ديكتاتور عربي في البيت الأبيض

ما أن تناقلت وسائل الإعلام تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن «المؤامرة التي تحاك ضد بلاده»، وتحميله مسؤولية أعمال العنف التي تشهدها بلاده خلال الأيام الماضية لحركات يسارية متطرفة، حتى صوره البعض على أنه ديكتاتور عربي يحاول أن يعلق فشله وفشل إدارته في التعامل مع الاحتجاجات التي أعقبت مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد على شماعة خصومه السياسيين أو على ما أسماه «الإرهاب المحلي».

بدا من المفردات والمصطلحات التي صدرها ترامب للرأي العام الأمريكي خلال الأزمة الأخيرة، أنه معجب بالنموذج الديكتاتوري الشرق أوسطي في الحكم، ويسعى إلى تقمص شخصية الحكام العرب في التعامل مع الأزمات المشابهة في بلادهم الذين يبادرون فيها بالهروب إلى «نظريات المؤامرة» والدعوة إلى «الاصطفاف خلف القيادة لمواجهة أعداء الدولة» و«استخدام القوة الساحقة للقضاء على الإرهاب»، بدلًا من بحث أبعاد تلك الأزمات وإيجاد حلول ناجعة لها، ويفضلون تضليل الشعوب وإلهائها على مصارحتها ومكاشفتها.

الفرق أن حكام بلادنا عندما تفشل خططهم في تضليل الناس يلجأون عادة إلى قمعهم بالطريقة العربية المعروفة، وبالطبع يجدون من يبرر لهم انتهاكاتهم ويقننها ويُدسترها، سواء في وسائل الإعلام أو مؤسسات الحكم الأخرى، فالحاكم في الجمهوريات والممالك الشرق أوسطية هو نفسه القانون والدستور والمؤسسات، لا يجرؤ أحد على مراجعته أو رده، ولا يستطع أحد أن يراقب أعماله أو يساءله أو يزعزع ملكه، هو السيد بلا منازع سواء وصل إلى أعلى هرم السلطة بالوراثة أو الدبابة، أو حتى عن طريق صناديق الاقتراع.

استدعى ترامب مفردات من «كتالوج التسلط العربي»، لكنه لم يتمكن من تفعيلها، فالمجتمع الأمريكي ومؤسساته لا يسمحان لأي حاكم بالانفراد بالقرار إلا وفقًا لما أقره القانون والدستور.

اصطدمت رغبات ترامب بثقافة المجتمع واستقلال مؤسساته، بدءًا من الإعلام الذي يناصبه الرئيس العداء لكنه مجبر على التعامل معه باعتباره «إعلام المحكومين وليس الحكام»، مرورًا بالكونجرس الذي يعد عليه أنفاسه ويتصيد له أخطاء ويضعه دائمًا في خانة الدفاع، والقضاء الذي ينتصر لقيم العدالة ويحترم القانون حتى لو على حساب الرئيس، وصولًا إلى المؤسسة العسكرية التي حاول توريطها ووضعها في مواجهة المتظاهرين خلال الأزمة الأخيرة لكنها أجبرته على التراجع عن تهديده، ورفضت نزول قوات الجيش إلى الشوارع.

لم تُنهك صراعات ترامب المتكررة مع المؤسسات والإعلام وخصومه السياسيين، الدولة الأمريكية، ولم يخرج الإعلام الأمريكي ليتهم منظمي الاحتجاجات والمشاركين فيها بأنهم يسعون إلى إسقاط الدولة أو أنهم يستهدفون استقرارها، وعندما تلقي قوات الأمن القبض على عدد من هؤلاء المتظاهرين يُخلي القضاء سبيلهم إلا من يثبت تورطه في أعمال عنف أو نهب، وعندما رفض وزير الدفاع مارك إسبر الانصياع لرغبة ترامب بنشر قوات الجيش في الشوارع لمواجهة الاحتجاجات لم يطالب أحد بعزله ولم يتهمه أحد بالتمرد أو الخيانة ودعم «جماعات الإرهاب المحلي» لأنه أحرج الرئيس ورفض الانصياع لرغباته.

ما يحدث في الولايات المتحدة في الأزمة الأخيرة، وما سبقها منذ أن وصل ترامب إلى السلطة، ليس دليلًا على ضعف الدولة الأمريكية ومؤسساتها أو على عدم جدوى النموذج الديمقراطي المتبع هناك كما يردد بعض الشامتين في إعلامنا، بل هي دليل على حيوية المجتمع الأمريكي، وتأكيد على رسوخ الممارسات الديمقراطية التي ضحى آباء أمريكا المؤسسون لإقرارها.

قد يظهر في هذا النموذج بعض الأخطاء، وقد تحيد الديمقراطية عن طريقها فتطفو على السطح من آن إلى آخر ممارسات من أزمان غابرة مثل التمييز والعنصرية وأعمال الشغب، لكن المجتمع الذي خبر طريقه لا يسمح بأن تنزلق مؤسسة الرئاسة إلى الطريق العكسي فُتدمر ما تم بناؤه عبر قرون، يقاوم حتى يجبرها على استكمال مسيرتها في الطريق الصحيح، هكذا هي الديمقراطية، تخطئ أحيانًا لكنها تصحح أخطائها.  

استفز مشهد مقتل المواطن الأمريكي من أصل أفريقي فلويد الشعب الأمريكي، فثار على ممارسات العنصرية والتمييز التي يمارسها أفراد الشرطة، وأسفرت تلك الثورة عن صدور قرار بـ «تفكيك وإعادة بناء» شرطة مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، وفق ما أعلنته رئيسة المجلس البلدي ليزا بيندر لشبكة «سى.إن.إن» الإخبارية «نحن ملتزمون بتفكيك أجهزة الشرطة كما نعرفها فى المدينة وإعادة بناء نموذج جديد للسلامة العامة يضمن فعلًا أمن مجتمعنا، وذلك بالاشتراك مع مواطنينا».

بيندر أشارت في تصريحها إلى أنها تعتزم تحويل الأموال المخصصة لميزانية شرطة المدينة إلى مشاريع تتعلق بالسكان، مضيفة أن مجلس المدينة يعتزم أيضًا دراسة سبل استبدال جهاز الشرطة الحالي.

الأزمة دعت عددًا من نواب الكونجرس إلى التقدم بقانون يهدف إلى إصلاح الشرطة في الولايات المتحدة، معتبرين أن ممارساتها بحق ذوي البشرة السمراء هى نتيجة عنصرية تطبع تاريخ الولايات المتحدة منذ فترة العبودية. 

عندما أراد ترامب أن يمارس هوايته في التضليل وخرج على الشاشات حاملًا الكتاب المقدس من أمام كنيسة القديس يوحنا في واشنطن على بعد شارع من البيت الأبيض، وهو ما فسّره البعض أيضًا بأنه محاولة لاسترضاء وكسب تعاطف جمهور اليمين الديني، قوبل بانتقادات حادة، وعبّر أساقفة كُثر عن استيائهم من رفع ترامب للإنجيل عاليًا، لما في ذلك من استغلال سياسي للكتاب المقدس، أقسى الانتقادات جاءت على لسان ماريان بادي، رئيسة قساوسة واشنطن في الكنيسة الأسقفية البروتستانتية، التي تتبعها كنيسة القديس يوحنا، التي أكدت أن ما فعله ترامب «تمثيلية تتناقض مع تعاليم المسيح، ولا تحمل عزاءً للمتألمين بعد مقتل فلويد»، مضيفة أنّ كنيستها تقف مع مطالب المحتجين في إلغاء العنصرية، وتحيِّد نفسها عن خطاب الرئيس الناري.

خروج ترامب شاهرًا الإنجيل أمام الكنيسة لم يكن فقط لكسب جمهور اليمين الديني، بل للتأكيد على أنه موجود ولم يهرب أو يختبئ في القبو المحصن في البيت الأبيض، بحسب ما نقل مصدر مطلع لـ«سي إن إن»، «الرئيس الأمريكي أخبر مساعديه أنه يريد الظهور خارج بوابات المقر الرئاسي.. وأعرب عن إحباطه من أنه تم تصويره على أنه قلق من الاحتجاجات خارج البيت الأبيض واختبأ تحت الأرض في القبو المحصن، معتقدًا أنه بدا ضعيفًا».

قبل هذا الحادث بأيام هدد ترامب باستخدام قوات الجيش لإنهاء الاحتجاجات، إذا لم تنجح المدن والولايات الأمريكية في «السيطرة على الشوارع والدفاع عن مواطنيها»، وقال إنه سيرسل «المزيد والمزيد من الجنود المدججين بالأسلحة، وقوات عسكرية ورجال إنفاذ القانون لوقف العنف والشغب والتخريب».

لم يتمكن ترامب من تنفيذ تهديده وفشل في إقناع وزير دفاعه بنشر قوات الجيش، فوزير الدفاع مارك إسبر، أبدى معارضته اللجوء إلى قانون يسمح بنشر الجيش في المدن الأمريكية بهدف التصدي للحركة الاحتجاجية واسعة النطاق ضد العنصرية والعنف الممارس من قبل الشرطة، وذلك في تباين واضح مع موقف ترامب، وفقًا لما نقلته شبكة «بي بي سي».

إسبر قال «لا أؤيد اللجوء إلى قانون الانتفاضة» الذي يسمح للرئيس بنشر الجيش في مواجهة مواطنين أمريكيين، بدلًا من قوات الحرس الوطني المنتشرة حاليًا في عدة مدن.

بعد هذا الموقف المعلن من وزير الدفاع، الذي من المفترض أنه عضو في إدارة الرئيس الأمريكي، أعلن ترامب أنه لا يعتقد أنه سيحتاج إلى الاستعانة بقوات الجيش للتصدي للاحتجاجات، «لا أعتقد أننا سنضطر لذلك».

وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس، شن هو الآخر هجومًا لاذعًا على الرئيس الأمريكي، قائلًا إن «البلاد تشهد تداعيات ثلاثة أعوام من قيادة غير ناضجة».

ووجه ماتيس انتقادات حادة للرئيس الأمريكي، وأضاف في بيان له أن «ترامب هو أول رئيس في حياتي لا يحاول توحيد الأمريكيين ولا يحاول حتى التظاهر بالقيام بذلك، عوضًا عن ذلك هو يحاول أن يفرقنا.. نحن نشهد تداعيات ثلاث سنوات دون قيادة ناضجة».

الانتقادات التي صاحبت رفع ترامب للكتاب المقدس أمام كنيسة القديس جون، وتراجعه عن تهديده بنشر قوات الجيش بعد اعتراض وزير الدفاع علنًا على الفكرة، وصدور قرار بتفكيك وإعادة بناء شرطة مينابوليس، ليست سوى غيض من فيض مقاومة المجتمع الأمريكي ومؤسساته لشطحات ترامب، فالرجل لم يجد من يدعم رغباته في استنساخ الممارسات الديكتاتورية الشرق أوسطية ونقلها إلى الولايات المتحدة، بل استفزت محاولاته الأمريكيين وجعلتهم أكثر تمسكًا بقيم الديمقراطية.

الرئيس الأمريكي بتكوينه وميله إلى التسلط وانبهاره بالنموذج الاستبدادي، أقرب إلى أن يكون رئيس عربي لكن حظه العاثر أوقعه في بيئة لا تحتضن أفكاره، ولا يمكن أن تقبلها أو تروج لها في أحلك الظروف.

قد يرى البعض أن الديمقراطية بمفهومها وآلياتها المتداولة في الغرب ليست هي النموذج الرشيد للحكم، لكن وبعد تجارب سابقة وحالية، ثبت أن امتلاك الشعوب الحق في اختيار حكامهم وعزلهم عبر صناديق الاقتراع، واختيار من يراقب أعمالهم، وممارستهم حق الاعتراض والاحتجاج السلمي، واحترام استقلال المؤسسات وحرية الصحافة و الإعلام وقيم العدالة والمساواة هي الطريق الأقصر لإقامة مجتمعات ودول حديثة مستقرة إلى أن نجد نموذج آخر يحقق الرفاة للشعوب.

أخيرًا، قد يبدو مما سبق أن كاتب السطور مغرم بالنموذج الأمريكي في الحكم، أو أنه من المهووسين بسياسات العم سام، وهذا ليس صحيحًا في مجمله، فإذا كان المجتمع الأمريكي قادرًا على تصحيح مساره الديمقراطي وإجبار مؤسساته على احترام حقوقه وحل أزماته ومشاكله الداخلية، إلا أنه وعلى مدار عقود طويلة لم يستطع كبح جماح وشطط إداراته المتعاقبة التي دأبت على لعب دور بلطجي العالم، وسعت إلى الهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب، فدمرت دولًا وشردت مواطنيها وانتصرت لأنظمة قمعية وغضت الطرف عن رغبات شعوب مطحونة ودعمت احتلال دول حتى تحقق ما ترى أنه مصالح بلادها العليا.

ستظل السياسات الأمريكية بالنسبة لشعوبنا سياسات عدائية، ما دامت تصطدم مع حقوقنا التاريخية، وسنظل نقاومها ونتصدى لها، لكن ما يحدث في الداخل الأمريكي شيء آخر.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن