«سيتي كلوب».. الاستثمار في أحلام الطبقة الوسطى بالأقاليم
 
 
المصدر: فيديو ترويجي على قناة سيتي كلوب على فيسبوك
 

ربما قد مر عليك أثناء متابعة التلفزيون في شهر رمضان الماضي إعلان لنوادي «سيتي كلوب». يبدأ الإعلان برب أسرة من الطبقة الوسطى يعلن طموح أسرته في «نادي يكون مش غالي». يستمر بقية أفراد الأسرة كذلك في طرح متطلباتهم من النوادي. الابن المحب للكرة يريد «كابتن مش عجلاتي»، لينتهي الإعلان بالحديث عن «اسكالوب بانيه» يمكن أن تأكله تلك الأسرة في «سيتي كلوب» دون أن «تدفع ألف جنيه».

نادي سيتي كلوب نادي مش عادي

احجز مكانك بسرعة في المرحلة الأولى من سيتي كلوب#سيتي_كلوب#نادي_مش_عادي#نفسك_فنادي_فيه_أيه

Posted by Estadat on Monday, 4 May 2020

انطلاقًا من هذه الوعود الدعائية، والتي تبيع حلم أن تكون الطبقة الوسطى العليا في حضر الأقاليم «مثل القاهرة» بدون أن تكون في القاهرة، يقدم «سيتي كلوب» هذا الوعد لمستهلكيه المنتظرين.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من مدن الأقاليم لديها أندية اجتماعية خاصة بالطبقة الوسطى، إلا أن التمايز فيها بين فئات الطبقة الوسطى المختلفة والطبقات الأدنى لم يكن واضحًا كما هو الحال في الأندية الأكبر والأكثر عراقة. فأسعار اشتراكاتها الرخيصة نسبيًا، والاستثناءات التي يحصل عليها المهنيون في كثير من الحالات، وإدارات تلك الأندية التي تفتح الاشتراكات بشكل واسع من أجل الحصول على الموارد المالية، كانت عوامل مهمة في تنوع الفئات المشتركة في مثل تلك الأندية، وغياب تمييز طبقي واضح بها. 

استمر هذا طوال عقود، لكن الجديد هو ارتباط غياب هذا التمييز الطبقي، أو بمعني أصح الاستبعاد الطبقي للفئات الدنيا طبقيًا، بجودة الخدمة في مخيلة جمهور هذه الأندية الاجتماعية. ما يجعل نادٍ مثل الجزيرة يقدم خدمات جيدة هو أنه نادٍ مرتفع التكلفة وحصري لفئات بعينها، لكن حلم إنتاج «الجزيرة» في الأقاليم يجب أن يراعي أيضًا أن القدرات الاستهلاكية للطبقة الوسطي في حضر الريف ليست كما القاهرة. كما يجب كذلك أن يراعي، وعلى نفس القدر من الأهمية، طبيعة التطلعات الطبقية لهذه الشريحة، والتي تتوقع نوعًا معينًا من الخدمات. «سيتي كلوب» يَعْد بجودة «الجزيرة» ولكن بدون أن تدفع اشتراك «الجزيرة».

كيف يمكننا إذًا أن نفهم هذا التطور النوعي في ذلك الاستهلاك؟ وكيف تلعب الدولة، ليس بوصف «سيتي كلوب» تابعًا لأحد أجهزتها السيادية فقط، لكن من خلال غياب الاستثمارات العامة في هذا المجال، دورًا محوريًا في إنشاء تلك الجيتوهات الطبقية؟ وكيف لعبت الخصخصة دورًا محوريًا في إنتاج تلك الجيتوهات؟

يمكن القول إن المحفز الرئيسي وراء إنشاء مجتمعات مسورة في مصر كان غياب الاستثمارات العامة التي تخلو من معياري الكفاية والكفاءة، والتوجه إلى خصخصتها. غياب الاستثمار العام في التعليم هو ما دفع بالتعليم الخاص حتى في الأقاليم، وغياب الاستثمار العام في تطوير أندية اجتماعية ومساحات ترفيهية تدمج كل مكونات المجتمع، أو على الأقل تدمج الشرائح الأكبر منه، هو ما أدى لتردي حالة الأندية القائمة، وبالتالي هروب شرائح الطبقة الوسطى المختلفة منها نحو خدمات أكثر جودة يقدمها القطاع الخاص.

تلك الحالة المركبة للتفاعل بين الخصخصة وإنتاج الجيتوهات في مصر كانت بالأساس ناتجة عن تشوهات في إدارة الموارد العامة في مصر تلت عقد السبعينيات، ما أنتج بدوره أنماط استهلاك مشوهة ترسخت مع الوقت بوصفها أنماطًا اعتيادية؛ كي نحصل على التعليم الجيد يجب أن ندفع مبالغ خيالية؛ كي نحصل على السكن الجيد يجب أن ندفع مبالغ خيالية؛ كي نحصل على الترفيه الجيد يجب أن ندفع أيضًا.

بدأ القادرون على الدفع في محاولات الابتعاد عن غير القادرين. تحول المجتمع لجزر منعزلة، بعضها قادر على استهلاك تلك الخدمات، وأغلبها غير قادر، محشورين في تعليم سيء وترفيه سيء وسكن سيء. أصبح حلم الخروج من الأغلبية والانضمام للأقلية التي تتمتع بالحدود الدنيا من تلك الخدمات العنوان العريض لمفاهيم الترقي الطبقي.

يمكننا أن نلحظ هذا النمط بوضوح في مجال الترفيه والرياضة. بحسب الأرقام الرسمية، فإن الحدائق العامة في مصر عام 2017 كانت 74 حديقة عامة. يعني هذا حديقة واحدة لما يقرب من مليون ونصف من السكان. هذا إلى جانب سوء التوزيع الجغرافي لهذه الحدائق. القاهرة التي تمتلك وحدها 39 حديقة عامة، بينما يتوزع الباقي على جميع المحافظات الأخرى.

كما بلغ عدد المنشآت الرياضية التابعة للقطاع الحكومي 84 منشأة في جميع محافظات مصر في عام 2018، أي منشأة رياضية واحدة لما يزيد عن مليون مواطن.

تلك الندرة في الحدائق العامة وسوء حالة الأندية الاجتماعية في المحافظات تخلق الطلب على أندية مثل «سيتي كلوب».

في تجربة «سيتي كلوب» وغيرها من تجارب الاستثمار في الرياضة والأندية الاجتماعية في مصر، والتي يُروج لها على أنها الطريق الأمثل لإدارة المنظومة الرياضية وتخطي انعدام كفاءة الدولة في إدارة هذا الملف، نلاحظ غياب كامل لأغلب المصريين من تلك الخطط. من خطط خصخصة أندية كرة القدم، وحتى إنشاء الأندية الاجتماعية، يغيب المواطن العادي الذي لا يمتلك ثمن الاشتراك في «سيتي كلوب»، أو الدخول لأندية كرة القدم التي يشجعها. المبالغ المطلوبة من أجل الاشتراك في تلك الأندية، والتي تتراوح بين 32-62 ألف جنيه، لن يتحملها سوى القليلون.

يلهث الاستثمار فقط وراء جيوب هؤلاء القادرين على استهلاك مثل تلك الخدمات؛ خلف سيدات بيوت الطبقة الوسطى الطامحين لبناء أواصر التواصل مع مثيلاتهن فقط، ورجال الطبقة الوسطى الطامحين لأن يأكلوا «اسكالوب بانيه» بدون أن يدفعوا «ألف جنيه».

الطامحون لأكل «اسكالوب بانيه» كان لديهم عددًا من الأزمات: الأولى أنهم لا يستطيعون تحمل تكلفته، ألف جنيه كثير فعلًا مقابل «اسكالوب بانيه». الثانية أنهم حتى إذا امتلكوا تكلفته ورغبوا في دفعها، يظل الانضمام إلى مجتمعات الأغنياء المسورة في نواديها الكبيرة خاضعًا لمعايير أخرى من التمييز الطبقي بخلاف القدرة المادية.

يمكن القول إن تلك الأندية الاجتماعية كانت البروفة الأولى للمجتمعات المسورة في مصر. كانت تلك الأندية تعبيرًا عن الحالة المثالية والصافية لإنتاج الفقاعة الاجتماعية التي يعيش بها بشر متشابهون يجمعهم جميعًا السعي الدؤوب لفرز وتصفية كل ما يعتقدون أنه يهدد النسيج الاجتماعي لتلك الأندية.

ارتبط الاشتراك في الأندية الاجتماعية في القاهرة بالغنى. ورغم وجود نوادٍ اجتماعية باشتراكات يمكن للطبقة الوسطى أو الطبقة الوسطى الدنيا أن تتحملها خاصة في المدن الجديدة على أطراف القاهرة، لكن تلك الأندية لا تقدم نفس تجربة أن تكون عضوًا في نادٍ اجتماعي راقٍ.

تاريخيًا، حاولت إدارات الأندية الاجتماعية الراقية ممارسة نوع من الإقصاء الاجتماعي المركب القائم على معايير الدخل والمستوى التعليمي. وارتبط هذا الإقصاء بشكل مباشر بالاقتصاد السياسي لمراكمة الثروات في مصر فيما تلى عقد السبعينيات، والذي أنتج طبقة جديدة حديثة العهد بالثروة ناتجة بالأساس من السفر للخليج أو الاعتماد على أنشطة ريعية مثل المقاولات، حيث دفع الانفتاح الاقتصادي الملاك الزراعيين المتوسطين في السبعينيات والثمانينيات نحو القاهرة للعمل في المقاولات أو في قطاعات أخرى.

تلك النشأة للأغنياء الجدد والناتجة عن حراك اجتماعي لم يعد مستوى التعليم أو الانتماء لعائلات عريقة مهمًا في تحديد تركيبتها الطبقية، أو على الأقل لم يعد مركزيًا كما كان في السابق، جعلت هناك فجوة متزايدة بين الأغنياء القدامى والأغنياء الجدد. مهد هذا لتمييز وإقصاء مركب لتلك الشرائح. وعلى الرغم من مرور ما يقرب من خمسة عقود على بدايات هذا النمط، إلا أنه ما زال حاضرًا في المخيلة المدينية للطبقة الوسطى اليوم، ويعبر عنه في صور عدة حتى في الأجيال الأصغر كالتنمر الاجتماعي على «الفلاحين» في منصات التواصل الاجتماعي.

يمكننا أن نلحظ تجليات هذا الإقصاء المركب داخل الأندية الاجتماعية حتى اليوم. معظم تلك الأندية لها سعرين للعضوية: سعر لحملة المؤهلات الدراسية العليا، وآخر للمتوسطة. وفي كثير من تلك الأندية، يُعقد للمتقدم نوع من «الإنترفيو» كي تحصل على عضوية النادي. هذا بالإضافة إلى نوع من الإقصاء الداخلي بين الفروع المختلفة للنادي الواحد. في النادي الأهلي مثلًا، تبلغ قيمة العضوية في فرع الجزيرة 750 ألف جنيه تتفاوت حسب طريقة السداد والمؤهل التعليمي، بينما في فرع الشيخ زايد تبلغ 250 ألف جنيه. وفي نادي الجزيرة، أحد أشهر الأندية الاجتماعية في ممارسة الإقصاء الاجتماعي، تصل عضوية الفرع الرئيسي بالزمالك مليون جنيه، بينما عضوية فرع 6 أكتوبر 250 ألف فقط.

لم تنجح مجتمعات الأندية المسورة في مصر في إعادة إنتاج تلك الحالة في قطاع السكن بشكل مثالي، لأن السكن هو احتياج أساسي ترتبط اقتصادياته بشكل أكبر بقوى السوق. فالشركة العقارية مضطرة لبيع منتجها لكي تحقق ربح سريع. وبالتالي لا مجال كبير للبحث عن اليوتوبيا الاجتماعية المنشودة في تلك المجتمعات كما هو متاح في تلك الأندية. تلك المجتمعات السكنية المسورة تمارس بحكم الأمر الواقع إقصاءً للأغلبية التي لا تقدر على تحمل تكلفة شراء شقة بمليون أو مليوني جنيه، لكنها لا تستطيع ممارسة هذا التمييز المركب الذي نشهده في حالة الأندية الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن الأندية الاجتماعية تسعى هي الأخرى للربح مثلها مثل الشركات العقارية، إلا أن اشتراكات الأعضاء لا تمثل سوى جزءًا ضئيلًا من إيراداتها.

في الأهلي، تمثل اشتراكات العضوية 7% فقط من إيرادات النادي في 2018. تصل تلك النسبة في وادي دجلة إلى 9% وتنخفض في نادي الصيد لتمثل 4% فقط من إيرادات النادي السنوية. يعزى ذلك إلى تحول تلك الأندية إلى كيانات استثمارية كبيرة، سواء في المجال الرياضي حيث تستفيد من حقوق البث التلفزيوني ومبيعات اللاعبين، أو حتى تحولها لما يشبه المولات، حيث تؤجر مساحات كبيرة للمطاعم والكافيهات ومحلات الملابس وغيرها، وهو ما يشكل الجزء الأكبر من إيراداتها.

كما ارتفعت أسعار الاشتراكات في تلك الأندية ارتفاعًا هائلًا خلال الأعوام الماضية. في 2016، كان سعر العضوية في النادي الأهلي 250 ألف جنيه للمؤهل العالي، وصل الآن، لفرع الجزيرة فقط، 750 ألف جنيه، ما يعني أنها زادت ثلاثة أضعاف خلال السنوات الأربع الأخيرة. نفس الزيادات تقريبًا حدثت مع معظم الأندية الأخرى.

يشير هذا، ربما، إلى أن الزيادات المطردة في أسعار العضوية لم تكن لأهداف اقتصادية بحتة، وإنما بهدف إقصاء فئات، تقع في الطبقة الوسطى بحكم مستوى دخلها، من النفاذ لتلك الأندية كذلك. هذا النظام الدقيق للإقصاء لا يهدف لاستبعاد أغلب المصريين المستبعدين بالفعل لأن دخولهم لا تسمح بالاشتراك، بل يهدف لإزاحة أي خطر ممكن على الانسجام الطبقي المنشود في كل تلك الأندية. هذا الانسجام المنشود يحاول دائمًا تصفية -أو بالمعني الأصح إزاحة- الأعضاء الجدد الذين يمكن أن يكونوا –لا قدر الله– نتاج تراكم حديث للثروة عن الأعضاء القدامى في تلك الأندية.

ماذا إذًا عن الجمهور الأساسي الذي تستهدفه نوادي «سيتي كلوب» من الطامحين لشراء «اسكالوب بانيه»، ويرغبون في دفع بعض الأموال، لكنهم لا يرغبون في دفع ألف جنيه؟ شركة «استادات» المالكة لـ«سيتي كلوب» أعلنت عن زيادة الأعداد التي تقبلها في المرحلة الأولى من 500 إلى 800 عضو في كل فرع، بسبب زيادة الإقبال على الاشتراك في تلك الأندية. في هذا السياق، يبدو السؤال البديهي هو: من هؤلاء؟ وما هو حجمهم؟

الأرقام والإحصائيات الرسمية لا تمنح صورة دقيقة لهؤلاء. متوسطات الاستهلاك التي يقدمها بحث الدخل والإنفاق لا تعطي مؤشرًا على وجود أي شريحة قادرة على تحمل اشتراكات مثل تلك الأندية. على سبيل المثال، يصل متوسط دخل العُشر الأعلى إنفاقًا في مصر إلى 100 ألف جنيه سنويًا، أي حوالي 8300 جنيه شهريًا فقط، وهو متوسط متدنٍ جدًا بالنسبة لأعلى 10% دخلًا في مصر. يعني هذا أنه، وطبقًا للأرقام الرسمية، حتى أغنى 10% في مصر لا يمتلكون تحمل اشتراكات نوادي «سيتي كلوب». ما هي الفئة التي يستهدفها «سيتي كلوب» إذًا؟

الإجابة ببساطة أن تلك الفئة لا تظهر في بحث الدخل والإنفاق، ولا كثير من البيانات التي تجمعها الحكومة حول الدخول. هذه الفئة يمكن أن نرى مؤشرات على وجودها دائمًا في أرقام وإحصائيات أخرى، لكن ليس هناك أرقام واضحة حول حجم دخولها.

أحد المؤشرات على وجود تلك الفئة «الشبحية» مرتفعة الدخول في حضر المحافظات تحديدًا هو ارتفاع الاستهلاك السنوي للشريحة الأغنى في الحضر بنسبة كبيرة عن الريف. ففي حين يصل متوسط الإنفاق الفعلي في الشريحة الأغنى في الريف إلى 61 ألف جنيه سنويًا، فإن تلك الشريحة تنفق ما يوازي 101 ألف جنيه في الحضر.

كما ارتفعت بشكل كبير نسبة الإنفاق في الحضر على بندي الثقافة والترفيه، حيث يشكل الإنفاق على البندين 3.5% من الاستهلاك السنوي، مقابل 1.2% فقط في الريف.

كل هذا يدل على وجود فئة راغبة في دفع عشرات الآلاف من الجنيهات للاشتراك في نادٍ في حضر المحافظات سواء في الصعيد أو في الوجه البحري، والحصول على خدمات يصفها المسؤولون عن «سيتي كلوب» أنها سوف تكون بمستوى الخدمات المقدمة من قبل أكبر الأندية في القاهرة.

هذه الفئة لم تكن محرومة بشكل كامل من الأندية الاجتماعية الموجهة للطبقة الوسطى. هناك أندية اجتماعية قائمة بالفعل في تلك المحافظات، بعضها تابع للقطاع الخاص ومنها أندية النقابات المهنية، وبعضها تابع لوزارة الشباب والرياضة.

بحسب الأرقام الرسمية، بلغ عدد المنشآت الرياضية في مصر بما يشمل مراكز الشباب 5148 منشأة في 2018. يمكن أن نلحظ في الجدول التالي لأعداد الأندية الاجتماعية بدون مراكز الشباب تلك الوفرة الكمية. على سبيل المثال، هذه هي الأندية المتوفرة في المحافظات المزمع إنشاء فروع لـ«سيتي كلوب» فيها:

المحافظةأندية القطاع الحكوميالأندية التابعة لشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العامأندية القطاع الخاص (أندية النقابات والشركات الخاصة والأندية الاجتماعية الاستثمارية)إجمالي
السويس25512
الشرقية712129
البحيرة31821
كفر الشيخ51621
المنوفية123235
دمياط5914
بني سويف511218
سوهاج343340
المنيا541221
أسيوط322025

إذا كان كل هذا متوافرًا، لماذا تحتاج هذه الفئة إذًا إلى «سيتي كلوب»؟

معظم هذه النوادي مفتوحة العضوية وليست مغلقة، تقدم تسهيلات كبيرة في طرق سداد اشتراكاتها. يمكننا أن نلحظ ذلك في أرقام نشرة النشاط الرياضي 2018، والتي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، حيث يبلغ عدد الأعضاء في نوادي القطاع الخاص في مصر حوالي 3.2 مليون عضو، مقسمة على 560 نادٍ. أي أن متوسط أعضاء النادي حوالي 5600 عضو. هذا الرقم كبير للغاية، خصوصًا وأن معظم تلك الأندية صغيرة المساحة وليس بها الكثير من المنشآت الضرورية، وهو ما يتضح من حجم الأنشطة الرياضية التي تمارس فيها، والتي تغيب عنها ألعاب رياضية كثيرة.

الأهم من هذا أن هذه النوادي لا تبيع نفس «السلعة»، بمعنى أنها لا تقدم نفس الميزة النسبية التي تتمتع بها الأندية الاجتماعية في القاهرة من حيث مستويات التجانس الطبقي، ومستويات الأمان الجسدي. هذه النوادي لا تقدم كذلك المعايير الجمالية المطلوبة في هذا النمط من الاستهلاك.

لم تعد متطلبات استهلاك الطبقة الوسطى مجرد وجود مكان لتدريب الأبناء على تعلم السباحة، مهم أيضًا من هو المدرب؟ هل يتحدث الإنجليزية؟ كيف يتعامل هذا المدرب مع هؤلاء الأطفال الذين يرتادون في أحيان كثيرة مدارس خاصة أجنبية؟ هل تتوافر ألعاب ورياضات متنوعة يمكن لأبناء الأقاليم أن ينعموا بها؟ هذا التحول في المعايير الاستهلاكية لم يكن فقط حبيس الأندية الاجتماعية، ولكن امتد لكل شيء، بدايةً من الترفيه على الشواطئ في الساحل الشمالي وحتى التعليم في المدارس الأجنبية بأسعار خيالية. يدفع هؤلاء تلك الأسعار الخيالية من أجل شراء شاليه في الساحل أو إدخال أبنائهم إلى مدارس «إنترناشونال» لا لشيء إلا ليكونوا مثل الطبقة الأعلى منهم.

تلك التغيرات العميقة في أنماط الاستهلاك صاحبت خصخصة المساحات والخدمات العامة في العقود الأخيرة، والتي أنشأت ما يمكن تسميته بالجيتوهات التي بدأت في البداية بالطبقة العليا في مصر ثم سارعت الشرائح الأعلى من الطبقة الوسطى في محاولة الانتماء لها، أو خلق أنماط استهلاك مشابهة لكنها أرخص إذا كانت عاجزة على النفاذ لتلك الجيتوهات.

هذا بالتحديد ما تحاول «سيتي كلوب» بيعه. ربما لا تمتلك هذه الشريحة من الطبقة الوسطى مئات الآلاف من الجنيهات للاشتراك في نادي الجزيرة، لكن هذا لا يعني ألا تحصل على خدمة مثيلة. الخدمة هنا لا تتعلق بجودة السلعة نفسها، بل بجودة ما يحيط بالسلعة. يمكن لابنتك أو ابنك أن يتمرنوا في حمام سباحة مع مدرب يتحدث الإنجليزية حتى لو لم يقودها هذا التدريب لأن تصبح سباحة عالمية إذا امتلكت الموهبة. يمكن لك أن تأكل «اسكالوب بانيه» الذي يمكن الحصول عليه في مطاعم كثيرة في الأقاليم، لكن الأهم أنك يمكن أن تأكله مع أصدقائك في مطعم داخل أسوار النادي المغلقة كما يفعل الآخرون في نادي الجزيرة، ودون الحاجة لدفع ألف جنيه.

اعلان
 
 
محمد رمضان 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن