يواجهون «كورونا».. بزراعة البلكونة
 
 
المصدر: علاء علي
 

قرأ محمد رأفت أن نمو النباتات يتأثر بسماع الموسيقى، ولذلك قرر أن يرويها بألحان مطربه المفضل محمد عبدالوهاب يوميًا. تمتلئ الآن شرفة رأفت بنباتات مثمرة وأخرى للزينة، يحصد منها السعادة خلال فترة الحظر المنزلي، رغم سخرية زوجته كلما ربت على مزروعاته في كل مرة يمر فيها بجوارها.

رأفت، 35 عامًا، يعمل فني أشعة بأحد مستشفيات الشرقية. علاقة رأفت بالزراعة بدأت بالتزامن مع فرض إجراءات الحجر المنزلي. ورغم استمرار عمله وعدم تفرغه الكامل، شجعته زوجته على زراعة الشرفة لإضفاء شكل جمالي لها، خصوصًا أنها أصبحت مكان سهرتهم اليومية. «أنا بكون في الشغل، مستني بفارغ الصبر أروح علشان أشوف الزرع، وأقعد جنبه في البلكونة شوية»، كتب رأفت تعليقًا على منشور يتساءل عن علاقات الزارعين بشتلاتهم الوليدة في واحدة من مجموعات الزراعة المنزلية على فيسبوك.

تطور الأمر مع ظهور أول إنتاج له من الفجل والسبانخ، الذي لم يحتج سوى أسابيع قليلة، ما زاده تعلقًا بالزرع، وزاد من أواصر العلاقة التي جمعتهم، كما قال لـ«مدى مصر». أصبحت زيارته للمشاتل المجاورة شبه أسبوعية، يشتري الشتلات، ويحاول الحصول على القليل من النصائح، إلا أن خبرة عمال المشاتل المحدودة دفعته للبحث بشكل موسع عبر الإنترنت، وعبر مجموعات فيسبوك للزراعة المنزلية، وهي ما أفادته بشكل كبير.

ساهم انتشار فيروس كورونا في نثر بذور مبادرات مستقلة، نجحت فيما أخفقت فيه مبادرات سابقة استهدفت تشجيع المواطنين على الزراعة المنزلية. شرفات ونوافذ بنية اللون زادها التراب، الذي عبأ زواياها، قدمًا، وتناثرت في أرجائها خردوات قديمة يصر أصحابها على الاحتفاظ بها لحين الحاجة التي بالكاد تأتي. نُفض التراب أخيرًا، واستخدمت الخردوات كأصائص تحتوي على بذور وشتلات، كست اللون البني القديم بخضار ناضر طبيعي، تتخلله ألوان الزهور والثمار الزاهية بعد أن انتبه أصحاب المنازل لرُكن «الكراكيب» المُهمل. على ما يبدو، يُفتح الباب الآن لأواصر صداقة قديمة أوشكت أن تندثر بين سكان المدن واللون الأخضر.

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» حملة قومية لزراعة الأسطح في القاهرة والإسكندرية بالتعاون مع وزارة الزراعة لمساعدة محدودي الدخل على زراعة الخضراوات والنباتات الطبية منزليًا، والحد من التلوث المنتشر في العاصمة. لم تلق الحملة القبول المطلوب، ليبدأ بعدها بعقدين من الزمن برنامج جديد في خمس محافظات بصعيد مصر، والذي استمر من 2012 وحتى 2019، واستهدف 7388 مستفيد من الشباب والنساء.

وعلى مدار نحو ثماني سنوات مضت، نُفذت مبادرات كثيرة لزراعة الأسطح في القاهرة في المناطق غير الرسمية، ولكن معظمها باء بالفشل، وفقًا للباحث العمراني أحمد زعزع. يقول زعزع إن معظم المنازل في المناطق غير الرسمية غير مرخصة، وتكون عادة محل خلاف على الملكية، وفي أفضل الحالات لا يملك المستأجرون الأسطح. وحتى في حالة امتلاكهم لسطح المنزل، فإن زراعته ليست أولوية لهم، لأنها مكلفة، وليس لها عائد يُذكر، لأنها تُنفذ على مساحات محدودة في الغالب.

لكن هذا بدأ في التغير تزامنًا مع الحظر الذي فرضته مصر -وأكثر دول العالم- للسيطرة على انتشار فيروس كورونا. اجتاحت حمى الزراعة المنزلية العالم بأسره لتبلغ عدد المنشورات المشاركة في هاشتاج  plantsofinstagram# على إنستجرام أكثر من خمسة ملايين لأشخاص يشاركون العالم بصور نباتاتهم المنزلية. ظهرت مبادرات مختلفة للتشجيع على الزراعة المنزلية. في لبنان، انتشرت حملة «زريعة قلبي» لتشجيع الزراعة المنزلية وتعزيز التنمية المستدامة عبر الاعتماد على النفس في توفير الغذاء. كما أطلقت وزارة الزراعة الفلسطينية مطلع الشهر الماضي حملة «مليون شتلة خضار» لتوزيعها في الحدائق المنزلية من خلال المجالس المحلية.

في مصر، انتشرت دعوة على فيسبوك لتعلم سُبل الزراعة المنزلية في دورة تدريبية مكثفة تُعقد ليوم واحد عن طريق الإنترنت ليصل عدد المهتمين بالحضور إلى نحو 70 ألف شخص، ما دفع مؤسسيها لعقد دورات أسبوعية لأول مرة لاستيعاب أكبر عدد من الحضور.

تفيض الدعوة بصور لتجارب مختلفة من مشتركين سابقين لزراعاتهم المنزلية. مانجو ورمان وزهور وبعض الخضر، انتقلت من الريف والحدائق إلى شرفات وأسطح المشاركين، الذين نما اهتمامهم بالزراعة ونمت معها براعم خضراء تدر عليهم الثمار وتطل منها الزهور.

بدأ هذا التوجه بعدما قرر عدد من عارضي «معرض زهور الربيع»، والذي يُعقد في مارس من كل عام بحديقة الأورمان بالجيزة، محاولة تعويض خسائرهم بعد إلغاء دورته السابعة والثمانين في مارس الماضي كإجراء احترازي للحد من انتشار الفيروس. تكبد العارضون خسائر كبيرة، حين صدر القرار بعد نقلهم لبضاعتهم وتخزينها داخل المعرض، وفقًا لهالة أحمد، مديرة حدائق بجامعة عين شمس، والمشاركة في معرض الزهور المُلغي.

إلغاء المعرض دفع بعض العارضين لمحاولة تسويق منتجاتهم من مزروعات ومستلزمات زراعة إلكترونيًا وتوصيلها للمنازل، وفوجئوا بإقبال شديد. هالة، التي كانت تبيع من خلال صفحتها زرعة واحدة كل شهر أو اثنتين، أصبحت تبيع خلال فترة الحظر المنزلي نحو عشرين زرعة يوميًا.

كما توسع عدد منهم في تقديم دورات تدريبية للزراعة المنزلية. بدأ إبراهيم القفاص، المهندس الزراعي، وزملاء له تنظيم دورات مماثلة منذ عام 2016، بعدما تلقوا العديد من الأسئلة من المشترين والزوار في معرض الزهور حول طرق العناية بالنباتات.

قدمت الدورة للمشتركين تعريفًا بمبادئ وأساسيات الزراعة المنزلية الأساسية، وتكررت بعدها عدة مرات. كانت الدورات تنظم بحسب عدد الراغبين في الاشتراك، بمعدل دورة تدريبية كل ثلاثة أشهر، ليتطور الأمر إلى دورتين كل شهر، بمتوسط حضور 20 مشتركًا.

لكن الإقبال ارتفع كثيرًا بعد قرار الحظر. عدد من المهندسين الزراعيين وأصحاب المشاتل قرروا تركيز نشاطهم على الإنترنت. خلال شهر مايو الماضي، أنهى إبراهيم ثلاث جلسات تدريبية بالفعل، مع تأجيل جلسة أخرى حتى بعد إجازة عيد الفطر.

المصدر: جروب «فن الزراعة المنزلية» على فيسبوك

الأمر ذاته تكرر مع مجموعة «فن الزراعة المنزلية»، إحدى أكبر مجموعات الزراعة المنزلية باللغة العربية على فيسبوك، والتي يديرها أحمد أبو ذكاء، المهندس الزراعي. شهدت المجموعة تفاعلًا كبيرًا خلال شهري حظر التجول وصلت لانضمام الآلاف.

التفاعل الشديد على المجموعة بدأ بعد تدوينة عن طريقة زراعة النعناع في المنزل، نشرها أبو ذكاء على صفحة يديرها إلى جانب المجموعة. عقب ذلك، انضمت الآلاف للمجموعة، وانهالت الأسئلة والاستفسارات من المشاركين عن طرق الاعتناء، وإنقاذ زرعهم الجديد من الذبول ليتبادل الأعضاء ذوو الخبرة خبراتهم مع غيرهم من حديثي العهد بالزراعة. هذه المشاركات والاستفسارات دفعت بعض أساتذة الجامعة في مجال الزراعة للمشاركة بتدوينات توعية ونصائح للمشاركين بالمجموعة بدون أي مقابل.

«الناس مكنتش بتبص في وش الزرع قبل كورونا»، يقول عثمان، العامل في مشتل بمنطقة المقطم، موضحًا أن البيع ازداد بطريقة واضحة خلال تلك الفترة. زبائن يذهبون بشكل متكرر للمشتل، بطلبات متنوعة من نباتات أو مستلزمات زراعية، كانت لا تبرح مكانها في المخزن قبل شهرين فقط، ما دفع بعض مورديها لرفع الأسعار لحوالي الضعف. ورغم هذا، لم يشعر المشترون بارتفاع السعر لأنهم لم يعتادوا شرائه أصلًا، وفقًا لعثمان.

يعتبر أبو ذكاء أن موجة الزراعة المنزلية المنتشرة في مصر حاليًا كانت وسيلة سكان المدينة للتعامل مع قبحها المتزايد. يشير المعماري إبراهيم إمام إلى أن الطريقة التي تطور بها عمران المدن المصرية عبر التاريخ تسبب في هذه الحالة.

خلال العصر الإسلامي، لم تتوافر في مصر الكثير من المساحات العامة المخصصة للزراعة بسبب تلاصق البيوت الشديد، إلا أنها كانت تعوض هذا بوجود فناء منزلي كبير. خُصصت الطبيعة المعمارية لفناء المنازل في مصر خلال هذه الفترة لزراعة محاصيل مختلفة من الفاكهة والخضر، بحسب إمام. في هذا الوقت تقريبًا، لم يكن من المتوقع من سلطة مركزية، كجهاز الدولة، أن تتولى مسؤولية تشجير الشوارع والمساحات العامة على سبيل المثال، لأن المواطن كان يقوم بهذا الدور.

ومع تغير النظم المعمارية، والاتجاه للعمارة الحديثة، واختلاف شكل المنازل، وعلاقتها بالأماكن العامة، تلاشى مع الوقت هذا الفناء وتحول إلى أبنية زادت التصاقًا، وأصبحت الزراعة مسؤولية الدولة وحدها، وهو ما لم يحدث بكفاءة.

ومع اختفاء الفناء تدريجيًا، اقتصرت المساحة الوحيدة المتاحة للزراعة في منازل المدينة على الشرفات. اعتاد المصريون اعتبار الشرفات مخزن للكراكيب، لكنها أصبحت الآن الملجأ الوحيد لأصحاب المنازل للهروب من ضجر الحظر المنزلي مع امتداد فترة الحظر، وفقًا لعلاء علي، المهندس الزراعي بالإسكندرية.

يعمل علي في تنسيق الزراعات كديكور في البلكونات والمنازل. بدأ علي عمله منذ نحو ستة أشهر، واعتاد في البداية استقبال طلب واحد كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. لكن بدأ في الشهور القليلة الأخيرة في تنفيذ ديكور زراعي للمنازل بمعدل أربع مرات في اليوم تقريبًا.

يقول علي إن الجلوس في المنزل لفترات طويلة دفع البعض لتطوير الشرفات وتجميلها. نفذ البعض عمليات تطوير الشرفات بأنفسهم، من خلال إعادة دهانها، وملئها بالزراعات المختلفة، وشاركوا صور التجديد على بعض مجموعات فيسبوك. انتشرت هذه الصور كالفيروس لتصبح «ترند» وتلفت نظر الكثيرين، وسرعان ما نفذوا تجديدات مماثلة، إما بأنفسهم أو بالاستعانة بخبراء كعلي.

ركز معظم المزارعين الجُدد على زراعة نباتات الزينة، وأعشاب وخضر الاستعمالات اليومية للطبخ مثل النعناع والريحان والجرجير والملوخية والزعتر، والطماطم والفلفل الأخضر والخيار والكوسة، بالإضافة إلى الفراولة. وبعض الزهور الموسمية، وفقًا لبعض رواد مجموعات الزراعة المنزلية.

السبب الرئيسي للانتشار في زراعة هذه الأنواع تحديدًا هو سهولة زراعتها والاعتناء بها. كما أن معظم الخضروات تعطي إنتاجًا بشكل مستمر يصل إلى أربعة وأحيانًا خمسة أشهر خلال العام، ما يجعله أمر مشجع لحديثي العهد بالزراعة، وفقًا للمهندس الزراعي إبراهيم القفاص.

ركن في غرفة بأحد المنازل - المصدر: علاء علي

«لما ببص في البلكونة وأحس إني سبب في كل الجمال ده بكون سعيدة جدًا»، تقول أسماء شلبي لـ«مدى مصر». بدأت أسماء الزراعة بعدما انفصلت عن منزل العائلة لتعيش في منزل بمفردها. عدم اعتيادها  الوحدة دفعها لفكرة الزراعة المنزلية. «من وقت ما الزرع كبر، وبقى بيطلعلي خضار وورد، مبقتش بحس بالوحدة».

يوضح إمام أن عددًا من الدراسات أوضحت أن زراعة النباتات بالمنزل تساعد في تحسين الصحة النفسية للأفراد. لكن شكوكًا تحيط بالدور الذي قد تسهم به الزراعة المنزلية وزراعة الأسطح في خفض درجة حرارة المنزل وتحسين البيئة حسبما يُشاع. بحسب إمام، تعتبر النباتات والتربة الزراعية «كتلة حرارية» تمتص الحرارة وتحتفظ بها لفترة معينة، ثم تخرجها للجانب الأبرد، الذي يكون في الغالب المنزل. يساهم هذا في ارتفاع درجة حرارته، وزيادة معدلات استعمال مبردات الهواء، ما يضر البيئة في النهاية.

كما أشارت بعض الأبحاث الحديثة أن معلومة تحسين الزرع المنزلي لجودة الهواء مبالغ فيها قليلاً، حيث ربما تساهم الأشجار في تنقية الهواء من الجسيمات الكبيرة كالأتربة، لكنها ليست بنفس الكفاءة في التنقية من السموم مثلًا نظرًا لصغر حجم النبات مقارنة بالمنطقة المتوقع منه تنقيتها.

لكن هذا لا يعني غياب الفوائد التي قد تسهم بها الزراعة المنزلية على مستوى المجتمع. بعض الأبحاث ربطت بين تأثير زراعة الأسطح على تقليل الأضرار الناتجة من الأمطار والعواصف للبلاد التي تعاني من مشاكل صرف مياه الأمطار، وذلك لأن التربة تساعد على إبطاء حركة المياه، ما يسمح بتصريفها بمعدلات أبطأ، كما يشرح إمام.

بالإضافة إلى هذا، يمكن للتوسع في تجارب الزراعة الحضرية في تغطية جزء من احتياجات السكان من الخضروات والفاكهة وتحقيق معدلات أكبر من الأمان الغذائي، كما حدث في تجربة كوبا الملهمة، والتي طورت في تسعينيات القرن الماضي نظامًا فريدًا للزراعة في المناطق الحضرية لمواجهة الحصار الذي فرضته عليها الولايات المتحدة.

لكن إمام يرى أنه لتحقيق تأثير واضح على المناخ والبيئة، يجب أن تتوسع تجارب الزراعة المنزلية لتشمل كل أسطح وشرفات القاهرة على سبيل المثال. بحسب زعزع، يمكن لزراعة الأسطح تعويض المساحات الخضراء التي اقتطعتها عمليات البناء، لكن نجاحها على مستوى واسع يتطلب أن تتحول لمشروع قومي متكامل تدعمه الدولة.

اعلان
 
 
ندى عرفات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن