وحيدات بلا أطباء.. أمهات يحملن الأجنة والخوف
 
 

في بدايات أبريل الماضي شعرت فريدة* بإجهاد شديد وآلام مقلقة، لكنها طمأنت نفسها بأن الأمر لا يعدو كونه إرهاقًا بسبب الأعمال المنزلية التي باتت تتراكم عليها منذ تعليق الدراسة وإغلاق الحضانات، واضطرارها للعناية -وحيدة- بابنتيها اللتان تبلغ كبراهما خمس سنوات من العمر. ولطبيعة عملها كصحفية حرة، تتابع فريدة الأخبار يوميًّا، وتراقب بقلق انتشار عدوى فيروس كورونا المستجد <كوفيد-19» بالمستشفيات. فلما ازداد التعب، قررت التداوي بالأعشاب والراحة عوضًا عن رحلة للطبيب قد تنتهي بعدوى مميتة. ولكن بحلول منتصف الشهر وتطور الأعراض للأسوأ، تغير الوضع تمامًا؛ تذكرت الأم الشابة أن موعد دورتها الشهرية قد انقضى دون نزيف  فقدرت أنها حامل في شهرها الأول، فاتصلت بطبيبها الذي ساعدها في ولادة ابنتيها لتحديد موعد، لتعرف أن العيادة مغلقة لأجل غير مسمى خشية انتشار فيروس كورونا.

استغرق الأمر أسبوعًا حتى تجد بمعاونة صديقة لها طبيب نساء مشهود له بالكفاءة يقبل معاينتها، طلب الطبيب منها عدة فحوص ظهر منها أنها تفقد جنينها. لم تُجدِ الأدوية التي وصفها الطبيب نفعًا في تثبيت الجنين، ولم يكن هناك بد من إتمام الإجهاض. اتفق الطبيب والأم الشابة على استبعاد إجراء الإجهاض في مستشفى عام أو خاص، إذ تنقل صفحات الأطباء عدة أخبار يوميًّا عن إصابة الكوادر الطبية في المستشفيات بعدوى «كورونا». فتعايشت فريدة أسبوعًا آخر مع نزيف رحمها حتى وجدت عيادة مجهزة بغرفة عمليات بسيطة يمكن استئجارها لإجراء الإجهاض فيها.

على الجانب الأكثر فقرًا من العاصمة، كانت سحر زكريا (22 سنة) تغالب نوبة قيء وسعال جديدة وتسارع الخطى باتجاه الركن المغطى بستارة متوسطة السُمك بها بعض الخروق، والذي يشكل «دورة مياه» الغرفة التي تقطنها وزوجها وابنتها، أسفل العقار الذي يعمل زوجها حارسًا له بحي المرج. منذ أيام والقيء والآلام لا يتوقفان، خوفها من أن تؤثر الحمي الروماتيزمية التي لازمتها منذ الطفولة على جنينها الذي وصل عمره في رحمها للشهر الرابع، دفعها للتوجه إلى عيادة النساء التابعة لمركز الخدمات بالكنيسة القريبة، والتي تحصل وأسرتها على كافة الخدمات الطبية التي يحتاجونها منها لرخص ثمن الكشف والمتابعة بها. لكن الأمن أبلغها أن عيادة النساء والتوليد مغلقة ضمن عيادات أخرى «بسبب الكورونا». توجهت سحر لأكثر من صيدلية لشراء دواء يوقف القيء وآلام المعدة والظهر المستمرين، لكن جميع الصيادلة رفضوا بيعها أية أدوية دون روشتة طبيب بسبب حملها البادي، فلم تجد بُدًّا من التوجه لمستشفى جراحات اليوم الواحد، لتعرف هناك أن عيادة النساء الخارجية بلا أطباء منذ أيام، أيضًا «بسبب الكورونا». تقول سحر: «شهر ونص مرحتش لدكتور. والدكتور مش مديني تليفونه، وفي المستشفى رفضوا يدوهولي، ومش قادرة عالتعب عايزة دوا». تصمت سحر لثوان ثم تسأل في حيرة: «هو موضوع الكورونا دا هيطول؟ أنا باولد قيصري. هاولد إزاي في الحال دا؟»

في عام 2017 قفزت مصر لتستقر على رأس قائمة الدول التي تنتشر فيها الولادة القيصرية غير الضرورية على حساب الولادة الطبيعية. وسجلت في عام 2018 رقمًا قياسيًّا، بلغ معه عدد جراحات الولادة القيصرية 63% من جملة عمليات الولادة المسجلة داخل البلاد، بحسب إحصاء منظمة الصحة العالمية. أجريت تحقيقات صحفية عديدة حول «بيزنس الولادة القيصرية» لكنها لم تغير من الوضع شيئًا، وتركت سحر ومثيلاتها من النساء، في حيرة خلقها فيروس سريع الانتشار أصاب أكثر من ثمانية ملايين شخص حول العالم. وتشهد مصر موجة من انتشاره في المستشفيات التي تحولت إلى بؤر لنقل العدوى، تحمل خطورة على طالبي الخدمة الصحية ومنهم الحوامل والموشكات على الولادة ومن تعرضن لإجهاض مفاجئ. وهو ما يحذر منه رئيس قسم النساء والتوليد بمستشفى زايد المركزي العام الدكتور خالد أمين: «إحنا عندنا مشكلة كبيرة في أن عدد الستات اللي بتولد قيصري عدد مرعب. الستات دي مقدامهاش إلا المستشفى، والمستشفيات بشكل عام مناطق عدوى، خصوصًا هذه الأيام».

على كرسي الجراحة رقدت فريدة مستسلمة ليدي طبيب لا تعرفه. كان الخوف يملؤها: «كنت خايفة جدًا ومش واثقة في الدكتور لأني مشفتوش قبل كدا ومعرفوش. لكنه طمني وهداني وخلاني أنام ليلتها [قبل الجراحة بيوم] وأنا كنت بقالي فترة مبنامش». لكن الخوف كله عاد دفعة واحدة: «أول ما شفت أوضة العمليات اترعبت والله، وفضلت اتشهد على نفسي، لأنها مش أوضة عمليات زي المستشفى، مجرد سرير وأدوات جراحية وكشاف». تستدرك: «لكن غياب الدكتور بتاعي وجعني الصراحة، وحسيت بتخلِّي. لكن كل واحد من حقه يخاف على نفسه». تقول الطبيبة إيمان هاشم المختصة بالصحة الجنسية والإنجابية: «طبعًا يحتاج أي مريض للثقة في طبيبه الذي يقدم له الخدمة الصحية، وبخاصة النساء في حالات الأمراض المرتبطة بالأعضاء الجنسية أو الحمل والولادة، الست بتحتاج كل دعم وطمأنينة. وجود الطبيب الذي يعرف التاريخ الصحي والمرضي للسيدة يشكل ضمانة في المواقف الضاغطة كالحمل والولادة أو الإجهاض».

دفعت فريدة خمسة آلاف جنيه لإتمام الإجهاض في مكان آمن ومعقم من اختيار طبيبها بعد أسبوعين من النزيف والتعب، لكن إيجاد طبيب وخدمة صحية بهذه التكلفة رفاهية لا تقدر عليها سحر التي تقول: «لو رحت عيادة خاصة الدكتور كشفه 150 جنيه. أنا جوزي بياخد 200 جنيه في الأسبوع. فباروح مستشفى الكنيسة عشان الكشف بخمسة جنيه. دا في الولادة الأولانية  قوموني وخرجوني من أوضة العمليات على 150 جنيه». عادت سحر إلى كرسي الولادة بالمستشفى نفسها بعدما دفع زوجها المبلغ المتبقي.

مفاجأة بلا مفاجأة

على إثر إعلانها تحول فيروس كورونا المستجد إلى وضع الجائحة الدولية في 11 مارس الماضي، أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرات واضحة من الضغط على مؤسسات تقديم الرعاية الصحية إلى الحد الذي يؤثر على متلقي الخدمة الطبية من غير المصابين بفيروس كورونا المستجد، مثل المصابين بالأمراض المزمنة مرتفعة الخطورة والسيدات الحوامل والموشكات على الولادة. وفي 23 مارس، أصدر صندوق الأمم المتحدة للسكان وثيقة ترصد تأثر الخدمة الصحية المقدمة للنساء حول العالم – فيما يتصل بالصحة الإنجابية – بشكل بالغ خلال أزمة «كوفيد-19». بسبب إعادة توجيه الموارد البشرية (الطواقم الطبية) والتمويلات نحو جهود مواجهة الجائحة. ضمت الوثيقة كذلك عدة توجيهات للحفاظ على السلامة الصحية للنساء خلال هذه الفترة العصيبة، من بينها: إعطاء الأولوية لمقدمي الخدمة الصحية في الوقاية والحماية، ووجود فصل تام بين مناطق تقديم الرعاية الطبية للمصابين بالفيروس، وبين متلقيات الخدمة الصحية في حالات الحمل والولادة. ما يقضي بوجود بروتوكول واضح لدى الدول التي تعاني من انتشار الفيروس للتعامل مع حالات الحمل والولادة في منشآت تقديم الخدمة الطبية.

في 22 مايو الماضي، نشرت الكلية الملكية البريطانية لطب النساء والتوليد أحدث نسخة من دليلها لمقدمي الخدمة الصحية للحوامل ومن يرضعن عند الإصابة بمرض «كوفيد-19» الناجم عن فيروس كورونا المستجد. لم يتضمن التقرير إجراءات أو بروتوكولات علاجية خاصة للحوامل المصابات بالمرض. وحمل مشاهدات ودلائل طبية على انتقال الفيروس من الأمهات المصابات إلى الأجنة في بعض الحالات المسجلة، وتحذيرات تقضي بعزل مناطق تقديم الخدمات الصحية للحوامل والموشكات على الولادة عن مناطق تقديم العلاج لمرضى كورونا المستجد، بالإضافة لتوجيهات للحوامل المصابات بعدوى فيروس كورونا المستجد بضرورة إبلاغ مقدمي الخدمة الصحية بحقيقة إصابتهن قبل التوجه لمراكز وعيادات تقديم الخدمة لضمان حماية الطواقم الطبية وغيرهن من الحوامل المترددات على المركز نفسه. ولكن في مصر، لم تعلن وزارة الصحة رسميًّا عن أية حالات مسجلة لحوامل في مستشفيات العزل فضلًا عن عدم صدور أية أوراق عمل ترصد الأوضاع الصحية للحوامل المصابات أو المخالطات لحاملي الفيروس.

ينفي دكتور خالد أمين، رئيس قسم النساء والتوليد بمستشفى زايد المركزي (مستشفى عام)، وأمين عام نقابة أطباء الجيزة وجود بروتوكول موحد صادر عن وزارة الصحة للتعامل مع الحوامل والموشكات على الإنجاب في ظل أزمة «كورونا»، لكنه يستدرك: «العالم كله يتعامل مع مفاجأة، وكذلك مصر، نحن نتعاطى مع وضع غير مسبوق، وافتراض وجود بروتوكول في الوضع الكارثي الذي نمر به هو أمل زائد على أحسن تقدير. في الوضع الحالي، ومع الانهيارات المتتالية للطواقم الطبية في المستشفيات، يصعب جدًا التفكير في مطالبة وزارة الصحة بتوحيد بروتوكول واضح بينما ننشغل بمطالبتها بتوفير الوقاية والفحص الجاد للطواقم الطبية المتعاملة مع حاملي الفيروس». ويواصل: «الخطوة التي اتخذتها الوزارة بعزل العيادات الخارجية في بعض المستشفيات ونقلها إلى الوحدات الصحية القريبة، هي خطوة جيدة. ولكنها غير كافية». ويضيف: «الحوامل يواجهن أزمة حقيقية في ظل كون الولادة القيصرية هي الأكثر انتشارًا، للأسف ليس لديهن بديل إلا الذهاب للمستشفيات في ظل هذا الوضع».

يؤكد أمين أن ما تشهده مصر حاليًا هو الوضع الذي حذرت منه المنظمات الدولية من الضغط على النظام الصحي إلى الحد الذي يهدد حياة غير الحاملين لفيروس كورونا المستجد: «عندنا شواهد بتقول إن معدلات الوفاة بين مرضى القلب زادت خلال الفترة الماضية، هناك عيادات تتعامل مع أمراض نادرة ومهددة للحياة، أُغلقت في ظل هذه الأزمة وصار مرضاها مهددين. الوضع لا يقتصر على الحوامل والموشكات على الولادة فقط؛ كل من يحتاج إلى خدمة صحية مستمرة أو طارئة في المستشفيات صار مهددًا مع تعدد الإصابات بين الطواقم الطبية وإغلاق المستشفيات أو إغلاق بعض عياداتها. هذا هو ما يستحق التصدي له فعلًا». ويوضح: «بعض الحوامل يخشين العدوى إلى درجة الذهاب للمستشفى بعد وقت طويل من شعورهن بالتعب، تأتي بعض الحالات إلينا وقد قلت المياه (السائل الأمنيوسي) حول الجنين إلى درجة تهدد حياة الجنين وصحة الأم».

ورغم غياب البروتوكول الموحد بادر الدكتور خالد أمين إلى اتخاذ بعض الخطوات لحماية الحوامل والموشكات على الولادة المترددات على مستشفى زايد المركزي: «منقدرش نقول إنه بروتوكول، ما يحدث هو اجتهادات شخصية من الأطباء. ما أقدمنا عليه في المستشفى هو ترتيب ممر آمن للحوامل للوصول إلى عيادة النساء، يعزلهن تمامًا عن التعرض سواء للمرضى الآخرين أو الطواقم الطبية. ليس لدي أي معلومات عن مبادرات شبيهة في مستشفيات أخرى». ويتابع: «إحنا معندناش بروتوكول، لكن لدينا مشاهدات طبية نعتمد عليها في التعامل مع الحوامل في الوضع الجديد».

في 21 مايو الماضي، أعلنت وزارة الصحة رسميًّا عن ضم 320 مستشفى عام ومركزي ومستشفى تأمين صحى تابعين لها، للقيام بفحص المرضى المشتبه في إصابتهم بالفيروس، واحتجاز وتقديم الخدمة العلاجية لذوي الحالات المتوسطة منهم. من بين المستشفيات المعلن عنها مستشفى منشية البكري التي نُصحَت بها سحر من جارتها «أم آية» حارسة عقار قريب. «جارتي قالتلي إنها ولدت في منشية البكري وقالتلي أروح هناك عشان الفلوس حنينة». كانت مقابلتنا مع سحر قبل الإعلان عن اكتشاف حالات إصابة متعددة بين أفراد الطاقم الطبي بمستشفى منشية البكري، وكذلك قبل قرار وزارة الصحة بضمها لمستشفيات الفحص والفرز. وحاول «مدى مصر» التواصل مع  الدكتور علاء عيد مدير عام الطب الوقائي بوزارة الصحة، للتعرف على الخطوات التي اتخذتها الوزارة في تدريب الأطباء في المستشفيات التي جرى ضمها حديثًا للتعامل مع حاملي الفيروس، وإن كانت هناك بروتوكولات خاصة لحماية طالبي الخدمة الصحية من غير المصابين بالعدوى في تلك المستشفيات. لكنه لم يستجب للرد على الهاتف.

خارج مصر، ورغم أن المفاجأة أخذت بالجميع كما يوضح دكتور خالد أمين، إلا أن هناك مبادرات لجمع المشاهدات الطبية المتعلقة بحالات الحوامل والأجنة والمواليد الجدد في ظل «كورونا»، وتأصيل تلك المشاهدات علميًا وجمعها في قواعد يمكن لأطباء النساء والتوليد الرجوع إليها. مثل الصفحة التي خصصتها الكلية الملكية البريطانية للنساء والتوليد، وأخرى أنشأتها منظمة «KFF» الطبية غير الربحية، وصفحة يحررها الفريق الطبي للنساء والتوليد بمستشفى ماساتشوستس العامة.

يعلق العضو السابق لمجلس نقابة الأطباء الدكتور أحمد حسين: «لا يوجد في مصر عمومًا مبادرات شبيهة لتوثيق الخبرات الطبية وجمعها وقت الأزمات لتكون مراجع. إنشاء مثل هذه المواقع أو الصفحات قد تُدخِل الأطباء في صدام إضافي مع الدولة. الجميع ينتظر أوامر وبروتوكولات الوزارة التي -إن صدرت- لا تخرج عن ورقة إرشادات لا تستند لخبرات الأطباء المتعاملين مع الوضع على الأرض، ولا تعتبر بها. في حالتنا هذه، فإن غياب البروتوكول الموحد من الوزارة حول الحوامل -أو أي من طالبي الخدمة الصحية من أصحاب الأمراض المزمنة- ربما يعد شيئًا إيجابيًا، فهو يتيح للطبيب استخدام مهاراته وخبراته الطبية والعلمية في إنقاذ المريض، أما لو صدر بروتوكول موحد على نفس الشاكلة المعتادة من الوزارة فسيكون الطبيب مقيد به ولا يملك مخالفته لإنقاذ المريض. نحن في وضع مهترئ صحيًّا، كل من هو داخل المنظومة الصحية يعرف أن نظامنا الصحي غير قادر على استيعاب صدمة كوفيد-19 حتى الآن. والطبيب مضطر أن يتصرف في حدود القيود العلمية وما يتوفر لديه من مهارة وخبرة. وأثبت الأطباء المصريون مرارًا انهم بارعون في اتخاذ أي تصرف يلزم للحفاظ على مرضاهم، أما الوزارة فهي: شغالة اليوم بيومه».

حتى يوم الثلاثاء 12 مايو الماضي، ظلت استشاري طب النساء والتوليد  الدكتورة شادية محمد تقدم الخدمة الصحية للنساء المترددات على العيادة التابعة لأحد المساجد في منطقة منشية ناصر، إحدى أفقر مناطق القاهرة وأكثرها ازدحامًا. لكنها في هذا اليوم قررت أنها لن تعود. «صعبان عليا جدًا أن أتوقف عن الذهاب للمركز الذي أتعامل مع النساء المترددات عليه منذ 16 عامًا. المنطقة فقيرة فعلًا وهن بحاجة إلى خدمة صحية جيدة ومخلصة، ولكن لم يعد أمامي خيار مع استمرار العادات الخاطئة التي تعرضني وأسرتي للخطر».

في اليوم الذي اتخذت فيها قرارها، ناظرت الدكتورة شادية عددًا كبيرًا من السيدات كعادتها، لكنها استقبلت بينهن ثلاث حالات اشتباه بفيروس كورونا. «اتفاجئت بواحدة داخلة العيادة عندها كل الأعراض تقريبًا، لا ترتدي الكمامة وبصحبتها مرافقاتها كعادة أهل المنطقة، وفوجئت أنها تقصد عيادة الباطنة، وشعرت بالإهانة عندما سألتها لماذا لا ترتدي الكمامة؟ تكررت الواقعة نفسها بشكل مختلف مرتين ذلك اليوم. ستات جاية معاها أولادها ومرافقات من الجيران والأقارب للكشف، كلهن لا يتخذن أي إجراءات وقائية: تزاحم شديد وتكدس في المكتب الصغير للعيادة، وكل المرافقين مصرين على الدخول للكشف مع السيدة ومنهن من تظهر عليها أعراض مشابهة لأعراض كوفيد-19». في ذلك اليوم، ولأن وقائع شبيهة تكررت على مدار الشهر الماضي، قررت استشاري طب النساء والتوليد التوقف عن العمل وترك العيادة. «أنا عندي 65 سنة، وأحيا مع بناتي، إن لم أخش الخطر على حياتي، فأنا مسؤولة عن الحفاظ على حياة وصحة أسرتي».

يعلق عضو مجلس الأطباء سابقًا الدكتور أحمد حسين: «ليس للنقابة ولا الوزارة أية سلطة على العيادات والمستشفيات والمراكز الطبية الخاصة فيما يتعلق باختيار مديريها مواصلة العمل من عدمه. السلطة المخولة للوزارة هي سلطة صحية رقابية فقط. هذه الجهات مثلها مثل أي شركة خاصة مثلًا، لصاحبها الحق في اختيار العمل وتوقيتاته في إطار القوانين المنظمة. وبالتالي لا تملك الدولة أو النقابة محاسبة طبيب قرر إغلاق عيادته في ظل حالة وبائية. ويمكن تفهم هذه الخيارات في ظل غموض هذا الفيروس وتضارب البيانات الصحية الصادرة عن جهات موثوقة بخصوص طرق العدوى به. أتفهمها وإن كنت لا أقبلها بشكل شخصي».

يؤيد الرأي السابق الدكتور خالد أمين، أمين عام نقابة أطباء الجيزة، ويضيف: «لا يحق لأحد محاسبة طبيب على الامتناع عن فتح عيادته الخاصة. ولكن هناك كود أخلاقي يقضي بالتأكد من أن مرضاه سيستمرون في تلقي الخدمات الطبية من خلال إحالتهم إلى مستشفيات أو عيادات أخرى. وقد لاحظنا بالفعل في المستشفيات العامة بدء تردد سيدات لم يكن يأتين إلى عيادات النساء والتوليد للكشف والمتابعة من قبل، وعرفنا أنهن صرن يلجأن للمستشفى لأن العيادات الخاصة اللائي كن يتابعن فيها الحمل أغلقت. لكنى أرى أن الإغلاق يعود لظروف الحظر ورمضان، لا بسبب خوف الأطباء من العدوى كما يشاع».

 ويتابع: «ربما لا يملك أحد محاسبة طبيب على إغلاق العيادة أو حتى عدم إحالة المرضى. ولكن الطبيب الذي يمتنع عن تقديم الخدمة الصحية لمرضاه في المستشفيات العامة -خاصة الطارئة منها والمهددة للحياة- تحت أي ظرف، هو طبيب مجرم، بالأخلاق وبالقانون».

ومن معاناة دكتور شادية محمد التي دفعتها للتوقف عن الذهاب لعيادتها في إحدى أشد مناطق القاهرة ازدحامًا وفقرًا بسبب وطأة العادات الخاطئة، يواجه أمين في مستشفاه تصرفات مختلفة من المترددات. «الحقيقة بشكل ما الفيروس جه عشان يحط حد لعادات خاطئة كتير. منها إن الستات كانت بتيجي عشان تعمل سونار بشكل شهري، رغم عدم الاحتياج إليه بهذا الشكل المتكرر. كذلك لاحظنا أنهن صرن يأتين المستشفى دون أطفالهن خوفًا عليهم، وكذلك بدون الأمهات والأزواج ووفود المرافقين الذين اعتدنا استقبالهم مع الأمهات الحوامل أو الموشكات على الولادة. هذا من شأنه أن يخفف الضغط على المستشفيات ويقلل من الضغوط على الطواقم الطبية ويخفض من احتمالات انتشار العدوى». واتفق الخبراء الأربعة الذين تحدث إليهم «مدى مصر» في هذا التحقيق على خطورة الاستمرار في التردد على المستشفيات والعيادات بلا مبرر صحي. واتفقوا على تحذير الحوامل من إجراء فحص الموجات فوق الصوتية (السونار) بشكل دوري دون وجود داع يحدده الطبيب، يتصل بصحة الأم أو الجنين. وكذلك التحذير من اصطحاب أفراد الأسرة لحضور عملية الولادة.

وهو ما بدا في حالة رغدة هاشم التي توجهت لأحد المستشفيات الخاصة لوضع طفلها في 14 أبريل الماضي. «في الولادة الأولى رافقتني عائلتي وعائلة زوجي. هذه المرة ذهبت بصحبة زوجي فقط، ورفض الأطباء أن يدخل معي غرفة العمليات رغم إنه دخل معايا وصور في الولادة الأولانية». لكن كل الاحتياطات التي اتخذتها المستشفى لم تمنع الخوف عن رغدة. «لم أكتف بما قامت به الممرضات من تعقيم، وأخذت أضع الكحول بنفسي فوق كل شيء في غرفة العمليات. والحمد لله دخلت وخرجت دون عدوى». الإجراءات نفسها اتبعتها عزة سيد التي حجز زوجها غرفة الولادة في أحد المستشفيات الخاصة في يوم إجازة للمستشفى لضمان وجود أقل عدد ممكن من الناس. لم يكن هناك خيار آخر لطمأنة الأم الشابة التي تعاني مما تصفه بـ«وسواس النظافة» منذ صغرها. تقول عزة: «لما عيادة الدكتور بتاعي قفلت اترعبت. حسيت إن الدنيا ملطشة معايا. موعد ولادتي كان يقترب وطبيبي غير موجود ليطمئنني. لدرجة أني مررت بحالة من الذعر جعلتني أرفض وضع طفلي، وأفكر في طرق لتأجيل الولادة رغم خطورة ذلك عليَّ وعلى الطفل. كل ما كنت أفكر فيه أن المستشفى: أكثر الأماكن أمانًا، صارت أخطر مكان في العالم».

*اسم مستعار

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن