شادي حبش.. نقطة فاصلة تنتهي عندها الدائرة

«في الواقع سوف تفجع دائمًا وأبدًا.. لن تتجاوز موت مُحبّ، سوف تتعلم أن تتعايش مع هذه الخسارة. سوف تُشفى، وتبني نفسك من جديد حول محور الرحيل الذي عانيت منه.. لكنك لن تعود أنت.. لن تعود ولا يجب أن تتمنى ذلك»

إليزابيث كوبلر روس

الدبابة والفراشة

«يقولون إن رفرفة أجنحة فراشة في الهند يمكنها، مع الوقت، أن تتحوّل لإعصار قوي في البرازيل».. هكذا تكلمتُ مع شادي عن نظرية أجنحة الفراشة، في يوم من أيام سجننا الطويلة، حين أحضر مجموعة «الدبابة والفراشة» لإرنست همنجواي، وبعد قراءتها أعجب -رحمه الله- برمزية همنجواي التي استخدمها في عنوان المجموعة القصصية، حين وضع الفراشة في مواجهة الدبابة، وعلق قائلًا: «ده نفس حالي مع النظام. أنا عملت أغنية خفيفة بعبّر فيها عن رأيي في عمل فني في مواجهة دبابات ومدافع النظام اللي مبتفهمش الفن».

كان شادي أول مَنْ قابلت في زنزانة 2/2 عنبر 4 بسجن طرة تحقيق، روحه المتألقة الودودة، وابتسامته الصافية، ولمعة عينه حين يتحدث عن أعماله الفنية، كانت لافتة طوال الوقت، كان يحدثنا عن طموحاته وأحلامه عن مشاركته في الثورة، مأساتنا التي ارتبط بها جيلنا كله. عن انكساره لهزيمتها رغم سنه الصغير. عشتُ جواره ما يزيد على 16 شهرًا، أكلنا وشربنا سويًا، نمنا وحلمنا، قاومنا الاكتئاب والقهر سويًا، نجحنا أحيانًا وفشلنا كثيرًا. اتفقنا أن أعالج سنته (كُسرت من الضرب في مقر أمن الدولة)، وللأسف زاد الأمر وانتشر التسوس في أسنانه وضُروسه التي كان يتألم منها. وأنا لا أستطيع أن أساعده بدون الأدوات الطبية، وكل ما أملكه هو أن أنادي على السجان ونتشاجر معه سويًا، ليحضر لنا حقنة مسكنة للألم. كثيرًا كان شادي يوقظني من النوم لنتكلم.. فقط نتكلم. أتذكر جلساته الطويلة مع زملائنا ودراستهم بكتب التصوير والموسيقى، كان محور حديثنا الدائم عن المقاومة، عن فكرة أن تقاوم السجن، وأن نكون أفضل، رغم كل شيء.

أتذكر جيدًا تأثره بحوارتنا لدرجة أنه صمم قلادة تحمل عبارة freedom fighter، وأرسل التصميم لأصدقائه. كانت مشاعري ناحيته هي مزيد من الصداقة والإحساس بالمسؤولية الأبوية تجاهه، ربما لصغر سنه واندفاعه ونزقه أحيانًا، ربما من أجل والدته الفاضلة التي كانت توصيني عليه دائمًا حين أقابلها في الزيارة. أتذكر جيدًا رسوماته وشعاراته على جدار الزنزانة: «ربما لو لم يكن هذا الجدار ما عرفنا قيمة الضوء الطليق»، وأتذكر آخر ما كتبه وهو عنوان أغنية no time to die، للأسف يا صديقي في سجون مصر كل الوقت مُتاح للموت.

حياتنا دوائر وسجننا دوائر

لم أستوعب الصدمة بعد، وأعترف أنني غير قادر على التفكير المتوازن، ولكني أتساءل كيف بدأ كل هذا؟ من المعروف أن البداية والنهاية تكون في الخطوط المستقيمة، أما ما نحن فيه فهو دوائر ممتدة ومتداخلة (من دوائر الاشتباه إلى دوائر الإرهاب). كل شيء دائم، كل شيء دائري يعود لما بدأ، ويتداخل مع بعضه حتى التروس التي تسيِّر جنزير الدبابة العسكرية، هي أيضًا دوائر تدور ولا تتوقف حتى تدهس كل الفراشات.

تعتمد عقيدة جهاز الأمن الوطني، أمن الدولة سابقًا، بعد إعادة تأسيسه عقب ثورة يناير على توسيع قاعدة الاشتباه، لتشمل كل المصريين فكل مواطن مصري هو تهديد محتمل للنظام. واتسعت الدائرة أكثر لتستهدف جميع مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد دورها المهم في إسقاط مبارك. ولم يكتفوا بنجاحهم في وقف الأشكال التقليدية للحراك المُعارض في الشارع وحصر هذا النشاط في وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتدت آلتهم القمعية لتطارد كل صاحب رأي معارض في الفضاء الإلكتروني (الدبابة تحارب العصر ولا تستوعب التطور)، معظم متهمي نيابة أمن الدولة العليا الخاضعة لقانون الإرهاب، هم من أصحاب رأي معارض على منصات التواصل الاجتماعي، لايك أو شير أو بوست أو فيديو تعبّر فيه عن رأيك كاف لنرحب بك معنا في الدائرة.

يُعرض المتهم على النيابة عشر مرات يجدّد فيها حبسه 15 يومًا لكل مرة، ثم يعرض على غرفة المشورة التي تنظر تجديد حبسه 45 يومًا، لا تُحال قضايانا للمحاكمة، فهي مجرد مخازن أو ثلاجات، لتعطي مبررًا لاستمرار الحبس الاحتياطي، العقوبة. كلنا إرهابيون محتملون في مصر، الناس سواسية في الظلم كأسنان المشط. ولكن ما لا يراه النظام وأجهزته أن توسيع دوائر الاشتباه والتعامل بالقوة الغاشمة مع أي رأي معارض قد يحقق استقرار سطحي هش ومتوهم  لفترة بسيطة، ولكنه يترك عشرات الآلاف من المظلوميات قنابل موقوتة تنفجر في وجهه تباعًا، كلنا خسائر جانبية، collateral damage، وأعمارنا وحياتنا نفسها سبب يراه النظام ضروري من أجل بقائه، ما لم يحسبه مُقرِر اعتقال شادي منذ 26 شهرًا، أن تكون وفاته في محبسه لها كل هذا الأثر.

روحك نقطة فاصلة

رحل شادي آخذًا معه قطعة من أرواحنا وطاقتنا وقدرتنا على المقاومة، وما يهمني -وما أطرحه الآن- أن يكون شادي هو النقطة التي تنتهي عندها الدائرة، على النظام أن يعلم ويعمل على أن يكون شادي هو نهاية عصر الحبس الاحتياطي كعقوبة، والإهمال الطبي في السجون، والقمع السياسي. وأن يكون شادي هو آخر معتقل سياسي في مصر، وأن تكون وفاته هي بداية التغيير السياسي الذي تأخّر، علينا جميعًا أن ننظر للأمر من هذه الزاوية أن تكون فاجعة وفاته هي آخر أحزاننا وروحه النبيلة هي أيقونة الحرية، اتركوا الفراشات الجميلة حرة تتنفس وترفرف بأجنحتها كما تشاء.. اعلموا أن أثر الفراشة قد لا يُرى، ولكنه أثر أبدًا لا يزول.

هامش ختامي: هييّء لي يا رب، ألا أكون جبانًا لا استشعر بنعمتك إلا حين أصيب النجاة.. بل دعني أظفر بضمّة يدك في خذلاني (طاغور)

وليد شوقي

4/5/2020

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن