أسعار النفط الأمريكي.. كذبة أبريل (2-2)

نستكمل الحديث هُنا عن توابع زلزال انهيار أسعار البترول في أبريل 2020 وأهم انعكاساته الإقتصادية على خُماسي سوق النفط العالمي من مُصدرين ومستوردين ( أمريكا، والصين، وروسيا، الهند و السعودية). [لقراءة الجزء الأول، يرجي الضغط هنا].


بحلول مارس وأبريل 2020 أجبر تفشي وباء الكورونا عالميًا، العديد من دول العالم على تطبيق إجراءات الحجر الصحي والإغلاق الاقتصادي، ما أدى إلى انهيار الطلب العالمي على السلع وفي مقدمتها البترول.
ووفقًا لشركة Rystad Energy شهد شهر أبريل الماضي زيادة في العرض بمقدار 27.4 مليون برميل يوميًا.  مما أجبر دول «أوبك بلس» على الاجتماع مرة أخرى في 10 أبريل 2020، لتخفيض الإمدادات بمقدار 10 مليون برميل يوميًا حتى يوليو 2020، وبنسبة 8 مليون برميل يوميًا حتى ديسمبر 2020 وبواقع 6 مليون برميل يوميًا من يناير 2021 إلى أبريل 2022.
وذلك  لمواجهة  ما يقرب من انهيار ثُلث حجم الطلب العالمي، وانهيار الأسعار بلا هوادة مع انخفاض خام برنت إلى ما دون 20 دولارًا أمريكيًا للبرميل، وذلك بالتزامن مع أزمة العقود المستقبلية وانهيار أسعار نفط  خام غرب تكساس الأمريكي إلى ما دون الصفر.


وحتى بعد التعافي النسبي من أزمة انهيار الأسعار، ومع الأخذ في الاعتبار عدم الوصول إلى لقاح أو علاج للكورونا ، وعدم فتح الاقتصاد العالمي أو رفع حظر الطيران بشكل كامل، فمن غير المرجح تطابق العرض والطلب مع السعر، وبناءً عليه تتوقع بعض التحليلات  أن يتراوح سعر البترول من  25 إلى 30 دولارًا أمريكيًا للبرميل خلال النصف الثاني من عام 2020 وبعد ذلك يمكن أن يصل إلى 30 أو 40  دولارًا أمريكيًا للبرميل في السنوات الثلاث المقبلة، بشرط تعافي الطلب الصيني على النفط.

لذا لم يقتصر  التأثير الخاص بانخفاض سعر النفط على الداخل الأمريكي فحسب، بل امتد تأثيره عالميًا. استغلت الهند والصين خزاناتها النفطية الضخمة، واشترت كميات كبيرة من النفط الخليجي والأمريكي، وعلى الجانب الآخر من الأزمة تضررت عوائد روسيا النفطية ضررًا بالغًا، وضرب التقشف جنبات السعودية بصورة قد تجبرها على مراجعة خطط إنفاقها الحكومية الداخلية على المدى المتوسط بالتوازي مع تنويع استثماراتها الخارجية في إطار خطتها لتعظيم إيرادتها غير النفطية بحلول 2030.

الصين.. أكبر المستفيدين؟

 الصين كانت  من أكثر الدول استفادة من انهيار أسعار البترول العالمية، وكما ذكر تقرير للفايننشال تايمز: «في الوقت  الذي أدى فيه تفشي وباء فيروس الكورونا  إلى توقف اقتصاد الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في أواخر يناير وأوائل فبراير، كان المستوردون الصينيون مشغولين بتعزيز مشترياتهم الشهرية من النفط الخام الرخيص». ومنذ مطلع مارس 2020، وفّرت الصين حوالي 250 مليون دولار يوميًا كفارق شراء، وفقًا لميشال ميدان، مدير أبحاث الصين في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة.

مع وقوع زلزال أسعار البترول في أبريل 2020، كانت مخازن الصين النفطية قد شارفت على الامتلاء بالنفط الرخيص، وبحسب البيانات الرسمية من الإدارة العامة للجمارك الصينية فقد استوردت الصين، وهي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، 41.1 مليون طن من النفط وهو ما يوازي 9.68 مليون برميل يوميًا. وهذا الرقم الرسمي المسجل في مارس بالبرميل يوميًا مقابل متوسط بلغ 10.47 مليون برميل يوميًا لأول شهرين من العام الجاري، وفقًا لرويترز.

وأرسل المستوردون الصينيون 84 ناقلة إلى السعودية في منتصف مارس، كل منهم قادرة على حمل 2 مليون برميل من الخام، وفقًا لتقارير إخبارية نقلت عن رابطة صناعة بناء السفن الصينية.

يُذكر  أن الصين اعتمدت بشكل متزايد على النفط والغاز المستوردين منذ أواخر التسعينات مع ازدهار التصنيع وملكية السيارات وزيادة معدلات السفر عبر شركات الطيران.


وذكرت إدارة الطاقة الوطنية  التابعة لمجلس الوزراء الصيني في سبتمبر الماضي أن إجمالي الاحتياطيات التي تحتفظ بها الحكومة وشركات النفط يعادل 80 يومًا من الاستهلاك. وصرح بيتر لي، كبير محللي النفط والغاز في شركة «فيتش سوليوشنز» أن الاحتياطي الرسمي الصيني بلغ حوالي 385 مليون برميل، وقال إن الخطط تدعو على ما يبدو إلى زيادة الاستيراد حتى 500 إلى 600 مليون برميل. وإذا تمّ بناء سعة تخزين إضافية كافية، فقد تستورد الحكومة من 500 ألف إلى 900 ألف برميل يوميًا للاحتياطي الاستراتيجي، أو 5٪ إلى 9٪ من إجمالي المشتريات الخارجية للصين، وفقًا لما ذكره «لي».

 لكن في مقابل انخفاض سعر النفط العالمي، شهدت الصين تراجعًا كبيرًا في  استهلاكها النفطي بسبب إجراءات الحجر الصحي وإجراءات الغلق الاقتصادي الصارمة في مدينة ووهان عاصمة إقليم خوبي، التي تقع في الوسط الشرقي للصين، والتي امتدت بعد ذلك إلى عدد من المقاطعات والأقاليم الصينية المحيطة، ما نجم عنه تباطؤ وتعطل حركة التجارة والصناعة وبالتالي تصدير المنتجات الصينية. 

هذا الانخفاض في الاستهلاك المحلي للبترول والوقود بمشتقاته كان بسبب توقف حركة الطائرات وبواخر النقل وسيارات نقل الأفراد والبضائع وتراجع حركة التصنيع والتصدير لأمريكا وأوروبا، بالإضافة إلى تراجع الطلب العالمي على استهلاك أو شراء السلع الإستهلاكية وامتلاء المخازن التجارية ببضائع لا تجد مَن يشتريها . 

بناءً على ما سبق لم يتصاعد الطلب الصيني على النفط الرخيص والمجاني، والشركات الصينية تواجه أيضًا قيود التخزين بسبب تخمة نفطية أصابت مخازنها.

ووفقًا لتصريحات  تيم هكسلي، رئيس شركة Mandarin Shipping ومقرها هونج كونج، فإنه «إلى أن يعود الطيران والنقل بشكل عام إلى السرعة، سيظل استهلاك النفط منخفضًا نسبيًا (..) في فبراير وأوائل مارس لم يتمّ تصنيع أي شيء في الصين.  لقد عادوا الآن إلى العمل، ولكن بالطبع الطلب الخارجي قد هوى إلى القاع بشدة إلا إذا كانت طلبيات كمامات طبية».
بالنتيجة، عطّل وباء الكورونا حقبة من النمو الاقتصادي الصيني المُطرد منذ  سبعينيات القرن الماضي، حيث انخفض الناتج المحلي الصيني الإجمالي في الربع الأول بنسبة 6.8 %.

كافة المعطيات السابقة تمنحنا نظرة متحفظة غير متفائلة بخصوص تعافي الطلب الصيني على النفط في المستقبل القريب، بعكس تمنيات الكثير من المحللين الذين كانوا يأملون في أن يساهم تعافي الاقتصاد الصيني في رفع أسعار النفط ولو قليلًا… إغلاق بكين مثلًا المصانع، وإبقاء حوالي 800 مليون شخص في العزل المنزلي –وفقًا لتقارير «الأسوشيتدبرس»- أدى إلى ضعف الطلب على البترول.

 

مكاسب في الهند محفوفة بالمخاطر


بالنسبة للهند فإن الانخفاض في أسعار النفط يعادل زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1% أو 2%، وفقًا لسانفورد سان برنشتاين وشركاه. حيث ذكرت شركة  «كوتاك سيكيوريتيز ليمتد» في تقرير أصدرته يوم 19 مارس، أنه من المتوقع أن يؤدي انخفاض النفط إلى خفض فاتورة واردات الهند بنحو 1.5 تريليون روبية (19.7 مليار دولار)، وبالتالي تخفيض فاتورة الدعم وتخفيف الحمل عن الموازنة الهندية.

وتستورد الهند ما  يقرب من 85٪ من احتياجاتها النفطية. ومع استقرار استيراد سعر النفط  الخام بأسعار منخفضة، فإن هذا يفتح مجال للحكومة الهندية لاغتنام فرصة معالجة بعض «نقاط الضعف الهيكلية» في قطاعاتها الحيوية مثل الأسمدة والطاقة والغذاء، كما  يمكن أن يساعدها انخفاض أسعار النفط الخام على زيادة الضرائب المتعلقة بالنفط لتعويض الخسائر الأخرى. وقال سمير نارانج، كبير الاقتصاديين في بنك «بارودا»، لـ «فاينانشيال إكسبريس أونلاين» إن «لأسعار النفط المنخفضة ثلاثة جوانب: الحساب الخارجي والتضخم وإيرادات الحكومة»، وأضاف أن انخفاض أسعار النفط سيوفر وسادة للاقتصاد من زوايا متعددة.

و بالتزامن مع ما سبق من فرص إيجابية فإن الحكومة الهندية أمام تحدي موازي لمواجهة الآثار السلبية الجانبية لانهيار أسعار النفط،  يتمثل في انخفاض التدفقات الأجنبية وتحويلات العاملين بالخليج.

فمخاطر عدم انتظام التدفقات الأجنبية في الهند ستضغط على الروبية الهندية. حيث ذكر المحلل الاقتصادي الهندي مادافي أرورا لموقع «فاينانشيال إكسبريس أونلاين» إن تحويلات الهند إلى الداخل من دول الشرق الأوسط ودول نفطية أخرى قد تتضرر أيضًا، فقد استقبلت السفارة الهندية بالعاصمة الإماراتية أبو ظبي أكثر من 50 ألف طلب عودة للهند، في حين استقبلت ولاية كيرالا الهندية أكثر 153 ألف طلب للعودة بحسب نفس المصدر.

 كل هذه المؤشرات تجعلنا لا نستبعد عودة الهنود العاملين بالخليج إلى بلادهم خاصة مع انكماش اقتصاديات الخليج كنتيجة مباشرة لتراجع إيرادات الخليج النفطية، وهو ما سيؤدي لتراجع حاد بالتحويلات المالية وضغط على العملة المحلية، لتناقص احتياطيات الدولار، في ظل مخاوف وتحذيرات من تجدد انهيار أسعار النفط لمستويات أدنى من الصفر مرة أخرى. بالإضافة إلى الأنباء عن اتجاه الهند لخصخصة صناعات وشركات غير استراتيجية، لمواجهة الضغط على العملة المحلية وأزمات الركود الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء الكورونا.


روسيا: خسارة تلو الأخرى


لماذا خضعت روسيا للضغوط الأمريكية السعودية بتخفيض إنتاجها من النفط؟

خضوع روسيا لاتفاق تخفيض حصتها من إنتاج وتصدير النفط العالمي، لم يكن اختياريًا على الإطلاق؛ اقتصادها يعاني من أثار تفشي وباء الكورونا، وعجز في الموازنة ناجم عن انخفاض إيراداتها النفطية. فروسيا سجلت أكثر من عشر آلاف إصابة جديدة بالكورونا خلال الأربعاء الموافق 14 مايو2020، وهي تسجل هذا العدد يوميًا منذ مطلع مايو الماضي. وباتت من أكثر دول العالم من حيث عدد الإصابات مع أكثر من 450 ألف إصابة وأكثر من 5500 وفاة، رغم أن معدل الوفيات فيها يبقى منخفضًا مقارنة مع دول أخرى.

 إلا أن تفشي وباء الكورونا يضع ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد الروسي الذي يعجز حتى عن تخفيف إجراءات الحجر الصحي وما يتبعه من إغلاق لأنشطة تجارية واقتصادية، وستبقى غالبية الأماكن العامة مغلقة والأنشطة الاقتصادية والصناعية مهددة بالتوقف مما يؤثر على التصدير، ولا تزال التجمعات محظورة حتى إشعار آخر مع انعدام احتمالية عودتها في القريب العاجل.

موسكو، عاصمة روسيا وأكبر مدنها، تعاني منذ صيف 2019 من اندلاع اضطرابات كثيرة على إثر تراجع الإيرادات النفطية. الاحتجاجات تم إخمادها بعنف، ولكن التوترات في أروقة الكرملين لم تخفت، حيث أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن قلقه في اجتماع مع المسؤولين الاقتصاديين في أواخر أغسطس الماضي، واشتكى فيه من انخفاض الدخول.


تفجر أزمة انهيار الأسعار النفطية في 20 أبريل 2020، أجهز على  قطاع النفط والغاز الروسي، الذي كان يئن بالفعل تحت وطأة تراجع أسعار النفط منذ سبتمبر 2019، وتراجع الإيرادات نجّم عنه تعالي صرخات الاستغاثة الصادرة عن شركات النفط الروسية، وعلى رأسها شركة Rosneft، فطالب إيجور سيتشين رئيس مجلس إدارتها  في لقاء جمعه مع  الرئيس بوتين يوم 12 مايو بإنقاذها من التعثر والإفلاس عبر إقرار الحكومة الروسية إعفاءات ضريبية لشركات النفط والغاز روسية، وضخ حزمة تحفيزية تمويلية لتخفيف وطأة خسائرها التي لحقت بها جراء انهيار أسعار النفط العالمي. ويذكر أن إيجور سيتشن هو من أكبر الداعين لخروج روسيا من اتفاق «أوبك بلس».


وذكرت جريدة «فيدوموستي» الروسية  في تقرير لها  أن مزيج خام نفط «الأورال» الروسي الذي يتم تسليمه إلى دول المتوسط تم بيعه عند حد سعر 8.48 دولار للبرميل، وهو أدنى سعر له منذ عام 1998، (مزيج خام نفط الأورال هو علامة تجارية مرجعية للنفط تستخدم كأساس لتسعير خليط زيت التصدير الروسي).

انخفاض سعر الأورال إلى أقل من 25 دولارًا للبرميل، جعل البنك المركزي الروسي يُسرّع  من مبيعاته من العملات الأجنبية المحتفظ بها في احتياطيات روسيا، وشراء الروبل وبيع الاحتياطي الأجنبي  قد يعكس التأثير السلبي الذي يمكن أن تلقي به أسعار النفط المنخفضة على الاقتصاد الروسي.

لكن لا يزال اعتماد اقتصاد روسيا الكبير على العوائد النفطية، مصدر قلق على سياسات الإنفاق الحكومي، إذ قد يؤدي انخفاض أسعار النفط وانخفاض إنتاج النفط نتيجة لـ«اتفاق أوبك بلس» إلى إسقاط حوالي 3٪ من نمو الناتج المحلي الإجمالي لروسيا هذا العام. وقد يؤدي إلى تخفيض قيمة العملة أو العجز، ويتوقع الخبراء الاقتصاديون في جامعة «بليخانوف» عددًا من السيناريوهات حول مدى تأثير انخفاض أسعار النفط على إيرادات الميزانية الروسية لعام 2020؛ ففي حال انخفاض الأسعار إلى عشرة دولارات للبرميل، سيبلغ حجم الخسائر في الإيرادات 4.7 تريليونات روبل (63.16 مليار دولار).

ووفقا لوكالة «أرغوس» للأسعار، فإن سعر برميل النفط أورال الروسي انخفض في 21 أبريل الماضي إلى 9.5 دولارات. وأشار دميتري كوليكوف نائب مدير مجموعة التصنيف السيادي وتحليل الاقتصاد الكلي إلى أنه حسب سيناريو أكثر تشاؤمًا، فإن اقتراب متوسط سعر الأورال السنوي من 25 دولارًا للبرميل سيجعل قيمة العملة المحلية تقدر بنحو 86 روبل مقابل الدولار الواحد.

يواجه بوتين صعوبات وتحديات  تهدد قدرته المالية على تمويل مشاريعه التوسعية، و تفاقمت تلك التحديات مع تسارع وتيرة  تفشي وباء الكورونا. وانهيار أسعار البترول العالمية يهدد وعود بوتين بزيادة الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية، فموسكو لديها موازنة إنفاق ضخمة، وأحد أهم أسباب تضخمها هو تمويل مشاريع البنية التي تروج لها بروباجاندا بوتين باسم «المشاريع الوطنية» التي يبلغ عددها 12 مشروعًا، والتي تهدف إلى تقديم تحسينات ملحوظة في الخدمات العامة والبنية التحتية، وصارت بسبب أزمة عجز السيولة المالية  متأخّرة عن الجدول الزمني التي حددته حكومة بوتين للتسليم، قُبيل  انفجار أزمة الأسعار.

على الجانب الآخر، يواجه بوتين تعثر محاولاته للسيطرة على عقود إعادة إعمار سوريا السخية والتي تقدرها بعض التقارير بـ350 مليار دولار. ويحاول بوتين ضمانها لحساب الشركات الروسية بتمويل أوروبي مشارك في حالة ضمان استقرار سوري نسبي  يمهد لمشاريع إعادة الإعمار وبناء محطات الطاقة وبالتالي زيادة إيراداته للصرف على «مشاريعه الوطنية»، في مقابل اللعب بورقة اللاجئين السوريين وإعادة توطينهم في سوريا الأمر الذي قد ترحب به  عدة دوائر أوروبية.


السعودية: انكماش داخلي وتوسع خارجي

في يوم الإثنين 11 مايو 2020 أصدر وزير المالية السعودية ووزير الاقتصاد والتخطيط محمد الجدعان حزمة قرارات تقشفية وصفها بـ «المؤلمة» للتخفيف عن كاهل المواطن، بعد تفشي وباء الكورونا وما تبعه من انهيار أسعار البترول العالمية، حيث هبطت إيرادات النفط خلال أول ثلاثة أشهر من العام بنسبة 24 % مقارنة بالعام السابق، و هو ما أدى لهبوط الإيرادات الإجمالية 22 %،  وبالتالي هبطت احتياطيات العملات الأجنبية في البنك المركزي السعودي في مارس بأسرع معدل منذ 20 عامًا على الأقل ولأدنى مستوى لها منذ 2011. 

وتقرر إيقاف بدل غلاء المعيشة بدءًا من شهر يونيو لعام 2020 وكذلك رفع نسبة ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15% بدءًا من الأول من شهر يوليو لعام 2020.

كما صادقت الحكومة السعودية ممثلة في وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على مذكرة تفسيرية تسمح  للقطاع الخاص ونظام العمل السعودي تحت ما أسمته بـ«الظرف القاهر» بتخفيض رواتب الموظفين 40 % من كامل الأجر الفعلي لمدة 6 أشهر، بما يتناسب مع ساعات العمل وإتاحة إنهاء عقود الموظفين بعد 6 أشهر.

وتبع هذا القرار تردد أنباء كثيرة عن تسريح شركة «بن لادن» للتشييد للآلاف من العمال بالإضافة إلى تخفيض رواتب بنسبة 70 % في مجال العقارات والمشاريع العمرانية السعودية.

ذلك التقشف  الداخلي قابله على الجانب الآخر توسع وتنويع الاستثمارات الخارجية. تحاول السعودية التحوّل من كونها دولة تعتمد بشكل شبه كامل على إيراداتها النفطية إلى دولة ذات صندوق سيادي كبير وذات استثمارات متنوعة تدر عليها إيرادات غير نفطية. وهو التوجه الذي يماثل على نحو ما، توجه  الصندوق السيادي النرويجي «الأكبر عالميًا» والذي كانت نواته ومصدره تمويل استثماراته هي الفوائض النفطية.


وتسعى السعودية عبر صندوق الاستثمارات العامة السيادي لمنافسة استثمارات الصندوق السيادي القطري في أوروبا عبر استغلال فرصة  انخفاض قيمة الأصول الأوروبية جراء تفشي وباء الكورونا.

وبفضل دعم «صندوق الاستثمارات العامة السعودي» الذي يقارب حجمه من 300 مليار دولار، وفقًا لما أبرزه بيان إفصاح ربع سنوي أصدرته هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية؛ قامت السعودية بشراء حصص أقلية في عدد من كبريات الشركات الأمريكية؛ حسب التقرير هم كالآتي: حصة بقيمة 713.7 مليون دولار في بوينج، حصة بـ522 مليون دولار في «سيتي جروب»، حصة بـ522 مليون في فيسبوك، حصة بـ495.8 مليون دولار في «ديزني»، وحصة بـ478.6 مليون دولار في «بنك أوف أميركا». 

كما استحوذ الصندوق السعودي في نفس السياق وفقًا لتقرير Variety، على حصة بقيمة 500 مليون دولار في Live Nation، شركة تعهد الحفلات الموسيقية، وهو ما يدعم التوقعات القائلة باتجاه المملكة إلى تفعيل السياحة الداخلية عبر «الهيئة العامة للترفيه السعودي» التي دشنتها السعودية في 2016  لتطوير وتنظيم قطاع الترفيه ودعم البنية التحتية في المملكة من مسارح ودور عرض سينمائية وحلبات مصارعة حرة، بالإضافة إلى رعاية وإقامة حفلات موسيقية وترفيهية ضخمة، واستغلال حصص سعودية تبلغ 8.2٪؜ من شركة «كارنيفال كورب» لتوفير خدمات البواخر السياحية، الأمر الذي نراه تمهيدًا لخلق بنية أساسية سياحية ستساهم بصورة كبيرة في تنشيط السياحة شمال غرب المملكة في منطقة «نيوم» المزمع إنشاؤها وبالتالي تنشيط السياحة في منطقة البحر الأحمر ككل.

على مستوى الاستثمارات النفطية، استهدفت السعودية زيادة أصولها في حصص الشركات الأمريكية والأوروبية مستغلة انخفاض سعر أصولها بسبب انهيار أسعار النفط، لتشتري السعودية ممثلة في الصندوق السيادي حصصًا في أربع شركات أوروبية و هي: «شل» الهولندية بحصة قيمتها  483.6 مليون دولار، و«توتال» الفرنسية بحصة بلغت 222.5 مليون دولار،  بالإضافة إلى حصص بشركات نفطية «إيكنور» النرويجية، و«إيني» الإيطالية بمبلغ إجمالي لشراء الحصص يُقدر بمليار دولار بحسب تقرير «رويترز». 

و حسب مصدر آخر اشترى الصندوق السيادي السعودي حصصًا في «بريتيش بتروليوم» و Royal Dutch Shell ثالث شركة على مستوى العالم في مجال النفط و الغاز. 

يذكر أن السعودية من الأساس تمتلك منذ عام 2017 بنسبة 100% أضخم مصافي النفط الأمريكية ( عن طريق شركة أرامكو) وهو مصفى ميناء «أرتور» بتكساس، وهي المصفاة التي تتحمل سعة إنتاج 600 ألف برميل بترول يوميًا، وهي أكبر مصفاة نفط في شمال أمريكا.

ببساطة يمكن تلخيص غرض توجهات السعودية منذ انخفاض أسعار البترول السعودية بأنه خطة قصيرة الأجل كانت تقضي بالآتي: أن تستفيد بشكل عاجل من انخفاض الأصول الأوروبية والأمريكية ذات الاحتمالية الكبيرة للتعافي بشكل سريع بعد الوباء، إن كان بالاستثمار في المجال النفطي أو غير النفطي. لذلك بعد نجاح خطتها بشكل كبير حسب المعطيات والتقارير أعلاه فلا بأس من العمل على تخفيض إنتاجها من النفط، خاصة مع تواتر أنباء عن احتمالية عودة الطيران بالعديد من دول العالم مع شهر يونيو الحالي، و بدء التخفيف الجزئي للحظر. 

وبحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة IEA الصادر في شهر مايو الماضي أعلنت المملكة العربية السعودية أنها بصدد تفعيل اتفاقية «أوبك بلس» المتعلقة بتخفيض الإنتاج. وبذلك القرار استفادت السعودية من الظرف التاريخي الذي قد لا يتكرر مرة أخرى، ولا تتكبد خسائر ضخمة لا يمكن تعويضها في حالة تغيّرت خريطة أسعار النفط وتبدلت مع عودة الطلب  الطبيعي على البترول.

ماذا بعد؟

بشكل كبير قررت أوروبا بدء أولى خطوات رفع الحظر التدريجي وعودة الاقتصاد للعمل، ومن أبرز تلك الخطوات التي اتخذتها هي عودة دوريات كرة القدم في العديد من الدول الكبرى، لكن لم يُحدد  موعد بعد لاستئناف مباريات الدوري. 

إسبانيا من جانبها رفعت الحظر تدريجيًا عن سكانها على أن يكون ذلك على مراحل خلال الشهر الحالي، مع الالتزام بالشروط الوقائية كوضع الكمامات، الذي أصبح إلزاميًا. كم أنه من المتوقع أن يخفف 15 بلدًا أوروبيًا من إجراءات الحجر. على الجانب الآخر عادت الحياة إلى الشوارع التجارية في فيينا، وبدأت ألمانيا من الرابع من مايو الفتح التدريجي للمدارس. ولكن رغم رفع قيود الحجر، فإن ذلك يستهدف السوق الداخلي. ومن غير المرجح أن تبدأ الملاحة الجوية خارج أوروبا قبل أسابيع.

القرائن السابقة تُشير إلى أن الطلب قد ينتعش مع بدء إعادة فتح الاقتصادات الأوروبية والأمريكية، لكن لا تزال هناك مخاوف بشأن تأثير تخزين النفط على الأسعار وهي مخاوف قد تمتد أيضًا لتأثير سلبي على أسعار الغاز الطبيعي المُسال بسبب أزمة التخزين أيضًا وفقًا لتقارير «بلومبرج».

يتفاعل إنتاج النفط بشكل كبير مع قوى السوق، مع بدء انتعاش النشاط الاقتصادي تدريجيًا، ولكن مع مخاوف هشاشة وعدم استقرار. وذكرت وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقاريرها في مايو الماضي، أنه ورغم الإنتعاش الهش المُشار إليه، لا تزال هناك شكوك كبيرة. وهناك خطر كبير يتمثل في احتمالية وجود موجة ثانية من COVID-19 مع إعادة فتح الاقتصادات، الأمر الذي قد يعوق الطلب إذا كان من الضروري إعادة الإغلاق.

ويرى بعض المحللين وجود إمكانية تعافي لصناعة النفط الصخري الأمريكي في حال تجاوزت أسعار البترول العالمي حاجز الـ 40 دولارًا للبرميل. 

وتعافت أسعار البترول العالمي بشكل كبير استنادًا إلى بعض تقارير وكالة الطاقة الدولية، التي وصفت الأمر بتفاؤل حذر بـ«تجاوز أبريل الأسود».

ويرجع هذا التفاؤل الحذر إلى سببين رئيسيين: تخفيف إجراءات الإغلاق، والانخفاض الحاد في الإنتاج في الدول خارج «أوبك» إلى جانب الالتزامات التي تعهدت بها اتفاقية «أوبك بلس».

هنا نحن أمام عدد من الخيارات، السيناريو الأول هو أن تبقى أسعار البترول متذبذبة بالنظر إلى توقعات وكالة الطاقة الدولية IEA، التي ترجح عدم تعافي الطلب على البترول قبل أقل من عام.

 من ناحية أخرى فالترقب الحذر هو سيد الموقف، السيناريو الثاني هو إرتفاع الأسعار، ارتباطًا باتفاقات «أوبك بلس» بتخفيض إنتاج روسيا والسعودية من النفط ، مع ترقب اجتماع أوبك السبت 6 يونيو 2020، وتمديد  التخفيضات، ولكنه سيناريو مُحاط ببعض الشكوك، فما الذي يضمن ألا تخرج روسيا مثلًا من اتفاق التخفيض وتعيد ضخ الإنتاج بقوة كما فعلت السعودية في مارس 2020 بعد ارتفاع الأسعار؟
فتح الاقتصادات قد يساهم في تنشيط أسعار البترول، ولكن الخوف يظل من عودة موجة أعنف من الكورونا، قد تطيح بتعافي الأسعار نتيجة هذا الفتح.
السيناريو الثالث؛  هو سيناريو متفائل يتوقع  الوصول إلى اللقاح قبل سبتمبر، ويدور في فلك الأنباء التي تتردد عن تقليص الخط الزمني للوصول للقاح بغضون سبتمبر 2020، واشتغال أكثر من شركة طبية ودوائية ( مثل Inovio  وPfizer ) وشركة Moderna التي أجرت تجارب سريرية على 8 متطوعين وأبحاث جامعة «أوكسفورد»، بالإضافة إلى أكثر من 100 فريق بحثي حول العالم يسابق الزمن حول العالم للوصول للقاح وفقا لتقرير «نيويورك تايمز»، وما قد يحمله هذا الخبر السعيد من  دفعة قوية للأسواق والاستهلاك، ومن ثم زيادة الطلب على تصنيع السلع و تصديرها ورفع الحظر عن الطيران، مما قد يؤدي إلى استقرار البترول وتوازن نسبي ما بين العرض والطلب.

اعلان
 
إسلام ميلّبا 
مصطفى ميلّبا 
يوسف الحريري 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن