يوميات طبيب في مهمة «عزل»: تخبط وضغوط ومطالبات
 
 

كانت حالة مستشفى الشيخ زايد العام بحي منشية ناصر والذي حول لمستشفى عزل أشبه بمكان قد تعرض لغارة جوية في مساء الأربعاء 8 أبريل عند انضمام الطبيب الذي تحدث إلى «مدى مصر» إلى فريق العزل الخاص به: أكياس وقمامة وملابس ملقاة على الأرض وبعض الأجهزة مفقودة ومتعلقات الأطباء ملقاة بشكل عشوائي ولا يوجد عمال نظافة أو أمن.

ومع اليوم التالي، بدأ وصول فريق طوارئ الوزارة من أطباء وممرضين ووصل عدد حالات المصابين بـ«كورونا» إلى 12 حالة. وعندما طلب أحد الممرضين طعامًا من المدير، كان الرد بعدم وجود طعام للممرضين أو الأطباء أو المرضى بسبب مغادرة موظفي المطبخ والتغذية، ليقوم المدير بشراء 50 رغيف خبز وجبن على حسابه ويوزعها على الجميع.

بحسب الطبيب، الذي فضل عدم ذكر اسمه، كان هناك نقص في وسائل الحماية في بداية العمل، ما اضطره للكشف على الحالة دون وجود ماسك «N95» أو النظارة الواقية، كان يعرف أن ذلك غير آمن وأنه يرتكب خطأ، ولكن هذا ما اضطرته الظروف له. ومع يوم الجمعة توفرت وسائل الحماية المطلوبة واكتملت الأطقم الطبية وأفراد الأمن والتغذية، ووصل عدد الحالات المصابة بالفيروس في المستشفى لأكثر من 30 حالة.

كان فريق العزل في المستشفى مكونًا من ثلاثة أقسام: الأول من القوة الاساسية للمستشفى والثاني المتعاقد مع طوارئ المستشفى، والثالث هم المنتدبون من جامعة الأزهر والذين كانوا مجبرين على الانضمام لفريق العزل، وهو ما قابله بعضهم بافتعال المشاكل و«البلطجة وعدم العمل» فيما أدى البعض منهم واجبه بشكل جيد، بحسب الطبيب. واستغل بعض الأطباء الموقف ليطلبوا بعض الأشياء كشروط مسبقة للعمل مثل إحضار مراتب نوم ومخدات وبطاطين جديدة ومياه معدنية. وهي الطلبات التي استجابت لها الوزارة، مما دفعهم للمطالبة بتليفزيون وثلاجة وسخان كهربائي في كل غرفة من سكن الأطباء، ولكن هذه المرة لم تستجب الوزارة.

استلم فريق العزل العمل بالمستشفى بعد مفارقات يمكن وصفها بأنها غريبة. في عملية أمنية مفاجئة يوم 6 أبريل في الساعة 11 مساءً أثناء حظر التجوال، بحسب الطبيب، جرى إخلاء المستشفى بشكل عاجل من المرضى والممرضين وأطباء النبطشية بعد أن تم حصار المبنى. غادر بعض الأطباء والطبيبات المستشفى أثناء حظر التجوال بسياراتهم أو سيارات زملائهم في ارتباك واضح، فيما انتظر آخرون للصباح حتى يغادروا، وذلك بعد أن اشترط عليهم تسليم بطاقاتهم الشخصية للشرطة. هكذا يروي الطبيب الذي فضل عدم ذكر اسمه عملية تحويل المستشفى لأحد مستشفيات الحجر الصحي لمرضى فيروس كورونا المستجد.

سبق إجراءات الإخلاء، أن حضرت لجنة من مستشفى القصر العيني في يوم الخميس 2 أبريل، بعد قرار تحويل «زايد» لمستشفى عزل صحي لأعضاء وموظفي وطلاب جامعة القاهرة، وذلك بحسب بيان صادر عن الجامعة نص على تتولى جامعة القاهرة  الإدارة الطبية لـ «زايد» أثناء استخدامها كمستشفى عزل لأعضاء الجامعة. طالبت اللجنة ادارة المستشفى بإعداد تقارير للحالات الموجودة بالمستشفى تمهيدًا لإجلائها، ثم فوجئ الجميع صباح يوم الإثنين 6 أبريل بمساعد وزيرة الصحة ومساعد وزير الداخلية وعميد من الأمن الوطني وقوات الأمن المركزي  يحضرون إلى المستشفى، ويطالبون بإخلائه فورًا، وهو ما قابله بعض مرضى غسيل الكلى ومرافقيهم ومرضى بالأقسام الأخرى إلى جانب الأطباء والممرضين بالتظاهر داخل المستشفى رفضًا للقرار. وعلى إثر ذلك رحلت قوات الشرطة، وفي المساء أعلن عضو مجلس النواب عن منشية ناصر، هاني مرجان إلغاء القرار، لكن قوات الأمن عادت في نفس اليوم الساعة 11 مساءً لتنفيذ القرار، بحسب الطبيب.

ومع يوم الأربعاء 8 أبريل، تسلمت جامعة القاهرة مستشفى زايد المخصصة لمصابي جامعة القاهرة فقط، ولكن عند إرسال وزارة الصحة لأربع حالات مصابة لمواطنين، ترك فريق جامعة القاهرة  المستشفى ورحل، لتطلب وزارة الصحة من مدير المستشفى العودة واستلام إدارة المستشفى، مما تسبب في حدوث حالة من الارتباك بين العاملين في المستشفى، بحسب الطبيب.

يحكي الطبيب أنه بمجرد تكوين فريق العزل بعد انسحاب فريق جامعة القاهرة الطبي من المستشفى، كان سلوك الأطباء ينقسم إلى مجموعتين، إحداهما تعاهد الأطباء بها على البقاء بالمستشفى حتى خروج آخر مريض، وكانوا يعملون بشكل شبه انتحاري. فيما ضمت المجموعة الأخرى الأطباء المتخوفين من العدوى، مما انعكس على طريقة عمل غير مكترثة بالمرضى، حسب الطبيب.

مستحقات الأطباء كانت هي موضوع الحديث الدائم بين أعضاء الفريق، بحسب الطبيب، فبعد الإعلان عن حصول كل طبيب على 20 ألف جنيه مقابل العمل بالحجر لـ 14 يومًا، كانت هناك أخبار مغايرة بأن المبلغ سوف ينخفض لتسعة آلاف جنيه وأخرى بانخفاضه لخمسة آلاف جنيه. ومع تضارب الأخبار حول المستحقات، وعدم استلامها، أنشأ الأطباء الذين لم يحصلوا على مستحقاتهم في مستشفيات عزل مختلفة مجموعة على الواتس آب وبعثوا شكاوى للنقابة والوزارة ورئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية. وطالبت نقابة الأطباء مجلس الوزراء بضرورة صرف مستحقات أطباء العزل، يوم 16 أبريل.

اجتمعت وزيرة الصحة مع مديري أربعة مستشفيات، يوم الإثنين، 13 أبريل، عبر الفيديوكونفرنس، وكان بصحبة كل مدير ستة أطباء من فريقه،بحسب الطبيب الذي حضر اللقاء. بدأت الوزيرة اللقاء بتوجيه التحية لـ«جيش مصر الأبيض»، ووعدت مديري المستشفيات بتوفير النواقص. وعند مطالبة مدير مستشفى الشيخ زايد بمستحقات فريق العزل، كان رد الوزيرة محاضرة عن عظمة دور الأطباء والحرب التي تخوضها الدولة، وظروف البلد الصعبة، وأن هناك من فقدوا وظائفهم، مؤكدة أن المهم هو التقدير المعنوي وأن الدول العظمى تعاني الآن. كما أكدت بالوقت نفسه وجود مستحقات للأطباء ولكنها لن تصل لـ 20 ألف جنيه مثل مستحقات مستشفى النجيلة (والتي كانت أول مستشفيات العزل على مستوى الجمهورية وكانت في محافظة مطروح) لأنها كانت في «مهمة قتالية محددة» حسب وصفها، ولكن مع استمرار الحرب، فسوف تقل المستحقات ولكنها لم تحدد مبلغا محددًا. وأضافت الوزيرة بالنهاية أن المبالغ التي سوف تنقص من مستحقات الأطباء سوف تفتح بيوتًا أخرى.

 حددت وزارة الصحة المكافأة المخصصة لأطباء الوزارة العاملين بـ«العزل» بحد أقصى عشرة  آلاف جنيه وأدنى خمسة آلاف على أن تصرف طبقًا للدرجة الوظيفية عن فترة عمل بالعزل أسبوعين، وعندما أبدى الأطباء تذمرهم كان الرد بالإعلان عن مبلغ إضافي من صندوق «تحيا مصر»، ولكن دون تحديد هذا المبلغ أو موعد استحقاقه، فكان رد فعل الأطباء هو عمل هاشتاج حقوق أطباء العزل وأنهم لن يشاركوا مرة أخرى في فرق العزل، بحسب الطبيب

على الجانب الآخر، تحمل حكايات المرضى كما يرويها الطبيب من داخل المستشفى انعكاسات الضغط النفسي للمرض على المرضى والطواقم الطبية، فهناك الزوجة التي أصيبت هي وأبنائها الثلاثة جراء مخالطتهم لزوجها، وعند شفاء الزوج واستعداده للمغادرة، تشاجرت معه باعتباره السبب وأنه سوف يغادر ويتركهم في العزل. وهناك المريض الذي أراد الخروج من غرفته وعندما حاول التمريض إعادته لغرفته لأن الخروج ممنوع، أصابته حالة هياج وخلع القناع وبدأ يبصق في الممر وعلى التمريض حتى يصابوا بالفيروس. وهناك المريضة التي أخذت تركض في الممر وابتعد عنها الجميع لأنهم لا يرتدون زي الوقاية حتى استطاع أحد الأطباء المرتدي لقناع من السيطرة عليها ثم إعطاؤها مهدئ للسيطرة عليها. وهناك الطفلة ذات الثمان سنوات المحتجزة مع شقيقتها، والتي كانت منهارة في البكاء لأن والدتها قد ماتت بسبب «كورونا». وهناك المريض الذي فوجيء به الطبيب وهو يدخن السجائر داخل الغرفة قائلًا إنه سليم على الرغم من أن نتائج تحليله جاءت إيجابية.

انتهت الأيام الـ 14 بسلام على الطبيب. خرج آمنا، ولكن أصيب أحد الممرضين في الفريق بالفيروس وتم احتجازه، ولا يزال ينتظر الاثنان مستحقاتهما المادية.

اعلان
 
 
محمد يحيى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن