال عن المتحف إنه نخبوي. ودائمًا ما تعجبت لهذا الرأي، وهو يناقض تمامًا ما خبرته أنا شخصيًا من أن أصير جزءًا من جمع من الزوار المتدفقين على نحو متواصل عبر قاعات المعرض والمتحف. كل من بحث في أي يوم من الأيام عن مَرْأَب بالقرب من متحف، أو جرب أن يترك معطفًا في غرفة أمانات المتحف، أو احتاج أن يصل إلى مراحيض المتحف، سيكون لديه سبب وجيه للتشكك في الطابع النخبوي لهذه المؤسسة -بالذات في حالة المتاحف التي تعتبر نخبوية على نحو خاص، من قبيل المتروپوليتان أو الموما في نيويورك. وأي ادعاء نخبوي قد يدعيه متحف، تهزأ به اليوم أسراب السياح من أنحاء العالم. ولو أن هذه الأسراب ابتعدت عن معرض معين [داخل متحف] لن يسر هذا قيّمه بتاتا، ولن يشعره هذا بالنخبوية وإنما بإحباط الفشل في الوصول إلى الجماهير. لكن هذه الجماهير لا تحيل إلى ذاتها بهذه الصفة -فهي لا تشكل أي كيان سياسي مدني. وزاوية الرؤية الخاصة بجمهور حفلة پوپ أو رواد سينما هي زاوية مصوبة إلى الأمام -نحو خشبة المسرح أو الشاشة- إلى حد لا يسمح لهم بإدراك وتأمل الفضاء الذي يجدون فيه أنفسهم أو المجتمعات التي صاروا جزءًا منها. وهذا هو التأمل الذي يثيره فن اليوم المتقدم، سواء في صورة فن تجهيزي، أو في صورة مشاريع قيّمية[iii] تجريبية. والانفصال المكاني النسبي الذي يوفره الفراغ التجهيزي لا يعني إدارة الظهر للعالم، وإنما يعني بالأحرى عملية نزع من المحلية وقطع للموطنة تتعرض لها مجتمعات الثقافة الجماهيرية العابرة -على نحو يعينها على تأمل حالها هي، ما يوفر لها فرصة أن تكون معروضة أمام نفسها. المساحة الفنية المعاصرة مساحة يمكن فيها للحشود أن تطالع نفسها وتحتفي بنفسها، كما الرب أو الملوك موضوع الرؤية والاحتفال في الكنائس والقصور (وكتاب توماس ستروث Museum Photographs [«صور متحفية»] يلتقط هذا الجانب في المتحف باقتدار -هذا الظهور والذوبان لمجتمعات عابرة.)

 وما يقدمه التجهيز الفني للحشود المتوزعة السائلة، أكثر من أي شيء آخر، هو هالة الهنا والآن. فالتجهيز، قبل كل شيء، هو طبعة ثقافية جماهيرية من التصعلك الفردي، كما وصفه بنيامين، ومن ثم فهو مكان لانبثاق الهالة، مكان لـ«النورانية الدنيوية». وفي العموم، يعمل التجهيز كمقلوب لإعادة الإنتاج. يقتطع التجهيز نسخة من فضاء مفتوح بلا شاهد يتوزع فيه مجهّلون ويضعها -ولو مؤقتًا- داخل سياق مغلق، مستقر، ثابت، يتمثل في «الهنا والآن» واضحة المعالم من الناحية الطوبولوجية. لا يمكن اختزال حالنا المعاصر ليكون «فقدانا للهالة» لصالح سريان النسخة فيما وراء حدود «الهنا والآن»، كما وصفه مقال بنيامين الشهير حول «العمل الفني في عصر الاستنساخ الميكانيكي».[iv] والأحرى أن العصر الراهن ينظم تفاعلًا معقدًا من عمليات الإزاحة وإعادة التوطين، عمليات قطع الموطنة وإعادة الموطنة، عمليات نزع الهالة وإعادة إضفاء الهالة.

 كان بنيامين يشارك الفن الحداثي الراقي إيمانه بسياق فريد ومعياري للفن. وبموجب هذا الافتراض المسبق، فإن فقدان العمل الفني سياقه الفريد، الأصلي، يعني فقدانه هالته للأبد -أن يصبح نسخة من نفسه. وإعادة إضفاء الهالة على عمل فني فرد من شأنها أن تتطلب إضفاء قداسة على كامل الفضاء الدنيوي الخاص بالسريان الجماهيري غير المحدد من الناحية الطوبولوجية- وهو مشروع شمولي فاشي بكل تأكيد. وهذه هي المشكلة الأساسية التي سنلقاها في فكر بنيامين: فهو يتصور فضاء السريان الجماهيري لنسخة -والسريان الجماهيري في العموم- بوصفه فضاء معمَّمًا، ومحايدًا، ومتجانسًا. فيصر على التميّز البصري، على تفرد النسخة إذ تسري في ثقافتنا المعاصرة. لكن كلا هذين الافتراضين المسبقين التأسيسيين يستحقان المساءلة. ففي إطار الثقافة المعاصرة، تسري الصورة على الدوام من وسيط إلى آخر، ومن سياق مغلق إلى آخر. وعلى سبيل المثال، يمكن عرض نتفة من مادة فيلمية مصورة في دار سينما، ثم تحويلها إلى شكل رقمي لتظهر على الموقع الإلكتروني لأحدهم، أو عرضها خلال مؤتمر كمادة توضيحية، أو مشاهدتها مشاهدة خاصة على تلفزيون في غرفة معيشة الشخص، أو وضعها ضمن تجهيز متحفي. على هذا النحو، عبر سياقات ووسائط مختلفة، تتحول هذه القطعة الفيلمية بواسطة لغات برمجية مختلفة، برمجيات مختلفة، تأطيرات مختلفة على الشاشة، تحديد مختلف لموضعها من فضاء تجهيز، وهلم جرا. فهل نحن نتعامل، طوال هذا الوقت، مع المادة المصورة نفسها؟ أهي النسخة نفسها من النسخة نفسها من الأصل نفسه؟ الحال أن طوبولوجيا شبكات الاتصال والتوليد والترجمة والتوزيع الخاصة بالصور اليوم بالغة التغايُر. فالصور دومًا تتحول، وتعاد كتابتها، ويعاد تحريرها، وتعاد برمجتها، إذ تسري عبر هذه الشبكات -تتبدل بصريًا في كل خطوة. أما وضعها الخاص بكونها نسخًا عن نسخ فيصبح عرفًا ثقافيًا يوميًا، كما كان وضع الأصل في السابق. يقترح بنيامين أن التكنولوجيا الجديدة قادرة على إنتاج نسخ أمينة أمانة متزايدة للأصل، بينما العكس هو الحاصل في الحقيقة. يتخذ التفكير في التكنولوجيا المعاصرة شكل أجيال- وأن تنقل المعلومات من جيل حاسوبي وبرمجي إلى جيل تالٍ يعني أن تحدث فيها تحولًا يعتد به. وفكرة «الجيل» الاستعارية بالذات وفق استعمال الكلمة الآن في سياق التكنولوجيا أمر كاشف. فحيث توجد أجيال، توجد أيضًا صراعات أوديپية جيلية. وكلنا نعرف ما يعنيه نقل تراث ثقافي معين من جيل من الدارسين إلى جيل آخر.

 نحن عاجزون عن تثبيت النسخة كنسخة، كما نعجز عن تثبيت الأصل كأصل. لا توجد نسخ خالدة كما لا توجد أصول خالدة. إعادة الإنتاج تشوبها الأصالة كما أن الأصالة تشوبها إعادة الإنتاج. في سريانها عبر شتى السياقات، تصبح النسخة سلسلة من مختلف الأصول. كل تغير في السياق، كل تغير في الوسيط، يمكن تفسيره بوصفه نفيًا لوضع النسخة كنسخة -بوصفه انقطاعًا جوهريًا، بداية جديدة تفتتح مستقبلًا جديدًا. وبهذا المعنى، فالنسخة ليست أبدًا نسخة حقًا، وإنما بالأحرى أصل جديد، في سياق جديد. كل نسخة هي بذاتها متصعلك -يَخبُر مرة تلو مرة «إضاءات نورانيته الدنيوية» التي تحيله إلى أصل. تفقد هالات قديمة وتكسب هالات جديدة. وربما تبقى هي النسخة نفسها، لكنها تصبح أصولًا مختلفة. ويبين هذا كذلك أن مشروعًا ما بعد حداثي للتأمل في طابع الصورة التكراري، الاستعادي، المعيد للإنتاج (مشروعا يستلهم بنيامين) ينطوي على مفارقة بقدر ما ينطوي عليها المشروع الحداثي الخاص بتمييز الأصلي والجديد. وهذا بالمثل هو السبب في أن الفن ما بعد الحداثي يميل إلى الظهور بمظهر الشيء الجديد جدًا، حتى لو أنه -أو في واقع الأمر لأنه- موجه ضد فكرة الجديد ذاتها. وقرارنا الخاص بتمييز صورة معينة إما كصورة أصلية أو كنسخة قرار يعتمد على السياق -على المشهد الذي نتخذ داخله هذا القرار. هذا القرار دائمًا قرار معاصر -قرار لا ينتمي إلى الماضي ولا إلى المستقبل، وإنما إلى الحاضر. وهذا القرار دائمًا أيضًا قرار سيادي -والتجهيز، في الحقيقة، فضاء لاتخاذ مثل هذا القرار حيث تنبثق «الهنا والآن» وتحدث النورانية الدنيوية الخاصة بالجماهير الغفيرة.

 يمكن للمرء إذن القول بأن الممارسة التجهيزية توضح اعتمادية أي فضاء ديمقراطي (تُظهر فيه الجماهير الغفيرة أو الحشود نفسها أمام نفسها) على قرارات الفنان الخاصة، السيادية، بصفته مشرع هذا الفضاء. كان هذا أمرًا معروفًا تمامًا للمفكرين الإغريق، كما كان معروفًا تمامًا لمطْلقي الثورات الديمقراطية الباكرة. لكن هذه المعرفة تعرضت في الآونة الأخيرة للإسكات بشكل من الأشكال على يد الخطاب السياسي المتسيد. ونحن، على الأخص بعد فوكو، نميل إلى رصد مصدر السلطة وتعيينه في كيانات فاعلة، وبنى، وقواعد، وصيغ تفاهم اعتبارية غير مشخصنة. غير أن هذا الانتباه المثبّت على آليات السلطة الاعتبارية غير المشخصنة قادنا إلى إغفال أهمية القرارات والأفعال الفردية، السيادية، التي تحدث في فضاءات خاصة متواجدة في غير موضعها (هيتيروتوپية، استخدامًا لمصطلح آخر أدخله فوكو). وبالمثل، فللسلطات الديمقراطية الحديثة أصول ما وراء اجتماعية، ما وراء جماهيرية، متواجدة في غير موضعها. وكما سبق أن ذكرنا، فالفنان الذي يصمم فراغًا تجهيزيًا معينًا هو غريب على هذا الفضاء. هو متواجد في موضع مغاير بهذا الفضاء. لكن الغريب ليس بالضرورة شخصًا يتعين إدماجه ليتسنى تمكينه. فهناك كذلك تمكين عن طريق الإقصاء، وعلى الأخص عن طريق إقصاء الذات. قد تكمن قوة الغريب تحديدًا في عدم خضوعه لسيطرة المجتمع، وفي أنه لا يحد أفعاله السياسية أي نقاش عام أو أي احتياج لتبرير الذات العلني. وسيكون من الخطأ الظن بأن هذا النوع من الخارجية القوية يمكن محوه بالكامل من خلال التقدم الحديث والثورات الديمقراطية. فالتقدم عقلاني. أما الفنان، وليس هذا اعتباطًا، فتفترض فيه ثقافتنا الجنون -الهوس على أقل تقدير. اعتقد فوكو أن المطببين الشعبيين والساحرات والأنبياء لم تعد لهم مكانة بارزة في مجتمعنا -أنهم صاروا منبوذين، محتجزين في المصحات العقلية. لكن ثقافتنا هي في المقام الأول ثقافة نجوم ومشاهير، وأنت لا يمكنك أن تصبح نجمًا مشهورًا دون أن تكون مجنونًا (أو على الأقل مدعيًا للجنون). من الواضح أن فوكو قرأ كتبًا علمية أكثر من اللازم ولم يقرأ إلا القليل من مجلات المجتمع الراقي والنميمة، وإلا لعرف أين يوجد المجانين اليوم وما موقعهم الحقيقي في المجتمع. من المعروف تمامًا كذلك أن النخبة السياسية المعاصرة جزء من ثقافة النجوم والمشاهير العالمية، وهو ما يعني القول إنها غريبة على المجتمع الذي تحكمه. وهذه النخبة، العالمية، الكائنة خارج الديمقراطية، العابرة للدول، الغريبة على أي مجتمع منظم ديموقراطيًا، ذات الطابع الخاص حسب الصيغة المتعارف عليها، هذا النخبة هي بنيويًا مجنونة -مخبولة.

 وأخيرًا، لا ينبغي فهم هذه التأملات خطًأ كنقد للتجهيز الفني من حيث كونه شكلاً فنيًا عن طريق إظهار طابعه السيادي. فغاية الفن، في آخر المطاف، ليست تغيير الأمور -الأمور تتغير من تلقاء نفسها طوال الوقت على أي حال. ووظيفة الفن بالأحرى هي عرض وإظهار الأحوال الواقعة التي تُغفَل في العموم. ومن خلال تحمل المسؤولية الجمالية، على نحو شديد الصراحة، عن تصميم فراغ التجهيز، يكشف الفنان البعد السيادي الخفي في النظام الديمقراطي المعاصر، وهو البعد الذي تحاول السياسة، في الجانب الأكبر، أن تخفيه. وفراغ التجهيز هو المكان الذي نتواجه فيه مباشرة مع الطابع الملتبس الخاص بالفكرة المعاصرة عن الحرية والتي تؤدي في ديمقراطياتنا وظيفتها كتوتر قائم بين الحرية السيادية والمؤسسية. وهكذا فإن التجهيز الفني هو فضاء كشْف (بالمعنى الهايدغري) لمحجوبات السلطة السيادية المتواجدة في غير موضعها، والمخفية وراء شفافية النظام الديمقراطي المبهمة.

 

[i] Jacques Derrida, La dissémination (Paris: Éditions du Seuil, 1972), 108ff.

[ii] Marquis de Sade, La Philosophie dans le boudoir (Paris: Gallimard, 1976), 191ff.

[iii] اقتراح لبديل عن «قيِّم» و«منسِّق»: قام (على المعرض)، يقوم، قياما، فهو قائم (قيِّم) وهي قائمة (قيِّمة)، والمفعول به مَقُوم، ومنها الدراسات القيّمية = نَسَق (وليس نسَّق) يَنْسُق نَسْقا فهو ناسِق وهي ناسِقة، والمفعول به مُنسَق ومَنسوق، ومنها الدراسات الناسِقية. والقيمومة هي الناسِقية. والعمل القيِّمي (أي القيام على الشيء) هو النَّسْق.—المترجم.

[iv] Walter Benjamin, «The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction,« in Illuminations: Essays and Reflections, ed. Hannah Arendt, trans. H. Zohn (New York: Schocken Books, 1969), 221ff.

اعلان
 
 
بوريس جرويس 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن