تدوينة: ابن موت

لما عرفت بخبر إضراب علاء عن الطعام أول حاجة خطرت في بالي أنه قرار انتحاري بلا جدوى، لكن اتضح إني كنت ساذجة. شادي علمني الدرس.

من السذاجة أن نتصور أن مسجونًا في مصر اليوم سيحسب قراراته بناءً على الجدوى. التفكير في الجدوى والفعالية يتطلب إيمانًا بوجود مستقبل ما. أما إذا كان الأفق فارغًا، فالمعادلة تصبح شديدة البساطة والقسوة: لا توجد معطيات، وأنت المُتغيِّر الوحيد.

«فى السجن: يصغر عالمك ويتضاءل حتى يمكن قياسه بالشبر.. وحده براح ذاتك يستوعبك» 

كتبها دومة من سجن «طرة تحقيق» منذ خمس سنوات. لا أعلم إذا كان براح ذاته لا يزال يستوعبه اليوم. أتمنى ذلك، لكن أشك.

بداخلي يقين أن براح ذات علاء كاد ينفذ، لذلك اتخذ القرار الأسلم، وبدأ إضرابه عن الطعام. ما قيمة سلامة الجسد والأفق مسدود؟

 «كل دفاع بنيته يومًا اكتشف الآن مدى بدائيته ووهنه، كل طاقة ادخرتها نفدت من أول ساعة، كل ذكاء طورته لم يكن كافيًا لإقناع شاويش، كل غرور ارتفعت به لم يعلُ على حذاء عسكري، كل فكرة استثمرت فيها لم تستدعِ انتباه حتى أمين شرطة، كل خيال تصورته عن نفسي أنا الآن أول الهازئين به، كل عاطفة أخلصتها للوطن لم تكن إلا مدعاة للاحتقار والتسفيه..

كل المعاني التي اجتهدت دهرًا في استخلاصها لم تصمد أمام المعاني البديلة التي اكتسبتها هنا..

هنا المعنى الحقيقي للخوف والقلق والاكتئاب والوحدة والضعف والعجز والخور والحاجة والحرمان والريبة والشك والإرهاق والملل والهم والغم والضيق والزحام والقهر واليأس والحرقه والتشوه والقبح والغربة.. للألم والحديد». 

حسن البنا مبارك

طرة تحقيق

هكذا ينفذ براح الذات، هكذا مات شادي.

تجمع أسرة وأصدقاء شادي عند مشرحة زينهم، استلموا جثمانه وذهبوا به لصحراء القاهرة الجديدة للصلاة عليه ودفنه. لم أسمع أحد يهمس: «ما سبب الوفاة؟» أو «ما المذكور في التقرير الطبي؟»  تعددت الأسباب، لكن الخلاصة واحدة: السجن يقتل، القهر يقتل.

لذلك اقتنعت بإضراب علاء، ما الضمانة على سلامة الجسد والقهر يقتل؟

يقولون إن «ابن الموت» تلتقيه على باب الرحيل، وأن الكل يعرف ذلك، يعرف أنه خلق ليموت، لكن لا أحد يجرؤ على إخباره، ما الجدوى؟ هيعيش البلوة قبل ما رحمتها تنزل معاها ليه؟

أمام المشرحة قال والد شادي: «أنا أول مرة ارتاح من سنتين، شادي ابن موت مينفعش مع البشر دي».

من قبل، كان يغضبني ذلك المصطلح كثيرًا، لماذا نمدح أحدهم بالموت؟ لكن المصائب علمتني احترام الأسطورة.

يقولون إن المصطلح جاء من الفرّاسين العرب، وكانوا يطلقونه على بعض الشخصيات التي تكون بهم صفات أسمى من صفات الدنيا، وكأن الدنيا ترفض أن يعيش عليها هؤلاء الأشخاص لأنهم لا ينتمون إليها.

لا أعلم من هم الفرّاسون العرب ولماذا ظنوا أن تلك الصفات اليافعة أقرب للموت عن الحياة، لكن لم أعد أتفاجأ.

إذا تحدثت مع أي من أصدقاء شادي سيقول لك إنه كان سيصبح فنانًا بصريًا عظيمًا، ليس فقط لموهبته لكن لأنه كان مليئًا بالطاقة، كثير الإنتاج، مدمن عمل ومهووس تقنيًا.

إذا تحدثت مع أي من أصدقاء علاء سيقول لك إنه كان سيصبح مبرمجًا عظيمًا، ليس فقط لذكائه لكن لأن لديه رؤية شمولية وبعد نظر نادر.

لا أعلم إن كان قد قدر لهما أن يصبحا عظميين في مجاليهما أم لا، لا أبالي بما كان سيحدث، ما يؤلمني هو أن الفرصة لم تسنح لهما ليحاولا.

 ضجرت من القصة المكررة حول فلان الذكي الواعد لكن الظروف لم تسمح، إنها لعنة بلدنا التي اعتدناها.

«السجن مابيموتش بس الوحدة بتموت ، أنا محتاج دعمكم عشان ماموتش. 

في السنتين اللي فاتو أنا حاولت « أقاوم»  كل اللي بيحصلي لوحدي عشان اخرج لكم نفس الشخص اللي تعرفوه بس مبقتش قادر خلاص.

محتاج لدعمكم و محتاجكم تفكروهم إني لسه محبوس وأنهم ناسيني وإني بموت بالبطئ كل يوم لمجرد إني عارف إني لوحدي قدام كل ده وإني عارف إني ليا صحاب كتير بيحبوني وخايفين يكتبوا عني أو فاكرين إني هخرج من غير دعمهم ليا …

أنا محتاجلكم ومحتاج لدعمكم أكتر من أي وقت.»

 شادي حبش

طرة تحقيق – حتى أول أمس

مات شادي.

مات شادي، وربما دفعني أن أتقبل الأسطورة؛ أن كل محاولات البحث عن المنطق، كل محاولات الإنكار او التجاهل، وكل محاولات النجاة بلا جدوى.

لكننا لا نحظى برحمة الأسطورة، لأنهم لا يكفون عن تذكيرنا أننا أولاد موت.

الحرية لهم جميعًا.. أو لمَن تبقى منهم.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن