كيف تعايشت المصانع مع «كورونا»؟
 
 
الصورة من صفحة وزارة القوى العاملة على فيسبوك
 

خلال الأسابيع الماضي، تكرر خبر إغلاق مصنع بصفة مؤقتة بعد اكتشاف حالات إصابة بفيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» بين العاملين لديه.

ففي مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، أُغلق مصنع تابع لمجموعة «بل إيجيبت» للصناعات الغذائية والمالكة للعلامة التجارية «لافاش كيري»، وكذلك مصنع سيراميك أوميجا. كما أُغلق مصنع تابع لشركة نستلة للصناعات الغذائية في مدينة السادس من أكتوبر بالجيزة، ومصنعان تابعان لشركة ليسيكو للسيراميك في مدينة برج العرب بالإسكندرية، بالإضافة إلى مصنع شركة سامسونج في محافظة بني سويف، ومصنع صناعات غذائية في المنطقة الصناعية بقويسنا في محافظة المنوفية، وآخر للملابس الجاهزة في قرية الهياتم التابعة لمركز المحلة بمحافظة الغربية. وغيرهم.

بدورها قالت وزارة القوى العاملة إنها فتيشت على أكثر من 4400 منشأة في الفترة بين 30 مارس و28 أبريل لمراجعة إجراءات الوقاية لحماية العاملين من الإصابة بفيروس كورونا في أماكن العمل.

تحدثنا مع ثلاثة مصادر في ثلاثة مصانع مختلفة بمدن العاشر من رمضان والعبور وبورسعيد، للتعرف على خطط التعامل مع «كورونا»، لنكتشف أن الاستجابات تراوحت بين الالتزام بخطة مُحكمة وصولًا إلى الحد الأدنى من الإجراءات الوقائية.

«في البداية، كان هناك حذر من اتخاذ أي قرارات تتعلق يوقف العمل في المصنع، كان هناك رأي بأنه لا حاجة لاتخاذ أي إجراءات استثنائية»، هكذا يصف الكيميائي شمس* الحالة داخل شركة الصناعات الغذائية التي يعمل بها في مدينة العاشر من رمضان، حتى أعلن رئيس الوزراء عن فرض حظر التجول بداية من 25 مارس الماضي. يقول شمس إن الكل شعر وقتها أن الأمر أصبح جديًا، واتخذت إدارة المصنع قرارًا بالإغلاق لمدة أسبوع لحين ترتيب أوراقها.

يحكي محمود* قصة شبيهة عن شركة الصناعات المعدنية التي يعمل بها في مدينة العبور، التي اتخذت أيضًا قرارًا بالإغلاق لمدة عشرة أيام مع إعلان حظر التجوال. يشرح محمود: «الناس كلها كانت خايفة سواء العمال أو أصحاب العمل نفسهم. كما أن السوق توقف تقريبًا منذ منتصف مارس، وبالتالي لم يعد هناك سبب لاستمرار العمل».

حالة الخوف أو الارتباك الأولى، والتي كانت أيضًا مرتبطة بالحاجة لإعادة ترتيب نظام ورديات العمل في ظل حظر التجوال، تراجعت سريعًا في المصنعين. فبعد أسبوع عاد العمل لطبيعته، وعملت شركة الصناعات الغذائية، التي يعمل بها نحو 1200 عامل، بنظام ورديات تبادلي تعمل فيه وردية من العمال لمدة 24 ساعة يتخللها أربع ساعات من الراحة، ثم تحصل الوردية كلها على إجازة لمدة 48 ساعة، ليغطي مكانها ورديتين أخريين من العمال وهكذا. بينما اختارت شركة الصناعات المعدنية، التي يعمل بها نحو 100 عامل، العمل بنظام تبادلي آخر، حيث تعمل وردية لمدة ثمان ساعات، بينما تعمل الوردية الثانية لمدة 16 ساعة لتجنب حركة العمال أثناء فترة حظر التجول، وتقوم الورديات بالتبديل في الأسبوع التالي.

لاحقًا، عادت شركة الصناعات الغذائية إلى العمل بنظام ثلاث ورديات يوميًا بعدما أصبحت أتوبيسات المصانع مُستثناه من قرار حظر التجول، بينما استمرت شركة الصناعات المعدنية في نفس طريقة العمل.

يشرح شمس الإجراءات التي بدأت إدارة مصنعه في اتخاذها: «هناك تطهير بشكل يومي للمصنع، مع توفير كميات من الكحول والكمامات تكفي لمدة شهر على الأقل»، متابعًا: «في البداية كنا نمنح عمال المصنع كمامتين يوميًا، يرتدي العامل واحدة خلال الوردية وحتى وصوله للمنزل، ثم يرتدي الأخرى في الصباح أثناء مجيئه للمصنع. لكن مع صعوبة توافر الكمامات، بدأنا في توزيع كمامة واحدة لفترة مؤقتة، لحين توافر كميات أكبر منها».

وفرض المصنع على العمال ارتداء الكمامات منذ لحظة ركوب أتوبيس الشركة، مع تشجيعهم على استمرار ارتدائها حتى العودة للمنزل. لاحقًا، بدأت إدارة الشركة في توزيع الواقيات الشفافة التي تغطي الوجه وعبوات الكحول.

وفيما يخص المسافات بين العمال داخل المصنع، قال شمس إن قسم التغليف والتعبئة كان الأكثر خطورة حيث يجلس عمال التغليف متلاصقين وفي مواجهة بعضهم البعض، ما استدعى إدخال تعديل على مساحة عملهم بحيث أصبح هناك عوازل بلاستيكية بين العمال.

ويتابع شمس، الذي يعمل في قسم مراقبة الجودة مما يجعله على اطلاع بتفاصيل نظام مكافحة العدوى داخل المصنع، أن الإدارة تشجع العمال على الإبلاغ عن أي أعراض مرضية، دون قلق من تبعات ذلك، مع التأكيد على أن الإجازات المرضية مدفوعة الأجر مهما طالت، حتى في حالات الإصابة. بالإضافة إلى ذلك فهناك قياس لدرجة حرارة العمال قبل دخولهم المصنع، وبالفعل جرى إعادة بعض العمال إلى منازلهم بسبب ارتفاع درجة حرارتهم، مع متابعة حالتهم الصحية بالتليفون.

المصنع الذي يعمل به نحو 1200 عامل، لديه نحو 40 خط أتوبيس لنقل العمال من مناطق مختلفة بالقاهرة والشرقية. يشرح شمس أن خط الأتوبيس الواحد قد يمر على أكثر من سبع قرى في الشرقية، وفي كل قرية يوجد عمال يعملون في مناطق مختلفة. إحتمال إصابة أي منهم بفيروس كورونا وانتقال العدوى يعني انتشارها على نطاق جغرافي واسع. ولذلك عندما ظهرت حالة إصابة بإحدى قرى الشرقية التي يسكنها اثنين من العاملين بالشركة، قررت الإدارة منحهم إجازة لمدة يومين حتى تأكدت أنهما من منطقة بعيدة عن تلك التي يسكنها المصاب.

ما يجعل الشركة تتخذ كل هذه التدابير هو الحرص أيضًا على عدم تعرض سمعتها للضرر، بما أنها تعمل في مجال الصناعات الغذائية. يقول شمس إن «الإعلان عن وجود حالة إصابة بشركة بل إيجيبت للصناعات الغذائية كان جرس إنذار لنا لما تعرضت له من ضرر بعد ذلك. اجتمعت إدارة الشركة بعدها للتأكيد على أهمية التشديد على إجراءات الوقاية».

وشهدت مصانع مدينة العاشر من رمضان، التي يبلغ عددها قرابة 3000 مصنع، نحو 60 إصابة بفيروس كورونا من إجمالي 278 حالة في محافظة الشرقية. ويعمل في مدينة العاشر من رمضان نحو نصف مليون عامل تقريبًا.

الإجراءات المُشددة التي اتخذتها تلك الشركة ليست بالضرورة المتبعة في أماكن أخرى. بالعودة إلى محمود، الذي يتولى منصب إداري بشركة الصناعات المعدنية، نجد أن شركته لم تتخذ إلا عددًا محدودًا من الإجراءات.

في البداية كان هناك حالة من الارتباك والخوف داخل الشركة عقب الإعلان عن حظر التجول تراجعت بعد أسبوع تقريبًا. يشرح محمود قائلًا: «الناس أصبحت خايفة بشكل أقل. التساهل نوعًا ما في تطبيق الحظر وأعداد الإصابات المحدودة المُعلن عنها وقتها دعمت فكرة أن الأمر ليس بهذه الخطورة، ولا يستحق كل ذلك الخوف».

يقول محمود إن الشركة لا توفر الكمامات حتى الآن بسبب صعوبة العثور عليها في الأسواق، كما لا تقيس الشركة درجة حرارة العاملين لدى دخولهم المصنع.

غير أن إدارة الشركة تشجّع العمال على الإبلاغ في حالة وجود أي أعراض مرضية مع طمأنتهم إلى أن إجازاتهم مدفوعة الأجر، كما قامت منذ بداية انتشار فيروس كورونا بتخيير كبار السن من العمال بين المجيء للعمل أو  البقاء في المنزل مع استمرار صرف نسبة من الراتب. وانتهى الأمر إلى أن العمال الأكبر سنًا عادوا للعمل بعد إجازة قصيرة.

يرى محمود أن طبيعة العمل في ذلك المصنع لا تفرض تكدس أو تقارب العمال، خاصة بعدما أعادت الشركة ترتيب الورديات بشكل تبادلي بحيث لا يزيد عدد العمال في الوردية الواحدة عن 35 عامل، وتقوم الشركة بتطهير أماكن العمل بشكل دوري كل يومين. كما تدرس شراء غرفة التعقيم التي ترش مواد مطهرة على الأفراد قبل دخولهم المصنع، لتعقيم ملابسهم.

يستمر النهج الذي يترك الأمور في يد العمال كي تتبع إجراءات الوقاية من عدمه في الشركة الثالثة التي تواصلنا مع أحد الفنيين بها. يعمل إسماعيل* في شركة بتروكيماويات في بورسعيد. توفر الشركة، التي يعمل بها نحو 1500 عامل، كمامات وكحول للعمال كما تقيس درجة الحرارة أثناء دخولهم المصنع، كما يجرى تطهير لأماكن العمل كل يومين تقريبًا.

ويتابع إسماعيل قائلًا: «في البداية، كان فيه تركيز على ضرورة اتباع التعليمات، لكن مع الوقت أصبح هناك تراخي. وأصبحت المسؤولية مسؤولية فردية على العمال».

ما يقصده إسماعيل بالمسؤولية الفردية، أن الشركة علقت عددًا كبيرًا من اللافتات الإرشادية في أرجاء المصنع، تخص كيفية استخدام أدوات الوقاية الشخصية، وإجراءات التباعد الاجتماعي، وكيفية انتقال العدوى، ووفرت أدوات الوقاية، إلا أنها لم تعد تهتم كثيرًا بمتابعة تطبيق العمال لتلك الإجراءات.

يقول إسماعيل: «الإدارة لا تهتم بالتشديد على العمال إلا في حالة وجود تفتيش أو مرور على المصنع» من أي من الجهات الرقابية، مضيفًا: «غير كده هي وفرت وسائل الوقاية للي عايز ومهتم يحمي نفسه».

* أسماء المصادر جرى تغييرها للحفاظ على هوياتهم

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن