ديتوكس| في الحَجر، تقلق تركض
 
 
من مشروع حرفيًا أنا للفنانة Chole wise
 

تعبّر وردة الانكزيتي* عنّا. نحن، مثلها، نعيش في قلق، بل أن القلق هو الشعور الذي يعرفنا، كما أشارت في هذا العدد من ديتوكس الذي لخبطت وردة أقسامه، ومزجت أفكارها بالترشيحات.

لا نلومك يا وردة، الحياة صعب، والحواس مشتتة بين قراءة ومشاهدة وسماع، وكله بسبب الجو العام الملعبك الذي يلعب بنا يوترنا ويؤجج قلقنا.

المحرر

لا أذكرُ… متى اكتشفتُ أن لي

اسمًا موسيقيًا، يليق التوقيعُ به

على قصائدَ موزونةٍ، ورفعُه في

وجه أصدقاء لهم أسماءٌ عموميةٌ

ولا يفهمون المعنى العميق لأن

تمنحك الصُدفةُ اسمًا ملتبسًا

يثيرُ الشبهاتَ حولك

ويقترح عليك أن تكونَ شخصًا آخرَ

-إيمان مرسال، من ديوان «ممر معتم يصلح لتعلّم الرقص»

Ekaterina Popova: Sunset Summer, 2019

أنا وردة الانكزيتي، يعرّفني قلقي، ولكني أكثر من ذلك. نعم، أقلق كثيرًا ويبدو لي أني لا أفعل إلا القليل، ولكن من منّا لا يقلق الآن؟

الشمس أقل قسوة هذا الأسبوع، ولكن الإجازة ليست إجازة وأنا لستُ قادرة على الخروج. قد أذهب في تمشية قصيرة في المنطقة، ولكن ارتداء الكمامة يزعجني، لم أتعود عليها بعد. أمكث بالمنزل، أراوغ الوقت، يساعدني ألبوم فيونا آبل الجديد على اجتياز الساعات. تغنّي عن الوحدة، عن الحركة المستمرة في سبيل إثبات الوجود، عن الثقل الذي نحمله كبالونة ممتلئة ثم نتخفف منه لننمو كأغصان الفراولة، فقط ليبططنا مرة أخرى.

[Fetch The Bolt Cutters يمكن #سماعه على سبوتيفاي هنا].

أقضي النصف الأول من اليوم في محاولة فاشلة لإعداد شركسية. ما الذي دفعني لتصور أني يمكنني أن أصنع وجبة بمثل هذا التعقيد؟ أنا التي لا يتجاوز تاريخها مع المطبخ شهور معدودة. الصوص فسد، فآكل الفراخ المسلوقة وحدها مع الأرز. بؤس. ثم أدخل loop غسيل المواعين؛ ملعون أبو المواعين، صرت أغسلها أكثر مما أفعل أي شيء آخر في حياتي.

[هنا خطوات إعداد الشركسية، لعلها تنجح معك/معكي]

كل يوم، تعدني شريكتي في السكن أنها ستشارك بغسل المواعين، لكنها تتركها تتراكم في الحوض، وأنا لا أطيق منظر الحوض وقد سكنته صحون قذرة، فينتهي بي الأمر إلى غسلها بنفسي.

جاك سميث، 1953

بسببها كنت محاصرة الأيام الماضية؛ ضيف قضى في بيتنا إجازة العيد المُستقطعة من الأخرى المُمتدة. بعد تجاهلي لزن أمي لقضاء إجازة العيد ببيت العائلة، رضختُ لطلب رفيقتي باستضافة صاحبها في بيتنا. رغم توتري حين أخبرتني، لكن استسلمت بعدما تأكدت منها أنه كان ملتزمًا بالعزل في الفترة السابقة، وأنه لم يتعرض إلا لأقل القليل من البشر. كنتُ أعلم أني مزعجة، ولكنها محاولات للوقاية من أعباء القلق الزائد، لا العدوى فقط. رغم التزامهما بشروطي، إلا أن الباندميك يجعلنا نضيق بسُكّان البيت، ما بالك بضيوفه، خاصة هذا الذي بالكاد أعرفه.

لا أريد أن أبدو فظة. شريكتي في السكن لطيفة، وتسمح لي باستعارة كتبها، كما تشاركني اشتراك سبوتيفاي الخاص بها. ولكني سئمت ضحكاتها بينما تتحدث على التليفون مع صديقها كل يوم (يضحكان الآن، ولكني كنت أسمع شجارهما على أتفه الأمور حين كان عندنا)، وأصوات الخبط والرزع على الأرض حين تمارس تمارينها الرياضية في حجرتها (ما التمرين الذي بوسعه صنع كل هذا الضجيج؟)، كما أنزعج كلما أفتح نتفلِكس (تستخدم هي حسابي على منصة المشاهدة) كي أتابع المسلسل الذي أتابعه لأجدها قد بدأت مسلسلًا جديدًا؛ وثائقي عن العائلة الملكية البريطانية، أو شيء ما آخر لا أعني به على الإطلاق.

عدت إلى مسلسلي، مسلسل كوميدي نظريًا، ومشوّق، ولكني وجدت الموسم الثاني قاتم للغاية، ولهذا كنتُ أتجنبه:

منذ شهرين بدأتُ في مقابلة شخص ظريف تعرفت إليه عبر أحد تطبيقات المواعدة، بعدما أقنعني صديق بتجربتها بعد سنوات من رفضي لها، فقد كنت أشعر أن شيئًا بالغ الحزن في أن تتحكم مجموعة من اللوغاريتمات في حياتي العاطفية. ثم جاءت الجائحة فقضت على كل الاحتمالات. لن أخاطر بسلامتي من أجل محاولات بائسة لبناء حميمية مع إنسان لا يعني لي الكثير على أي حال. مع بدايات الحجر كنّا نتواصل عبر الواتساب بشكل شبه يومي، ثم انقطعت الرسائل تدريجيًا. جزء مني لم يسعه التوقف عن تفقد التليفون كل دقيقتين، مترقبًا ظهوره. هكذا هو اضطراب القلق المزمن: يتملكك الهوس بشأن أشياء لا تهمك لهذه الدرجة؛ بشأن كل شيء. هكذا يعمل عقلك ولا أمل في إيقافه. الآن أغمض عيني وأحاول تذكر قبلتنا الأولى والوحيدة، ولكن لا يمكنني حتى تذكر ملامحه على وجه الدقة. أفتح بروفايله على فيسبوك، أنظر إلى صورته. كما توقعتّ، لا أشعر بشيء.

عليّ أن أستغل وقتي في الحجر، كما ينصحوننا في كل مكان على الإنترنت. قريبًا قد أجدني مضطرة مرة أخرى إلى مغادرة المنزل والذهاب إلى العمل، وحينها سأتمنى وقتًا هادئًا كهذا، يسعني فيه مشاهدة فيلم حقيقي يتطلب بعض التركيز، ولن أجد.

[يمكن #مشاهدة مقطع من محاضرة ديفيد جريبير عن «قيمة العمل» من إعداد موقع «كتب مملة» هُنا]

بالطبع تتحطم أحلامي. «زيكو»، السلحفاة العتيقة التي كانت تربيها عمتي -رحمها الله- في شرفتها، أسرع من الإنترنت في بيتنا. يتوقف الفيلم بين الدقيقة والدقيقة ربع ساعة، أي مشاهدة هذه؟

ولكن news from home بطيء في كل الأحوال، أو لا، وصف الأفلام بالبطء أمر سطحي للغاية، فلنقل إنه فيلم ذو إيقاع تأمّليّ. أسترخي على الكنبة وأقرر التصالح مع الانقطاعات المتكررة كجزء من التجربة الشعورية لعمل المخرجة شانتيل اكرمان. الفيلم لا ينتهي مع انتهاء تصويره ولا مع انتهاء مونتاجه، أقول لنفسي، بل ينتهي حين يصل للمتفرج، ولكل متفرج تجربته، وهذه هي تجربتي.

[يمكن #مشاهدة مقطع من العمل المُنتج في 1977 هُنا]

أشاهد شوارع نيويورك في السبعينيات. هل هي حقًا ساحرة كما يقولون؟ يرمنسها الكثيرون في أعمالهم ربما، ولكن هنا تنقلها عدسة امرأة غريبة عنها، سافرت إليها من بلجيكا لصقل خبرتها في صناعة الأفلام. في الخلفية، تقرأ المخرجة مجموعة من الخطابات التي وصلتها من أمها: تستفسر عن أخبارها، تخبرها كم تفتقدها، تحكي لها عما تفعله العائلة في غيابها. نرى الحياة في مدينة بينما نسمع عنها في مدينة أخرى، في قارة بعيدة، وفي التضاد بين الصوت والصورة يكمن كل شيء.

ولكن الفيلم يثير قلقي، وشعوري بالذنب؛ تتفنن أمي -مثل أم المخرجة- في إشعاري بالذنب. تخبر الأم ابنتها أنها تحبها وفي غاية الفخر بها لأنها تطارد حلمها، تدعمها بإرسال الأموال والملابس، ولكنها لا تكف عن سؤالها متى تعود؛ أم بطلة الفيلم تشعر بالوحدة من دونها، حزينة لأنها لم تحضر عيد ميلاد أختها معهم، صحتها في تدهور وتعيش على الأدوية. تفعل أمي نفس الشيء كل يوم. تهاتفني سائلة لِمَ لا أزورهما. أخبرها أني خائفة، لن أتحمل أن أصيبهما بالعدوى إذا كنتُ مصابة بها دون علمي. ترد قائلة إن أختي تزورهما، أختي حريصة على رؤيتهما أكثر مني. هي لا تفهم حجم قلقي ولا سيطرته عليّ؛ حين أخبرتها أني بدأت في المداومة على جلسات مع طبيبة نفسية قالت إن هذا «كلام فارغ». تصر أن أفتح الكاميرا كلما تحدثنا. رفضْت في المرة الأخيرة، سألَت لماذا، قلت لها في ارتجالة تلقائية أني عارية لأن الجو حرّ، ولكني في واقع الأمر كنت أدخن سيجارة ولم أكن في مزاج للاستماع إلى محاضراتها بشأن أضرار النيكوتين، خصوصًا في ظل الكورونا. إذا كانت خائفة إلى هذا الحد من أثر التدخين كيف لا تفهم عزوفي عن الزيارة، في حال إصابتي بالفيروس، خاصة أنها هي وأبي قد جاوزا الستين منذ أعوام؟

[يمكن تأمّل تحية كارول منصور لوالدها «الذي قتله كوفيد 19»]

يجبرني بطء الإنترنت على أخذ استراحات متعددة خلال الفيلم، أثناء إحدى التهنيجات أتصفح تويتر فأعلم أن اليوم عيد ميلاد رضوى عاشور [ 26 مايو 1946- 30 نوفمبر 2014]. لم أحب أبدًا أعمالها الروائية، ولكني صرت أحتفظ برأيي لنفسي لأني كلما عبّرت عنه قوبلت بهجوم حاد.

تحت ضغط مديح محبيها -ما أكثرهم- قررتُ أن أمنح أعمالها فرصة أخرى، ربما أندمج مع كتاباتها الذاتية. سبق أن بدأتُ في قراءة «الرحلة»، حيث توثق تجربتها كطالبة ماجيستير في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكني هجرت الكتاب في منتصفه، وبقى مهملًا على الكومودينو مع ما لا يقل عن خمسة كتب أخرى بدأت قراءتها في الفترة الأخيرة ولم أكمل أي منها. هذا أيضًا أحد أعراض القلق الحاد؛ يصبح من الصعب جدًا أن تحتفظ بتركيزك لفترة كافية تمكّنك من إنجاز ما بدأته. وها أنا ذا أترك الفيلم قبل أن ينتهي، لأتصفح «الرحلة».

«الركض حالة أعيشها دائمًا. في طفولتي كانت طاقة الحياة فيّ تلح وتفيض فأركض. وفي مراهقتي ركضت خوفًا من جسدي النامي ومن الحرملك المنتظر. ثم بقيت أركض لكي لا أفقد نديتي للرجال من أبناء جيلي؛ أركض لكي أتعلم؛ أركض لكي أستقل؛ وأركض لكي لا يعيدني أهلي إلى حظيرة حبهم ووصايتهم؛ وأركض لكي لا يزج المجتمع بي في خانة الدونية المعدة سلفًا للنساء. وبقيت أركض حتى صار الركض طبيعة ثانية لي».

حتى أنتِ يا رضوى تمكنتِ من إشعاري بالذنب، مثلك مثل أمي. في الواقع كان هناك سبب آخر وراء قراري بألا أفصح عن مشاعري الحقيقية تجاه أدب رضوى عاشور: هي كاتبة مصرية وعربية مقدّرة، وهن نادرات، فإن لم أكن قادرة على الاحتفاء بها ربما من الأفضل أن أصمت. لكن هذه الفكرة ذاتها تشعرني بالذنب، وبعض من الغضب: أليس لنا الحق كنساء أن ننقُد ونُنقَد، مثلنا مثل الرجال؟ ها هي تلك الفقرة تدفعني للتماهي مع رضوى وإن لم أحب ما تكتبه بالضرورة. لازلت غير مفتونة بالسرد، وتزعجني الرسائل السياسية المباشرة التي يعج بها النص، ولكني أعاهد نفسي أن أكمل «الرحلة»، تقديرًا ووفاءً لركض رضوى، ولأني أنا أيضًا أركض، وإن كان يبدو لي أحيانًا أني لم أبرح مكاني منذ زمن.

كنتم مع وردة الإنكزايتي؛ دمتم بلا قلق.

*اسم مستعار

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن