صحافة مصر ترتدي كمامة قبل الوباء

في السنوات التي سبقت ثورة 25 يناير 2011، كان أبناء صاحبة الجلالة يشتكون من ضيق هامش الحرية الصحافة، ورغم اشتباك صحف حزبية وخاصة وبرامج «توك شو» مع ملفات التعذيب وتزوير الانتخابات ومحاولات رئيس الجمهورية، وقتها، حسني مبارك توريث الحكم لنجله جمال، ألا أن الصحفيين والإعلاميين والسياسيين المعارضين كانوا يطالبون برفع يد الأجهزة الأمنية عن الإعلام ويدفعون في اتجاه إزالة كل القيود التي كانت تحد من استقلاله.

جاءت الثورة وأصبحت الصحافة بلا سقف تقريبًا، تمكّن الإعلام من التعبير عن مطالب الشعب، بل وإجبار السلطة على الاستجابة لها، حتى عندما وصلت جماعة «الإخوان» إلى السلطة، ورغم أنها لم تكن تؤمن بحرية الصحافة والإعلام، وكان مرشدها يرى في الإعلاميين أنهم «سحرة فرعون»، فلم تستطع خفض سقف حرية الصحافة، ولم تنجح مساعي مكتب إرشادها في فرض الوصاية على المؤسسات الصحفية.

فشلت الجماعة حينها في إخضاع الإعلام، ومارست الصحافة دورها الطبيعي في الرقابة على مؤسسات الحكم، تكشف للمواطن ما يدور في الكواليس، وتنتقد أداء المسئولين أيًا كان موقعهم بلا خوف أو محاباة، فأصبح الشعب هو المستفيد الأول من حرية الإعلام، فلم تعد السلطة قادرة على الانفراد باتخاذ القرارات وفرضها على الناس رغم إرادتهم.

عندما أصدر الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي عصر 6 ديسمبر 2012 القرار بقانون رقم 102 لسنة 2012، برفع قيمة الضرائب على بعض السلع وعلى رأسها «السجائر والمعسل»، وفي المساء أطلق الإعلام عاصفة قوية تنتقد القرار. ونُصبت المحاكم على شاشات الفضائيات وصفحات الطبعة الأولى من صُحف القاهرة، محذرة مرسي وإخوانه من «غضبة أصحاب الكيف»، وطالبته بعدم الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي على حساب «مزاج الغلابة»، وقبل شروق شمس اليوم التالي كانت الرئاسة قد أصدرت بيانًا تسحب فيه القرار بقانون.

بعد تلك الواقعة بشهور سقط نظام الإخوان وزال حكمهم وعاد قادتهم إلى السجون، ومع تأسيس نظام حكم جديد على أنقاض حكم الجماعة، هرول العديد من رموز العمل الصحفي والإعلامي ليقدموا فروض الولاء والطاعة إلى قادة النظام الجديد، إما طمعًا في ذهب المعز أو خوفًا من سيفه، «بعضهم دفعه الخوف من عودة الإخوان إلى السلطة مرة أخرى إلى الاستماتة في الدفاع عن الاستبداد وتبرير خنق حرية الرأي والتعبير».

ومع مرور عامين على سقوط حكم الجماعة، وبعد تولي الرئيس الجديد مهام منصبه، أُعيد صبّ سقف البيت الإعلامي، وفُرض على المؤسسات الصحفية والإعلامية نوعًا من الوصاية والرقابة اللاحقة، واتقى رؤساء تحرير الصحف والقنوات الفضائية شر «مكالمات اللوم والتهديد»، ففرضوا نوعًا من الرقابة الداخلية على المحتوى الصحفي الذي تقدمه منصاتهم إلى الجمهور، فصار هو والمسخ سواء.

غابت الانفرادات الصحفية عن صفحات الجرائد، ووُضعت خطوط حمراء على العديد من القضايا التي تهم الرأي العام، وتوارت اللقاءات التلفزيونية الساخنة عن الشاشات، واختفى عدد كبير من مُقدِمي برامج  الـ«توك شو» الذين قاوموا محاولات الإخضاع المستمرة.

الأزمة التي صاحبت توقيع الحكومة المصرية اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية والتي بمقتضاها تنازلت القاهرة عن جزيرتي تيران وصنافير إلى الرياض، وما تبعها من احتجاجات ومظاهرات، كانت نقطة فاصلة في مسيرة حرية واستقلال الصحافة.

كانت هناك قناعة داخل دوائر السلطة أنه لو تُرك الإعلام يمارس دوره الطبيعي في نقد الاتفاقية وتغطية الاحتجاجات الرافضة لها، فسينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه نظامي مبارك والإخوان، وعليه قررت تلك الدوائر تأميم المهنة بالمعنى الحرفي للكلمة، وكانت إشارة البدء في عملية «التأميم والإخضاع» كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في جلسة الحوار المجتمعي الشهير «محدش يتكلم في الموضوع ده تاني».

بعد تلك الجلسة بأيام، وإثر استمرار مظاهر الاحتجاج أمام نقابة الصحفيين وتغطية الصحف والقنوات الخاصة لتلك الاحتجاجات الرافضة للتنازل عن «تيران وصنافير»، اقتحمت قوات الأمن مقر النقابة في أول مايو 2016، بدعوى إلقاء القبض على المتهمين الهاربين زميلينا عمرو بدر ومحمود السقا، وللمفارقة حفظت النيابة التحقيقات في تلك القضية في أبريل 2018.

تصاعدت الأزمة بين الجماعة الصحفية من جهة ومؤسسات السلطة الحاكمة من جهة بعد إعلان الجمعية العمومية لـ«الصحفيين» عن غضبتها، وإصرارها على أن يقدم رئيس الجمهورية اعتذارًا واضحًا عن جريمة اقتحام بيت الصحفيين، ومطالبتها بإقالة وزير الداخلية مجدي عبد الغفار.

مثّلت واقعة اقتحام النقابة بداية مرحلة جديدة من «السيطرة والتحكم» على منصات الإعلام، فبدلًا من «مكالمات اللوم والتهديد» اللاحقة للنشر، بدأت مرحلة الرقابة السابقة للنشر، وأصبحت «بروفات» الصحف تُراجع قبل دخولها إلى المطبعة، لتُرفع منها المقالات والأخبار والتقارير التي لا يرضى عنها الرقيب، أما الأجندة التحريرية وتعليمات «ما يُنشر وما لا يُنشر» فترسل إلى رؤساء التحرير على «جروب واتساب» كل صباح، حتى لا يكون هناك مساحة للاجتهاد.

وبالتوازي، أُسست شركات إعلامية تابعة لأجهزة حكومية، تمكنت خلال وقت قصير من شراء معظم المنصات الصحفية والإعلامية والإعلانية، ومَن لم يقبَل ببيع مؤسساته، أو العمل تحت السقف المحدد حُجب، ووصلنا مع الوقت إلى صحافة «المانشيت الواحد» و«التقرير المنسوخ الموزع عبر جهاز سامسونج»، والـ«سكريبت الموحد» للبرامج الحوارية التي لا يتحدث فيها إلا الضيوف «المرضي عنهم».

وانتهى الأمر بأن لبست صحافتنا الكمامة، بتعبير الكاتب الصحفي أنور الهواري الذي نشر تدوينة على صفحته في «فيسبوك» قبل أيام قال فيها: «صحافتنا لابسة كمامة إجباري من 2013 إلى 2020م، تتنفس بصعوبة، وتتكلم بصعوبة، وتري بصعوبة، وسمعها ثقيل، وقلبها منهك، وضميرها مجروح، وأطرافها مثقلة، وممنوعة من الحركة، وحبيسة الحجر الصحي لا تغادره، وعلى وشك الدخول إلى العناية المركزة».

وختم الهواري تدوينته بـ «وباء الديكتاتورية يحاصر صحافتنا من كل جانب، وهي لا تدري متى الخلاص ولا أين المفر؟».

تدوينة الهواري واحدة من آلاف التدوينات التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، مُطالبة النظام المصري برفع الحصار عن حرية الرأي والتعبير، والكف عن تلجيم وسائل الإعلام، وإخلاء سبيل عشرات الصحفيين الذين زُجّ بهم في السجون فقط لأنهم أصحاب رأي مخالف لتوجهات السلطة.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» اختارت هذا العام شعار «صحافة بلا خوف ولا محاباة» لإحياء ذكرى يوم الصحافة العالمي الذي حلّ هذا العام في ظل انتشار فيروس «كورونا» وما تبعه من إجراءات، مذكرة الجميع بأن الصحافة هي التي تقدم الترياق المضاد للأباطيل والشائعات بما تبثه وتنشره من أنباء وتحليلات علمية مؤكدة ومدعومة بالوقائع.

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، خلال حوار افتراضي نظمته اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إن «ترياق أو علاج وباء المعلومات المضللة يعتمد على الإعلام الحر والصحافة المستقلة، ومتجذر في عقيدة أساسية وهي: صحافة بلا خوف أو محاباة».

وأضاف جوتيريش في مداخلته إن العالم يحتفل اليوم بحرية الصحافة للتركيز على حرية الإعلام وحماية الصحفيين الذين يسلطون الضوء بانتظام على الفساد والمحسوبية وانتهاكات حقوق الإنسان والتطهير العرقي والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع، «هذه التقارير حاسمة في السعي إلى تحقيق العدالة وإرساء الأُسس لمزيد من التحقيقات المفصّلة التي قد تؤدي إلى محاكمات».

ولخص الأمين العام رسالته إلى الأنظمة والمجتمعات، مُذكرًا بأن حرية الصحافة هي حجر الزاوية في العلاقة بين الناس ومؤسساتهم «عندما يتعرّض الصحفيون للاعتداء، فإن المجتمع بأسره يدفع الثمن، لا يمكن لأي ديمقراطية أن تعمل بدون حرية صحافة».

قبل أيام من إحياء اليوم العالمي لحرية الصحافة، أصدرت منظمة «مراسلون بلا حدود» تقريرها السنوي عن حرية الصحافة، والذى يرصد أوضاع الصحافة فى 180 دولة حول العالم، وتراجعت مصر وفقًا للتقرير ثلاثة مراكز عن العام الماضي وحلّت في المرتبة الـ166، لتستقر في المنطقة السوداء على خريطة حرية الصحافة العالمية.

في عام 2013، كانت «مراسلون بلا حدود» قد وضعت مصر في المركز 158 بتقريرها السنوي، وذكرت أن ترتيب مصر حينها «غير مشرف»، كان ذلك قبل أن يُفرض الحصار الكامل وتقنين الرقابة السابقة واللاحقة عبر سنّ قوانين وتشريعات وتأسيس هيئات ومجالس أُوكل إليها تنظيم عملية حصار الصحافة، وقبل أن تعمل السلطة على تأميم ما تبقى من مساحات للعمل الصحفي المستقل.

تقرير «مراسلون بلا حدود» لهذا العام وضع مصر ضمن أكثر ثلاث دول سجنًا للصحفيين فى العالم، في وقت طالبت فيه منظمة العفو الدولية السلطات المصرية بالإفراج فورًا، ودون قيد أو شرط، عن جميع الصحفيين المحتجزين لمجرد قيامهم بعملهم، أو ممارسة حقهم في حرية التعبير، والتحقيق في جميع ادعاءات الاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة للصحفيين.

وفي تقريرها الذي نشر بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة قالت «العفو الدولية» إنه يجب على السلطات المصرية وضع حد لقمعها المتواصل لوسائل الإعلام، وضمان التدفق الحر للمعلومات، وهو أمر بالغ الأهمية بشكل خاص الآن في ظل طوارئ الصحة العامة أثناء تفشي وباء فيروس «كوفيد-19».

ونشرت المنظمة في تقريرها ما قالت إنه «أدلة» على الرقابة الحكومية، والتدخل في غرف أخبار الصحفيين، وحظر المنشورات، وحجب المواقع الإلكترونية.

وقال فيليب لوثر، مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: «منذ 2016، أخضعت السلطات في مصر عشرات الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام الآخرين إلى مجموعة من الانتهاكات لمجرد قيامهم بعملهم أو التعبير عن آرائهم. فقد تم احتجاز عشرات الصحفيين بشكل تعسفي بتهم باطلة متعلقة بـ«الإرهاب»، أو تم مداهمة أماكن عملهم».

ودعت المنظمة السلطات المصرية إلى السماح للصحفيين بالقيام بعملهم دون شعور بخوف من الانتقام. وسلّط التقرير الضوء على كيفية تسارع السلطات المصرية في وصف أي انتقاد للسلطات بأنه «إساءة» لاستخدام منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وأي معلومات تتعارض مع رواية الدولة على أنها «أخبار كاذبة».

وطالب لوثر السلطة بوضع حد لجميع أشكال الرقابة والمضايقة والترهيب ضد الصحفيين، وتخفيف الخناق على وصول الجمهور إلى المعلومات.

بعد تجربة السنوات العجاف الأخيرة، وما جرى بها تواضعت مطالب العاملين في بلاط صاحبة الجلالة والمهتمين بقضايا الحقوق والحريات، وبدلًا من دعوة النظام إلى رفع السقف أو توسيع هامش الحرية، أصبح الشغل الشاغل للجميع هو الإفراج عن المحبوسين في قضايا الرأي، فالحديث عن مواربة الباب لصناعة محتوى صحفي مستقل أو ممارسة الإعلام لدوره في إخبار الناس بالحقائق صار ترفًا يمكن الاستغناء عنه في ظل وجود محتجزين خلف الأسوار لا يعلم أحد متى سيُخلى سبيلهم أو حتى متى ستُصدر لهم قرارات إحالة للمحكمة.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن