لنتخيل تحركات للوقاية والسلامة ضد العودة إلى إنتاجية ما قبل الأزمة

ينشر هذا النص بموافقة من الناشر الأصلي والكاتب

عندما يتوقّف كل شيء، يمكن التشكيك في كل شيء وتعديله واختياره وانتقاءه وإيقافه نهائيًا أو بالعكس تسريعه. لقد حان الوقت لوضع قائمة الجرد السنوي. لمن يطالب بالمنطق السليم «لنعيد الإنتاج في أقرب وقت ممكن»، على الاجابة أن تكون صارخة «كلا!». آخر شيء ينبغي فعله هو أن نعود إلى ما كنا نفعله سابقًا.

قد يكون تصور ما بعد الأزمة غير لائق عندما يكون عاملو قطاع الصحة «على خط النار» كما يقال، ويفقد ملايين الناس عملهم ويستحيل على عديد من العائلات دفن موتاهم. رغم ذلك، فإن هذا الوقت هو الأنسب لنسعى كي لا يسترجع الانتعاشُ الاقتصادي بعد الأزمة نفس النظام المناخي القديم الذي حاولنا الكفاح ضده بلا فائدة تذكر حتى اﻵن.

إن الأزمة الصحية غير متأصلة داخل أزمة، فالأزمة دائمًا ظاهرة عابرة، بل إنها متأصلة في تغير بيئي مستديم ومُبرم. إذا تسنّت لنا فرصة «الخروج» من الأزمة الأولى، فإمكانية «الخروج» من الثانية مستحيلة. يختلف حجم هذان الوضعين، لكن سنستنير عندما نقوم بربطهما ببعضهما. على كل حال، من المؤسف ألا نستفيد من الأزمة الصحية لنكتشف طرق أخرى نحو التغير البيئي.

أول درس لفيروس الكورونا هو أيضًا الأكثر إذهالًا: لقد أثبت بالفعل في بضعة أسابيع، وفي جميع أنحاء العالم في آن واحد، أنه يمكن إيقاف النظام الاقتصادي بالرغم من ما قد قيل لنا عن استحالة إبطائه أو إعادة توجيهه. تعرّضت كل حجج البيئيين حول تعديل أنماط حياتنا لحجج معارضة عن  قوة «قطار التقدم» الذي لا رجعة فيه، ولا يمكن تعطيله  بسبب «العولمة». إن طبيعة هذا القطار الموعلمة هي التي تجعل هذا التطور البارز هش جدًا، و تؤدي إلى إبطائه وإيقافه فجأة.

فالشركات متعددة الجنسيات والاتفاقيات التجارية والإنترنت وشركات السفر والسياحة، لا تُعَولِم الكرة الأرضية وحدها. لكل كيان موجود على هذه الأرض طريقة خاصة به للترابط مع الكيانات الأخرى التي تشكل معًا الجماعة في وقت معين. ينطبق ذلك على ثاني أكسيد الكربون الذي يُدفئ الجو من خلال انتشاره في الهواء، والطيور المهاجرة التي تنقل أنواع جديدة من الإِنفلونزا؛ وينطبق أيضًا، كما نتعلم مجددًا، وعلى نحو مؤلم، على فيروس كورونا القادر على ربط «كل البشر» من خلال ما يبدو أنه غير ضار: رذاذ تفافة متطاير من كحتنا. إن الجراثيم كائنات مُعوْلِمة فائقة، لا مثيل لها عندما يتعلق الموضوع بإعادة رسم العلاقات المشتركة بين مليارات البشر.

وهكذا يظهر الاكتشاف المذهل: لقد كان في النظام الاقتصادي العالمي جرس إنذار أحمر مُجهّز برافعة كبيرة حديدية، مخفيًا عن الجميع، يستطيع رؤساء الدول رفعه ليوقفوا «قطار التقدم» فورًا تحت صرير مكابح هائل. لو لم تكن المطالبة في يناير بتغيير المسار بتسعين درجة للهبوط على الأرض سوى وهم مأمول، فقد أصبحت الآن أكثر واقعية: يعلم كل سائق أنه حينما يريد أن يقوم بدوران مفاجئ لينقذ نفسه دون الاصطدام على الطريق، فعليه إبطاء سرعته أولًا.

لسوء الحظ، لم ير البيئيّون وحدهم في هذا الانقطاع المفاجئ في نظام الإنتاج المعولم فرصة غير مسبوقة لطرح مشروعهم على أرض الواقع. هناك أيضًا المُعولمون الذين قد ابتكروا منذ منتصف القرن العشرين مفهوم الهروب من قيود كوكبنا. هم أيضًا يفكرون بدورهم أنها فرصة غير مسبوقة للتخلّص جذريًا من باقي العوائق للهروب خارج الأرض. إنها بالنسبة لهم فرصة لا تفوت، حتى يتخلصوا مما تبقى من دولة الرفاهية ومن شبكات الأمان للسكان الأكثر فقرًا، ومما تبقى من القواعد الخاصة بمكافحة التلوث، وحتى، وبكل وقاحة، من جميع السكان الزائدين الذين يُزحمون الأرض.

يجب ألا ننسى فرضية أن هؤلاء المُعولمين واعين بالتغير البيئي، وأنهم يبذلون قصارى جهودهم منذ نصف قرن لإنكار أهمية هذا التغير، بل أيضًا للهروب من عواقبه عن طريق بناء حصون مقواة بامتيازاتهم المحرّمة على كل الذين يجب التخلي عنهم. إنهم ليسوا ساذجين ليؤمنوا بحلم الحداثة العظيم بالمشاركة العالمية «لثمار التقدم»، لكن الجديد هو صراحتهم في التراجع عن الإيهام بهذا الحلم حتى. هم الذين يتكلمون كل يوم على شبكة فوكس نيوز الأمريكية المحافظة، والذين يحكمون في كل دولة ناكرة للتغير المناخي، من موسكو إلى برازيليا ومن نيودلهي الى واشنطن، مرورًا بلندن.

ما يجعل الوضع الراهن خطيرًا جدًا، ليس فقط تراكم الموتى المتزايد يوميًا، ولكن أيضًا التوقف العام للنظام الاقتصادي الذي يمثل فرصة رائعة «للتشكيك في كل شيء» من طرف هؤلاء الذين يريدون الاندفاع إلى الأمام والاستمرار في هروبهم من سطح الكرة الأرضية. لا يجب أن ننسى أن ما يجعل المُعولِمون خطرون للغاية، هو أنهم يعرفون هزيمتهم بدون شك، وأن إنكار التغير المناخي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأنه ليس هناك أي فرصة لمصالحة «تطورهم» مع أغلفة الكوكب المختلفة، والتي سيستوجب إدراج الاقتصاد فيها. هذا ما يجعلهم مستعدين لأي شيء حتى يستخرجوا للمرّة الأخيرة الظروف التي ستسمح لهم استمرارهم، فقط لوهلة إضافية، وتمكنهم من إيجاد مكان آمن لهم ولأولادهم. «إيقاف العالم»، هذا الضغط على المكابح، هذا التوقف غير المتوقع، يتيح لهم فرصة الهروب بطريقة أسرع وأبعد مما قد كانوا يتخيلون[1]. في الوقت الراهن، إنهم هم الثوار.

هذه هي اللحظة الحاسمة لنأخذ زمام المبادرة. إن سنحت لهم الفرصة فقد سنحت لنا أيضًا. إذا توقّف كل شيء، يمكن التشكيك في كل شيء وتعديله واختياره وانتقاءه، وإيقافه نهائيًا أو بالعكس تسريعه. لقد حان الوقت لوضع قائمة الجرد السنوي. لمن يطالب بالمنطق السليم «لنعيد الإنتاج في أقرب وقت ممكن»، على الإجابة أن تكون صارخة «كلا!». آخر شيء ينبغي فعله هو أن نعود إلى ما كنا عليه من قبل. 

على سبيل المثال، قبل أيام، بث التليفزيون تقريرًا عن بائع زهور هولندي وهو يبكي لأن عليه إلقاء أطنان من أزهار الزنبقة الجاهزة، لأنه لم يعد يستطيع إرسالها بالطائرة إلى جميع أنحاء العالم نظرًا لعدم وجود أي زبائن. لابد أن نتعاطف معه طبعًا ومن العادل تعويضه. لكن فيما بعد تتراجع الكاميرا وتعرض زنابقه التي تُزرع بدون تربة وتحت أضواء اصطناعية قبل أن يرسلها إلى طائرات لتُشحنها من مطار شيبهول تحت أمطار من الكيروسين. وهذا ما يثير الرّيبةَ: هل استمرار هذه الطريقة لزراعة الزهور وبيعها أمرًا مجديًا؟

إن شرعنا شيئًا فشيئًا، من جانبنا، في طرح أسئلة من هذا القبيل حول كل جوانب نظام الإنتاج الخاص بنا، فإننا نصبح مفاتيح فعالة لعملية العولمة، وبملاييننا، نصبح بنفس فعالية فيروس الكورونا في طريقته الخاصة في عَولمة الكوكب. ما يقوم به الفيروس من خلال بعض رذاذ تفافة تافهة ينتقل من فم إلى فم آخر من إيقاف الاقتصاد العالمي، نحن نبدأ في تصوره أيضًا من خلال تصرفاتنا المحدودة والضئيلة معًا التي من شأنها إيقاف نظام الإنتاج على ما هو عليه. عندما نطرح على أنفسنا هذه الأسئلة، يشرع كل منا في تصور حركات وقاية وسلامة، ليست فقط من شأنها مواجهة الفيروس، بل مواجهة كل عناصر نمط إنتاج لا نرغب في استعادته.

فالأمر لم يعد يتعلق باستئناف نظام إنتاج ما أو بتعديله، بل بالخروج من مفهوم الإنتاج كمبدأ وحيد لتنظيم العلاقة مع العالم. الأمر لا يتعلق بثورة، بل بعملية تفكيك. كما يوضح بيار شاربوني، فبعد مئة سنة من الاشتراكية المقتصرة على تقسيم الثروات الاقتصادية، ربما حان الوقت لاختراع نوع من الاشتراكية يعارض الإنتاج في حد ذاته. فالظلم لا يختزل على تقسيم ثمار التقدم بل على الطريقة التي نخرج بها بثمار من الأرض. هذا لا يعني التناقص أو العيش الزهيد، لكنه يعني تعلم فرز كل جزء من هذا النظام الذي يُزعم أنه مبرَم، والتشكيك في كل روابطه التي يُزعم أنها ضرورية، ومن ثم اختبار ما هو فعلًا مرغوب فيه، وما لم يعد كذلك.

ولذلك، فمن المهم للغاية توظيف وقت العزل المفروض علينا لوصف ما نتعلق به فرديًا ثم جماعيًا؛ ما نحن مرتبطون به، وما نحن مستعدون أن نتحرر منه؛ ما هي الروابط التي نحن مستعدون لإعادة تكوينها وتلك التي نقرر قطعها. أما المُعولمون فيبدو أن لديهم فكرة دقيقة عما يريدون إعادته بعد الأزمة: الوضع كما كان ولكن أسوأ، مصانع نفط وسفن رحلات سياحية ضخمة. نحن من يجب علينا أن نعارضهم بقائمة جرد مضادة. إن استطاعت مليارات البشر في غضون شهر أو شهرين، وفي دفعة وحدة، تعلم «التباعد الاجتماعي» المستجد، والابتعاد من أجل التضامن، والبقاء في المنزل حتى لا نزحم المستشفيات، فيمكننا أن نتصور جيدًا قوة تغيير حركات الوقاية والسلامة الجديدة في وجه استئناف الوضع على ما هو عليه سابقًا، أو أسوأ، وفي وجه انقضاض جديد من طرف هؤلاء الذين يطمحون في الهروب من الجاذبية نهائيًا. 

ولأنه من الأحسن دائمًا الربط بين حجة ما والتطبيق، دعونا نقترح عليكم أن تحاولون الإجابة على قائمة الأسئلة التالية. ستكون الإجابات القائمة على تجربة شخصية معاشة مفيدة أكثر. الأمر لا يتوقف عند التعبير عن رأي يخطر في بالكم، بل يشمل أيضًا وصف واقعة معينة وربما تعميقها بوساطة بحث صغير. ستصلون فيما بعد، إن وفرتم لأنفسكم وسائل للوصول لإجابات تخلق أفق، إلى تعبير سياسي واقعي وملموس.

إِنْذار: هذا ليس استطلاع رأي. إنما هو مساعدة لوصف الوضع لأنفسنا[2].

الهدف هو وضع قائمة من الأنشطة التي تشعرون أن الأزمة الراهنة تحرمكم منها، ويشعركم هذا الحرمان بانتهاك لأساسيات العيش. في كل نشاط، الرجاء توضيح إن كنتم تريدون استئنافه تمامًا مثل ما قبل، أو أحسن مما قبل، أو لا تريدون استئنافه قط.

1- ما هي الأنشطة التي انقطعت الآن ولا ترغبون استئنافها؟

2- صِفوا:

أ- لماذا تبدو لكم هذه الأنشطة ضارة/ غير ضرورية/ خطيرة/ غير معقولة؟

ب- كيف يمكن لاختفائها/ توقيفها/ استبدالها، أن يجعل بعض الأنشطة الأخرى التي تفضلونها أسهل/ أكثر تناسقًا؟ (اكتبوا فقرة مختلفة لكل نشاط أشارتم إليه في السؤال الأول).

3- ما هي الإجراءات التي توصون بها فيما يخص العمال/ الموظفين/ الوكلاء (الوسطاء)/ أصحاب المشاريع الذين لن يستطيعوا الاستمرار في الأنشطة التي ألغيتموها لتسيير انتقالهم نحو أنشطة أخرى؟

4- ما هي الأنشطة التي توقفت الآن وتريدون تطويرها/ استئنافها، أو الأنشطة التي يجب خلقها كبديل؟

5- صِفوا:

أ- لماذا يبدو لكم هذا النشاط إيجابيًا؟

ب- كيف يُسهل هذا النشاط الأنشطة الأخرى التي تفضلونها أو يجعلها أكثر انسجامًا؟

ت- كيف يسمح هذا النشاط بمواجهة الأنشطة التي تعتبرونها سلبية؟ (اكتبوا فقرة مختلفة لكل نشاط أشارتم إليه في السؤال الرابع).

6- ما هي الإجراءات التي توصون بها لمساعدة العمال/ الموظفين/ الوكلاء (الوسطاء)/ أصحاب المشاريع في  اكتساب المهارات/ الوسائل/ الموارد/ الأدوات التي تسمح لهم باستئناف- تطور- اختراع هذا النشاط؟

(ثم أوجدوا طريقة لمقارنة وصفكم بوصف المشاركين الآخرين. جمع الإجابات وتطابقها قد يستخلص شيئًا فشيئًا أفقًا تُعرض فيه خطوط النزاع والتحالف والجدالات والخلافات). 

[1]  Danowski, Deborah, de Castro, Eduardo Viveiros “L’arrêt de monde” in “De l’univers clos au monde infini” (2014).

[2] يستعير الوصف الذاتي المنهج الذي اقترحه برونو لاتور في كتابه

 “Où atterrir ? Comment s’orienter en politique” (2017)، والذي طوره فيما بعد في إطار مجموعة من الفنانين والباحثين.

اعلان
 
 
برونو لاتور 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن