ديتوكس| دع عنك لومي
 
 

#جو عام

بداية، نحن لا نعرف على وجه الدقة أين تقع الأخلاق أو مصدر أحكامها، هل هي في جسم الإنسان، أم خارجه، تنبت من الأرض شيطانيًا، أم يزرعها الآباء في نفوس الصغار، أم يفعل ذلك بشكل مجازي المجتمع؟ رغم ذلك، نجدها حولنا، تحاصرنا في كل مكان؛ شلالات تعليقات السوشِال ميديا، أو الميديا الرسمية، أو قرارات الحبس وأحكام القوانين. وذلك دون مراعاة لخصوصية أو اختيارات المرء أو مشاعره، واختلاف فرد عن غيره.

مارك شاجال، Spring, from Daphnis and Chloe

تعبّر الأحكام الأخلاقية عن قيم افتراضية تتفق معها الأكثرية، لتقيّم الأقلية، أو هكذا يُقال. لكن افتراض أننا جميعنا يجب أن نتشابه، عجيب، فلا نعرف إلى أين سيصل بنا.. هل سيكون المجتمع جميلًا في حال الالتزام بأخلاق «الكل»؟

ورغم وجود الأخلاق في القوانين، وعيشنا في مجتمع أبوي محافظ، فلا أحد سعيد، والفرد معذب في بحثه عن الطريق.

الحياة معقدة بشكل لا يحتمل الامتثال لحكم النفس على النفس، أو لوصاية أحكام أخلاقية، فالواحد منّا يكفيه ما يجابه من تحديات، وما يتحرك نحوه من طموحات، ومقابل ذلك يمنى بالخيبات.

وفي ظل الوباء، نكتشف كوننا قلة، بل نتعرف على راحتنا في كوننا كذلك، أن التعبير عن مشاعرنا، حزننا، خسارتنا، مللنا، كل ذلك هو ميزتنا الفردية التي توحدنا في هذه اللحظة، وإن لم نتفق على الكثير من الأمور.

فإن حزّنا، فإنّا لا نهن، بل نقاوم، ولا نبالي كثيرًا بـ«الجادجمِنت» المحافظ، طالما لا نؤذي أحدًا. و«دع عنك لومي فإن اللوم إغراء/ وداوني بالتي كانت هي الداء. فقل لمَن يدعي في العلم فلسفة/ حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء»، كما قال أبو نواس في شِعره.

#قراءة

-اليوم عيد ميلاد سلمان رشدي (1947)، نستعيد لحظات صعبة من حياته، حين قال: «أنا رجل ميت».

[يمكن سماع بودكاست «فتوى» (بالإنجليزية) من إنتاج «بي بي سي» عن إهدار دم الكاتب البريطاني باكستاني الأصل، من قِبل روح الله الخميني، في 14 فبراير 1989، والعياذ بالله.. كل سنة وأنت طيب يا سلمان]

سلمان رشدي

وخلال الأسبوع الماضي مررنا دون أن ننتبه بـ«يوم السيد بلووم»، الثلاثاء الماضي، وهو أحد الأيام الأدبية المجيدة ففيه تدور أحداث «عوليس» للإيرلندي جيمس جويس 1882-1941، وبهذه المناسبة نرشح للقراءة جهد محمد فرج في إلقاء الضوء على مترجم الرواية إلى العربية «أين اختفى دكتور طه؟» المنشور في «المنصة».

المترجم طه محمود طه على صفحات جريدة أخبار الأدب - المصدر: محمد فرج

#مشاهدة

لأن الأمور ليست كما تبدو، ولكنها كما نريد أن نراها، ننصح بمشاهدة «زي عود الكبريت». 

ينتمي فيلم «زي عود الكبريت»، (حسين الإمام، 2014) لفئة قليلة في السينما المصرية، أعمالها محدودة مثل «أخطر رجل في العالم» (نيازي مصطفى، 1967) ثم عودته في 1972 (محمود فريد)، و«فيفا زلاطا» (حسن حافظ، 1976)، وهي فئة الـ«بارودي».

يشق حسين الإمام خيطًا في تراث السينما، صانعًا فيلمه الأول والأخير. صُنع هذا الفيلم غير الملون، من شرائط أفلام بدايات السينما المصرية التي اتسمت بالميلودراما الأخلاقية، والتي كان أبرز مخرجيها حسن الإمام، والد المخرج. فمصادر «زي عود الكبريت» من أفلام الإمام الأب؛ «حب في الظلام» و«أنا بنت مين» (1953)، و«الملاك الظالم» (1954) ، و«الجسد» (1955)، و«بنت من البنات» (1968).. هكذا يختار كاتب ومخرج الفيلم خيطًا حاكمًا لفيلمه مستوحى من الدراما التي شكلت وعينا؛ يحييها ويسخر منها في ذات الوقت.

نشاهد وحيد عزت (حسين الإمام)، وهو تاجر ممنوعات، يوزع طرب حشيش تحديدًا، يُتُم، ولُطم، سُجن، وصار صاحب كازينو، رجل شرير بشكل مبالغ فيه، وأخلاقي محافظ أيضًا، وهو النمط الذي نكتشف أنه كان حاكمًا لميلودراما أفلامنا. يبدو عالم «زي عود الكبريت» شريرًا جدًا، فنحن نشاهد فيلم كباريهات تقليدي، شخصياته شريرة بشكل شيطاني، تجبر السيدات على العمل بالكباريه وتهريب المخدرات، وذلك في إطار أخلاقي مبالغ فيه، فيكرر بطل الفيلم شرطه بأن كل هذا النشاط الإجرامي لا يجب أن يمسّ شرفهن لأنه «زي عود الكبريت».

عزت، الذي جمع بين الشر والأخلاقية معًا، هو راوٍ يمكننا وصفه بأنه ذات ذكورية أبوية ثرثارة للغاية، توظف نفسها داخل الأرشيف، عبر إقحام حكايته في عالم سينما الأبيض والأسود، مستخدمًا الملابس نفسها وتسريحة الشَعر الشائعة وقتها، بل وكلمات مميزة لتلك الفترة، تحديدًا إبراز التشديد عند نطق «صدّقني» مثلًا، وهو ما يتجلى في تكرار مشاهد اشتعال عود الكبريت، أو «الشرف» التي تُقال كثيرًا.

يستخدم حسين الإمام في الفيلم نفس أدوات وأنماط سينما والده -وأهمها البطلات الساذجات اللاتي يتم التلاعب بهن والعواقب الوخيمة لوقوعهن في الفخاخ التي يعدها لهن الرجال- ليعيد إنتاجها بشكل كوميدي، وفي قالب نقدي لاذع أيضًا. للشخصيات النسائية هنا، وقد نُزعت من سياقها، وجود هائم، زئبقي بعض الشيء، غير ملموس. يختفون ويظهرون حسب القصة التي نسجها إمام والمادة التي توفرت لديه حقوق استخدامها، فيوظفهن على هذا الأساس. كثيرًا ما تكون ردودهن لا تمت بصلة لما يقوله وحيد مثلًا، مما يخدم الكوميديا بشكل واضح. ولكن تلك الآلية تفعل أكثر من ذلك: قد نراها تعليقًا على كيفية التعاطي مع الشخصيات النسائية عمومًا في تلك الأفلام، بأنهن لم يوظفن إلا كأدوات لإيصال رسالة أخلاقية إلى الجمهور. وهذه الرسالة تتحرك من نقطة «أ» إلى نقطة «ب» في السيناريو لخدمة هذا الغرض، فهن لم يظهرن كشخصيات متكاملة ومعقدة، من لحم ودم، بل هن ناقلات للرسالة.

يمتد هذا الخط النقدي في «زي عود الكبريت» إلى أنماط أخرى شائعة في أفلام «العصر الذهبي»؛ فمثلًا في أحد أبرز مشاهد الفيلم يقدم الإمام تعليقًا صوتيًا مصاحبًا لخناقة تقليدية مأخوذة من فيلم قديم، فيلفت نظرنا إلى واقع أن أحد الرجلين المعجونَيْن في الخناقة يظل طربوشه على رأسه طوال الوقت («اقلع الطربوش! أنت إيه، لازقه بغِرا!؟»)، وهي تفصيلة واحدة ضمن تفاصيل كثيرة شبيهة جعلت أغلب مشاهد العراك في السينما المصرية قديمًا مضحكة، حتى وإن كان الفيلم جادًا للغاية. أو مثلًا في المشهد الأخير، حين يكشف وحيد وزيزيت (سحر رامي) هوية «الراجل الكبير» (زعيم تجار المخدرات) -وهو مسعاهما الأساسي منذ بداية الفيلم، الذي يؤدي بنا إلى عدد غير هين من التفريعات في السرد- ينادي وحيد على بهجت بيه (حسين رياض) ليخبره أنهما قد عرفا أنه «الراجل الكبير»، فجأة، ويقول: «ماتسألش إزاي»، وكأنه يوجه خطابه للجمهور. الأمر هنا مبالغ فيه بالطبع، ولكن هذا النوع من الكروتة في حل الحبكات الدرامية، خصوصًا في أفلام الجريمة، ليس غريبًا على تاريخ السينما المصرية.

لا توجد مناسبة لاستعادة فيلم حسين، إلا تهكمه اللذيذ على أفلام والده المنتمية لميلودراميات الأخلاق، لا يسخر حسين الإمام من الأنماط الحاكمة للسرد السينمائي وقتها فقط، بل من القيم التي كانت تروّج لها تلك الأفلام أيضًا، والتي بدورها كانت تحكم المجتمع (ومازالت، إلى حد كبير؛ فقط صار يروَّج لها بطُرق أكثر معاصرة). يسخر من كل الأُطر المقيّدة، في واقع الأمر -فنيًا وأخلاقيًا- ويضرب بها عرض الحائط. لا شيء فوق النقد؛ للضحك وحده الحكم هنا. يروج الإمام لقيمه هو، أو لعلها قيمة واحدة، عاش واضعها نصب أعينه طوال حياته: فلنتوقف عن أخذ أنفسنا على محمل الجد. أو كما يقول في اقتباس يظهر على الشاشة في مقدمة الفيلم: «ليست الأمور كما تبدو، ولكنها تبدو كما نريد أن نراها». وهو ما يرجعنا إلى سطوة القيم/ الأخلاق التي نراها متخيّلة؛ يمتثل البشر لحكمها في حال الاستسلام، أو يخرج الواحد عن الجماعة مخلصًا لقيمه الفردية في حال المقاومة.

[يمكن قراءة ثلاث قراءات عن الفيلم نشرها «مدى» حين عُرض في 2016 هُنا]

ومن ميلودراما الأخلاق، ننتقل إلى أحدث ما أُتيح على منصة نتفلِكس التي ضمت إلى مكتبتها الرقمية أفلامًا للمخرج الراحل يوسف شاهين (1926-2008)، وجميعها من النسخ المرممة.. هكذا صار بالإمكان مشاهدة «إسكندرية ليه» 1979، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«المهاجر» 1994، و«المصير» 1997، و«الناصر صلاح الدين» 1963 وغيرها من الأفلام التي تستحق إعادة المشاهدة، خاصة أن «المرممة» تلافت مشاكل يشكو مشاهدو شاهين منها دائمًا؛ جودة الصورة أو وضوح الصوت، والرقابة.   

كما جددّت مكتبتها من الأفلام المصرية بـ«سرقات صيفية» 1988 و«المدينة» 1999 للمخرج يسري نصر الله، الذي سبق أن طرحت المنصة لمشتركيها فيلمه «مرسيدس» 1993 (نسخة لم تكن بالجودة الكافية). وبعيدًا عن أفلام مصر، فقد ضمت نتفِلكس أيضًا فيلمي مصطفى العقاد «عمر المختار» 1980 و«الرسالة» 1976. 

ودع عنك لومي، و#سلام

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن