أشعار الحجر الصحي في إيران

صور ورسوم توضيحية: كُولرخ نفيسي

الحجر الصحي وعيد النوروز

تزامن الحجر الصحي المنزلي الذي فرضه انتشار «كورونا» في مُدن إيران مع عطلة عيد النوروز 2020. ولأنه يواكب الاعتدال الربيعي في نصف الكرة الشمالي، يُعد عيد النوروز احتفالًا بعودة الحياة، عقب الشتاء الذي يسبب موت الطبيعة على نحو رمزي.

يحتفل الإيرانيون، وبعض الشعوب الأخرى، بعيد النوروز، باعتباره بداية العام الجديد. بالنسبة للإيرانيين، يتواصل أفراد العائلة والأصدقاء والجيران في العيد، الذي يشهد تجمعات كبيرة واحتفالات وتقاسم الطعام. ومع ذلك، فإن العدد المتزايد للوفيات الناجمة عن الفيروس قد منع هذه الاحتفالات، وجعل التجمع مستحيلًا.

خلال الأيام السابقة لحلول النوروز، ومع عودة الطبيعة بكامل قوتها، عادة ما تشهد الأسواق أكثر أيامها ازدحامًا، خاصة في المُدن التي تحتفل بالعيد رسميًا. ولكن في ظل انتشار كورونا، تراجع عدد المترددين على الأسواق والمحال التجارية، ما أدى إلى ركود غير مسبوق.

مع التباعد الاجتماعي الحتمي، فقدت جميع مظاهر النوروز معناها، لأن قيمته الحقيقية تكمن في التجمعات العائلية وتلاقي الأصدقاء. في مواجهة كل هذا، بدأ كل فرد يسأل نفسه، هل أتى الربيع حقًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل هناك سبب للاحتفال بلحظة انبعاث الطبيعة؟ هل من المناسب إحياء هذا العيد الذي لا يشبه أعياد النوروز السابقة على الإطلاق؟

نوافذ الحجر الصحي

بدأت كتابات على القماش في الظهور على بعض النوافذ والشرفات ومداخل المنازل والمباني في طهران، وهي أبيات من الشعر الفارسي الكلاسيكي المتعلق بالربيع والنوروز. شوهد معظمها في أحياء وسط طهران، وأيضًا غربي مدينة شهري اكباتان، بينما شوهد عدد قليل منها في مدن أخرى، مثل أصفهان. كانت اللافتات مكتوبة بخط اليد وبألوان مختلفة على الأقمشة وبعض الخامات الأخرى.

رؤية اللافتات والأعلام على المداخل أو النوافذ مشهد مألوف في الثقافة الإيرانية. عندما يعود الحجيج من الحج، على سبيل المثال، تظهر لافتات تحية على أبواب المنازل. في بعض الأعياد أو مناسبات الحداد، يعلق الناس لافتات أو أعلام في نوافذهم أو على حوائط منازلهم. تدل اللافتات على رغبة الأسرة في مشاركتها بالاحتفال بحدث بعينه، وتدعو الآخرين للانضمام إليها. وعلى سبيل المثال، تنطوي لافتة ترحيبية بالحاج على دعوة الآخرين لمقابلة الحاج أو حضور «الوليمة» (وهي تجمع يستضيف فيه الحاج الناس للإعلان عن قيامه برحلة الحج الاحتفال بها)، على الرغم من عدم وجود تجمعات كبيرة في المدن الحضرية الحديثة. وبالمثل، فإن معظم المنازل التي تعلق نمطًا معينًا من اللافتات السوداء خلال فترات الحداد، مثل «عاشوراء»، تعلن عن استعدادها لاستضافة وإطعام جيرانها لإحياء هذه المناسبة.

على الرغم من انبثاق اللافتات من تقاليد عميقة الجذور، إلا أن اللافتات التي تظهر على نوافذ ومداخل المنازل في الوقت الراهن، كشفت عن إبداعات مُبتكرة.

أولًا، جرى تعليق معظمها في النوافذ والشرفات، ونسبة قليلة في المداخل. في الثقافة الإيرانية، يُعتبر التحديق في نوافذ الناس أو الشرفات أمرًا مستهجنًا. ومع ذلك، خلال أيام الحجر الصحي، تدعو لافتات النوروز الجيران والمارة بشكل صريح للنظر إلى النوافذ.

عادة ما تُطبع اللافتات والأعلام التقليدية بشكل آلي من عند خطاطين أو عمال تطريز مهرة، وتُباع في أقسام معينة من المحال تجارية. لكن لافتات النوروز التي ظهرت [في الحجر الصحي] على النوافذ كتبها سُكّان البيوت. وهي مصنوعة من أنواع الأقمشة التي يمكن العثور عليها في كل منزل، مثل ملاءات الأسرة القديمة، ومفارش المائدة، وما إلى ذلك. وكانت النتيجة تنوعًا في التصميم والكتابة اليدوية والخلفيات.

إن مشاهدة لافتات النوروز تعيد إلى الأذهان مشهد الملابس وأغطية الأسرة المنشورة على حبال الغسيل في الشرفات المُطلة على الشوارع، وهو مشهد بدأ يتراجع في الوقت الراهن. لقد أسهمت الحياة الحضرية الحديثة في اختفاء مثل هذه المشاهد، خاصة في أحياء الطبقة العليا، حيث يُعتقد بضرورة عدم عرض هذه الأشياء الحميمة في الخارج.

شِعر من النوافذ

يلعب الشعر الكلاسيكي دورًا خاصًا في النوروز لدى المتحدثين بالفارسية. عقب نهاية العام، يتجمع الناس حول الموائد ويفتحون «ديوان حافظ» [ديوان الشاعر خواجه شمس‌ ‌الدین محمد حافظ شیرازی]‎ بشكل عشوائي ويقرؤون أي قصيدة تصادفهم، إذ يعتقدون أن القصيدة تكشف بشكل رمزي عن أحداث العام الجديد -نوع من كشف الغيب باستخدام الشعر.

يؤمن الشيعة أيضًا بتأويل النصوص المقدسة، كما أن دواوين شعراء فارس العظماء مليئة بآيات القرآن والمواقف التاريخية الإسلامية. بالنسبة للمتحدثين بالفارسية، لا يختلف «ديوان حافظ» عن النصوص المقدسة. يعتقدون أنه يمكن تأويل أشعار حافظ لتناسب الحياة المعاصرة، ما يقدم لهم استبطانًا للعام الجديد. يتأملون الأبيات الشعرية ويحاولون إيجاد إجابات لأسئلتهم.

تحولات الطبيعة والدائرة الأبدية للحياة والموت هي مفاهيم محورية في الشعر الفارسي. وفي عيد النوروز الراهن، وفي ظل الموت الذي يلوح في الأفق، يبحث الناس عن معنى الربيع في القصائد.

تتحدث معظم القصائد المكتوبة في اللافتات عن الربيع الذي شق طريقه عبر كافة الكوارث والمحن. إنهم يرسمون صورة لقوة الحياة، في محاولة لفرض حضورها الطاغي في مواجهة أي كارثة عابرة. هذه هي فلسفة الشعر الفارسي عن الحياة والطبيعة الأبدية.

من منزل الحبيب يهب نسيم النوروز، إذا سألت هذا النسيم عليك أن تشعل جذوة القلب

«من منزل الحبيب يهب نسيم النوروز، إذا سألت هذا النسيم عليك أن تشعل جذوة القلب»، هو بيت شعر من أشعار حافظ ربما سيعرفه أي متحدث بالفارسية على الفور عندما يراه على لافتات معلقة. أصبح القلب باردًا، وإذا حصلت فقط على مساعدة من نسيم النوروز، فستتمكن من إشعال جذوة ناره مرة أخرى. ليس النوروز ونسيمه هما ما يجلبا الحياة، ولكن النسيم الذي يهب من منزل الحبيب. يتحدى الشاعر الارتجال المتهور للربيع ويطرح مفهومًا مبتكرًا لقدومه.

كيف حال المرج، يا ريح الربيع؟ فتغريد طيور العندليب ينم عن التململ

«كيف حال المرج، يا ريح الربيع؟ فتغريد طيور العندليب ينم عن التململ» هو بيت شعر مكتوب على لافتة أخرى، من أشعار سعدي الشيرازي. يسأل الشاعر ريح الربيع عن حال المروج. نظرًا لعدم وجود علامة على بوادر الربيع من حوله، فإنه يطلب من الرياح تزويده بأخبار عن الأماكن التي وصل إليها الربيع بالفعل. يتحدث الشاعر عن عذاب العندليب، كونه بعيدًا عن الحدائق ولا يتنفس في هواء ربيع الحقيقي.

سيأتي ويذهب مائة ربيع ولن أخرج من منزلي، أخشى أن تصل وأنا لستُ موجودًا

«سيأتي ويذهب مائة ربيع ولن أخرج من منزلي، أخشى أن تصل وأنا لستُ موجودًا»، بيت شعر للشاعر وحشي البافقي، وهو يتسم بمسحة من السخرية. الربيع هو أفضل وقت للتنزه والتجمعات. ويستعين كاتب هذه اللافتة بالمفارقة الساخرة في البيت الشعري ليدعو الناس إلى البقاء في المنزل أثناء الحجر الصحي. كما يستخدم هذه المناسبة المؤسفة، على نحو مثير للاهتمام، من أجل التعبير عن المشاعر ونشر المحبة.

من المؤسف أن يظل القلب النبيل مفطورًا في النوروز


«من المؤسف أن يظل القلب النبيل مفطورًا في النوروز»، هو بيت شعر للشاعر الكبير محمد تقي بحر، وهو تعبير أكثر معاصرة عن المحنة، مكتوب على لافتة أخرى. يُعبّر الشاعر عن هيمنة وجع القلب، والتي لا يجب أن يعاني منها قلب نبيل. بالنسبة للإيرانيين، الشهامة هي سمة أساسية من سمات الإمام الحسين، الذي اتسم بسمات النبلاء ولم يستسلم للقسوة. في العديد من النصوص والأغاني المحلية في النوروز، وفي مناطق مختلفة من إيران، تقترن أغاني حلول الربيع بذكر أئمة الشيعة. في الأدب الفارسي، تشير سمات النبل والشهامة إلى أولئك الذين يحررون أنفسهم من الاحتياجات الدنيوية. وتنطوي هذه السمات على دلالة سياسية قوية، أبرزها هو تحرير الذات من أي ولاء للسلطة. في هذا البيت الشعري، يعتبر الشاعر الاستسلام للحزن وصمة عار تنافي الرغبة في التحرر، تزامنًا مع إعادة بعث الطبيعة.

صبري لا يزال في قوة رغبتي

هذه لافتة أخرى كُتب عليها: «صبري لا يزال في قوة رغبتي»، وهو بيت شعر للشاعر هوشانغ ابتهاج. تؤكد الرسالة على الالتزام بالحجر الصحي وعدم خرقه. إن الرغبة هي الأمل في الفعل الذي ينبع من أمنية قوية، في حين يُعتبر الصبر رد فعل على حدث لا يُحتمل. البقاء في الحجر الصحي أمر محبط على نحو لا يمكن تصوره ويحتاج إلى صبر شديد. غالبًا ما تتجاوز الرغبات قدراتنا الحقيقية. يجب أن يستمر الصبر وعلى الرغبة أن تتدبر ما لا يمكن تصوره. تقترح القصيدة شيئًا مفيدًا حول الصبر: إعادة التفكير في الرغبات.

تعرض بعض اللافتات عبارات بسيطة مثل: «لقد حل الربيع»، و«سنة جديدة سعيدة، يا جاري».

لقد ظهرت لافتة «سنة جديدة سعيدة، يا جاري» في إحدى نوافذ مدينة شهري اكباتان، وهي واحدة من أقدم المدن وأكثرها كثافة سكانية في إيران، ما يعني أنها تواجه أكبر عدد يمكن تخيله من النوافذ. ربما ترغب كافة اللافتات المكتوبة الأخرى في أن تحتل مكان هذه اللافتة، وأن تنقل نفس رسالتها ببساطة.

عشية فرض التباعد الاجتماعي الراهن، أصبحت النافذة هي الوسيلة الوحيدة للتحدث مع جار، ربما لم تتحدث إليه من قبل. يبدو وكأن كاتب اللافتة ينادي الجار قائلًا: «أنا هنا في بيتي، أتوق إلى التحرر مرة أخرى، وأنا متأكد من أن لديك نفس الشعور. نتوق نحن الاثنين إلى أن نلتقي ونتحرر مرة أخرى».

Read in English
 
 
اعلان
 
 
أحمد علي كديور 
 
 
More from Panorama