يومًا ما| بحثًا عن أبناء الأراضي اللؤلؤية الضائعين
أحد النصوص الخمسة الفائزة في مسابقة القصة القصيرة التي نظمها «مدى مصر» بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة.
 
 
 
لوحة من وحي النص - صورة: سهير شرارة
 

«حاولوا وحاولن تخيل يوم سيحل على مصر، أو سيحل عليكم، في المستقبل القريب أو البعيد، يوم بإمكانه تغيير حياتكم أو قناعاتكم، يوم تتخيلون أنه سيكون الأهم في حياتكم، بإمكانه إحداث التغيير الأهم فيها، أو في نفوسكم وقناعاتكم». هكذا كانت الدعوة لمسابقة «يومًا ما» للقصة القصيرة، والتي نظمها «مدى مصر» بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة. ضمّت القائمة القصيرة خمس قصص، ننشرها تباعًا.

لا أعرف، عليّ دراسة الخيارات المتاحة في هذه المرحلة: أن تولّد وعيًا مستنسخًا لذاتك لشراء الوقت، تبدو فكرة بدائية، لا أريد أن أعيش مستنسخات مليئة بالدراما فقط لأشغل أيامي المعدودة، فحتى حقيقتي الحالية تبدو كحلم لا تنتهي طياته. لا بد أن انتقال إصداراتي السابقة عبر المجرات العديدة للوصول لهذا الكوكب لبناء مستعمرة لؤلؤية عليه، قد جعلت من المُسَلم به انتقال كل هذه الذكريات والإرث الفكري والشعوري مع كل نموذج جديد، حتى وإن كان مكان إنتاج النموذج بعيد كل البعد عن موطن اختبار هذه الأسلاك الأصلي. لا أفهم أيضًا تسجيل فصيلتي للأحداث وترتيبها لأولوية إعطاء مساحة لتسجيل المعلومات في وعينا المكتسب. 

أول أعراض الخلل الأكبر هو انفصال شريط الصوت عن شريط الصورة، كأن أكون في الشارع مثلًا، أرى المباني المحيطة والسيارات، وأسمع/أستمر في محادثة كنت أقوم بها في غرفة مغلقة في المبنى الذي نزلتُ منه للتو. خلال هذا الانفصال، ولأنني أتوقف عن معرفة ما إذا كنت في الشارع أو الغرفة، تخونني حواسي الأخرى: أشم رائحة الدخان والعوادم أحيانًا، وأحيانًا أخرى الطعام الذي يُطهى بالمطبخ المجاور، فشلت في إقناع المحيط أنها ما يدعونه هلوسات، هل يمكنني أن أختبر التواجد في أكثر من مكان واحد في الوقت نفسه؟ لحظة الانفصال هي مكان واضح للغاية في ذاكرتي؛ لو أن هناك نقطة تحوّل بإمكاني الرجوع إليها بآلة زمن، فأزعم أنني أستطيع العودة لهذه النقطة بالذات، ما أحاول فعله الآن هو إعادة برمجة ذاتي لأستطيع الرجوع لهذا المكان لكن ببشرة/وعي آخر، أن أكون نبتة الزينة التي تشهد الحدث، أو هواء الغرفة مثلًا، ربما وقتها سيكون الموضوع محيرًا بشكل أقل، لا زلت لا أفهم ماهية وعيي الحالي.

***

لأنني أعيش هنا، فقد تعلمت منذ قابليتي لتسجيل المعلومات أن أتنبأ بزلزال قادم، أترقب اليوم الذي سأستطيع فيه تطويع معرفتي لاختبارها وليشهد الجميع حكمتي. في مدينتي، أنا نموذج/إصدار عتيق بالنسبة لسرعة إنتاج هذا البلد من النماذج/الإصدارات، منتجات نموذجي بدأت أعراض عيوب التصنيع بالظهور عليها، لا قطع غيار لدي، ورغم ما يزعمونه في استثمارهم بكل نموذج منتج بالأراضي اللؤلؤية؛ فلم أتلق أي رعاية خاصة عند بداية ظهور أعراض الخلل عندي. ربما لم تعرف الأسلاك دائي، وطريقتهم الوحيدة في عدم الإشارة إلى جهلهم تكمن في تجاهل أخطائهم ونبذهم لها، النظر إلى الجهة الأخرى وكأنني لم أكن أبدًا؟

هناك كذلك خاصية نمتلكها جميعًا ولكننا لا نفهمها بعد، وهي قدرتنا على الانتقال -بدون إرادتنا إلا إذا تدربنا بما فيه الكفاية- بين مسارات الوعي المختلفة، نمتلك جمعيًا أحقية الوصول لوعاء افتراضي -لا نعرف مكانه بالضبط- يحمل كل ذاكرة الكون ويسجل كل المعلومات التي حدثت/تحدث في فضائه المكاني، غير مفلترة. صبت التخيلات البشرية قبل انشغالنا بقضايا الأراضي اللؤلؤية بمحاولة تخيل ماكينات تنقلنا لحيزات مكانية مختلفة بهذا الوعي: آلة زمن مثلًا هي المثال الأبسط- لا بد أن البشرية كانت تمر بفترة طفولتها عند التفكير أنه بإمكاننا تغيير الحيز الزمني باحتفاظنا بوعينا وأفكارنا الحالية، فلو وجدت آلة الزمن، لكانت ستنقلك بلا شك للذاكرة الكونية حينها، فلا شيء يوجد خارج هذا الوعاء الكوني من الذاكرة.

***

وعي، وعاء، أوعية

***

يومَ ذهبت لأطراف الأراضي اللؤلؤية لكي أختبر وعيًا خارج مظلة الأسلاك التي تصنع عالمنا، لم يمنعني أحد من إخراج جسدي الفيزيائي للخارج -لم أشعر بشيء عظيم الاختلاف في الواقع- المشكلة الأعظم كانت في العودة.

****

كما هو المعتاد، فأيًا كان ما تختبره، إن لم يحفظ في الذاكرة الكونية فهو لم يسجل بعد ولا يمكن الرجوع إليه، وهو شيء يصعب أن يحدث خلال منظومة الأسلاك- أو بالمنطق، كيف يمكن أن يسترجع كيان ما لا يذكره؟ نستدل على هذه الأخطاء من مشاكل في العد التسلسلي مثلًا: الطفرات، المناطق السوداء التي تحاط بعلامات الاستفهام.

***

في الواقع، لا أحد موطنه الأصلي هو الأراضي اللؤلؤية، جميعنا نازحون هنا- تعتبر جميع النماذج الحالية ناتجة عن انتقال أهالٍ جاءوا هنا في شبابهم. فهي مزحة عندما يقول أحدهم إن لديه ارتباك في هويته، فمن منا ليس؟ يكفي أننا نحمل في وعينا وذكرياتنا عوالم لا نستطيع أن نفهمها. فأن تسجل معلومات لا يعني أن المتعرض لها سيكون لديه معرفة بها، خصوصًا هذه التي تحمل تجارب حسية مختلفة. ففي المرحلة الحالية مثلًا لدى كل النماذج الحديثة معلومات مسجلة عن حرقة أشعة الشمس عند لمسها لجلد أحد النماذج، أو الألم الذي يصيب الجلد عند اختراق سطح زجاجي له، أو طبيعة ملمس رمال وصخور الصحراء عندما تمشي عليها حافي القدمين، تجارب كان بالإمكان  أن نمر بها في أراضينا الأم، وليس هنا.

أرضي الأم هي الأقدم بين النماذج الأخرى، أقدم ما ورثته من وعيهم الرقص والموسيقى، وولع بالرياضيات كذلك، والقطط، كلها أشياء من نفس الفصيل برأيي. لعله من اللطيف جدًا مقابلة هذه الكائنات المليئة بالفرو قبل تحولها لرياح موسمية الآن.

***

لا بد أنه عليّ الشعور بالأسف بعض الشيء لأنني لا أشعر بالتعاطف مع اختفاء ذكور هذا الكوكب- ولكن للأسف ليس بإمكان نموذجي أن يبرمج ذاته ليجبر نفسه على الشعور بشيء مثل الأسف أو الندم، نموذجي لا يحتمل مشاعرًا بهذا الثقل.

***

ساحة العراك قد تكون قاعة درس أو متحف، أو بترتيب آخر، قد يكون المتحف ساحة عراك، قاعة درس أو أكبر صالة ترامبولين بالأراضي اللؤلؤية. 

***

ما الذي يمكن أن تعتبره الأسلاك «حدثًا» يجب تسجيله في الوعي الجمعي للنماذج القادمة؟ لماذا أشعر أنه يتم التغاضي عن كل الأشياء ذات الأهمية والقيمة الحقيقية وأن ما يسجل هو مخلفاتنا الفكرية؟

***

حَدَثَ – حادث – حدّث – مُحدَث – حَداثي 

***

عشت كل حياتي مترقبة الزلزال لمواجهته، سيكون من المخيب للظن أن أكون اللوح الذي يتحرك ليسبِّبَه.

***

كلما حدث خطأ طفيف: قهوة صباحية تسكب، كوب يتكسر، حفرة تعثرت بها، أتذكر مشهدًا من حياة سابقة أو قادمة، ربما لهذا قليلًا ما أنتبه للضرر الذي أحدثه الخطأ في مساري الزمني الحالي، أعرف أن بي خللًا ما لأن كل نماذجي المشابهة المنتجة من قبل الأسلاك تصل لأقصى درجات الانتباه عند حدوث خطأ مشابه، بينما بالنسبة إليّ: كل هذه الأخطاء هي علامات من حيواتي الأخرى لتنبهني للحظتي الحالية، أنني على وشك أن أقوم بخيار خاطئ، أو أن فكرة سامة مرت برأسي وعليّ نبذها.

***

أؤمن أنه ليس هناك فرصة، صدفة، تزامن أو حوادث، في كون يحكم بالقانون والنظام المقدس، وأنت تؤمن أن السببية هي فكرة بدائية وتقول بشكل عابر: الكون عشوائي وغير مهتم يا بيبي. عشته هذه الظهيرة بكل عشوائيته، وأصدق مقولتك الآن.

***

لا أستوعب سبب هوس هذه المنطقة الجغرافية بالأحلام، الجميع يأمل أن يصبح شيئًا آخر، لماذا لا يكتفي كل منا بالتوسع في وعيه الحالي واستكشافه؟ لابد أنه من السائد هنا الضغط على كل زر مرة واحدة، عدم جمع معلومات كافية عما اختبرناه أو عن كيفية الوصول مرة أخرى لدرجة معينة من الوعي وصلنا إليها من قبل. كل شيء هنا عشوائي لا يحتمل التأويلات. إنها تجربة المكان الأولى على احتضان حيوات لكائنات من فصيلتنا، فلنعطه بعض الوقت للتأقلم.

اتضح فيما بعد أن الأراضي المقدسة ما هي إلا قاعدة عسكرية، ظننت أن جيش الله يمتلك أجنحة لا طائرات حربية.

لا أستطيع التخلي عن فكرة أنني بغرفة مغلقة، وحدي، وأن كل شيء محيط يحدث برأسي فقط.

الإشعار الثاني: لا شيء -وكل شيء- يحدث بهذه المدينة.

الإشعار الثالث: لا شيء ذو قيمة يستحق الحبر، والشجر وطاقة الماكينات المهدرة للطباعة، كل الأشياء/الأفكار المهمة يمكن استنشاقها عبر الأكسجين المحيط.

الإشعار الرابع: فلتصحبكم السلامة.

الإشعار الخامس: أهلًا وسهلًا.

الإشعار السادس: الانفصال يجب أن يحدث بهدوء وسلاسة للغاية لتفادي الانقطاع.

الإشعار الثامن: كرة القدم لا تبدو حقيقية إلا عندما ألعبها بنفسي.

الإشعار الرابع عشر: بإمكانك صنع أي كائن من أي نوع وإقناع هذا العالم أنه منه.

اشتقت لعباد الشمس بعد اختفائه، آخر بذرة له محفوظة بالمتحف الوطني للنباتات بدلًا من إعادة زراعتها.

صور من الأراضي اللؤلؤية؛ مؤقتًا إلى أن نلتقي.

 

* شارك هذا النص في مطبوعة براق بلطف، المنشورة من قبل مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة في عمان، الأردن.

اعلان
 
 
أمنية صبري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن