التجربة البرازيلية

في أبريل من عام 1964، وعلى وقع مخاوف من حرب أهلية وشيكة، وردًا على الاضطرابات الناجمة عن الارتفاع الحاد في التضخم، قام قادة الجيش البرازيلي بالانقلاب على السلطة المدنية، وفرضوا حكمًا عسكريًا استبداديًا.

ورغم تحقيق القادة العسكريين استقرارًا نسبيًا، ونجاحات اقتصادية ساهمت في وقف الانهيار الذي وقفت أكبر دولة في أمريكا اللاتينية على حافته، إلا أنهم فرضوا إجراءات قمعية، شمّلت تعليق العمل بالمحاكم وإعلان حالة الطوارئ وحَلّ الأحزاب السياسية وفرض الرقابة على الصحافة والإعلام. واستهدف النظام العسكري خصومه بالقتل خارج القانون والاعتقال العشوائي والتعذيب الممنهج ما أدى إلى وفاة المئات، فضلًا عن طرد الآلاف خارج البلاد.

استمر الأمر على هذا النحو أكثر من عشرين عامًا، حتى تمكنت المعارضة البرازيلية من تنظيم صفوفها، وعملت عبر خطوات تدريجية على التخلص من الحكم العسكري، بعد أن عبئت المجتمع، واخترقت صفوف النظام واستمالت عددًا من قادته وحيّدت البعض الآخر، وانتهى الحكم العسكري عمليا عام 1985، باختيار رئيس مدني.

تطورت عملية الانتقال الديمقراطي شيئًا فشيئًا، ووصل الأمر إلى تعيين وزير دفاع مدني خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وشرعت الحكومة في هذا الوقت في دفع تعويضات للمضارين من السجن والنفي والتعذيب، بعد أن صاغ الكونجرس البرازيلي دستورًا جديدًا للبلاد.

خلال تلك الفترة برزت أسماء بعض رموز السياسية، الذين قادوا العمل الميداني في الشارع، عبر تنظيمات نقابية وحزبية ومنظمات سياسية مدنية، منهم الرئيس البرازيلي الأسبق لولا دي سيلفا، وسلفه وخصمه العنيد فرناندو إنريكي كاردوزو.

الرئيس البرازيلي السابق فرناندو كاردوزو أجرى مقابلة مع الباحث فرانسيس هاجوبيان، نُشرت في كتاب «تجارب التحول إلى الديمقراطية.. حوارات مع القادة السياسيين»، الذي حرره الباحثان سيرجيو بيطار وإبراهام لوينثال، وأعدته المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، وصدرت طبعته العربية عن دار الشروق عام 2017.

يبرز الكتاب كيف أسهم 13 رئيسًا ورئيس وزراء من تسعة بلدان في تحقيق الانتقال الناجح لبلدانهم من حكم استبدادي إلى حكم ديمقراطي، وذلك من خلال مقابلات مع هؤلاء القادة أُجريت بين شهري يناير 2012 ويونيو 2013 لعرض وجهات نظرهم في التحولات التاريخية التي جرت في دولهم.

في مقابلة كاردوزو المُشار إليها، قدّم الرئيس البرازيلي الأسبق، روشتة موجزة تصلح للدول التي تتشابه ظروفها السياسية والاقتصادية مع ظروف البرازيل في الأعوام التي سبقت قيام الحكم المدني، فعندما سأله الباحث الذي أجرى الحوار عن وجهة نظره في عمليات التحول الديمقراطي التي تجري في عدد من دول العالم العربي، وأثر التقنيات الحديثة والقوى المهيمنة والمؤثرة في عمليات الانتقال، قال إن التقنيات الحديثة تتيح للناس وسيلة للتعبير عن أنفسهم، لكن المشكلة أنه من السهل التعبئة من أجل الهدم، بينما إعادة البناء أصعب بكثير، فتلك التقنيات ليست كافية لوحدها للقيام بالخطوة القادمة نحو المستقبل، فثمة ضرورة للمؤسسات، إضافة إلى القدرة على معرفة مبادئ القيادة وممارستها، مؤكدًا أن التنظيم هو الخطوة الأكثر ضرورة بأي حال.

لا يعتقد كاردوزو أن مجرد التبشير بالديمقراطية يكفي لوضع الدول على المسار الصحيح: «لعل القضايا الكبرى هي العدالة والمساواة.. ولايزال من الصعوبة بمكان بناء الديمقراطية دون إحساس ملموس باحترام أكبر للآخرين، ولحقوق المواطنة والمساواة».

ويرى أيضًا أنه ليس ثمة طريق سهل للتقدم والديمقراطية: «فالخلاص من النظام الاستبدادي أسهل من بناء ثقافة وممارسات ديمقراطية حقيقية»، ويتذكر كاردوزو تجربة التغيير في بلاده ويقول: «لم يحدث التغيير في البرازيل فجأة، ولم تكن هناك ساعة صفر، بل كانت صيرورة.. إنه انتقال توافقي، دون اتفاقات رسمية.. ناضلنا وتفاوضنا سياسيًا، تواجدنا في المجتمع والفضاءات المؤسسية، واجهنا النظام وتقاربنا مع القطاعات الساخطة عليه، بدأنا بجبهة معارضة وحيدة، ثم أنقسمت الجبهة في الطريق، لكن تمكنا من التلاقي حول الأهداف الرئيسية على الرغم من تعدد المصالح».

تمكن كاردوزو الذي نُفي وسُجن بعد أن أُبعد عن عمله كأستاذ جامعي، ومعه عدد من القادة السياسيين والنقابيين، من نبذ خلافاتهم وتوحيد جهودهم وتحديد هدفهم، حتى تمكنوا في النهاية من استعادة الحكم المدني، وإنهاء الحكم العسكري، عبر الاحتجاج والتفاوض والمشاركة في الانتخابات واللعب على أخطاء النظام القمعي وفضحه أمام الرأي العام، وكان الفشل الاقتصادي وارتفاع التضخم الورقة الأهم التي تمكنت من خلالها المعارضة من حصار العسكر.

تجربة التحول الديمقراطي في البرازيل التي شرحها كاردوزو، في مقابلته، تعرّضت خلال السنوات الماضيات إلى خيبات، ويرى مراقبون أنها انحرفت عن مسارها بعد أن وصل إلى أعلى هرم السلطة الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسونارو.

وصل نقيب الجيش السابق والنائب بالكونجرس بولسونارو إلى الحكم عن طريق انتخابات حرة، وتمكن من الفوز على مرشح اليسار فرناندو حداد، لينهي 13 عامًا من حكم اليسار إضافة إلى عامين مضطربين حكم فيهما الرئيس الوسطي السابق ميشال تامر الذي خلف ديلما روسيف خليفة الرئيس التاريخي لولا دي سليفا الذي لاحقته اتهامات بالفساد بعد أن سار عكس التيار فتكالبت عليه نظم ومؤسسات حتى حُكم عليه بالسجن.

غازل الرئيس اليميني الجديد -منذ أن كان مرشحًا- قوى اليمين المحافظ والمؤسسة العسكرية ولعب على أخطاء أسلافه، حتى تمكن من حسم المعركة الانتخابية ضد مرشح حزب العمال اليساري. وبعد أيام من تنصيبه، توعد بتقليص حقوق الطبقة العاملة وتجاهل قضية التغير المناخي، وأعلن أن «الاستثمار في الثقافة ليس مجزيًا»، وفتح الأبواب واسعة أمام المحافظين الإنجيليين والعسكر لإدارة القوة الاقتصادية الأولى في أمريكا اللاتينية والثامنة في العالم.

بعد أكثر من عام على ما اعتبره محللون ومراقبون ردة على المسار الذي اختارته البرازيل منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم يتمكن بولسونارو من العودة ببلاده إلى المربع صفر مرة أخرى، فالشعب الذي خبر الديمقراطية لا يزال متمسكًا بالطريق الذي مضى فيه، وحتى المؤسسات التي غازلها الرئيس الجديد وراهن عليها في تقويض تجربة أسلافه لم تقدم حتى هذه اللحظة على ما يمكن اعتباره سعي إلى العودة على طريق الاستبداد والحكم العسكري مجددًا.

خلال الأسابيع الماضية، وعلى إثر إصرار بولسونارو على عدم تطبيق إجراءات الحد من تفشي «كورونا»، ورفضه لقرارات الإغلاق والتباعد الاجتماعي التي فرضها حكام الأقاليم ومسئولو الصحة، نشبت أزمة حادة في البرازيل بين الرئيس الذي أقال وزيري الصحة لويس هنريك مانديتا ونيلسون تيش في أقل من شهر وبين الحكومة والبرلمان اللذين حملاه مسؤولية تردي الأوضاع الصحية في البلاد وتفشي الفيروس المستجد للدرجة التي جعلت من البرازيل أكثر البقع الموبوءة خطورة في العالم.

ومع تصاعد الأزمة ومحاولات الرئيس تحميل الشعب والحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام مسئولية تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، حاول بولسونارو مغازلة المؤسسة العسكرية، ورفع أنصاره في مسيرة خرجت في العاصمة برازيليا مطلع مايو الجاري للاحتجاج على تدابير العزلة الاجتماعية لافتات تدعم رئيسهم، وتطالب الجيش بالتدخل العسكري لحَلّ البرلمان والمحكمة العليا.

خطب بولسونارو في مؤيديه، وأخبرهم أنه متأكد من شيء واحد، «لدينا الناس إلى جانبنا، لدينا القوات المسلحة إلى جانب الناس»، مهاجمًا الصحفيين والمراسلين وبعض أفراد الأطقم الطبية التي حضرت الحشد، فما كان من وزارة الدفاع البرازيلية إلا أن أصدرت بيانًا أعلنت فيه أن «القوات المسلحة مُلتزمة بمهمتها الدستورية وبالديمقراطية والاستقلال والانسجام بين المؤسسات اللازمة لحكم البلاد».

ودافع البيان، الذي وقعه وزير الدفاع، فرناندو أزيفيدو إي سيلفا، عن حرية التعبير، واصفًا أي اعتداء على الصحفيين بأنه «غير مقبول»، وقال إن «القوات المسلحة ستكون دائمًا إلى جانب القانون والنظام والديمقراطية والحرية»، فيما حض ستة وزراء دفاع برازيليون سابقون القوات المسلحة على إدانة دعوات التدخل العسكري في الحياة السياسية.

كانت أزمة أخرى قد تفاقمت بين الرئيس والمحكمة العليا على خلفية قرار المحكمة بفتح تحقيق مع بولسونارو واثنين من أبنائه ووزير العدل المستقيل سرجيو مورو، بعد أن اعترض الأخير على إقالة رئيس الشرطة الاتحادية بالبلاد وتعيين أحد أصدقاء عائلة الرئيس خلفًا له، معتبرًا ما جرى تدخلًا سياسيًا غير مقبول في عمل الشرطة الاتحادية التي تتبع وزارة العدل.

الرئيس البرازيلي الأسبق لولا دي سيلفا خرج ليعلق على الأزمات المتلاحقة التي تشهدها بلاد تحت حكم بولسونارو، وأعرب عن تخوفه من تعرض البرازيل إلى «إبادة» بسبب معارضة الرئيس لإجراءات الحد من تفشي فيروس كورونا المستجد.

وقال لولا في مقابلة أجراها قبل أيام مع وكالة «فرانس برس» عبر الفيديو، إنه يؤيد عزل الرئيس بولسونارو، لكنه عبّر عن قلقه من هيمنة العسكريين الذي يتمتعون «بنفوذ في الحكومة أكبر» من نفوذهم في عهد الحكم الديكتاتوري (1964-1985).

يرى لولا أن بولسونارو ارتكب أخطاء فادحة، «أضر بالديمقراطية وبالمؤسسات والشعب البرازيلي»، لكنه يعتقد أن طلب الإقالة يجب أن يقدمه كيان غير سياسي، «ليس من قِبل حزب سياسي، لتجنب إسباغ أي طابع سياسي عليه».

وبسؤاله عن دور المؤسسة العسكرية قال لولا: «كمؤسسة، الجيش ضامن لسيادتنا، يمكن للعسكريين المساهمة بشكل كبير في النظام والسلام في بلدنا، لكن لا يمكنهم الانحياز لأي طرف.. حزبهم هو البرازيل.. لكن هنا نرى بولسونارو يضع العسكريين في مناصب عديدة..  اليوم هناك عسكريون أكثر من المدنيين في القصر الرئاسي.. العسكريون يتولون القيادة، وبلدنا ليس ثكنة عسكرية يجب أن يحكم بأكبر قدر ممكن من الديموقراطية. العسكريون لا يعرفون بالضرورة كيف يديرون الديموقراطية».

وعن الدور الذي لعبه العسكريون لدعم الرئيس الحالي قال لولا: «أعتقد أن لديهم حصة كبيرة في عملية اتخاذ القرارات من قبل بولسونارو. في كل مرة يقول أمرًا غبيًا، يحيط به العسكريون في اليوم التالي.. إذا أجرى وزير الصحة مقابلة، يكون هناك جنرال إلى جانبه.. العسكريون لديهم نفوذ في الحكومة اليوم أكثر من عهد الديكتاتورية عندما كان الجنرالات رؤساء».

وأشار لولا إلى أنه مستمر، ومن خلفه حزب «العمال» وتحالف اليسار والحركات الاجتماعية والنقابية، في معارضة الرئيس الذي «[يعوزه] التحضر إلى هذا الحد».

هناك مَن يرى أن تجربة التحول الديمقراطي في البرازيل تتعرض لهزة قوية، والبعض يرى أن ما تمر به أكبر دول أمريكا الجنوبية هي ردة على مسار الديمقراطية الحديثة التي تأسست عبر عقود من النضال، لكن الشواهد الحالية. وما يجري في الدولة اللاتينية، يكشف عن أن الشعب البرازيلي مدعومًا بالعديد من مؤسسات الحكم لا يزال متمسكًا بالمسار الذي دفعت البرازيل ثمنًا غاليًا لتصل إليه.

نوازع الرئيس اليميني، بل وقراراته، اصطدمت بثقافة التي ترسخت لدى الأفراد وجماعات الضغط من أحزاب ونقابات مهنية وعمالية ومؤسسات تشكلت خلال التجربة الديمقراطية، فهناك وزراء يستقيلون لتدخل بولسونارو في عملهم، وقضاء يسمح بفتح تحقيق معه ومع أولاده، وجيش يرفض محاولات استدعائه، وإعلام مستقل ينقل ويحلل ويفند، ومعارضة تقف بالمرصاد وتقدم بدائل وحلول، ومؤسسة عسكرية تعلن رفضها لدعوات حَلّ المؤسسات وتنحاز إلى الديمقراطية واستقلال السلطات وحرية الصحافة.

التجربة التي تطورت ونضجت تدريجيًا ونجحت في التخلص من الحكم العسكري ورسخت ثقافة وممارسات، ليست بالهشاشة التي قد تمكن رئيس استثنائي عابر مثل بولسوناور من الانقلاب عليها، فيعيد فرض آليات القمع والاستبداد مرة أخرى، قد تتعثر التجربة أو تهتز لكنها لن تنهار، فالدرس الذي شرحه الرئيس الأسبق كاردوزو لا يزال ماثلًا في عقول وقلوب البرازيليين الذين يعانون من تبعات الاستبداد والحكم العسكري.

لا يزال أمامنا في المنطقة مشوار طويل حتى نصل إلى بداية الطريق الذي خاضته البرازيل، فتجربة التحول الديمقراطي الموؤدة بعد انتفاضات الربيع العربي وحدت بين مؤسسات السلطة من حكومة ومؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية ضد أي طموح شعبي نحو قيام حكم رشيد بعد أن أدركت هذه المؤسسات خلال سنوات المخاض الديمقراطي السابقة أنها ستخسر إذا حكم الشعب. 

لذلك حرصت السلطة على تفكيك أي محاولة لظهور مناخ سياسي يسمح بتشكل أي بديل، فقطعت الطريق على ظهور أي كيان حزبي أو نقابي فاعل وشطبت فكرة حرية التعبير والإعلام من قاموس الحكم.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن