كيف تغيّر الجوائح العالم؟ هل سيغيّرنا «كورونا» كما فعل «الموت الأسود»؟

نُشر المقال الأصلي بالإنجليزية في موقع جريدة نيو ستيتسمان «New Statesman»

بدأت الأزمة العالمية التي أطلقها وباء فيروس كورونا تتبدى لنا كمنعطف تاريخي. وبينما لا نعرف إلى متى سيستمر الوباء المتفشي ولا مدى قسوة تداعياته، يصعب التخلص من الشعور بأننا الآن على عتبة بين عصرين.

وإن استدعى الشك الكامن في اللحظة الراهنة شيئًا، فإنه يستدعي المعنى الأصلي للكلمة اليونانية القديمة «أزمة». ذلك أن كلمة krisis اليونانية، وهي مصطلح رئيس في الطب الأبقراطي*، كانت تشير إلى نقطة التحوُّل في مرض، حيث تفيد إما بداية التعافي أو بدء الموت. فالأزمة الحقيقية إذًا هي بالتعريف لحظة بالغة الأهمية يتعين عندها أن يأتي التغيير.. إلى الأفضل أو إلى الأسوأ.

والأزمة الراهنة ليست بلا سوابق بالكامل. فعلى مر العصور، تركت الأمراض المعدية أثرًا لا يُمحى على المسار المستقبلي للتاريخ العالمي: من الطاعون الجستنياني** الذي عاث فسادًا في الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية في القرن السادس، إلى الأوبئة الفتاكة التي دمرت الحضارات الأصلية في الأمريكتين بعد قدوم كريستوفر كولومبوس في القرن الخامس عشر. ولكن لو كان علينا أن نخص بالذكر وباءً واحدًا أحدث حقبة جديدة، فإنه سيكون طاعون «الموت الأسود» في أواسط القرن الرابع عشر، وهو حدث حوَّل مسار العالم حاملًا معه بشائر «أفول العصور الوسطى» إذ راح يصيغ معالم النظام العالمي الحديث بطرق عميقة.

وفي حين أن كوفيد- 19 هو نوع آخر من المرض، بمعدل وفيات أقل بكثير، فإن التبعات الاجتماعية-الاقتصادية الدرامية للوباء تثير سؤالًا هامًا: هل يمكن أن ينتهي المطاف بالأزمة بأن تلعب دورًا إزاء العالم الحديث المتأخر (late-modern world) مماثلًا لذلك الذي قام به «الموت الأسود» إزاء العالم الوسيط المتأخر (late-medieval)؟

هل سيقوم هذا الوباء بدوره بإعادة تشكيل العالم كما نعرفه؟

في خريف 1347 ميلاديًا، رسا 12 قادسًا*** في مرفأ مدينة مسينة بجزيرة صقلية. وعند اقتراب سلطات الميناء المحلية من القوادس لإجراء الفحوص الجمركية العادية، سرعان ما اكتشفوا أمرًا فاجعًا: كان أغلب الرجال على متن القوادس بين ميت ومَن على شفا الموت. ومثلما كتب الراهب الفرنسيسكاني ميشيل دي بياتزي (Michele di Piazze) في رسالة آنذاك: «جلب البحارة في عظامهم مرضًا بلغ عنفه أن العدوى كانت تنتقل إلى الشخص بمجرد الحديث العابر معهم، ولم يكن له من سبيل عندئذ لإنقاذ نفسه من الموت». وانتابت الضحايا «آلام في جميع أنحاء الجسم وشعروا بإعياء رهيب. وسرعان ما كانت تظهر، على فخذ هذا أو ذراع ذاك، بثرة أشبه بحبة العدس. ثم يخترق المرض الجسم ويبدأ القيء الدموي العنيف. وكان الأمر يدوم لثلاثة أيام ولم يكن هناك من سبيل لمنع الموت المحتوم».

المرض المخيف الذي تكلَّم عنه دي بياتزي هو الطاعون الدُمَّلي (bubonic plague). وهذا المرض الناجم عن عدوى بكتيريا تُدعى «وباء يرسينيا» (Yersinia pestis)، كان مستوطنًا لأمد طويل بين القوارض في بعض البيئات الطبيعية. وتنتشر العدوى عن طريق البراغيث التي تتغذى على دماء الحيوانات المصابة، مثل السناجب والجرذان والفئران الجبلية، وأحيانًا ما تنتقل إلى البشر. وبينما يثور جدل محموم بشأن الأصول الجغرافية لوباء القرن الرابع عشر، فإن أحدث الأدلة الجينية تشير فيما يبدو إلى التفشي المفاجئ للجائحة -ربما بتأثير تغير المناخ- في مكان ما في المرتفعات الآسيوية الداخلية. وبفضل العمل الرائد لمونيكا غرين (Monica Green)، وهي من أبرز مؤرخي الموت الأسود، حوَّل الباحثون مؤخرًا انتباههم من هضبة شنغهاي-التبت، التي يقع أغلبها في غرب الصين، إلى سلسلة تين شان الجبلية على الحدود الصينية القرغيزية.

ولم يكن الانتشار اللاحق للمرض مجرد ظاهرة إيكولوجية. وعلى نحو مماثل لعملية انتشار كوفيد-19 حول العالم، كان الموت الأسود نتيجة لتفاعل معقد بين عامل مُمرض ينشأ بشكل طبيعي في صفوف بعض الحيوانات من جهة وتنظيم اجتماعي بشري أثبت أنه مواتٍ جدًا لانتشاره من جهة أخرى. ولعب التفاعل المتزايد بين الشرق والغرب دورًا بالغ الأهمية في هذا الصدد. وبينما لم يكن العالم الوسيط المتأخر بأي حال من الأحوال معولمًا مثل عالمنا، فإنه كان أكثر ترابطًا بكثير مما نفترض غالبًا.

ولعل العامل الحاسم هنا هو أن الغزوات المغولية في القرن الثالث عشر جلبت لفترة وجيزة نحو ثلثي الكتلة الأرضية الأوراسية تحت السيطرة الموحدة لأكبر إمبراطورية متصلة جغرافيًا في التاريخ. وعلى الرغم من أن الإمبراطورية الواسعة لنسل جنكيز خان تفتَّتت في نهاية المطاف إلى أربع إمارات متنافسة، فقد استمر ازدهار العلاقات التجارية بطول طرق الحرير المحمية من قِبَل المغول إلى مدى ليس بالقليل من النصف الأول من القرن الرابع عشر. وكانت الزيادة المفاجئة في الحراك البشري -على هيئة جيوش مغولية وقوافل إبل تجارية- هي التي مكَّنت بغير قصد حاملي الوباء من مغادرة بيئتهم الطبيعية. وتواطأت الإمبراطورية والتجارة على إفراز ما أسماه المؤرخ الفرنسي إيمانويل لو روا (Emmanuel Le Roy) في سنة 1973 «التوحيد الجرثومي للعالم».

***

في سنة 1338، اجتاح وباء قوي المنطقة المطلة على بحيرة إيسيك-كول، الواقعة في قيرغيزستان اليوم، بين جبال تين شان. وأتاح تفشي هذا الوباء بالذات للأركيولوجيين ما اعتُبر لأمد طويل أقدم الأدلة على الموت الأسود، وهي أدلة مسجَّلة على نقوش شواهد القبور في مدفن نستوري. وبحلول أوائل أربعينيات القرن الرابع العشر، كانت الجائحة قد وصلت إلى خانِيَّة القبيلة الذهبية المغولية وتعيث فسادًا في السهوب الروسية الجنوبية. والنظرية المقبولة على نطاق واسع اليوم هي أن حاكم القبيلة الذهبية، الخان جاني بك، جلبه به بعد ذلك إلى البحر الأسود حينما حاصرت جيوشه المعقل التجاري الجنوي**** بمدينة كافا في شبه جزيرة القرم. وفي وصفه النابض بالحيوية لطاعون الموت الأسود، كتب المؤرخ الإيطالي غابرييل دي موسيس (Gabriel de Mussis) أن القوات المغولية، التي سرعان ما مزقها الوباء المتفشي، ردت بإلقاء الجثث المُصابة بالعدوى فوق أسوار المدينة. وفر الجنويون المذعورون بالقوارب إلى القسطنطينية، حيث راحوا، وغيرهم من التجار الإيطاليين، ينشرون المرض على نحو مشؤوم في كافة أرجاء العالم المتوسطي.

بلغ الموت الأسود موانئ إيطاليا ومصر التجارية الكبرى في أواخر 1347. ومنها انتشر كالنار في الهشيم على امتداد أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط. وبعد أربع سنوات وعدة موجات متعاقبة من العدوى، أصبح واحد على الأقل من كل ثلاثة أشخاص في هذه المناطق في عداد الموتى. 

«أي الحوليات تلك التي سبق أن قرأ الناس فيها إن المنازل تُركت خاوية، والمدنَ مهجورة، والريفَ مهمل، والحقولَ أصغر من احتواء الموتى، بينما خيّمت عزلة مخيفة وشاملة على كوكب الأرض كله؟». هكذا كتب شاعر عصر النهضة الايطالي بيترارك (Petrarch) راثيًا. وبلغ ارتفاع معدل الوفيات حدًا خشِي الشاعر معه أن تشك الأجيال المقبلة في صحة روايته، فكتب: «أيها السعداء من أُناس المستقبل، أنتم الذين ما عرفتم ذلك البؤس وتلك الأقدار، سوف تصنفون شهادتنا ضمن الخرافات».

أينما حلّ، خلّف الموت الأسود الدمار وراءه. ففي القاهرة، إحدى أكبر وأغنى مدن العالم القديم، يُقدَّر أن نحو نصف السكان لقوا حتفهم في غضون أسابيع عدة، حيث أُفيد -على نحو مريع- عن موت 13.800 شخص في أسوأ يومين وحدهما. وعرفت جميع أنحاء أوروبا آنذاك المقابر الجماعية، حيث راح الناجون يسارعون إلى التخلص من الجثث المتراكمة، غالبًا دون إجراء طقوس الوداع. وفي المقدمة التي كتبها الكاتب الفلورنسي جيوفاني بوكاشيو (Giovanni Boccaccio) لعمله البارز الديكاميرون (Decameron) (1353)، أشار إلى انهيار الروابط الاجتماعية إذ «ملأ الرعب قلوب الرجال والنساء، فهجر الأخ أخاه، والعم ابن أخيه، والأخت أخاها».

في الأمد القصير، أفضى الوباء إلى اضطراب اقتصادي وبؤس اجتماعي واسعين. ففي مواجهة شبح الموت الوشيك، توقف الكثيرون عن الذهاب إلى العمل. وكتب بوكاشيو عن الفلاحين أنهم، «مثل أهل المدن، (..) تحولوا إلى الاستهتار وعدم الاهتمام بشؤونهم وأعمالهم، كما لو أنهم ينتظرون وصول الموت إليهم في يومهم ذاك». وكتب أيضًا الشاعر الفرنسي غيوم دي ماشو (Guillaume de Machaut): «لم يقم أحدٌ بحرث الحقول/ ووزن الحبوب وقطف العنب… إذ راح الموت يلتهم الناس التهامًا». ولجأ البعض إلى الشراب أو القمار أو سائر أشكال السلوك الماجن. ووقعت زيادة ملحوظة في العنف القائم على كراهية الأجانب، إذ راح الناجون في أجزاء مختلفة من أوروبا يصبون جام غضبهم على الغرباء، ولا سيما اليهود، الذين اتهموهم بكل صفاقة بأنهم سمّموا الآبار.

ألحق الموت الأسود كارثة ديموغرافية لا مثيل لها في أجزاء كبيرة من العالم القديم. وتذهب تقديرات المؤرخ بروس كامبل (Bruce Campbell) إلى أن إنجلترا وحدها، التي بلغ عدد سكانها قبل الطاعون قرابة 4.8 مليون نسمة، شهدت وفاة نحو مليوني شخص نتيجةً للوباء في أقل من عامين. وسقط قرابة نصف القتلى خلال أشهر صيف 1349 المهلكة بشدة. وترتبت على ذلك تداعيات اجتماعية-اقتصادية وسياسية عميقة. وفي المقدمة الكلاسيكية لتاريخ العالم التي كتبها العلامة العربي ابن خلدون، والمعروفة باسم مقدمة ابن خلدون (1377)، سجل المؤلف أن الطاعون، الذي أودى بحياة والديه، «جاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها؛ فقلص من ظلالها، وفلّ من حدها، وأوهن من سلطانها. وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها. وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر؛ فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل. وتبدل الساكن. (..) وتحوّل العالم بأسره».

وفي ما عدا معدل الوفيات المذهل الذي سببه المرض، كان ما أعطى الموت الأسود قوته التحويلية الكبرى هو أنه ضرب أقاليم كان النظام القائم بها قد بلغ بالفعل حالة متقدمة من التحلُّل. وقد صح هذا بشكل خاص على أوروبا، حيث كانت المجتمعات الإقطاعية تصارع سلسلة من الأزمات الحادة لمدة نصف قرن على الأقل، مما جعل القارة غير مهيئة للتصدي لتفشي الوباء. وكان مزيج من تغير المناخ، وتراجع المحاصيل الزراعية، والمجاعات المتكررة، والديون المتزايدة، والأزمات المالية، والتوترات الاجتماعية المتصاعدة، وتكثُّف انعدام الاستقرار السياسي، وتفكك «السلام المغولي» في نهاية المطاف، وهو التفكك الذي أدى إلى انقطاع تجارة المسافات الطويلة المربحة التي كانت قائمة بين الشرق والغرب، نقول إن مزيجًا من هذا كله هو ما أضعف أوروبا. ومع إضافة وباء ملتهب إلى هذا المزيج المتقلب، بتنا إزاء عاصفة كاملة لن يكون بوسع النظام الإقطاعي أن يتعافى منها تمامًا أبدًا.

***

وإذا راحت الأمواج الصدمية الأولية تتموج على امتداد القارة، كاد الطاعون فورًا يعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية الراسخة منذ أمد بعيد بين الغني والفقير، بين السيد والقن، قالبًا الطاولات على النخبة الحاكمة في أوروبا بطرق لم يكن من الممكن تخيلها في السابق. ومثلما يشير المؤرخ جيمس بيليتش (James Belich)، فإن «لم يؤدِ الموت الأسود إلى خفض أعداد السكان إلى النصف فحسب، لكنه ضاعف أيضًا متوسط نصيب الفرد من كل شيء –السبائك والسلع والمباني والحيوانات والأراضي وما إلى ذلك… إن لم يكن لخفض أعداد البشر إلى النصف ومضاعفة كل شيء آخر أثرٌ ثوري محتمل، فما حسبه يكون له مثل ذلك الأثر؟».

تمثَّل أثر مباشر لهذه الهزة الديموغرافية المفاجئة في نقص حاد في الأيدي العاملة: فلم يكن هناك ببساطة فلاحون يكفون لفلاحة الحقول، ولا بحارة يكفون لتشغيل السفن، ولا غزّالون يكفون لتشغيل أنوال النسيج، ولا بناؤون يكفون لتشييد منازل جديدة، ولا حرفيون يكفون لإنتاج البنود المنزلية المطلوبة. وقوَّى نقص الأيدي العاملة هذا بدوره القوة التفاوضية لعمال الحضر والريف. وارتفعت الأجور اليومية، بل وتضاعفت أحيانًا مرتين أو ثلاث مرات. وفي عام 1363، أبدى المؤرخ الفلورنسي ماتيو فيلاني (Matteo Villani) حسرته لأن «الفتيات الخادمات… وأولاد الإسطبل يريدون 12 فلورين على الأقل في السنة، وأكثرهم عجرفةً يريدون 18 أو 24 فلورين في السنة، ومن ثم فإن الممرضات وصغار الحرفيين العاملين بأيديهم يريدون أيضًا مضاعفة الأجر المعتاد ثلاث مرات أو نحو ذلك».

غير أن الأجور الأعلى لم تُترجم بالضرورة إلى مستويات معيشة أعلى. فالعمال بأجر لم يشكِّلوا سوى أقلية من السكان العاملين في القرن الرابع عشر، وكثيرًا ما استجاب أصحاب العمل لارتفاع تكاليف العمال باستخدام عدد أقل منهم ببساطة. وأسهم انخفاض عدد أيام العمل في الانكماش الهائل في الناتج الاقتصادي الإجمالي، مما أدى إلى زيادة أسعار السلع وتغذية التضخم الجامح.

حرص أفراد الطبقات العليا على إلقاء اللوم على تبذير «صغار الناس». وزعم فيلاني أن «عامة الناس، بسبب ما يجدونه من وفرة وفائض، سيكفون عن العمل في مهنهم المعتادة؛ فهم يريدون أغلى وأشهى الأطعمة… بينما يحرص الأطفال والنساء من العامة على اقتناء كل ما كان يرتديه المشهورون الذين غادروا عالمنا من ملابس أنيقة وباهظة الثمن». وسعت النخب الحضرية إلى تعزيز مكانتها الاجتماعية بفرض حدود على مطالب الأجور وقواعد صارمة على شروط الملبس للطبقات الاجتماعية الأدنى، وبمنع الفقراء من الانخراط في الاستهلاك الترفي والتشبُّه بالأغنياء في الملابس.

وأسهم هذا القمع في المزيد من تقويض الاحترام الشعبي للسلطة السياسية. وفي محاولة يائسة للحفاظ على موقعهم المتميز، سعى النبلاء إلى تأمين إيراداتهم عبر غنائم الحرب. وفي حين أن «حرب المائة عام» بين إنجلترا وفرنسا كانت قد بدأت بالفعل في عام 1337، فمن المرجح أن الصراع لم يدم تلك الفترة الطويلة سوى لأنه أثبت أنه مربح بشكل خاص للنبلاء المعتصرين ماليًا. وكما يشير مؤرخ «الموت الأسود» النرويجي البارز أولي بينيدكتاو (Ole Benedictow)، فإن «النخب الاجتماعية، والطبقات السياسية، إذا جاز التعبير، كانت لها مصلحة قوية في استمرار الحرب» في أعقاب الوباء.

بيد أن تكثيف العدوانية الإقطاعية كانت تكلفته عالية. فالملوك كانوا مجبرين، لمكافأة المحاربين الأرستقراطيين على خدماتهم العسكرية، على زيادة العبء الضريبي على الفلاحين على نحو حاد. وسرعان ما اجتاحت موجة من الثورات الشعبية أرجاء القارة: من ثورة الفلاحين (الجاكية) الفرنسية في عام 1358 وثورة الفلاحين الإنجليز في عام 1381، إلى ثورة ندّافي الصوف الفلورنسيين في عام 1378 وتمرد الخلاص الكتالوني في القرن التالي. وكشف الكثير من تلك الأحداث عن ارتباط بالغ العصرية بمبادئ المساواة. وفي كتابه تاريخ فلورنسا (1532)، نقل نيقولا مكيافيلي (Niccolò Machiavelli) عن عامل نسيج فلورنسي قوله: «سترون أننا متماثلون؛ ألبِسونا ثيابهم وألبِسوهم ثيابنا، وبلا شك سيبدو أننا نبلاء وأنهم حقراء، إذ لا يجعلنا غير متساوين سوى الفقر والثروات».

***

لعل الأمر الأكثر لفتًا للنظر في المشهد الناشئ بعد الطاعون هو تنوع النتائج السياسية في مختلف أنحاء أوروبا. ففي مواجهة صدمة مشتركة، استجابت البلدان المختلفة بطرق مختلفة جذريًا. ففي إنجلترا، قادت النضالات الشعبية بعد الموت الأسود إلى شكل جديد من الرأسمالية الزراعية. وفي فرنسا وإسبانيا، دخلت الأرستقراطية في تحالف مع الملكية، الأمر الذي أفضى إلى مركزة السلطة السياسية في دولة الحكم المطلق. أما في إيطاليا، فقد بقيت السلطة لا مركزية داخل المدن-الدول، مما سمح لأوليجارشيات تجارية بترسيخ شكلها الخاص من الرأسمالية التجارية.

وفي الشرق الأدنى، جاءت النتائج أبعد اختلافًا. فالمُلّاك العسكريون الأقوياء في مصر المملوكية ضغطوا بشدة على الفلاحين إلى حد أجبر المجتمعات المحلية على حرث الحقول بصورة دائمة، وإغفال أعمال صيانة نظام الري الخاص بنهر النيل، الأمر الذي أدى إلى انسداد قنواته بالطمي وأفضى إلى تراجع زراعي طويل الأمد.

ودخلت الإمبراطورية البيزنطية بالمثل في سكرات الموت بعد الطاعون، وهو ما خلق فراغًا في السلطة لكي يملأه العثمانيون، على نحو أفضى في النهاية إلى غزو القسطنطينية في عام 1453. وحطّم صعود الإمبراطورية العثمانية الجهود الأوروبية الرامية إلى إعادة العلاقات التجارية المباشرة مع الشرق الأقصى. أما الجنويون الذين فقدوا معقلهم المطل على البحر الأسود، فقد استداروا غربًا آملين العثور على فرص تجارية جديدة في المحيط الأطلسي.

وأنشأ تجار جنوة على وجه السرعة حضورًا قويًا بطول ساحل غرب إفريقيا، وباتوا في نهاية المطاف بالغي الانخراط في مزارع السكر البرتغالية في ماديرا وجزر الأزور. ولجأ البرتغاليون والجنويون إلى العمل القسري للأسرى المشترين من الأباطرة وأمراء الحرب الإفارقة ليشكلوا منهم القوة العاملة التي ستتولى زراعة هذا المحصول كثيف العمالة، وهو ما أدى إلى صعود تجارة الرقيق الأطلسية. وسرعان ما أطلقت المغامرات الاستعمارية البرتغالية المبكرة صراعًا تنافسيًا مع إسبانيا المجاورة، وهو الصراع الذي بلغ ذروته مع الرحلات المتنافسة لكولومبوس وفاسكو دا غاما. وبهدف الالتفاف على الاحتكار الإسلامي لطرق التجارة مع الشرق الأقصى، وقع المستكشف الجنوي في نهاية المطاف صدفةً على الأميركتين، بينما التفّ نظيره البرتغالي حول إفريقيا لكي يعثر على طريق مباشر إلى الهند. وبذلك بدأ عصر جديد في التاريخ العالمي.

إن الموت الأسود، الذي اضطلع بدور قوة الدفع الكبيرة في هذه السلسلة المعقدة من الأحداث، كان بحق حدثًا صانعًا للتاريخ. وإذا كان العالم قد تعافى في نهاية المطاف من أزمة العصر الوسيط المتأخر التي أفرزها، فإن الدرس الأهم الذي نستطيع استخلاصه من تلك الخبرة التاريخية هو أن العواقب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لوباء كبير يمكن أن تستمر إلى ما يتجاوز بكثير تأثيرها المباشر. ولسوف يمر هذا الوباء أيضًا، غير أن الآثار اللاحقة قد تبقى معنا لفترة طويلة مقبلة. ورغم أن «كورونا» نفسه لن يخلق عالمًا جديدًا، فإن السبيل الذي سيقع عليه اختيار الحركات الاجتماعية والأطراف الفاعلة السياسية والقوى الدولية للاستجابة له سوف يفعل ذلك قطعًا.

هوامش المترجم:

*الأبقراطي: نسبة إلى الطبيب اليوناني القديم أبقراط، الملقب «أبو الطب».

**  الجستنياني :نسبةً إلى الإمبراطور البيزنطي جستنيان.

***القادس: سفينة مزودة بمجاديف شاع استخدامها في العصور القديمة والوسطى. 

****الجنوي: نسبة إلى مدينة جنوة الإيطالية.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن