هوامش اقتصادية من يوميات الحرب على «كوفيد 19»

في أبريل الماضي، أطلق صندوق النقد الدولي على حالة الاقتصاد العالمي مسمى «الإغلاق الكبير-  the great lockdown»، في تعبير يشبه تلك التوصيفات التي يتم إطلاقها في أوقات الأزمات الكبرى كـ «الأزمة المالية العالمية» في 2008 ومن قبلها «أزمة الكساد الكبير» في 1929. 

هذا القلق البالغ من التبعات الاقتصادية لوباء كورونا المستجد على الاقتصاد لا ينبع فقط من أنه خلق أزمتي نقص في المعروض وضعف في الطلب الاستهلاكي في نفس الوقت، ولكن لأنه يجعلنا في حالة أشبه بحالة الحرب التي يصعب التنبؤ بتطوراتها أو بالمدى الزمني الذي تنتهي فيه، والوصف هنا للصندوق أيضًا. 

في هذا المقال أحاول أن أجمع بعض الهوامش من يومياتي كصحفي اقتصادي في أيام الحرب على الوباء، ومن شظايا أخبار متفرقة سأحاول أن أرسم صورة كبيرة للتوقعات بشأن شكل الحياة الاقتصادية الذي أنتجته هذه المعركة الحامية.

وسأبدأ بالتأثيرات قصيرة الأجل، ثم ننتقل إلى طويلة الأجل، مع التعرض لما يخص مصر على وجه التحديد في هذه التداعيات والتوقعات.

في الأجل القصير:

انخفاض التضخم في الخارج وارتفاعه في مصر 

تراجعت معدلات التضخم في العديد من البلدان المتقدمة والنامية بعد تصاعد وتيرة انتشار الوباء، بما يعكس حالة التباطؤ التي أصابت الاقتصاد نتيجة إجراءات تضييق التنقل والتواصل الاجتماعي للحد من انتشار المرض، لكن الملفت أن التضخم ارتفع في مصر خلال أبريل إلى 5.9%، بعد أن كان قد سجل انخفاضًا في مارس

على سبيل المثال، تراجع التضخم السنوي في المكسيك في أبريل إلى أقل مستوى منذ 2015، وانخفض تضخم البرازيل في نفس الشهر إلى أقل مستوى في عشرين عامًا. بينما سجل التضخم السنوي في كندا خلال أبريل انكماشًا (نموًا سلبيًا) لأول مرة منذ 2009.

القاسم المشترك بين هذه البلدان هو أن التضخم فيها تأثر بانخفاض أسعار البنزين خلال مارس وأبريل، فقد تراجع في المكسيك بنحو 20% والبرازيل 12.1% وفي كندا بنحو 27%، وقد ظهر تأثير الأسعار العالمية على تكلفة البنزين في مصر خلال شهر أبريل، لكن البلاد لم تخفض أسعار الوقود بنسب بين 2.8% و3.8%.

الخفض المحدود في أسعار البنزين في مصر خلال هذا الشهر بالرغم من انهيار أسعار البترول في تلك الفترة، يعزى إلى رغبة لجنة تسعير المواد البترولية في جمع وفورات مالية تجنبها زيادة أسعار الطاقة بشكل حاد عند تعافي الأسعار عالميًا، كما أن وزير المالية المصري ألمح في حديث تليفزيوني إلى أنه في حال انخفاض أسعار المنتجات البترولية بشكل عنيف لن تجد شركات استخراج الطاقة حافزًا قويًا للعمل في مصر.

بمعنى آخر، فقد أثبت نظامنا التسعيري في هذه الأزمة أنه لا يتسم بالمرونة الكافية، وسنختبره بشكل أكبر مع التعافي المتوقع لأسعار الطاقة في 2021، وإن كان هذا التعافي قد يكون محدودًا، فتوقعات البنك الدولي تذهب إلى أن متوسط سعر برميل البترول سيرتفع إلى 42 دولار في العام المقبل مقابل 35 دولار للعام الجاري، ولكن ستظل الأسعار عند أقل من التوقعات السابقة على الوباء.

ويتحالف مع جمود أسعار البنزين الطلب القوي نسبيًا على المنتجات الغذائية في مصر خلال الفترة الماضية، خاصة مع رغبة البعض في تخزين الغذاء خوفًا من الأزمات، هذا بجانب تزامن حظر كورونا في مصر مع شهر رمضان وهو موسم معتاد للإقبال على شراء الأغذية.

وقد انعكس هذا الطلب على نتائج أعمال شركات من هذا القطاع مقيدة في البورصة المصرية خلال الربع الأول من العام الجاري الذي تخللته الأزمة الحالية. 

وليس متوقعًا في الأجل القريب أن نشهد معدلات أهدأ من التضخم، فبنك الاستثمار فاروس يرى أن عام 2020 سينتهي على متوسط تضخم سنوي بـ 6.6%، ويرى البنك أن الضغوط التي يواجهها الجنيه خلال أزمة الكوفيد، وكذلك القيود التي فرضتها الحكومة على حركة التجارة في تلك الأزمة، سيساهمان في خلق ضغوط تضخمية. 

على أي حال، فهناك وجه إيجابي للتضخم في أوقات الأزمات، وهي أنه يعكس وجود طلب استهلاكي قوي يجنبنا الركود الاقتصادي، وعادة ما يكون الطلب المحلي هو المساهم الأكبر في الناتج الإجمالي، لذا فتخفيف الأعباء المعيشية للمواطنين في أوقات الأزمات يعد هدفًا استراتيجيًا. 

السياسات الاجتماعية.. مساندة ثم تقشف  

تسببت إجراءات حظر الحركة وتعليق أنشطة الإنتاج في العديد من المواقع منعًا لانتشار عدوى كورونا في دفع الكثير من البلدان لاتخاذ إجراءات سريعة واستثنائية لتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين بأجر، سواء في صورة إعانات بطالة أو دعم للأجور المتوقفة أو دعم نقدي مباشر للمواطنين.

وفي مصر كان رد الفعل سريعًا، ولكن بدا متخبطًا بعض الشيء، مثال على ذلك ما جرى في المعاشات، فقد بادرت وزارة المالية في أبريل الماضي بالإعلان عن زيادة المعاشات بنسبة 14%، وقد كان توقيت الإعلان عن هذه الزيادة أمرًا غريبًا. 

المفترض أن قانون التأمينات الجديد، 148 لسنة 2019، والذي بدأ تطبيقه مطلع العام الجاري، يربط زيادة المعاشات السنوية بمعدلات التضخم، وينص على أنه يتم حساب متوسط معدل التضخم خلال عام ثم زيادة المعاشات بنسبة هذا المتوسط بشرط أن لا تزيد نسبة الزيادة عن 15%.

لذا كان من المنطقي أن يشترط القانون أن يتم تحديد هذه النسبة في يوليو من كل سنة، باعتبار أنها بداية العام المالي الجديد، حتى يستطيع صانع القرار أن يحسب متوسط التضخم خلال العام المالي السابق عليه.

وقد عالجت الدولة هذا الوضع بالنص في تعديل تشريعي أخير على أن يكون حساب تضخم كل عام في أبريل، ولم توضح الدولة السبب في هذه المعالجة التشريعية، إذ أن أبريل ليس بداية العام الميلادي ولا المالي. 

هذه العجلة في نقل بشرى الزيادة في دخول أصحاب المعاشات كانت في فترة تبدو فيها الحكومة مهتمة بإصدار قرارات مشابهة لصرف حوافز للعاملين في الحكومة ومنح للعمالة غير الرسمية، ولكن في وقت لاحق نوه وزير المالية إلى أن استمرار أزمة كورونا قد يدفع الدولة لتنفيذ إجراءات تقشفية.

وبدأت بالفعل هذه الإجراءات بخطوة في الاتجاه المعاكس تمثلت في مشروع قانون وافقت عليه الحكومة قبل أيام باستقطاع نسبة 1% من صافي الأجر الشهري للعاملين و0.5% من صافي دخل أصحاب المعاشات، لتمويل تداعيات وباء كورونا.

السوق العالمي للغذاء.. استقرار لا يخلو من مخاطر 

في روسيا، أحد أكبر مصدري الحبوب في العالم والذين تعتمد عليهم بلدانًا مثل مصر، ارتفع سعر القمح في السوق المحلي خلال فترة الوباء لمستويات تاريخية ليتجاوز سعر النفط الروسي. 

مع هذه القفزة، التي أسهم فيها بالدرجة الأولى انخفاض الروبل الروسي، اتجهت موسكو لفرض قيود على التصدير لضمان توفير الحبوب للطلب المحلي، وهو ما أقلق المراقبون بشأن إمكانية أن تتسبب هذه القيود في الحد من توافر تلك السلع عالميًا.

وفرضت روسيا سقفًا لتصدير الحبوب في الفترة بين أبريل ويونيو، بحيث لا تتجاوز الصادرات سبعة ملايين طن، ولكن بنهاية أبريل ذهبت تقديرات إلى أن تلك الحصة قد تنفد قبل الموعد المحدد لها.

واتبعت رومانيا وكازخستان أيضًا سياسات الحد من التصدير، لكن وكالة بلومبرج أصدرت تقريرًا قبل أيام يدعو إلى عدم القلق بشأن توافر الحبوب تحت عنوان «العالم فيه الكثير من القمح».

وقالت في هذا السياق إن رومانيا أنهت قيودًا على التصدير بعد أسبوع واحد من بدئها، وستُنهي كازاخستان الحد من تصدير الحبوب والدقيق بدءًا من يونيو المقبل، وأن مخزون القمح العالمي سيرتفع خلال الفترة المقبلة بما يساوي نحو خمسة أشهر من الطلب العالمي.

كما أن معظم أسعار المنتجات الزراعية ظلت مستقرة خلال الربع الأول من 2020، وساهم الوباء في ذلك لأنه أثر حد من الطلب، بالنظر إلى توقف المطاعم والأنشطة السياحية، وساهم في هذا أيضًا انخفاض أسعار الأسمدة والوقود.

ويرجح البنك الدولي أن ينخفض مؤشره لأسعار الحبوب في 2020 بنسبة 1.5% على أن يتعافى بما يقرب من 2% في العام التالي.

فرص وأزمات عالم البيزنس

شهدت البورصات العالمية هبوطًا قويًا، نسبيًا، في أسعار العديد من المعادن، نظرًا إلى أنها مادة خام لصناعة العديد من المنتجات التي تأثرت مبيعاتها بالوباء، مثل السيارات.

ويتوقع البنك الدولي أن تنخفض أسعار المعادن بـ 13.2% على مدار العام، وكان الألومنيوم من أبرز الخاسرين نظرًا إلى أن انخفاضه خلال فترة الوباء جاء بعد تراجعات متتالية سبقت على ذلك ليصل سعره في نهاية مارس الماضي إلى أقل مستوى منذ أربعة سنوات. 

وفي مصر، كان من أبرز الخاسرين شركة مصر للألومنيوم، شركة عامة، حيث تحولت نتائج أعمالها من الربح إلى الخسارة خلال التسعة أشهر المنتهية في آخر مارس الماضي، وذلك بعد أن تحالفت أسعار الكهرباء مع انخفاض سعر الخام عالميًا للقضاء على فرص الشركة في الربح، حيث تذهب تقديرات إلى أن الشركة التي تعتمد على الكهرباء بشكل رئيسي في عملياتها التصنيعية تحصل على هذا المصدر من الطاقة بأعلى سعر في العالم، مقارنة بالشركات المثيلة. 

أما على مستوى صناعة الصلب، فقد جاء وباء كورونا ليزيد من ضغوطها أيضًا، بعد أن تأثرت سلبًا من إجراءات تقييد التجارة بين الولايات المتحدة والصين فيما يعرف بالحرب التجارية، بالإضافة إلى ضعف سوق السيارات العالمي نتيجة إجراءات الحد من الاحتباس الحراري في العالم المتقدم، مع هذه العوامل مجتمعة، وما زاد عليها من تأثيرات الوباء، توقع البعض أن تستمر «حديد عز» في تكبد الخسائر حتى 2023.

جاء الوباء وشركة «عز»، التي تعد من أكبر المنتجين في الشرق الأوسط، في وضعية سيئة، فقد تفاقمت خسائرها  المجمعة منذ بداية 2019 وحتى 30 سبتمبر إلى 4.3 مليار جنيه، مقابل خسائر بـ 326 مليون جنيه في نفس الفترة من العام السابق، وإن كانت هناك عوامل أخرى في صالح هذه الشركة حدثت مؤخرًا، مثل خفض أسعار الطاقة للصناعات كثيفة الاستهلاك والطلب المستمر على الصلب من المشروعات الإنشائية التي تقوم بها الدولة، وفرض الدولة رسوم حمائية لصالح مصنعي الصلب، بالإضافة إلى انخفاض أسعار الفائدة ودوره في تخفيض نفقات فوائد ديون الشركة.

وكانت الدولة خفضت أسعار الطاقة لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك مرتين مؤخرًا، مرة في أكتوبر الماضي، والثانية في مارس مع ظروف الوباء.

وبالرغم من أن قطاع الأسمدة كان يُعامل بسعر مخفض للغاز من قبل مارس، مقارنة بالحديد، لكن بعض مصنعي هذا القطاع يقولون إن الأسعار العالمية للأسمدة انخفضت بحدة بعد الوباء، مما جعل من تكاليف الطاقة المحلية عامل ضغط عليهم.

من جهة أخرى، هناك قطاعات إنتاجية استفادت من الأزمة، ومن أبرز هذه القطاعات مزارعو البرتقال، حيث استطاعت مصر أن تصدر منذ بداية العام وحتى مايو الماضي 1.3 مليون طنًا لتصبح أكبر مصدر في العالم لهذا المنتج، مستفيدة من زيادة الطلب على البرتقال بعد تفشي الوباء، كونه من مصادر فيتامين سي.

وتتميز مصر بقدرتها على إنتاج البرتقال بتكلفة رخيصة، مما يعزز من فرص صادراتها أمام منافسيها، كما أن أكبر منافس لها وهو أسبانيا كان من أكبر المتضررين من وباء كورونا.

وواجهت عمليات الحصاد والتعبئة في أسبانيا تعطلًا بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي، كما أن أسبانيا كانت تعتمد في زراعة الفاكهة على عمالة موسمية وافدة من بلدان مثل المغرب، وهو ما تعطل بطبيعة الحال بسبب إجراءات تقييد السفر، وإن لم يكن واضحًا مدى تأثير هذه العوامل على قدراتها التصديرية للبرتقال بشكل مباشر.

وقد سجلت صادراتنا غير البترولية في مجملها زيادة، وإن كانت طفيفة بنسبة 2%، خلال الربع الأول من العام مدعومة بأداء صادرات الخضروات والفاكهة المصرية التي كان الطلب قويًا عليها الفترة الماضية، ومن المتوقع أن يرتفع حجمها خلال العام الجاري إلى 5.5 مليون طن  مقابل 5.4 مليون طن خلال العام الماضي.

تأثيرات المدى الطويل:

تزايد الاحتياج للتمويل الخارجي

ما أن انتهت مصر من تطبيق البرنامج التقشفي لسياسات صندوق النقد، الذي بلغت مدته ثلاث سنوات وكان شرطًا للحصول على قرض في نوفمبر 2016، حتى جاءت أزمة كورونا لتخلق ضغوطًا على البلاد تدفعها لطلب قرض جديد تمت الموافقة عليه هذا الشهر.

خلال فترة تنفيذ اتفاق الصندوق السابق شهدت العملة المحلية استقرارًا نسبيًا في أسعارها أمام الدولار لأكثر من عامين، وارتفعت احتياطات النقد الأجنبي لمستويات تؤمن هذا الاستقرار في أسواق النقد، لكن هذا التحسن جاء مدفوعًا بدرجة كبيرة بالتوسع في الاستدانة من الخارج، فقد ارتفع الدين الخارجي للبلاد إلى 36% من الناتج الإجمالي في 2018-2019 مقابل 16.6% من الناتج في 2015-2016، وزاد نصيب الأجانب بشكل عنيف في إصدارات أذون الخزانة المحلية.

ومع تفشي وباء كورونا، كان طبيعيًا أن يتخارج الأجانب بشكل كبير من أدوات الدين المصرية لتوفير السيولة التي قد يحتاجون إليها في مثل هذه الأزمات، وفي هذا الإطار قال البنك المركزي المصري إن نحو 17 مليار دولار خرجت من مصر خلال مارس وأبريل الماضي، ولكنه أكد على أن وتيرة التخارج هدأت بعد ذلك.

كما أن هذه الأزمة تسببت في شلل قطاع السياحة في مصر وإعاقة السفر إلى أسواق العمل الخليجية، وبالتالي أثرت أيضًا على تحويلات المصريين في الخارج، وبلغ مجموع العوائد الدولارية من هذين المجالين خلال العام المالي الماضي ما يقرب من 38 مليار دولار.

لذا، كان طبيعيًا أن تفكر مصر في اللجوء للصندوق لتخفيف ضغوط نقص العملة وحماية الجنيه من أن تتهاوى قيمته مجددًا كما جرى في نوفمبر 2016 عندما فقد أكثر من نصف قيمته.

لكن المؤشرات المبدئية توضح أن تخفيف ضغوط الأزمة يستدعي توسعًا قويًا في التمويلات الخارجية، فنحن نتحدث عن 2.7 مليار دولار قيمة قرض الصندوق الأخير، سيُضاف إليها نحو تسعة مليارات دولار تخطط مصر للحصول عليهم من مؤسسات تمويل دولية، وفقا لبلومبرج.

وقد أعلنت وزارة المالية قبل أيام عن جمع خمسة مليارات دولار من خلال طرح ضخم في سوق السندات الدولية، وكالعادة قدمت الحكومة الطرح على أنه نجاح اقتصادي وشهادة ثقة من المجتمع الدولي في مصر، وليس على حقيقته كزيادة جديدة في الديون.

على أي حال، إن زيادة المديونية يبدو أنه سيصبح ملمحًا شائعًا في اقتصادات ما بعد الكورونا، وقد تمتد آثاره لفترة طويلة، فأزمة التوسع في استدانة البلدان النامية خلال السبعينيات شكلت ملامح الاقتصاد العالمي لعدة عقود تالية. 

وقد نشرت مجلة الإيكونوميست تقريرًا بعنوان «بعد المرض تأتي الديون» تحذر فيه من أن الاقتراض العام في البلدان الغنية يتجه إلى التصاعد مع انهيار الاقتصاد وقيام الحكومات بتحرير ملايين الشيكات لصالح الأسر والشركات لمساعدتهم على العيش في ظل ظروف الحظر، وفي نفس الوقت المصانع والمحال تغلق أبوابها وإيرادات الضرائب تتهاوى.

وعن الأسواق الناشئة أيضًا تتوقع دراسة ارتفاع نسبة الدين العام فيها للناتج الإجمالي بـ 10% في المتوسط، وهو ما سيدفع الدين العام في تلك البلدان إلى مستويات عالية وفق الدراسة.

إلى أين ستذهب بنا أزمة الديون الجديدة؟ سؤال تصعب الإجابة عليه، خاصة وأننا لا نعرف حتى الآن المدى الزمني الذي ستنتهي فيه أزمة كورونا والوقت الذي يحتاجه الاقتصاد العالمي للتعافي من تداعياتها، لكن المؤكد هو أن الاستدانة لها سقف، وعندما نتجاوز هذا السقف قد تتجه الدولة إلى تطبيق المزيد من التقشف.

تحول السياسات الضريبية 

عادة ما تتزامن الأحداث الاقتصادية الكبرى مع تحول في سياسات الضرائب، وإن كانت أزمة كورونا لم تتجل بعد آثارها على السياسات المالية في مصر إلا بشكل محدود تمثل في تعديل قانون الضرائب على الدخل.

فقد اقترحت الحكومة مع بدء الأزمة رفع أعلى سعر لضريبة الدخل من 22.5% إلى 25% على الشرائح المرتفعة من الدخول، وصدق البرلمان على هذا القانون المقترح. 

يعكس هذا التعديل رغبة الدولة في جمع المزيد من الإيرادات تجنبًا لضغوط مالية متوقعة، ويظهر أيضًا استعداد الدولة للخروج عن سياساتها المحافظة في التعامل مع الشرائح الثرية في المجتمع وميلها لتطبيق سياسة ضريبية أكثر تصاعدًا في الوقت الحالي. 

لكن هذا التعديل لا يزال في نطاق السياسات المحافظة أيضًا، فقد اقتصرت زيادة سعر الضريبة على الأشخاص الطبيعيين، ولم تمتد إلى الشخصيات الاعتبارية، والتي تشمل بدرجة كبيرة الشركات الكبرى.

وقد أظهرت تجربة الدولة في 2014، عندما طبقت سعر أعلى للضريبة على الشخصيات الطبيعية والاعتبارية فيما عرف بضريبة الأثرياء، أن هذا الإجراء ساهم في قفزة ملحوظة في إيرادات الضرائب على الشركات، لكن الشركات الكبرى ربما تكون أكثر قدرة على فرض ضغوط على الحكومة للحد من زيادة الضريبة عليها، أو ربما تكون الحكومة أميل لتخفيف العبئ عنها حتى تضمن استمرار الاستثمار على وتيرته وعدم تراجع معدلات النمو الاقتصادي.

في كل الأحوال، فإن الحكم على مدى استمرار السياسات الضريبية على حالها مرهون بمستقبل الأزمة وطول أمد الوباء، فقد تقتصر الأمور على التعديلات التي جرت، أو تكون بداية لسياسات ضريبية جديدة، وقد بدأت إرهاصات هذه السياسات الجديدة في إسبانيا والتي صدر فيها اقتراح بفرض ضريبة على أصول الأثرياء تحت اسم «ضريبة الكوفيد».

المحصلة

الاقتصاد العالمي في قلب عاصفة لا يعرف متى ستنتهي، قد نخرج منها بعصر من الديون الكبيرة التي تغذي رغبة الحكومات في تطبيق سياسات التقشف الصارمة مثلما جرى في السبعينيات، أو تقودنا هذه العاصفة إلى أزمة ركود عالمي تشجع على تطبيق سياسات توزيعية أكثر عدالة في مجال توزيع العبئ الضريبي أو توفير الحماية الاجتماعية، كما كان الحال خلال العقود التالية للحرب العالمية الثانية.

ومصر ليست بعيدة عن هذه السيناريوهات، فالأزمة تضغط بقوة على مواردها من النقد الأجنبي من أكثر من اتجاه، والحكومة تكافح لكي يبقى الوضع متماسكًا بقدر الإمكان، ولكننا خرجنا من برنامج صندوق النقد بوضع هش، فلم نطور اقتصادنا بما يكفي لجني المزيد من النقد الأجنبي، ولكن أسرفنا في الاعتماد على التمويل الخارجي، ومع صعود أزمات مثل الأزمة الراهنة نضطر للتوسع في الاستدانة بشكل أكبر.

طبيعة خياراتنا التمويلية خلال الأشهر القادمة ستحدد بدرجة كبيرة مسار الاقتصاد بعد الأزمة، كما أن نجاح أو فشل قطاعاتنا التصديرية في الاستفادة من الأزمة الراهنة سيكون له دور أيضًا في رسم مصير الاقتصاد، فقد ساهم الوباء في تعطيل الكثير من القوى الإنتاجية المنافسة في العالم وفتح الطريق لإعادة توزيع خريطة التجارة العالمية.

وفي قلب حرب الكوفيد، التي لا نعلم مداها ولا منتهاها، هناك حالة من التخبط في سياسات الحماية الاجتماعية، وميول متأرجحة بين الرغبة في المساندة السريعة أو الاتجاه إلى التقشف، وهي قضية تحتاج إلى انفتاح وحوار مجتمعي واسع وحقيقي، فهناك شرائح واسعة من المواطنين منهكة بالفعل من سنوات التقشف تحت سياسات الصندوق، وقد عكست مستويات الفقر في مصر أثر هذه السياسات على المواطنين، وبدلًا من اللجوء للمزيد من التقشف في قلب هذه الازمة نحتاج إلى إصلاحات عاجلة في منظومة الحماية الاجتماعية، تطبيق أسرع وتيرة وأوسع نطاقًا للتأمين الصحي الشامل، وتطبيق واسع النطاق لإعانة البطالة المنصوص عليها في تشريعاتنا التأمينية منذ السبعينيات، وإعادة نظر في قيمة وشروط سياسات الدعم النقدي الراهنة وكيفية تكامل دورها مع سياسات الدعم العيني.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن