تصورات لتعايش الإسلاميين والعلمانيين

إن كنت 1) تستطيع التمييز بين درجات الألوان المختلفة و2) تعرف الناس بالحق لا الحق بالناس و3) تفترض العقل في الكاتب ومن ثم تفسر حديثه بطريقة منطقية و4) قادر على الاتفاق مع بعض جوانب الفكرة والاختلاف مع بعضها، فهذا المقال موجه لك.

أما إن كنت 1) ممن لا يرون الفروق بين درجات الفعل المختلفة، والناس عندك إما متحالفين أو متقاتلين (وبالتالي ترى في التعايش تحالف أو استسلام)، أو 2) ممن يقيّمون الفكرة بناءً على تخيلهم لدوافع الكاتب الشخصية ومصلحته، أو 3) ممن يحولون الفكرة لأكثر صورها تطرفًا وسخافة ثم يسفهون النسخة السخيفة التي صنعوها (من نوع هل تريد فتح مكتب لتنظيم «داعش» في القاهرة وتوزيع حلويات على من يطلقون النار علينا)، أو 4) ممن يرفضون عموم الفكرة لاختلافهم مع جزئية تفصيلية فيها، فلا فائدة ترجى من قرائتك للمقال أو من الحديث معك.

ما هي المشكلة التي تستدعي حلًا؟

  1. أول جوانب المشكلة حقيقة واقعة، وهي أن المجتمعات العربية كلها تضم علمانيين، أي ناس يرون أن الدين لا علاقة له بشكل الدولة وإنما هو أمر شخصي واجتماعي، وإسلاميين، أي ناس يرون أن الإسلام دين ودولة ولا يمكن الفصل بينهما دون إهدار للدين ذاته. بالطبع هناك أشكال وألوان من العلمانيين ومن الإسلاميين، لكن هذا ما يجمعهم. المجتمعات العربية تضم أيضًا أتباع ديانات أخرى وملحدين لا يهمهم الإسلام ولا القرآن ولا السنة في شيء. كما تضم مسلمين (بالميلاد) غير مؤمنين، وعلاقتهم بالإسلام مثل علاقة الملحدين. وتضم مسلمين يرون أن الإسلام دين لا دولة، ويخشون الخلط بينهما، ومقتنعين أن أنصار الإسلام السياسي مخطئين في تصورهم للسياسة والدين معًا.
  1. ثاني جوانب المشكلة أن كل طرف مؤمن بأن الطرف الآخر ليس صاحب رؤية تُحترم وينبغي التعايش معها وإنما ضال مضل، ينبغي علاجه واستئصال شأفة ضلاله. فالإسلامي الذي يدعو للحوار، يأمل أن يسفر هذا الحوار عن بيان حقيقة الدين لهؤلاء العلمانيين التائهين، فيطمئنهم ويعيدهم للفهم الصحيح للإسلام، فتصبح كلمة الله هي العليا، ويصبحوا بما فعلوا فرحين. والعلماني الذي يدعو للحوار أيضًا متأكد من خطل الإسلاميين، وهو على ثقة من أن «الإسلام الحقيقي» لا يحمل هذه الأمور التي ابتدعها الإسلاميون من جهلهم بالدين، وبالتالي يأمل في ردهم لجادة الصواب. وهذا وضع لا يدع مجالًا حقيقيًا للحوار، وإنما لمناظرات ومهاترات يسعى كل طرف فيها لإحراج الآخر وبيان خلطه وخطله. وفي النهاية، حين يفشل الحوار -طبعًا- يلجأ كل طرف للعنف، سواء كان إرهابًا أو سجنًا وتنكيلًا. ومن يسيطر على أجهزة الدولة والتعليم والإعلام يسعى لـ «إعادة تربية» المجتمع كي يتوافق مع رؤيته: سواء فعلها علمانيون لطفاء مثل بورقيبة في تونس، أو إسلاميون أقل لطفًا مثل نظام الترابي والبشير في السودان.
  1. ثالث جانب للمشكلة أن لا هذا الطرف يستطيع الانتصار ولا ذاك. بعد أكثر من 200 عام من ظهور الدولة الحديثة في المنطقة العربية، بعد 200 عام من التنوير و200 عام من ظهور الحركة الوهابية، بعد 100 عام من ظهور تنظيمات الإسلام السياسي الحديثة، وبرغم استماتة كل طرف في إزاحة الآخر، لم ينجح أحد. يتغير الوزن النسبي لكل جماعة، لكن لا أحد يختفي: لا الرؤية تختفي، ولا التنظيمات التي تسعى لتحقيقها. وما لم يكن لدى طرف حل سحري لم يتم تجربته أبدًا ويمكنه جعل الآخرين يتبخرون، يمكن المراهنة بثقة شديدة أن الجميع باق معنا: إسلاميين وعلمانيين، مسلمين وكفار ونصارى وبهائيين وملاحدة وما يستجد من عقائد ولا عقائد.
  1. رابع جوانب المشكلة أن الهوة التي تفصل العلمانيين والإسلاميين حقيقية وعميقة، ولم ينجح أحد حتى الآن في جسرها. الإسلاميون «المعتدلين» هم مجرد صورة لطيفة سلمية وتدرجية لنفس رؤية الإسلاميين المتطرفين. والعلمانيون الذين يدعون لمهادنة الإسلاميين أو التحالف معهم يحاولون الغطرشة على عمق الخلاف على أمل أن يتطور الإسلاميون مع الوقت إلى علمانيين -على الأقل من الناحية العملية. الصراحة راحة: الهوة عميقة ولم ينجح أحد إلى اليوم في جسرها.

5- مع ذلك، وهذا هو الجانب الخامس للمشكلة، فإن استمرار هذا الصراع معناه القبول بدرجة عالية من القمع السياسي والاجتماعي، لا تسمح بقيام ديمقراطية ولا تسمح بممارسة الحرية حتى ولو في حماية الدبابات. طبعًا يمكن للقاريء أن يقول: «تبا للديمقراطية»، لكن المشكلة أن غياب الديمقراطية هو أيضًا غياب للحكم الرشيد، وفتح الباب لاستبداد دائم وفاشل (مثل استبداد مبارك لا استبداد الصين). لأن الاستبداد العربي لا يستطيع البقاء والاستمرار دون تقديم تنازلات كبرى لقوى اجتماعية وسياسية تحول دون رشادة الحكم (بغض النظر عن ديمقراطيته). أي أن استمرار هذا الصراع يعني استمرار التخلف والفساد والفشل بصوره المتعددة (إن كنت ترى أن نماذج مثل عبدالناصر أو بورقيبة أو شاه إيران أو أتاتورك أو البشير أو الخميني هي نماذج ناجحة ويمكن تكرارها، ارجع الى نقطة 3. وإن كنت -بعد إعادة قراءة نقطة 3 – لا ترى لم لا يمكن لهذه النماذج تقديم حلًا فلا فائدة من مواصلتك القراءة).

لماذا يجب السعي الآن لحل المشكلة؟

سؤال مشروع: إن كنا نعيش في ظل هذا الصراع منذ أكثر من قرنين، فما الجديد؟ لماذا يجب أن نسعى الآن لحله رغم الصعوبة؟

1. السبب الأول هو تفاقم فشل النظم السياسية العربية لدرجة أصبحت تهدد حياتنا نفسها. لم يعد الأمر يتعلق فقط بفشلها في تحقيق الطموحات القومية التاريخية للعرب، وإنما أصبح فشلًا في إدارة الحياة العامة نفسها، تفاقم مع زيادة السكان والتطور التكنولوجي السريع في العالم. تفاقم فشلنا وتسارع نجاحات الآخرين تغرقنا -أحيانا حرفيًا. الانتفاضات العربية اندلعت ضد هذا الفشل، فاستحضرت معها الصراع التاريخي بيننا وبين بعضنا، وبما إننا لا نعرف كيف نديره بشكل يحفظ للجانبين القدرة على التنفس والنمو، سقط بعضنا في براثن الصراع (سوريا وليبيا)، وسقط بعضنا في الحكم السلطوي مجددًا (مصر)، ولا يزال بعضنا يحاول الطفو (تونس). لن نتمكن من مواجهة فشل الدولة وإقامة دولة حقيقية وحديثة دون إيجاد إطار يسمح لنا بالتعايش.

2. تفاقم حدة الصراع الاجتماعي والثقافي نفسه. بغض النظر عن الأسباب (يمكنك مراجعة رأيي عن الأسباب هنا) فإن أنصار كل رؤية، من الليبرالي إلى السلفي، لم يعد قانعًا بممارسة رؤيته في الخفاء، بل يريد الجهر بها والدعوة لها ولا يفهم لم يتدخل الآخرون في اختياراته ولا يقبل هذا التدخل تحت أي مسمى، وأحيانًا يكون مستعدًا للتضحية بحياته ذاتها من أجل ممارسة هذا الحق. في ظل هذه الحدة، لا يمكن الطرمخة على الخلافات: إما التعايش وفقًا لصيغة واضحة أو التطاحن.

3. اتضاح استحالة انتصار أي من الفريقين: لا قصف الناتو لطالبان، ولا براميل الأسد المتفجرة، ولا تفجيرات تنظيم «الدولة» وحزه للرقاب وسبيه للنساء، ولا رابعة وسجون مصر العامرة، ولا أي شيء يقضي على العلمانيين أو على الإسلاميين. ومن ثم، لو كان لدينا بعض العقل، لأدركنا أن بذل الجهد لإيجاد الحل الصعب، بما يتضمنه ذلك من تقديم للتنازلات، أفضل للجميع.

اعتبارات لا مفر منها

إن أردنا بناء إطار للتعايش الحقيقي يسمح للمجتمع بالحياة الصحية ويسمح بقيام نظام سياسي رشيد (لا طرمخة الخلافات مثلما حدث في مصر بين العلمانيين والإسلاميين المعارضين لمبارك خلال 2005-2012، وليس الحياة في ظل نظام يقمع الجانبين ويسمح لهما بالتنفيس في نفس الوقت مثل نظام مبارك)، فعلينا مراعاة الاعتبارات التالية:

  1. أن الإسلام مرجعية الإسلاميين وحدهم، بغض النظر عما يشكله الإسلام الحقيقي والفروق بينه وبين «المفاهيم المغلوطة» للدين. فهذه مناقشات فقهية تخص الإسلاميين (في شقها المتعلق بالسياسة والأمور العامة) وتخص عموم المسلمين المؤمنين الذين يسعون لفهم دينهم. لكنها لا تلزم المواطنين الذين يرفضون بناء الحياة العامة على أساس ديني، أي العلمانيين، أو غير المؤمنين.
  1. أن الأغلبية، أيًا كانت توجهاتها، لا تستطيع ولا يحق لها فرض تصوراتها وقيمها ومعتقداتها على الأقلية ولا حتى على فرد واحد يرفضها. الدفع بأن لكل مجتمع قيود وحدود على الحرية، أو بأن حرية العقيدة والرأي والتوجه مكفولة بشرط عدم الجهر بها إن تعارضت مع معتقدات الأغلبية هو من قبيل المهاترات الفكرية التي يرددها الناس لإنهاء الحوار والشعور بأنهم أفحموا خصومهم، لكنه لا يقدم أساس حقيقي أو متين للتعايش بين الإسلاميين والعلمانيين.
  1. أن العلمانيين لا يحق لهم فرض علمانيتهم على الإسلاميين، الذين يرون أن الدولة التي «لا تقيم شرع الله»، أو لا تحترم «السيادة الإلهية»، هي دولة كافرة يجب عليهم تغييرها (سواء بالتدريج والدعوة أو بالإكراه). إن إراد العلمانيين فعلًا التعايش مع الإسلاميين، فعليهم الإقرار بحق هؤلاء في الحياة الدينية كما يرونها هم لا كما يراها العلمانيون.

البدائل المتاحة 

كل ما سبق يعني أن أمامنا ثلاث مسارات إيجابية لا رابع لهم في رأيي:

الأول: أن يأتي الإسلاميون بتصور للدولة، يلبي متطلباتهم الشرعية الأساسية ويوجد مسوغات شرعية -من وجهة نظرهم- تسمح للأفراد والجماعات التي لا تريد الالتزام بالإسلام بممارسة حرياتهم المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، سرًا وعلانية. يقتضي هذا منهم مراجعة رؤيتهم للعلاقة مع غير المسلمين، وتعريفهم لمن هو المسلم، والمرتد، ومعنى الدعوة. بعض كتاب السلفية الجهادية والجماعات الإسلامية بدأوا هذا العمل في سياق المراجعات (في التسعينات) وفي بحثهم لمسوغات الجهاد بعد ظهور تنظيم «الدولة»، لكنه عمل لا يزال غير مكتمل. بديهي أن مثل هذا التصور سيطرح صعوبات غير مسبوقة على الفكر السلفي والإسلام السياسي عمومًا، ولكن.

الثاني: أن يأتي العلمانيون بتصور للدولة يفسح مجالًا للإسلاميين بالعيش وفقًا لرؤيتهم للسياسة والدين -على غرار الجماعات الدينية الأصولية التي تعيش في ظل نظم علمانية، أو في إطار جديد يسمح بتنوع التشريعات داخل الدولة، سواء نظام فيدرالي (مثلما الحال مع بعض العقوبات التي تفرضها ولايات أمريكية في حين تحظرها ولايات أخرى)، أو في نظام شخصي اختياري (مثلما فعلت تونس مع مسألة المساواة في الإرث أو مثلما يحدث مع قانون الأحوال الشخصية لكن بما يتجاوز الأحوال الشخصية). وبديهي أن هذا التصور يطرح صعوبات غير مسبوقة على مفهوم الدولة الحديثة والقانون، ولكن.

الثالث: التوصل لهدنة طويلة المدى، لنقل 25 عامًا، نتفق خلالها على مبادئ حاكمة غير قابلة للتغيير وأخرى نتركها للصندوق الانتخابي يحسمها. ومن البديهي أن ملامح هذه الهدنة لن تكون مثالية لأي من الطرفين، لكنها هدنة، ومن ثم يستطيع كل طرف أن يعزي نفسه ومناصريه بأن المستقبل سيحقق فيه كل أحلامه. في نفس الوقت تسمح لنا هذه الهدنة بأن نلتفت للتحديات العملية  التي تواجهنا.

 أما إن لم نتمكن من إيجاد إطار يسمح لنا بالتنافس والتعايش سلميًا، بحيث نستطيع البدء في بناء دولة حديثة ذات نظام سياسي يسمح لنا بالصعود إلى وش الدنيا، فسنستمر في الصراع الدائر منذ 200 عام. يتمكن هذا الجانب حينًا وذلك أحيانا، وغالبًا يتمكن نظام سلطوي يقمع الجانبين بدرجات متفاوتة، ويحاول إبقاء المركب عائمة دون الوصول لأي مكان إلا في خيال إعلامه الموجه، حتى تأتيه موجة لم يحسب لها حسابًا فتغرقه ونحن معه، ونجد أنفسنا مبعثرين على مياه المتوسط يصور مراسلو الصحف الأجنبية جثثنا.

اعلان
 
 
عز الدين شكري فشير 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن