هل تضللنا شركات الدواء العالمية مرة أخرى؟

في مارس 2020 أعلنت منظمة الصحة العالمية «كوفيد-19» كوباء عالمي، أو جائحة. لم تكن هذه المرة الأولى، ففي الماضي القريب، كانت المنظمة قد أعلنت إنفلونزا فيروس H1N1، المعروفة بإنفلونزا الخنازير، وباءً عالميًا أيضًا في يونيو 2009. وبين هذه المرة وتلك تاهت الكثير من الحقائق التي تستدعي إعادة التدقيق والتذكير.

بعد انتشار إنفلونزا فيروس H5N1 –إنفلونزا الطيور- وفي بداية انتشار عدوى إنفلونزا الخنازير تنافست شركات الدواء على توفير علاج للإنفلونزا دون العمل على تطوير لقاح لها. وبين عامي 2005 و2009 نجح عقار أوزيلتاميفير Oseltamivir المضاد للفيروسات (الذي اشتهر بالاسم التجاري تاميفلو Tamiflu  وتنتجه شركة روش Roche) في أن يكون العقار محل التوصية  للوقاية والعلاج من قبل الجهات المرجعية حول العالم، مثل منظمة الصحة العالمية ومركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكي، المعروف بـ «CDC»، وهيئة الدواء الأوروبية.

وقتها تلقت منظمة الصحة العالمية تبرعًا من الشركة المنتجة لأوزيلتاميفير يكفي لعلاج ثلاثة ملايين شخص من أجل الإعداد لعملية «احتواء سريع محتملة»، وذلك بحسب تقرير لجنة مراجعة عمل اللوائح الصحية الدولية بشأن جائحة H1N1 في عام 2009، وهو تقرير صادر عن منظمة الصحة. كما شجعت المنظمة حكومات الدول –بحسب نفس التقرير- على دمج خطط الاحتواء السريع في خططها الوطنية من أجل التأهب لجائحة الإنفلونزا، وطورت بروتوكولًا علاجيًا لهذا الغرض، معتمدًا على أوزيلتاميفير بشكل رئيسي. 

كنتيجة متوقعة وبسبب حالة الذعر التي انتابت العالم، انهالت طلبات الشراء على شركة «روش» من جميع الدول بما فيها مصر. تشير الأبحاث والكتابات اللاحقة إلى أن هوس شراء عقار «تاميفلو» كان مبنيًا على أساس تجارب سريرية معظمها ممول من «روش» نفسها، وبحسب رأي المتخصصين كانت التجارب غير مكتملة النتائج بخصوص فعالية العقار وأعراضه الجانبية، التي ظهرت فيما بعد وكان البعض منها خطيرًا.  بالإضافة إلى دفعها بمعلومات مغلوطة رجحت انتشار العدوى بشكل غير قابل للسيطرة. هناك الكثير من الأبحاث التي أجريت، وأهمها كان بواسطة هيئة كوكرين Cochrane (وهي جهة بحثية متخصصة في جمع وتحليل المعلومات والبيانات الصحية لدعم صنع القرارات المتعلقة بالسياسات الصحية)، والذي أظهر أن فوائد أوزيلتاميفير كانت ضئيلة من ناحية تقليل الأعراض، فلقد نجح العقار في تقليل مدة الأعراض نصف يوم فقط في المتوسط. كما وثّق البحث لأضرار العقار كون الباحثون قد تمكنوا من الحصول على تقارير مكتملة من الدراسات الأصلية التي أفصحت عنها الشركة. ويطرح بحث كوكرين في النهاية سؤال ما إذا كان هناك مبرر واضح لشراء وتخزين العقار عالميًا؟

من ناحية أخرى، تمارس شركات الدواء الكبرى ضغوطًا على الحكومات أثناء تلك الأزمات. اعتمدت منهجية شركة «روش» أثناء تفشي فيروس H1N1 على إقناع الحكومات بالتوقيع سريعًا على اتفاقيات شراء مستحضر الـ«تاميفلو» لأن التوريد كان يتم بأسبقية تقديم طلب الشراء. ولا يجب أن ننسى أن تلك المفاوضات كانت تجري في ظل حالة من التوتر العالمي ومنافسة غير معلنة بين الدول للحصول على الدواء في أسرع وقت من مصدر واحد. وهنا تتجلى خطورة الممارسات الاحتكارية العالمية للدواء، إذ تبقى احتمالية تكرار هذا السيناريو طالما تتفاوض الدول على توريد الدواء في سوق احتكاري.

تعدت مبيعات «أوزيلتاميفير» 18 مليار دولار أمريكي، نصفها من حكومات الدول التي سعت إلى جمع وتخزين أكبر كمية ممكنة من المستحضر. فمثلًا أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي على مخزون العقار بحسب توصيات «مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها»، بينما أنفقت المملكة المتحدة أكثر من 770 مليون دولار أمريكي لشراء العقار نفسه ما بين عامي 2006 و2014.

ليس هناك بيانات رسمية حول إجمالي ما أنفقته مصر على شراء العقار عدا بضعة أخبار حول تعاقد وزارة الصحة مع «روش» على توريد 2500 كيلوجرام من العقار الخام لتصنيعه من خلال إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة للأدوية، والتي صرح رئيسها بأن قيمة المخزون كانت حوالي 100 مليون جنيه.

منظمة الصحة العالمية هي منظمة أعضاؤها حكومات، وبالتالي تخضع للمساءلة من قبل الدول الأعضاء. في عام 2010 تمت مساءلة منظمة الصحة العالمية على أدائها أثناء انتشار عدوى إنفلونزا الخنازير بعد أن أعلنتها وباءً عالميًا، وهو القرار الذي تحفظت عليه الدوائر العلمية والسياسية عالميًا، إذ ارتأته قرارًا متعجلًا، تسبب في حالة ارتباك عالمية كلفت موازنات الدول الملايين من الدولارات دون داعٍ.

هناك حقيقة هامة لا يجب إغفالها في خضم الاستجابة لـ «كوفيد-19». ليس من عقار جديد يتم تجريبه لعلاج الفيروس. كل العقارات معروفة ومتداولة. هي فقط مدرجة بالتجارب الإكلينيكية لإثبات فعاليتها تحديدًا ضد فيروس SARS-CoV-2 المسبب لـ «كوفيد-19»، وهذا على الأغلب ما يحدث في حالة تفشي الأمراض بشكل مفاجئ إذ يتم إعادة توجيه الأدوية لأغراض علاجية مماثلة لأغراضها الأصلية repurposing/repositioning علاوة على أن البحوث الدوائية لم يعد ينتج عنها مركبات دوائية «جديدة» بالمعنى المطلق ولذلك تسعى الشركات باستمرار إلى إعادة النظر في المركبات المتداولة من أجل تطويرها أو تطوير استخداماتها. ولذلك غالبًا ما يتم إخضاع العقاقير ذات الفعالية المتوقعة لتجارب سريرية خاصة بالمرض المستجد.

كانت التجارب السريرية الحالية قد بدأت على أربعة خيارات علاجية لمستحضرات متداولة معظمها منخفضة أو متوسطة التكلفة. والآن وبعد مضي ما يقرب من ثلاثة أشهر على إعلان الجائحة، أصبحت المنافسة مقصورة عالميًا على مستحضرين اثنين: ريمديسيفيرRemdesivir  الذي تنتجه شركة Gilead Sciences، وفافيبيرافير Favipiravir  الذي تنتجه شركة FUJIFILM Toyama Chemical تحت اسم Avigan.

في مارس الماضي، ومع انتشار «كوفيد-19»، منحت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) عقار ريمديسيفير تصنيف «علاج مرض نادر Orphan drug status» والذي من شأنه منح الشركة المنتجة حقوقًا استئثارية أوسع، إضافة لحقوق براءة الاختراع. قوبل هذا القرار بالدهشة والاستنكار من قبل دوائر المتخصصين حول العالم بسبب محتواه وتوقيته، لأنه بحسب تعريف كل من منظمة الصحة العالمية والقانون الأمريكي، فإن الأمراض النادرة عدد مرضاها قليلون بشكل لا يمثل حافزًا تسويقيًا لشركات الدواء لتطوير أدوية لهم، مما يبرر رفع أسعار تلك الأدوية، في حين أن سيناريو «كوفيد-19» هو العكس تمامًا. وبالتالي لم يكن ذلك التصنيف إلا كشفًا لنوايا الشركة المستقبلية بعد تسجيل العقار وتسويقه. 

بعد اعتراضات وضغوط شديدة في ضوء ارتفاع الإصابات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ألغت شركة جلياد تصنيف عقارها كـ«علاج لمرض نادر».  ثم تبع ذلك في مايو –أي بعد عدة أسابيع – تصريح هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لـ «ريمديسيفير» لاستخدام الطوارئ لعلاج حالات «كوفيد-19»، وهو ما تزامن مع تبرع الشركة بـ 1.5 مليون جرعة من العقار للاستخدام في الولايات المتحدة.

وسط احتفاء إعلامي تعاقدت الحكومة المصرية في منتصف أبريل الماضي مع شركة FUJIFILM Toyama Chemical على استخدام فافيبيرافير Avigan  للعلاج في مصر، ومؤخرًا طالعتنا الأنباء بأن فافيبيرافير لم تثبت فعاليته بعد، وبأن الشركة المنتجة أرجأت تسجيله لحين الانتهاء من التجارب السريرية. 

وكانت وزارة الصحة قد أعلنت بعدها عن حجز دفعة أولى من عقار ريمديسيفير من إنتاج  Gilead وعن انضمام مصر للدول المشاركة في التجارب السريرية. في الوقت ذاته، تزايدت المخاوف بشأن التسرع في الاعتماد على عقار «ريمديسيفير» قبل ثبوت فعاليته، خصوصًا أن نتائج التجارب التي نُشرت أظهرت عدم وجود فوائد علاجية ذات دلالة إحصائية.

لم يتم بعد تسعير أي من العقارين ريمديسيفير أو فافيبيرافير -في حالة ثبوت فعالية الأخير- إلا أنه من المتوقع أن يكونا مرتفعا السعر. كما أن لهما طلبات حماية ببراءة اختراع في دول عديدة، منها دول قامت بمنحهما حق البراءة بالفعل. والمعروف أن سريان براءة الاختراع لأي عقار من أهم عوامل ارتفاع سعره بسبب الحقوق الاستئثارية التي تمنحها براءة الاختراع للشركة المنتجة له لمدة عشرين سنة.

في ظل معدلات الانتشار المرتفعة لـ«كوفيد-19» ومعدل الوفيات والضغط الواقع على الحكومات لاتخاذ إجراءات حامية لشعوبها، فإن ما نشهده الآن هو سباق بين شركات الدواء حول العالم من أجل ضمان أنصبتها من سوق الدواء العالمي، بداية من محاولة إشراك أكبر عدد من المرضى في التجارب السريرية التي يتم إجراؤها في عجالة من أجل الإسراع بإظهار نتائج مؤيدة أو معارضة لاستخدام عقار معين -وهو ما يضع تلك التجارب محل نقد من قبل الدوائر العلمية المحافظة- مرورًا بإبرام عقود التوريد المسبقة بين الحكومات والشركات من أجل إجراء التجارب أو العلاج، ووصولًا إلى حماية حقوق الملكية الفكرية في أكبر عدد من الدول من أجل ضمان الحقوق الاستئثارية للشركات، ومن بينها إمكانية تسعير العقار بسعر مرتفع استغلالًا للظروف الراهنة. 

باختصار، وفي وسط الأزمة التي أوقفت العالم كله ووضعته أمام أخطار اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، فإن المخاوف تزداد بشأن تكرار سيناريو إنفلونزا H1N1 خاصة في ما يتعلق بالتكالب على العقاقير المطروحة في السوق العالمية، والتي لم يثبت بعد أن أي منها علاج حقيقي. فهل لنا أن نتعلم من الماضي القريب؟

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن