أثر السَّكرة: تأملات حول مسارات 1968 وما بقي منها
«لا أريد أن أتحدث بسوء عن 68، لكني مازلت أعاني إلى حد كبير من أثر سَكرتها». – هارون فاروقي في مقابلة عام 1999
 
 
 
من فيلم الخوف أو لا مكان للحب، لسعيد مرزوق، 1972
 

إن الحركة السياسية الراديكالية التي بدأت في فرنسا في مايو 1968 -وانتقلت سريعًا إلى بلاد كثيرة عبر أنحاء الكوكب- قد انتهت إلى واحدة من أكثر التقلبات التراجيدية في التاريخ المعاصر؛ وتلك حقيقة معروفة قبل الآن. في فرنسا، أصبح بعض النشطاء السياسيين اليساريين الذين قادوا الاحتجاجات في الجناح اليميني، كما هو الحال بالنسبة للعديد من أعضاء إدارة نيكولاس ساركوزي على سبيل المثال. بينما في مصر انتهى الحال بخيرت الشاطر، الذي نزل إلى الشارع في المظاهرات المتحمسة المطالبة بالحرية في إسكندرية الستينيات، إلى أن يصبح القائد السلطوي للإخوان المسلمين، ويقضي حاليًا حكمًا بالسجن المؤبد مدى الحياة.

نعم، ربما كانت 1968 فاشلة على الجبهة السياسية. لكن الحقيقة أنها أيضًا قد حفزت ثروة من الأفكار والنقاشات والمراجعات حول الإنتاج المتجدد للـ«ذات»، والتي تبقى صالحة إلى يومنا هذا، وما زال الباحثون والمثقفون والكُتَّاب والفنانون في أنحاء العالم كافة يرجعون إليها ويعيدون إنتاجها.

تبدو أهمية انتفاضة 1968 في أوروبا، بالنسبة لي، كتجلي أوّلي لصورة تضامن تسعى إلى تعقيد نفسها، بين العمل الذهني (وفي القلب منه الطلبة والمثقفين والفنانين والمفكرين ضد الأبوية والسلطوية كاستحقاقات لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية) والعمل اليدوي (عمال المصانع والفلاحين ضد الاستغلال الرأسمالي ومقاتلي حركات التحرر الوطني في دول العالم الثالث ضد الاستعمار والديكتاتوريات التابعة ومشاريع الاستيطان).

يخفق هذا التجلي على المستوى السياسي السطحي والصراع على السلطة بينما يتجذّر ويتعمق في أسئلة الثقافة والفنون وأساليب الحياة المقاومة للفاشية والاستغلال الرأسمالي. نرى ذلك مثلًا في مسارات المشروعات الفكرية للفلاسفة والمفكرين ميشيل فوكو وجيل دولوز وآخرين، بدأت مشاريعهم الفكرية تتبلور نتيجة لمايو 68 في فرنسا. كذلك نراه في التحول الكبير في مشوار جان لوك جودار السينمائي، وبدايات مشروع الفنان وصانع الأفلام الألماني التجريبي هارون فاروقي القادم من الحركة الطلابية للتضامن مع فيتنام حيث كانت ستينات وسبعينات القرن العشرين عصر اكتشاف العالم الثالث كمجال وساحة للنضال.

على صعيد آخر، كان حراك 1968 في مصر نتيجة لنكسة 67 والإخفاق المدوي للمشروع الناصري. وتجلى ذلك على سبيل المثال سينمائيًا في بدايات توجّه سينما المؤلف ضمن مشروع يوسف شاهين، وظهور جيل جديد من السينمائيين التسجيليين والنقاد وتأسيس جماعة السينما الجديدة.

لذا، يسعى هذا النص إلى تقفي الأثر المدوّخ لحركة 1968 ومساراتها الثقافية والفنية، على اختلافها بين أوروبا وبين سياقاتنا الجنوبية العالمية (المسمى الجديد خلفًا لمسمى العالم الثالث)؛ ليس دفاعًا أو جريًا وراء ضلالات الخصوصية الثقافية والهوياتية القومية المتخيلة والتى غالبًا ما تستخدم لتبرير الاستغلال والقمع، ولكن تحريًا وبحثًا عن تعقيد تاريخ وملابسات وظروف وسياقات الإنتاج الاقتصادية والاجتماعية وربطها بالإنتاج الفكري والفني، وفي الجوهر منها اكتساب ذواتنا فاعليات متجددة بشكل مستمر.

لذا فأنا ومنذ أعوام مشغول بالبحث وراء بعض الأسئلة التي أثارتها الحركة ورموزها ومساراتها، خاصة تلك الأسئلة التي تتماس مع نقد السينما وجمالياتها؛ الصور النضالية؛ تمثيلات العمل؛ الجنوب العالمي كموقع للنضال والإمكانية؛ ومفهوم التعاطف في سياقات مختلفة. في الشذرات التالية، أشارككم بعضًا من تأملاتي حول هذه التصورات، والتي قد تبدو للنظرة الأولى غير مترابطة، لكنها في الواقع شديدة الاتصال ببعضها البعض على مستويات عديدة.

أوروبا والجنوب العالمي: «اخلقوا فيتنام ثانية، وثالثة، وفيتنامات كثيرة»

في أعقاب موجة المظاهرات التي اجتاحت أوروبا في أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين تضامنًا مع حركات الطلاب والعمال وضد الحرب في فيتنام، كان هناك اتجاه بين المفكرين والفنانين وصناع الأفلام والنقاد الأوروبيين المنخرطين في الحركة للسفر حول العالم، مستكشفين -وأحيانا مشاركين- في النضالات الثورية لشعوب الجنوب العالمي في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط. مثلاً سافر الفنان وصانع الأفلام الألماني هارون فاروقي إلى كولومبيا وفنزويلا، لكنه «لم يستطع أن يجد الثورة وحركات حرب العصابات» التي كان يبحث عنها كما قال لاحقًا؛ وذهب الناقد الفرنسي سيرجي داني في جولة طويلة عبر الهند والمغرب وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بينما زار صانع الأفلام الأيقوني جان-لوك جودار المخيمات الفلسطينية في الأردن عام 1970.

هذه الرحلات، بالاشتراك مع الأفكار التي طرحتها كلمات تشي جيفارا الشهيرة حول حرب فيتنام: «اخلقوا فيتنام ثانية، وثالثة، وفيتنامات كثيرة» والسؤال الذي طرحه جودار في فصل «الكاميرا/العين» من فيلم «بعيدًا عن فيتنام/ Far from Vietnam» عام 1976: «كيف يمكننا ألا نغزو فيتنام مرة أخرى لكن ندع فيتنام تغزونا؟» ربما دفعت فاروقي لبدء صياغة أسئلته الأخلاقية والسياسية والجمالية حول الصور من خلال الصور. تجلى هذا أكثر ما تجلى في العملين اللذين صنعهما حول فيتنام: «نار لا يمكن إطفاؤها/Inextinguishable Fire» عام 1969 و«أمام عينيك، فيتنام/ Before Your Eyes, Vietnam» عام 1982.

جودار يصور الاحتجاجات في شوارع باريس عام 1968

على سبيل المثال، نجد أسئلة كثيرة تتعلق بالتمثيل representation والسياقية contextualization والحرجية criticality: كيف يمكن ألا ننتج صورًا للتضامن/التعاطف السطحي مع أناس من أماكن أخرى (فيتنام في ذلك الوقت) ينتهي الأمر بها لتعمل كشكل من الكولونيالية الجديدة؛ كيف يمكن إظهار الاحترام للموضوعات الماثلة في الصور؛ كيف يمكن ألا نعيد إنتاج العنف واستغلال الصور التي تروجها الشركات الإعلامية المهيمنة والصناعة الثقافية؛ كيف نستكشف العلاقة بين الاقتصاد/الإنتاج والحرب؛ كيف تُمشكل سياقك (ألمانيا في حالة فاروقي) في الوقت الذي تصنع فيه أفلامًا عن سياقات أخرى؛ وكيف تحافظ على موضع نقدي وتأملي ذاتي من شيء تدعمه أو تكون/كنت جزءًا منه.

أرى أن هذه الأسئلة ما زالت حيوية وضرورية، خاصةً عند النظر إلى الأفلام والصور القادمة من سوريا ما بعد 2011، وكيف يتعامل صناع الصور المختلفون والمنصات الإعلامية مع الظروف الحالية هناك. وتتضح كثير من الاهتمامات ذاتها الكامنة في أفلام فاروقي في أعمال وبيانات مجموعة «أبونضارة» السينمائية، على سبيل المثال.

لقطة من فيديو «نار لا يمكن إطفاؤها» لفاروقي

لكن هناك أمثلة أخرى. فالحماسة العاطفية للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، أحد داعمي حركة 1968 الرئيسيين للثورة الإسلامية في إيران -التي زارها مرتين في عام 1978، بالإضافة إلى مقابلته الشخصية لآية الله الخميني في باريس- أتت من مكان مختلف تمامًا.

بطريقة شديدة البراجماتية، قرر فوكو أن يستخدم إيران كذريعة لنقد الخطاب الحديث الأوروبي المركز السائد في العالم الأكاديمي. فكتب سلسلة من المقالات يُنظِّر فيها للحركة الإسلامية في إيران دون أي دراسة عميقة للسياق التاريخي للبلاد أو الشرق الأوسط أو الإسلام. ووصف الثورة كجزء مما أسماه «الروحانية السياسية» التي رآها كصدع راديكالي ضد الرأسمالية الحديثة في أوروبا أو الشيوعية الحديثة في الاتحاد السوفييتي والصين.

كان موقفًا مربحًا للجانبين: يحصل الثوار على الدعم والتصديق الفكري من اسم دولي مهم، في الوقت الذي يبدأ هو فيه خلق خطاب نقدي سيرسخ موقفه وسط نظرائه في الأكاديمية الأوروبية. الحقيقة أنه كان يدعم بالفعل المركزية الأوروبية: مشاركًا في إنتاج كولونيالية معرفية جديدة بإضفائه الشرعية على نظام استبدادي وليد. ولعل فوكو لم يدرك طبيعة أفكاره الوهمية حول الثورة الإيرانية إلا بعد أن استتب الأمر للخوميني ومُنع فوكو من السفر إلى إيران وجرى إعدام أحد أصدقائه.

فوكو في مظاهرة لدعم العمال المهاجرين، 1973

يمكن للمرء أن يجد بسهولة آثارًا لموقف فوكو في خطاب كثير من اليساريين القوميين، والمفكرين والباحثين ما بعد الكولونياليين، وحتى الكُتاب والفنانين اليوم، سواء في العالم الغربي أو في العالم العربي. فبتجاوزهم عن الدراسة الدقيقة اللازمة لصياغة أفكار صلبة حول المشهد السياسي الحالي المعقد، ينتهي بهم الأمر إلى دعم الإسلاميين بزعم أنهم مقاومون للنسخة الأوروبية المركز السائدة من الحداثة، أو لديكتاتوريين من أمثال بشار الأسد لكونه «ممانعا ومعارضا للإمبريالية».

في ظل الهزيمة: ثلاث استجابات لـ 1967-68 في مصر

في مصر، كانت تجليات حركة 1968 مختلفة تمامًا، واصطبغت بعواقب هزيمة يونيو 1967 في حرب الأيام الستة. عادت الصدامات بين المتظاهرين والشرطة في شوارع القاهرة لأول مرة منذ 1952: حيث خرج العمال والطلاب في مظاهرات للاحتجاج على الأحكام المخففة التي نالها قادة القوات الجوية المسؤولون عن الهزيمة، بينما احتج الطلاب في نوفمبر من العام نفسه في مدينتيّ المنصورة والإسكندرية على قانون التعليم الجديد.

حتمًا شقت هذه الروح الثورية طريقها إلى القطاع الثقافي والسينمائي. قام الشباب من صناع الأفلام وعشاق السينما والنقاد المتأثرين بالفكر اليساري والتقدمي بإطلاق «نادي سينما القاهرة»، كما أسس أغلبهم «جماعة السينما الجديدة»، وكتبوا مانيفستو ضد الأساليب السائدة للإنتاج السينمائي. وقامت الجماعة بالإنتاج المشترك مع المؤسسة العامة للسينما لفيلمين: «أغنية على الممر» إخراج علي عبدالخالق عام 1972، و«الظلال في الجانب الآخر» لغالب شعث عام 1974، وأصدروا ملحقًا بعنوان «الغاضبون» في المجلة الفنية ذائعة الصيت والمملوكة للدولة: «الكواكب». في ذلك الوقت، كانت الدولة تهيمن على كل النشاط والإنتاج الثقافي: من المنصات التعليمية (أي المعهد العالي للسينما) إلى كافة أشكال المعدات اللازمة لصنع الأفلام (الكاميرات وشرائط السينما،.. إلخ)، وكان على الجماعة -كجزء من اليسار السياسي والمعارضة- أن تناور حول سيطرة الدولة على الإنتاج والتوزيع السينمائي.

من اليسار إلى اليمين: النقاد السينمائيون المصريون أحمد رأفت بهجت، فتحي فرج، يوسف شريف رزق الله)

صوت المعركة

لكن بعد هزيمة 1967، ابتلع خطاب الدولة القومي بعض صناع الأفلام، كما يتضح من الطريقة التي استجابوا بها للأزمة. أحدهم كان صانع الأفلام والباحث الدكتور مدكور ثابث (1945-2013) الذي تقلد مناصب قيادية في العديد من المؤسسات الحكومية طوال مسيرته المهنية، من ضمنها رئاسة المركز القومي للسينما. في عام 1967، أخرج ثابت فيلمًا قصيرًا بعنوان «ثورة المكن»، وهو تأمل بهيج حول الهزيمة -بعده تم تجنيده في القوات المسلحة المصرية كمراسل ومجند خلال حرب الاستنزاف.

مدة الفيلم حوالي سبع دقائق، وقد مُنح جائزة في النسخة الأولى والوحيدة من مهرجان سينما الشباب، الذي عُقد في الإسكندرية عام 1968. الفيلم خالٍ تقريبًا من الحوار، وبه فقط تعليق صوتي قرب النهاية: «المكن ده بتاعنا، إحنا اللي بنيناه، وإحنا اللي هنحميه».

ثورة المكن from ‘Komy Mohamed’ on Vimeo.

كثيرا ما يُشار إلى فيلم «ثورة المكن» باعتباره فيلمًا تجريبيًا. يقدم ثابت دراما المشروع الصناعي الناصري في قالب بصري غير معتاد، عبر صور مستقبلية ما بعد بشرية للماكينات وهي تعمل دون جهد بشري، مقترنة بشريط صوت يعلق بالذاكرة. في القسم الأول، نرى نهضة الصناعة: الموسيقى مليئة بالحيوية ولقطات الماكينات العاملة في انسجام هارموني منسوجة مع صور لنحلة دوَّارة. ثم فجأة تهتز الكاميرا، وتوقف الماكينات نشاطها وتنطلق صفارات الإنذار، بما يرمز لصدمة هزيمة 1967. ثم نأتي إلى الفصل الثالث والأخير من الفيلم: نسمع التعليق الصوتي السابق ذكره، والذي يمثل العمال، ثم تتصاعد الموسيقى مرة أخرى، لكن هذه المرة في قالب طبول عسكرية، بينما تستكمل الماكينات عملها. مازلنا لا نرى أي عمال -ربما لأنهم الآن جنود، يستعدون لمعركة التحرير.

إنه تعبير دعائي عن شعار عبدالناصر الشهير: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». ويحاول الفيلم أن ينسج صور الحرب مع صور الإنتاج (كي يبدو واقعيًا، تم تصويره في أكبر مصنع للنسيج بمصر، في مدينة المحلة الكبرى بالدلتا). وهو فيلم تجريبي، نعم، في اختياره لتجريد هذه اللقطات من العمال والجنود على السواء، لكنه أيضًا خالٍ من التأمل الذاتي أو النقد، خاصةً عند مقارنته بأعمال أخرى لمعاصري ثابت، مثل يوسف شاهين.

«مفاوضات» شاهين

أعتقد أن مجموع مشروع شاهين الفني يمكن تسميته «مفاوضات مع أوديب» – أو هاملت، الذي يظهر في الكثير من أفلام شاهين كصورة للأول. بالنسبة لي، تنبع الجوانب السياسية والشعرية لشاهين من نضال ضد العقل الباطن كسلطة قمعية، كما جرؤ على التعامل مع التحليل النفسي كقالب جمالي.

تبدأ المفاوضات بوضوح مع صدمة المهمشين الريفيين في المدينة الحديثة (البطل قناوي ينتقل إلى القاهرة هربًا من أسرته المتسلطة في الصعيد) بينما يعتنقون الخطاب النقابي التقدمي القومي الوليد في الفيلم الطليعي «باب الحديد» (1958). ثم قدم سلسلة من الأفلام التي أنتجتها الدولة، مثل «الأرض» (1969) حيث دافع في الخفاء عن حرية الناس في إطار الحدود المسموحة له. لكن لم يمر وقت طويل قبل أن يقفز إلى السطح الصراع المتأجج داخل شاهين -ابن جيل التحرير القومي- كنتيجة لحرب 1967. خلال خمس سنوات، صنع ثلاثة أفلام تتأمل في الهزيمة، مصطدمًا بالحدود الرقابية لمجرد أن يدعوها بهذا الاسم: هزيمة، وليست مؤامرة.

في فيلم «الاختيار» (1970)، يقوم بتعرية مظاهر الرياء للنخبة المثقفة البورجوازية ويبحث الأسباب الكامنة وراء الهزيمة عبر قصة كاتب (يصارع السلطة القمعية للعقل الباطن، نموذج أوديبي) يغار من أخيه (رجل خال من الهموم متحرر من السلطة القمعية للعقل الباطن والماضي؛ نموذج مضاد لأوديب) ويقتله في النهاية. أما فيلم «العصفور» (1973) فهو تقصٍ للفساد السياسي والاقتصادي كأسباب كبرى للهزيمة، لكننا نجد أيضا كل الشبهات المعتادة: مونتاج يمزج صورًا للطائرات الإسرائيلية وهي تهبط في صحراء سيناء مع تتابع حلمي حيث تُغتصب فتاة شابة؛ ترمز للوعد المبكر في مشروعات عبدالناصر القومية، بينما بهية -الأم القوية الحكيمة التي تنزل إلى الشارع منادية بالحرب- فترمز إلى مصر شجاعة ومقاومة. الفيلم الثالث، «عودة الابن الضال» (1976) هو في المقام الأول نظرة فتشية للهزيمة تركز على الرجولة الجريحة لشخص الأب (عبدالناصر/الإله) وأبنائه.

ثم نأتي إلى ثلاثية شاهين التالية، حيث يبدأ في تفكيك أوديب: أفلامه السير ذاتية والتي كانت بعيدة عن أن تكون ممارسة متمركزة حول الذات، بل كانت بالأحرى تدريبًا لتجريب واستخلاص ذاكرة فردية من السردية القومية في «إسكندرية ليه؟» (1979) وبحث الصراع والتصالح في «حدوتة مصرية» (1982) قبل بلوغ الذروة في «إسكندرية كمان وكمان» (1989). والأخير تحويلة تخريبية يقلب فيها شاهين بطريقة راديكالية العقل الباطن القمعي الذي كان يتصارع معه حتى ذلك الوقت إلى مساحة لعوب من الحب والأحلام والرغبة. نرى في الفيلم يحيى، الذات البديلة لشاهين (ويلعب الدور هذه المرة صانع الفيلم نفسه) وهو يسائل سلطته الشخصية وأصل إبداعه كمخرج، على خلفية ينخرط فيها الممثلون والمهنيون السينمائيون الآخرون في إضراب ضد الدولة دخل مقر نقابة السينمائيين. أرى هذا الفيلم باعتباره الغاية القصوى لمشروع شاهين، حيث يثير سؤالًا حرجًا: كيف يمكن للذات أن تحيا هويتها الشخصية بصوتها الخاص بينما تشارك في بناء عالم اشتراكي ديمقراطي؟

لقطة من إسكندرية كمان وكمان

المرحلة الأخيرة في مشوار شاهين الدراماتيكي هي بلا جدال الأضعف لديه. فيلمه الأخير، «هي فوضى؟» (2007) -الذي تم إخراج أغلبه بسبب صحة شاهين الضعيفة على يد مساعده في الإخراج خالد يوسف- يحكي قصة رجل شرطة يتحرش بالناس ويعذبهم بوحشية نتيجة للعديد من المشاكل العائلية التي عانى منها في طفولته. دورة كاملة تعود بنا إلى أوديب والعقل الباطن القمعي.

الفيلم الوثائقي كمساحة ديمقراطية

من السبعينيات وحتى أوائل العقد الأول من الألفية، عندما كانت الدولة تهيمن بشكل شبه تام على السينما، كانت صانعة الأفلام الوثائقية عطيات الأبنودي تحاول أن تجد طرقًا بديلة لإنتاج الأفلام بدعم من مجتمع مدني نامٍ والعديد من المؤسسات الدولية في محاولة لتطوير نسختها الخاصة من (السينما الثالثة). جرى تصوير أغلب أفلامها خارج القاهرة، وبشكل ما يمكن النظر إليها كمساحات للديمقراطية في كل أنحاء مصر، تلتقط وجوه وأصوات الأقل حظًا من وجهة نظر نسوية. في بعض هذه الأفلام، مثل «نساء مسؤولات» (1994)، و«أحلام البنات» (1995)، نرى عاملات بمنظمات غير حكومية في لقطات متوسطة أثناء مقابلات شخصية يتحدثن عن القوانين والإحصائيات ونتائج البحث الميداني في مكاتبهن، إلى جانب لقطات مقربة لنساء عاملات يتحدثن عن آرائهن في العالم ويحكين تفاصيل حياتهن اليومية بينما يعملن.

أعتقد أن جوهر مشروع عطيات الأبنودي الفني -الذي يقوم بشكل أساسي بوصف مصر باستخدام الكاميرا (كانت تستخدم شريط 16 ملم حتى التسعينيات)- كان في المقام الأول هو جعل السينما وسيطًا نسويًا ديمقراطيًا، يضع سرديات النساء في الصدارة ويلتقط -بالصوت والصورة- كيف يمكن لنتاجات العمل والتصميم اليومية (الخبيز والنسيج والخزف على سبيل المثال) والممارسات اليومية (الولادة والزواج والموت) أن تُؤوَّل كتحف فنية ثقافية. كما أرّخت للتحولات الاجتماعية/الاقتصادية التي تلت سياسات السادات الانفتاحية، والنضالات من أجل التعليم وتحسين ظروف المعيشة، وكذلك خبرة النساء المرشحات لخوض الانتخابات البرلمانية في فيلم «أيام الديمقراطية» (1996) ورحلة النوبيين النازحين إلى ديارهم لقضاء العيد في فيلم «قطار النوبة» (2002)، وهما اثنان من أهم أفلامها.

عطيات الأبنودي أثناء العمل

  مع بداية العقد الأول من الألفية، كان الوسيط نفسه قد أضحى ديمقراطيًا: كانت الكاميرات الرقمية في كل مكان، ودخلت قنوات التليفزيون الفضائية، وجعل دخول الإنترنت من الممكن الوصول إلى كل شيء، وبدأت المؤسسات الثقافية غير الحكومية تطلق مدارس مستقلة لتعليم السينما -وأصبح لدى الناس القدرة على إنتاج/إعادة إنتاج صورهم وأصواتهم الخاصة. يبدو أن هدف عطيات قد تحقق، ويتوجب علينا اليوم أن نطرح أسئلة ذات طبيعة مختلفة، خاصة حول إعادة إنتاج الصور.

*

أفكر أحيانًا في الطريق الذي سلكه الفنانون وصناع الأفلام والكُتَّاب والنقاد من جيل 1968 في مصر. لقد انتهى الأمر بكثير ممن امتد بهم العمر إلى استبطان الأفكار التي تمردوا ذات مرة عليها، ليصبحوا أبواقًا للدولة، دونما أثر من الموقف النقدي المستقل الذي ناضلوا سنوات لبنائه. حولتهم العقود القليلة الماضية إلى السلطات الثقافية الرجعية التي واجهوها في الستينيات والسبعينيات؛ لقد أصبحوا مهندسين لوعي الناس، ولن يوقفهم شيء في سبيل دفاعهم عن هذه السلطة. فهم يتحكمون في أكاديميات الفنون، والأقسام الثقافية في الصحف والمجلات، والبرامج التلفزيونية، ومهرجانات السينما التي ترعاها الدولة، والوظائف الاستشارية لشركات الإنتاج الرئيسية، وبالطبع إدارة الرقابة. إنها لمفارقة بالفعل: داعمو حركة 1968 يمارسون الرقابة على أعمال داعمي ثورة 25 يناير -الثورة التي مازلنا نعاني أثر سكرتها.

ولذا فإن السؤال هو: كيف نجد طريقًا مختلفًا؟ كيف يمكننا -كفنانين وعاملين ثقافيين ومنتجين يشتغلون في مجال الفنون «المستقلة» المعاصرة والمنصات الثقافية وهياكل التمويل- أن نطور وعيًا ونقدًا صلبًا للسياقات التي نعمل في إطارها؟ كيف يمكننا الحفاظ على مسافة نقدية للإبقاء على قدرتنا على مساءلة موقفنا؟

فيما يتعلق بالعنف: الصور النضالية ونظرية المنظر الطبيعي

بالنسبة لي، كانت 1968 علامة على بدء هيمنة «النص» على النتاجات النقدية والثقافية، على عكس الأفلام/الصور التي كانت -مع الجنوب العالمي- تُستخدم كثيرًا كمجرد ذريعة لخدمة «أفكار أكبر» (باستثناء بعض أعمال جودار وفاروقي وكريس ماركر التي كانت تؤخذ على محمل الجد في سياقات معينة).

في صناعة الأفلام التجريبية السياسية وفي أفلام نضالية كثيرة في أوروبا وأماكن أخرى، كان التأليف السلطوي ما زال شائعًا: كان هذا هو العصر الذهبي للنصوص الدوجمائية، التي تبرر نضالًا ما أو تحشد الدعم لقضية ما، والمفروضة كتعليق صوتي على مونتاج الصور التي لم تكن تعمل إلا كأشكال توضيحية للكلمات. ثمة أمثلة نادرة -خاصة في (السينما الثالثة)- تمكنت من استباق هذا النموذج، مثل ثلاثية «معركة تشيلي» للمخرج باتريسيو جوزمان، وأفلام جبريل ديوب مامبيتي.

لقطة من الجزء الثاني من ثلاثية معركة تشيلي بعنوان الانقلاب

في نظرية الفيلم والنقد السينمائي، كان التحليل النفسي هو المنهج المسيطر عندما يتعلق الأمر بتحليل السينما السائدة (وأعتقد أن غالبية النقد المقدم في مصر  لا يزال عالقًا بين الانطباعات ومرحلة مبادئ التحليل النفسي الفرويدية)، حيث يجري التعامل مع الأفلام كنصوص أو هياكل مكونة من رموز وعلامات يجب فك شفرتها. في المجالات الأكاديمية مثل علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا أو العلوم السياسية، كان وما زال يجري استخدام السينما والأدب لإضفاء لمحة من «التلوين» على المناقشات الأكاديمية الجافة، بالضبط مثلما يأكل المرء الفواكه الموسمية لمساعدته على هضم وجبة ثقيلة تناولها للتوّ.

من ناحية أخرى، كانت النضالات المعارضة للكولونيالية في الجنوب العالمي عادةً ما يجري امتداحها في الخطاب النقدي الأوروبي الأبيض، بينما كل شيء يتبع ذلك -من ديكتاتوريات وانتفاضات وحروب أهلية وموجات هجرة- كان يُستخدم لدعم نظريات في المجادلات الأكاديمية دون بذل أي مجهود حقيقي لفهم تعقيدات هذه السياقات الجنوبية.

لكن مع بداية الثمانينيات، كان جيل دولوز مع فليكس جواتيري قد أنجزا بالفعل نقدًا راديكاليًا للتحليل النفسي في كتابهما المكون من مجلدين (ضد أوديب: الرأسمالية والشيزوفرينيا Anti-Oedipus: Capitalism and Schizophrenia 1983) مقترحين مقاربة جمالية ونقدية بديلة لتطوير إعادة نظر جديدة للصور والأفلام كمنتجات للغة سينمائية بصرية، وليست نصوصًا أو ذريعة لوسائط أخرى. واقترح دولوز تحليل السينما في علاقتها بالحركة والزمن كشكل من أشكال التفكير وإنتاج المفاهيم من خلال الصورة والصوت والعلاقة بينهما، وهو التصور الذي استكشفه بعناية في كتبه السينمائية: «الصورة-الحركة/ The Movement-Image» عام 1986، و«الصورة-الزمن/ The Time-Image»  الصادر عام 1989. في الوقت ذاته، طورت لورا ميلـﭬـي وبيل هوكس وباحثات نسويات سود أخريات خطابات نقدية جديدة تتعلق بالتمثيل البصري للنساء في الأفلام من منظور نسوي، يؤكد على الصورة والصوت والنص على حد سواء.

منذ عام 1995، أصبحت الصور النضالية مكونًا جوهريًا لتيار حُمَّى الأرشيف Archive Fever، في ممارسات الفن المعاصر. وهذا مؤشر على أن الصراعات المصورة في هذه الصور قد انتهت وجرى استيعابها بشكل تام -أنها قد أصبحت جزءًا من الماضي، يمكن عرضه كقطع فنية في المتاحف والمؤسسات الفنية، كما يرى بوريس جرويز في نصه «حول ناشطية الفن /On Art Activism». كما يُصدِّق هذا على حجب المجال العام والهزيمة التاريخية لمشاريع التحرر الوطني والحركات اليسارية المسلحة في أماكن كثيرة من أنحاء الكوكب. لذا، وكشكل من أشكال إضفاء الجمالية aestheticization، أصبح عدد كبير من المعارض والأفلام مساحات للنوستالجيا والبكائيات على زمن الانخراط السياسي والمقاومة وحرب العصابات عبر إعادة إنتاج الصور المخزونة في الأرشيف التي تمجد هذه النضالات ضد الكولونيالية والفاشية والرأسمالية والديكتاتورية والمجتمع البطريركي، وتسلط الضوء على كم كانت وثيقة الصلة ببعضها البعض عبر الجنوب العالمي وأوروبا واليابان على حد سواء، من الستينيات إلى أوائل الثمانينيات من القرن العشرين.

عند فحص هذه الأعمال، تُثار دائمًا تقريبًا مسألة مقدار الاستيلاء على الأرشيف. فكثيرًا ما توضع الصور الحربية المخزونة والتي التقطها فنانون آخرون إلى جوار صور جديدة لنفس المواقع، الخالية الآن أو التي تعج بأشخاص جرى اقتناص لقطات لهم في روتينهم اليومي، غافلين عن الصراع الذي جرى يومًا ما في نفس البقعة، كما هو الحال في فيلم مهند يعقوبي «خارج الإطارأو ثورة حتى النصر» (2015)، على سبيل المثال. فهو مرثية واضحة لما كان ذات يوم.

في الوقت نفسه، نادرًا ما نرى أعمالًا تسائل مثل هذه الصور من العنف النضالي، في محاولة لوضعها في سياقها ومَشكلتها لكي تثير الأسئلة التي نحن بحاجة لطرحها. كيف هُزمت هذه الحركات؟ كيف يمكننا التعامل مع بقاياها؟ كيف يمكننا اقتراح إعادة إحياء النضال، أو الحفاظ على استمراريته حتى نتمكن من إنتاج صورنا النضالية الخاصة اليوم؟

في طوكيو 1968، كان هناك شاب في التاسعة عشر من عمره اسمه نوريو ناجاياما يشعر بغضب شديد حتى إنه لم يستطع أن يجد متنفسًا كافيًا لغضبه في أي جماعة يسارية راديكالية، أو حتى في منظمات ياكوزا. وبدلًا من ذلك، قرر أن يصبح قاتلًا مستقلًا. سرق مسدسًا من قاعدة عسكرية أمريكية وقتل أربعة أشخاص، اثنان منهما سطا عليهما قبل أن يقوم بفعلته. قُبض عليه عام 1969، لكنه رفض أن يفسر لماذا قتل ضحاياه.

اهتم الكاتب وصانع الأفلام الياباني ماساو آداتشي بقضية ناجاياما، خاصة بعد أن اكتشف أن الفتى أتى من عائلة شديدة الفقر في الريف وكان يعيش في ضاحية هامشية للطبقة العاملة في طوكيو في الوقت الذي ارتكب فيه جرائمه.

في الفيلم المعروف باسم «قاتل متسلسل» الذي أخرجه آداتشي عام 1969 عن ناجاياما، يختار آداتشي ألا يقوم أي ممثل بدور الشاب، ولا يجمع مادة أرشيفية عنه. يقرر ألا يتعامل معه كذات على الإطلاق. وبدلا من ذلك، يصور المناظر الطبيعية التي كان يتحرك في إطارها: الأماكن التي عاش فيها ومشى وعمل، ويصاحبها تعليق صوتي يحكي قصة ناجاياما بالحقائق والأرقام. لقطات تتبُّع طويلة متراكمة لبيئة المدينة الحضرية قدمت الأزقة والطرق والمباني التي كان ناجاياما يتردد عليها يوميًا كأبنية للسلطة والقمع، أداة تحليل نفسي تؤكد على اغترابه وفي الوقت نفسه تعمل كقوة للعقل الباطن تقوده إلى العنف. يُعد هذا الفيلم علامة على تقديم نظرية المناظر الطبيعية (فوكيرون باليابانية) كشكل سياسي وجمالي يعكس أداة الديالكتيك اللاكاني-الألتوسيري، والتي كانت شائعة بشكل عالمي وسط الجماعات اليسارية في الستينيات.

الفيلم المعروف باسم قاتل متسلسل

في عام 2011، قام الفنان وصانع الأفلام الفرنسي الأمريكي إريك بودلير، الذي كثيرا ما يذكر آداتشي باعتباره مؤثرًا رئيسيًا على أعماله، بعمل فيلم عن المخرج الياباني -الذي كان هو نفسه منخرطًا مع الجماعات اليسارية الراديكالية المسلحة- باستخدام تكنيك المناظر الطبيعية الذي ابتكره. وأسماه: (ابتعاث مايو وفوساكو شيجينوبو وماساو آداتشي و27 عامًا دون صور The Anabasis of May and FusakoShigenobu, Masao Adachi, and 27 Years without Images).

في هذا الفيلم، آداتشي حاضر كذات وموضوع، وتعليقه الصوتي السردي مركب على مناظر طبيعية من اليابان ولبنان. يحكي قصة كيف قرر أن يستبدل كاميرته ببندقية، ويلتحق بالجيش الأحمر ثم يذهب إلى لبنان ليقاتل من أجل فلسطين -وهي قرارات محفوفة بالخطر والدراما. يتذكر سنوات الاختفاء ومحاولات الاختطاف والصور المحترقة، ويتأمل في العلاقة بين صناعة الأفلام وحرب العصابات. ثم يكمل الرحلة بالسفر عائدًا إلى مدينته الأم برؤية جديدة.

لقطة من ابتعاث

في عام 2017، صنع بودلير «انبعاثًا» جديدًا، يتتبع فيه هذه المرة رحلة عزيز؛ وهو جهادي سلفي فرنسي، من ضاحيته الباريسية إلى الجزائر (التي يصفها بوطنه) ومصر وتركيا حتى حلب، حيث قاتل مع جبهة النصرة قبل العودة إلى فرنسا، لتقبض عليه السلطات الفرنسية.

فيلم بودلير المعروف باسم الجهادي يمكن رؤيته كإعادة إنتاج للفيلم المعروف باسم قاتل متسلسل في سياق معاصر، حيث هنا -أيضا- تكون الذات غائبة، ويتم تمثيلها فقط عن طريق سجلاتها الحكومية. ينسج الفيلم المناظر الحضرية مع المناظر الوثائقية: نصوص التنصت وتحقيقات الشرطة وتقارير المراقبة، مثيرًا العديد من الأسئلة حول ممارسة وجماليات نظرية المناظر الطبيعية. متى ينبغي أن تكون الذات واختياراتها حاضرين؟ متى ينبغي أن يكونوا غائبين وممَثلين فقط؟ متى يمكن رؤية نظرية المناظر الطبيعية كنقد أو كتأكيد للتعاطف؟

في الوقت نفسه، يقوم هارون فاروقي بإضفاء المزيد من التعقيد على هذا التصور. فقد كان مهتمًا بتفكيك صور عمليات إنتاج المساحات والبيئات في مجتمعات السيطرة الليبرالية الجديدة والاقتصاديات الليبدية، المصممة لتعزيز وتشجيع الاستهلاك. وصوَّر عملية تصميم مراكز التسوق التجارية في فيلمه «خالقو عوالم التسوق/ Creators of Shopping Worlds»، وبيئات العمل في فيلم «منتج جديد/ A new Product» بعام 2012 ونظم الواقع الافتراضي المستخدمة في التدريبات العسكرية والعلاج في فيلم ألعاب خطرة «Seroius Games».

في الموازي Parallel هي آخر سلسلة فيديو لفاروقي، عام 2012، يتقصى فيها  -ويحاول أن يطور نقدًا لـ- هياكل الواقع الافتراضي الحاسوبي لنظم ألعاب الفيديو، التي تستلهم في تصميم مسرح أحداثها العديد من التمثيلات السينمائية، والتي تنتج بدورها صورًا أكثر هيمنة حتى من تلك التي تروجها الأفلام، في ضوء الانتشار الواسع لألعاب الفيديو منذ تسعينيات القرن العشرين.

إن ألعاب الكمبيوتر والبلاي ستيشن، وهي نفسها نتيجة لتمثيلات خوارزمية، تعمل كنظم لإنتاج الذاتية. فقد استخدمت الصور المتحركة ثنائية البعد ثم ثلاثية البعد التي تكون الذات فيها غائبة؛ ممَثلة فقط كشخصية وضعية. واليوم وصلنا إلى نسخ أكثر تطورًا من أشكال الواقع المعزَّز حيث يجري تفعيل الذات، كاملة بمصفوفتها الخاصة من الأعصاب والرغبات فيما يُسمى بالألعاب التفاعلية وعبر مفهوم الملاحة. نحن منغمسون تمامًا في فضاءات حاسوبية يصبح فيها الافتراضي واقعيًا والمجرد ماديًا.

في هذا السياق الخاص، من الآمن افتراض أن ألعاب إطلاق النار كانت مؤثرًا حاسمًا على الإرهابي الذي قام بإطلاق النار في مسجد بمدينة كرايستشرش بنيوزيلندا في مارس 2019. أدت عوامل كثيرة بالشاب إلى تلك اللحظة: امتيازاته كرجل أبيض، صعود جماعات الجناح اليميني حول العالم، عسكرة الحياة الحضرية اليومية كنتيجة للقيود المتراخية على شراء وحمل السلاح. لكن اختياره تصوير الهجوم كبث مباشر، عبر منظور مطلق النار نفسه، مستخدما كاميرا جو برو GoPro مثبتة على رأسه بينما يستمع إلى الموسيقى -كان هذا إعادة إنتاج واضحة لعدد لا يُحصى من صور ألعاب الفيديو. مات 51 شخصًا؛ وأصيب عدد أكبر بكثير. كما لو أنهم كانوا أشكالًا مجردة في فضاء حاسوبي.

مثل عزيز، الجهادي في فيلم بودلير، لم يكمل إرهابي كرايستشرش تعليمه الجامعي. كان عزيز قد خطط ليقوم بمهمة انتحارية في سوريا، لكنه غير رأيه وعاد إلى فرنسا. لكن هناك، قام الإرهابي -وهو رجل أبيض من الطبقة العاملة- بكتابة مانيفستو من 74 ورقة حول التفوق الأبيض ومؤامرة النزوح الكبير، قبل الانطلاق لارتكاب جريمة أيديولوجية، أغلب ضحاياها كانوا مواطنين من الطبقة العاملة مثله بالضبط.

العمال لن يغادرون المصنع في كل مكان: عن العمل والحداثة

في عام 1995، الذي ميز مرور المئوية الأولى للسينما، أخرج هارون فاروقي فيلمًا وثائقيًا قصيرًا: «العمال يغادرون المصنع/ Workers Leaving the Factory»، الذي يحاجج فيه -من خلال الصور والاستعارات- بأن السينما لا يمكن أن تحدث إلا عندما يغادر العمال المصنع وتبدأ حياتهم كمستهلكين: ولا يمكننا أن نلاحظهم كطبقة عاملة -كهوية اجتماعية- إلا فيما وراء بوابات المصنع.

Harun Farocki – Arbeiter verlassen di Fabrik (Workers leaving the factory) 1995 from Open File on Vimeo.

عندما يعود المرء بنظره إلى تاريخ السينما الأوروبية والأمريكية السائدة، يجد أن المشاهد التي تحدث داخل المصانع هي بالفعل نادرة جدًا. تطرق جودار إلى هذا الموضوع في مقابلة عام 1972، بعد أن انتهى من صنع فيلمه « كل شيء على ما يرام/ Tout Va Bien» مباشرة. لأن تصوير الأفلام ممنوع في المؤسسات الانضباطية الشاملة الفوكويانية -نسبة لميشيل فوكو- مثل المصانع والمتاحف والمطارات، فإن 80 % من النشاط الإنتاجي في فرنسا يقدَّم فعليًا بطريقة خفية، أو كما قال جودار: «لا يعرض المستغِل الاستغلال على المستَغلين».

مثلها مثل أي سينما تجارية، تستهدف الإنتاجات المصرية السائدة غالبًا إما الدعاية أو الترفيه. في فيلم «ميرامار» (1969) للمخرج كمال الشيخ، يكون مصنعًا للنسيج مكانًا للفساد، ونتيجة لهذا لم تمنح إدارة الرقابة لصناع الفيلم إذنًا بالعرض. ومع ذلك فالأفلام المصرية مليئة بمشاهد لا تُنسى تحدث داخل المصانع وتمكنت من المرور من قبضة الدولة: حوادث صناعية يصاب فيها العمال بسبب الماكينات، نساء يقدن الرجال في ورش العمل اليدوي، أطفال يكدحون في المصانع نتيجة للفقر المدقع.. إلخ.

في الأربعينيات وبداية الخمسينيات، جرى تشجيع تمثيلات العمال داخل المصنع لترويج مشاريع التصنيع الخاصة بالرأسمالية الوطنية، خاصة وسط الفلاحين في الريف. كانت هناك وفرة من الأفلام التي يصبح فيها العمال بطريقة سريعة وغير واقعية إلى حد كبير أصحاب مصانع ورواد أعمال، مثل فيلم «العامل» (أحمد كامل مرسي، 1943) وفيلم «ابن الحداد» (1944) الذي أخرجه يوسف وهبي.

أفيش فيلم العامل

شهد عام 1952 انقلاب الضباط الأحرار، وكذلك إعدام عاملين اشتركا في إضراب سلمي في مقر شركة للغزل والنسيج في كفر الدوار. بدأت طبقة وسطى جديدة في الظهور، وخلال الستينيات، أصبح المهندسون هم أبطال الأفلام؛ حيث يحمون حياة وحقوق عمالهم، الذين كانوا يُصوَّرون دائمًا في حال من الامتنان (انظر فيلم حسام الدين مصطفى «النظارة السوداء» [1963]).

قبل منتصف السبعينيات، ومع التحول لاقتصاد السوق المفتوح، تغيرت بشكل طبيعي أشكال تصوير العمال وأجواء المصانع. في فيلم «مايوه لبنت الأسطى محمود» (إبراهيم الشقنقيري، 1978)، بطل الفيلم رجل مدمن لعمله لا يعرف أي معنى لحياته إلا فيما وراء ماكينات المصنع الذي يعمل فيه. تجبره إدارة المصنع على أخذ أجازة والذهاب إلى مصيف خاص بالعمال على شاطئ البحر، وهو ما يغضبه في البداية، قبل أن يبدأ في فهم حكمة الاستراتيجية الجديدة لإدارة الموارد البشرية بالشركة، المناسبة للاقتصاد الجديد: استريحوا جيدًا حتى تتمكنوا من العمل أكثر.

بينما جاءت في الثمانينيات أفلام مثل فيلم «النمر الأسود» (عاطف سالم، 1984) ليصور العمال المصريين كرجال شرفاء أذكياء جادين في عملهم، يسافرون إلى الخارج بحثًا عن فرصة وينتهي بهم الأمر كرجال أعمال أغنياء ناجحين نتيجة لسعة حيلتهم. كانت تلك طريقة الدولة لتخفيف حملها؛ تشجيع العمال على الرحيل مطاردين لأحلامهم في الخليج (أو في أي مكان آخر) بدلًا من توقع قيام الحكومة بتوفير احتياجاتهم الأساسية في الوطن.

لقطة من فيلم النمر الأسود

منذ أواخر التسعينيات وإلى الآن، أصبح رواد الأعمال والمسوقون ووكلاء البورصة والمستثمرون ورجال الأعمال ورجال الشرطة -الفاسدون غالبًا- هم الأبطال السائدون في السينما المصرية. وتراجع العمال ليَضحوا شخصيات ثانوية نراها غالبًا وهي تُفصل من عملها بالمصنع وتعود إلى بيوتها في مشاهد مقصود منها إثارة الشفقة «بوبوس» (2009) و«حلم عزيز» (2012) مثالان واضحان. أما المصانع نفسها فقد هُجرت، لتتحول إلى مسارح خلفية نموذجية لمعارك العصابات ومشاهد الحركة الأخرى (انظر المشهد الافتتاحي لفيلم «لا تراجع ولا استسلام» (أحمد الجندي، 2010).

حاولت أن أجد مرجعًا لهذه الصور للعمال/العمل في مجموع أعمال فاروقي لمساعدتي على فهمها في ضوء تبصره للعمال وهم يغادرون المصنع. أعتقد أن أنسب الأمثلة هي صور العالم ونقش الحرب Images of the World and Inscription of War وتأجيلRespite . تنتج الصور المذكورة أعلاه واقعًا متخيلًا في محاولة لبيع الوهم المتعلق بكم تكون الحياة طيبة داخل المصنع. في الحقيقة جرى تصوير أغلب هذه المشاهد في مصانع حقيقية، لتحقيق أكبر قدر من المصداقية ولتغطية/قمع تاريخ الاستغلال والتحرش الجنسي والعنف -بل والموت، نتيجة لضعف تدابير السلامة- المشهودة داخل هذه المساحات،كما يتضح في رواية فكري الخولي «الرحلة» (1987) وفي كتاب حنان حماد «الجنسانية الصناعية/Industrial Sexuality» الصادر 2016، على سبيل المثال. ورغم إني واعٍ تماما بالسياق المختلف، لم أستطع تجنب التفكير في كيف أننا نرى، في فيلم «تأجيل»، صورًا التُقطت بتكليف من النازي تبين الوجوه المبتسمة (رغم أنها خائفة بوضوح) للسجينات وهن يرقصن ويمارسن الألعاب الرياضية في معسكر اعتقال «ويستربوك» في محاولة لتغطية/قمع الفظائع الحادثة في غرف الغاز في أوشفيتز.

من فيلم Respite

 

ويأتي الفيلم الوثائقي الجزائري «دوار في رأسي/ A Roundabout in My Head» (حسن فرحاني، 2015) -الذي عُرض في مصر مرتين، في القاهرة والإسكندرية- ليقدم صورًا غير تقليدية لمكان العمل (مجزر في هذه الحالة). في واحدة من اللحظات المحورية في الفيلم، نرى صورتين مختلفتين تمامًا تتداخلان: صورة العمل اليدوي الشاق حيث يقوم الرجال بجذب الأبقار من زرائبها، وصورة وقت الفراغ حيث يشاهد عامل آخر مباراة لكرة القدم خلال استراحة. إنه ذلك التناقض بين هاتين الصورتين للعمل والراحة الذي يجعل هذا التتابع باقيًا في الذاكرة، خاصةً أنهما تحدثان في داخل نفس المكان. أعتقد أن هذا التوتر هو أفضل هدية يمكن منحها على الإطلاق لكاميرا صبورة، ليمكنها من خلق السحر الذي نعرفه باسم السينما.

ما أقصده هو أنه توجد الكثير من الخبرات المتباينة للحداثة بعيدًا عن الغرب. في مصر، مثلا -وربما في بقية البلاد العربية- بدأت مشروعات التحديث والتصنيع من أعلى إلى أسفل في القرن التاسع عشر وترسخت في القرن العشرين. والعمال إما اختاروا أن يكونوا جزءًا من هذه المشروعات، أو كانوا فلاحين فقراء أُجبروا على العمل. في جميع الأحوال، أصبحوا ذواتًا حديثة تبحث عن نوعية أفضل من الحياة، وفي نفس الوقت تحاول أن تقاوم وتناور السلطة القمعية والعنف المميزين لذلك المشروع التصنيعي، الذي تشرف عليه حكومات كانت -طوال التاريخ الحديث- مدفوعة برغبة لزيادة الاستهلاك، والحفاظ على السيطرة، وحماية أمنها أكثر من تشجيع الإنتاج كما أرادوا للناس أن تعتقد.

تعاطف أم تباعد؟

إن نقد فاروقي للتماهي و«التعاطف بالإكراه»، الذي يشرحه في مقاله الذي كتبه عام 2008 بعنوان «التعاطف» (نُشر في هارون فاروقي: نوع آخر من التعاطف HarunFarocki: Another Kind of Empathy [2016]، وهي مجموعة من مقالات صانع الأفلام قام بتحريرها كل من إنتيا إيهمان Antje Ehmann وكارلس جويرا Carles Guerra) ما زال صالحًا. وهو يردد أصداء إعادة التفكير المستمرة في المفهوم البريختي لتأثير التنائي -المنعكس في مسائل موضع الكاميرا/موضع المؤلف- التي كثيرًا ما تصارع معها فاروقي في أعماله. ما هي المسافة المثالية التي ينبغي أن يتخذها المؤلف للحفاظ على موضع نقدي مستقل لنفسه وفي نفس الوقت ليتجنب إنتاج صور مثيرة للشفقة للذوات التي ربما تكون في موضع أقل حظًا؟

إذا كان التمثيل representation -وخاصة التمثيل البصري في سياق السينما- «فعل عنف»، كما يشير جودار في كتاب الصورة The Image Book 2018، فإن الفن المعاصر والإعلام سيكونان حتى أكثر عنفًا عندما يكونان مصحوبين بواجهة النوايا الطيبة التي تخفي مشاعر الذنب البورجوازية. وهذا غالبًا هو الحال عندما يقر عمل ما بموقع صانعه المتميز (كونه فنانًا أبيض من دولة كولونيالية أو طبقة اجتماعية معينة) بدلًا من إنتاج أو أداء أي نوع من التدخل الجمالي عند التعامل معه. الوجه الآخر لنفس العملة هو أعمال الفنانين السود أو العرب أو أبناء البلد الأصليين التي تهدف إلى إثارة التعاطف، باللعب على مشاعر الذنب ذاتها.

في فيلم «بالمقارنة/ In Comparison» الذي أخرجه فاروقي عام 2009، يلاحظ/يتقصى -دون تعليق صوتي- ثلاث صور مختلفة للعمل بالتركيز على صناعة الطوب في ثلاثة سياقات مختلفة: أوروبا والهند وبوركينا فاسو. صور الفيلم بشريط 16 ملم، وهو ما لم يكن قد استخدمه لسنوات، وأعتقد أنه كان اختيارًا مدفوعًا بأسباب سياسية وأخلاقية وجمالية على حد سواء: محاولة لزيادة المسافة بينه وبين موضوعاته، وتأكيد موضعه كمراقب ليس بالضرورة جزءًا من السياق الذي يصور داخله.

لقطة من In Comparison

في المصانع الأوروبية، لا نرى تقريبًا أي عمل بشري، مجرد إيماءات ضجرة بينما يراقب العمال الماكينات وهي تؤدي كل مرحلة من العملية في نظام أوتوماتيكي تمامًا، محققة فائض قيمة عاليًا. يمكن للمرء تقريبًا أن يتصور هذا النظام المبني على أجساد العمال المرهقة في الهند وبوركينا فاسو عبر عقود من العنف الكولونيالي.

لكن رغم هذه القوة للتجاور، وكيف يقبض الفيلم بحساسية على جو العمل الجماعي في بوركينا فاسو على وجه الخصوص -الجو المليء بالألوان المبهجة والموسيقى والرقص بينما يشترك الرجال والنساء والأطفال في بناء مدرسة في قرية جاندو، إلا أن هناك شيئًا ما مفقودًا. فنحن مثلًا لا نرى أي أثر لديناميات السلطة الفاعلة بين الرجال والنساء في المكان، ولا الديكتاتورية التي حكمت البلد في ذلك الوقت، تاركة أغلب قراها بلا خدمات أساسية. ربما كان هذا الفارق البسيط يتطلب التصوير من مسافة أقرب؟ أو ربما لم يكن من الممكن تحقيقه إلا في فيلم روائي؟ لكن ما الذي يعنيه الحد الفاصل بين الوثائقي والروائي في زمن يُعرَّف الواقع فيه بالصور والأدائية؟

أو ربما أن المقارنة المستترة لكن الفعالة للصور المختلفة -المبنية من خلال لقاء مجازي بين سيرجي آيزنشتاين (المونتاج الديالكتيكي) وأندريه بازين (اللقطات الطويلة المتأملة) في الفيلم- كافية لأن تسمح للمتفرجين باستكشاف السياقات والديناميات المفقودة بأنفسهم، في الفضاء الذي ترتبط فيه كل صورة بالصورة التالية.

أما بالنسبة لمسألة «المسافة المثالية» فلا أعتقد بوجود إجابة نموذجية لها. ذات مرة قال نجيب محفوظ: «الحقيقة بحث… وليست وصولًا». أعتقد أن ممارسة هارون فاروقي، كفنان عظيم، كانت في جوهرها مشروعًا بحثيًا تجريبيًا بامتداد العمر -رحلة نحو المسافة المثالية.

سحر البروليتاريا الخفي

أود أن أختم هذا النص بمقتطف من عمل هيثم الورداني المتميز «كتاب النوم» (2016)، وهو عمل غير مسبوق في تراث الأدب العربي. هذا الكتاب عبارة عن بحث أدبي في شذرات، يفكك مفهوم النوم كحالة سلبية، متعاملا معها من خلال أربعة أسئلة: سؤال التاريخ، وسؤال اللغة، وسؤال الهوية، وسؤال الإنتاج. وأجد هذا المقطع بالذات نقدًا شديد الأهمية للتعاطف والمسافة وموضع الفنان المواجه أو المنتج لصور الأقل حظًا.

«فوق سطح الكثير من اللوحات والصور يغفو عمال وفلاحات، فواعلية وأبناء شوارع. يهدهم التعب فيتسطحون في أماكن عملهم، أو ينامون متكئين على بعضهم البعض فوق أرصفة الشوارع. يراهم المشاهد وقد أخذت بعضهم خطوف النوم العميق، أو أسدل بعضهم الآخر جفونه فقط. نوم البروليتاريا كما يظهر في الفن يحدث دائما في مكان العمل، أو في كنفه. إذ لا يحق للبروليتاريا أن تمتلك مكانًا خاصًا بها، فهي تعيش فقط في الحيز الذي اكتسبت منه اسمها، أي مكان العمل. كما لا يحق لها أن تمتلك زمانًا خاصًا بها، فليس لديها ليل أو نهار، وإنما هناك فقط ساعات لا تنتهي من العمل، يتخللها سقوط خاطف في النوم بسبب التعب. ماالذي يجتذب ابن الطبقة الوسطى هكذا إلى نوم الطبقة العاملة؟ مالذي يثيره في رؤية أجسادها المنهكة حدّ النوم؟ هل هو التلصص؟ أم التعاطف الرخيص؟ أم لعله ممارسة حق الملكية الذي منحه لنفسه؟ فنوم ابن الطبقة الوسطى محمي دائما بالحوائط والأبواب، أما نوم ابن الطبقة العاملة فهو مُنتهك الحرمة، مسفوح على الطرقات لمن يرغب في امتلاكه. نوم الطبقة العاملة الذي يسجله أبناء الطبقة الوسطى في لوحاتهم وصورهم لا يخاطب سوى أبناء طبقتهم. فهو قد يثير مشاعرهم، أو في أحسن الأحوال يدعوهم لكي يمنحوا الكادحين بعض العطف، وأحيانا بعض الحقوق، لكنه في أغلب الأحوال لا يخاطب النائمين. فابن الطبقة العاملة ليس من حقه أن ينام امتناعًا عن العمل، أو كسلًا أو ضجرًا، أو حتى أن ينام لأنه يرغب في النوم. من حقه فقط أن ينام مهدودًا من التعب والكدح، أن يبقى عضوًا في طبقة أسطورية لا يخرج منها. الطبقة العاملة تعمل حتى وهي نائمة. تعمل في صور الطبقة الوسطى لكي تختزل نفسها وكفاحها إلى مواضيع مثيرة للتعاطف، فتجيش المشاعر، ويثبت الوضع.»

استند هذا النص إلى حديث بعنوان «هارون فاروقي كمنهجية» ألقاه الكاتب يوم 29 نوفمبر 2018 في Silent Green Kulturquartier ببرلين كجزء من برنامج إقامة بمعهد هارون فاروقي.

 

اعلان
 
 
علي حسين العدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن