كيف سلبني «كورونا» إحدى حواسي؟
 
 
صورة: سهير شرارة
 

تدريجيًا، بدأ عالمي خلال الأسابيع الماضية يضيق، حتى أصبحت أمكث في المنزل 97.32% من الوقت (حسبتها). فيما عدا تمشية كلبتي مرة أو اثنتين في اليوم، ورحلة التسوّق الأسبوعية من السوبر ماركت القريب من منزلي، وهي أنشطة لا يتجاوز مداها 242.28 متر (جوجل مابس حسبها) من منزلي، فإنني ألازم البيت دائمًا، فحتى العمل انتقل إليه، والاجتماعات الضرورية نقوم بها من خلال الفيديو كونفرنس.

بالنسبة للمصريين وافري الحظ، وهم أقلية، الذين لديهم اختيار العمل من المنزل، أو الذين لا يحتاجون إلى العمل من الأساس، وهم أقلّ، مضاف إليهم الطلبة الذين أغلقت مدارسهم وجامعاتهم، والمسنين المتقاعدين، والأطفال دون سن المدرسة، فإن الشكل الأبرز لتأثير فيروس كورونا على حياتهم هو تأثير حيزي، مرتبط بالمكان. حتى المجبرون على الخروج للعمل، فهم أيضًا مجبرون كالمصريين كلهم على ملازمة المنزل في ساعات حظر التجوال التي سببها انتشار الجائحة.

بالنسبة إلي، وبما أنني قررت الانعزال، وبما أنني عادة أحب البقاء في المنزل، فقد بدأت مع تطور الأزمة في الانتباه إلى التغيرات الحسّية التي أحدثتها الجائحة. فمثلًا، عندما أخرج لتمشية كلبتي ليلًا، وفي ساعة عادة تكون فيها الشوارع مزدحمة بالناس والسيارات، فوجئت بسماع دوي خطواتي في الشارع، وحديث بعض الناس في البيوت، وأصوات تلفزيوناتهم، وطنين مواتير المياه. كل تلك الأصوات تتمدد في الفضاء حولي دون ضجيج في الخلفية الاعتيادي، كأن فلتر لتنقية الصوت قد وضع على أذناي، أو أن أحد قد فتح خاصية إلغاء الضوضاء على العالم.

تذكّرت أنني قد اختبرت ذلك الصمت سابقًا في حظر تجوال 2013، ولكن ما لم أكن قد اختبرته حسيًا من قبل هو الشعور بحكّة فوق حاجبي الأيمن امتنع عن «هرشها».

كنت دومًا ممن يقعون في فخ حك أي بثرة أو لدغة أو حساسية حتى إن كنت سأثير الحكّة، أو كان الالتهاب سيزيد التهابًا، ولكن هذه المرة كانت مختلفة. هذه المرة شعرت بالخطر يحيط بي في كل شيء ألمسه. وتحول ذلك الخوف إلى دراية نادرة بما تفعل يداي وأنا خارج المنزل، ومن ثم تحكّم نادر فيهما، لدرجة أنني مقتنع أنني سأتذكّر تلك الفترة في المستقبل بالشعور الناتج عن عدم الحكّ، تلك الدغدغات المتفرقة على أنحاء وجهي وأذناي ورقبتي التي لا أعيرها اهتمامًا، كأن العشرات من الحشرات الخفية تسير عليّ ذهابًا وإيابًا، أخاف إيذائها فأتركها تلهو كما تحب، إلى أن أنساها.

إنه ذلك الإحساس الذي يأتي عندما نجلس جلسة تقطع تدفق الدم إلى قدمنا. قبل فقد الإحساس بها، نشعر بوخزات خفيفة تنتشر أسفلها، كأن مئة نملة تجري عليها. ربما كان ذلك سبب إطلاق صفة «تنميل» لذلك الإحساس، وهي صفة وشعور غريب، يصف الشعور بشيء يلمسك -تلك الوخزات- وفي نفس الوقت يصف فقدان الإحساس، وهو الشعور الذي انتابني لدى امتناعي عن لمس وجهي.

جعلتني الجائحة منتبهًا لحاسة اللمس، وفي نفس الوقت خدّرتها، واضعة حاجز بين جسدي والعالم خارج البيت.

يتجلّى ذلك الحاجز الحسّي اللمسي بيني وبين العالم في الإجراءات الاحترازية لخروجي من المنزل.

أفتح باب الشقة من الداخل مثل أيام ما قبل الجائحة، ولكن عندما أخرج فإني أدخل المفتاح في الباب من الخارج وأشده حتى يغلق، متفاديًا غلقه من المقبض الخارجي، فأنا لا أدري من لمسه. بعد ذلك، استخدم المفتاح للضغط على مفتاح النور وبعدها للضغط على مفتاح المصعد. عندما يأتي المصعد، وهو بالتأكيد أكثر مساحات العمارة تلوثًا بأيادي الناس، أحكم قبضة أصابعي على المفتاح وأضعه وراء مقبض بابه وأشده، فتكمل قدمي فتحه وأدخل. مرة أخرى استخدم المفتاح للضغط على زر المصعد، ثم أخرج دافعًا الباب بقدمي، وأخيرًا استخدم المفتاح مرة أخيرة لفتح باب العمارة، فلا ألمسه.

إن كنت رجلًا خارقًا مهارته تفادي الفيروسات، فالمفتاح سيكون سلاحي بلا شك.

يمثّل لي المفتاح ذلك الحاجز الحسي؛ وبدت المفارقة لي أن المفتاح الذي استخدمه لفتح الأبواب، صار حاجزًا يغلق عليّ العالم الحسّي خارج المنزل.

لننتقل إلى الجزء الثاني الذي يلي خروجي من باب العمارة. إن صاحبني «درون» (طائرة بدون طيار) في رحلتي القصيرة إلى السوبر ماركت وصورني من موقع في السماء فوق رأسي، سيظهر مساري أعرج. لا أمشي باستقامة كما كنت أمشي قبل الجائحة، فأنا في محاولة مستمرة لترك مسافة كافية بيني وبين المارة.

لحسن حظي السوبر ماركت القريب من بيتي نادرًا ما يكون مزدحمًا، ولكني أحرص على كل حال على الابتعاد عن أي شخص إن استطعت. في أحد الأيام، كان طابور الشراء مكتظًا بأكثر من عادته ولم يترك المتسوقون بين بعضهم البعض مسافات، فتوترت وتركت عربة التسوق في الطابور، ذاهبًا إلى بعض الأرفف البعيدة عن الناس كأني أبحث عن منتج ما، ثم عدت عندما حان دوري، تفاديًا للمس أي أحد منهم.

المرحلة القادمة هي الأخطر، فأنا أحمل تلك الأكياس التي لمسها موظف أو اثنين على الأقلّ. قنابل فيروسية يجب التعامل معها بحذر. أقوم بأكروبات تفادي الفيروسات في العمارة بصعوبة أكبر حاملًا الأكياس، وأخيرًا أصل إلى المنزل، فأضعها جانبًا، وأبدأ في انتقاء كل المشتريات التي أستطيع غسلها قبل استهلاكها. المهمة مستحيلة، فلا يمكن مثلا غسيل الجبن، ولكني أفعل ما أستطيع، متفاديًا لمس وجهي أو ملابسي، ثم أغسل يدي جيدا لمدة عشرين ثانية.

تعاني كلبتي من نفس مصير المشتريات، فقد بدأت غسيل أرجلها بعد كل تمشية، كما أفعل مع عجلات عربة ابني بعدما نمشيه كل جمعة وسبت حول المنزل محاربةً للملل.

رغم تلك التحولات المزعجة في أسلوب حياتي، كان في ظني أن كل ذلك لم يؤثّر علي. فماذا لو لم ألمس مقبضًا أو حائطًا أو لم أقف بمقربة أحد الغرباء؟ كلها أشياء لا تضيف معنى لحياتي وأستطيع الاستغناء عنها لشهور بسهولة، والإجراءات الاحترازية سأتعود على القيام بها تلقائيًا بعد أسبوع أو اثنين.

لكنني شعرت بالتباس عندما أوصل لي أحد معارفي شيئًا. فتحت له الباب وقضينا بضع ثوان محرجة ترنّحنا فيها ما بين الإقبال على السلام باليد ثم الابتعاد بعدما تحوّلت يدي الممدودة إلى التلويح مع ضحكة حمقاء يصاحبها قولي «معلش علشان الكورونا بقى». لحسن الحظ تقبلها الرجل عن طيب خاطر وضحك هو الآخر.

حسنا، يبدو أنني لن ألمس حتى من أعرفهم. هل ستفرق في شيء؟ أنا على كل حال لا أقابلهم، وهناك شتى التطبيقات التي تمكنّي من رؤيتهم ومشاركتهم حياتي المنزلية الهادئة مرئيًا وسمعيًا. ألا يكفي ذلك حتى تنتهي الأزمة؟

جاءتني الإجابة بعد أول مقابلة جماعية لبعض أصدقائي على الإنترنت. كنت أنا وبضعة أصدقاء اشتقنا لبعض بعدما شعرنا بوطأة العزل علينا، فاتفقنا على «قعدة» إنترنتية مصورة. لم نكن قد تقابلنا كلنا منذ أسابيع، وتحمسّت بشدة لأن عدم لقاء الأصدقاء قد يكون أكثر آثار العزلة صعوبة.

نقلت اللاب توب إلى منطقة من المنزل غزيرة الضوء، فتحت واتساب على «البراوزر» وضغطت على اللينك الذي أرسله أكثرنا دراية بالتكنولوجيا، وفجأة ظهر الأصدقاء الثلاثة على الشاشة. كان المزاج العام مازحًا، كلنا مبتسمين ومفعمين بطاقة الرغبة في التحدّث بعد طول انقطاع. سريعًا، تدرّج الحديث إلى التهكّم المازح من بعضنا البعض، وتحدثنا لبعض الوقت قبل أن يسقط أحدنا لبطء سرعة الإنترنت عنده، ثم آخر اختفى لبعض الوقت في مكالمة تليفون بينما واجه ثالث مشكلة ما أخرجته من المكالمة ولم يستطيع العودة لأن المتحكّم بها كان على التليفون. تذكرت ضرورة قيامي بشيء في المنزل، فتركت المكالمة، واتفقنا جميعًا أن نكررها بشكل أفضل لاحقًا.

كان الحديث ضروريًا، وأثراه الفيديو. أظهر تعبيرات وجوهنا ووضعنا في سياقات أقل تجريدًا من المكالمات الصوتية. لا شك أن درجة التفاعل كانت ستنخفض إن كانت المكالمة بلا صورة. نحن على أي حال تعوّدنا على النظر إلى شاشاتنا، وأكثر المواد الثقافية التي نستهلكها مرئية، فالأمر قد يكون مقبولًا لبعض الوقت.

تؤكد المؤرخة كونستانس كلاسن*، المتخصصة في التاريخ الحسّي، أن الثقافة العامة المعاصرة مرئية بشكل أساسي. تتبع كلاسن تحولها عن الثقافة اللمسية في القرون الوسطى. في القرن الثالث عشر، برزت أهمية صور القديسين في العبادة المسيحية، عندما بدأ تداول قصص عن معجزات حدثت بوساطة صور القديسين، بديلًا عن التبرّك المباشر عن طريق لمس ذخائرهم.

فكرة أن أجساد القديسين، متمثلة في ذخائرهم، تحوي جوهر شيء مقدس من الضروري لمسه لانتقال تلك القوة المقدسة للمتعبد بدأ استبدالها تدريجيًا بفكرة الوصول إلى تلك الروح المقدسة من أي مكان، من خلال سبل غير ملموسة، كما تقول كلاسن، مشددة على أن ذلك التغير عكس تحول من رؤية أكثر مادية لروحانيات التعبد لأخرى أكثر اتساعًا وتشعبًا.

تتبعت كلاسن ذلك التحول وأسبابه، وذهلت أنا عندما قرأت أن أحد تلك الأسباب الرئيسية هي انتشار الأوبئة في تلك الحقبة.

كان وقع تلك الكوارث على الكثير من الناس هو صرفهم عن بعض الممارسات الدينية التقليدية التي ظهر عجزها عن إنقاذهم من محنتهم، مما فتح الباب لإعادة صياغة الممارسات والمعتقدات المسيحية لجعلها أقل مادية. ذلك إضافة إلى تنفير الموت الأسود في أوروبا الناس من الاقتراب من بعضهم البعض، ما ساهم أيضًا في إضعاف فكرة اللمسة المقدسة المنتشرة قبل ذلك.

نعم، نحن الآن كما نعرف ثقافتنا مرئية بشكل أساسي، لكني لم استطع استخلاص التشابه بين ذلك التحوّل الذي حدث منذ مئات السنوات، والتحوّل الذي يحدث في حياتي أنا الشخصية، من الملموس إلى المرئي.

ليس هناك شك أن الجائحة ستنشط التواصل الإلكتروني المرئي بين الناس بديلًا عن الاجتماع المباشر. أجلّ رؤية لذلك بالنسبة إلي هو امتناع والدتي عن زيارة حفيدها الذي ليس في سن يمكنه من التحدّث إليها على الهاتف للطمأنة عليه، فتلجأ لمشاهدته على هاتفي، سواء في مكالمة أو في فيديوهات مسجلة.

لكن هل يكفي ذلك؟ هل يقوم بالغرض مؤقتًا؟ لا أظن ذلك، فقد انتبهت إلى أحد التعبيرات اللفظية التي تطلقها أمي باستمرار عند رؤية ولدي: أريد التهامه! الرغبة في التهام الأطفال هي النقطة التي يصل فيها حد اللمس إلى أقصاه. حين تقبّل وتعانق طفلك أو حفيدك لدرجة إزعاجه، وتجد نفسك تكاد تقضم وجنتيه من فرط الحب، فتمتنع. هذا الاقتراب من العنف في التعبير عن الحب لا يمكن أن يضاهيه إلا الألم عند استحالته. عندما تمنع «كورونا» أمّي من زيارة ولدي، أعلم أنها تعاني، وربما كان ذلك ما أكّد لي استحالة الاستمرار هكذا دون دفع ثمن ما.

بالنسبة إلي شخصيًا، فأنا محظوظ بكون انعزالي تؤنسه زوجتي وابني، وفيهما أجد مخرجًا للطاقة اللمسية لدي، ربما تكثفت لسلب «كورونا» مخارج اللمس الإنساني الأخرى.

شعرت بذلك النقص وأنا أتحدّث مع أصدقائي. رغم أننا كبرنا وتقلمت رغباتنا في المزاح الجسدي الشبابي الأحمق، فقد لاحظت فقدان ذلك العنصر في حديثنا الالكتروني، ضربة على ركبة هذا، معانقة ترحيبية بذاك، تربيت لمواساة هذه، لم أتوقّع الانتباه لأهمية أشكال اللمس تلك إلا عند غيابها.

تصف كلاسين حاسة اللمس كأكثر الحواس جوعًا في عصر ما بعد الحداثة، حيث إننا نتعرّض لشتّى أنواع اللمس في المواد البصرية التي نشاهدها، ولكنها تأتينا دون الإشباع الحسّي الناتج عنها.

أتخيّل أنه في ذهن كلاسن مجتمعات غربية، يقل فيها اللمس الجسدي عن مجتمع كمجتمعنا، لا يعشق أفراده -من نفس الجنس في أكثر الأحيان- التقبيل والأحضان بمناسبة وبدونها. وأعتقد أن ذلك قد يكون أحد أسباب التباين الكبير بين صور التباعد الاجتماعي في الغرب الأوروبي، وبين صور التلاصق الجسدي الذي لم يكف في صور المصريين في الأماكن العامة.

وتتحدث كلاسن عن الجوع اللمسي في الأوقات العادية، فماذا عنه في الجائحة؟ ألن يكون الجوع أشد على الأشد تلاصقًا في الأوقات العادية؟

خلال إحدى تمشياتي الأسبوعية إلى السوبر ماركت، فاجئني مشهد شابين، يرتدي أحدهما قناع وقفازات واقية، ولكنه في نفس الوقت يشد صديقه إليه بحميمية وهو يدلي ذراعه حول رقبته. كانا يمشيان تقريبًا في تلاصق.

في أول الأزمة، كنت أرى ذلك المشهد كانعكاس لنوع من الانفصام: لما يرتدون الأقنعة ثم يضربون عرض الحائط بالتباعد الاجتماعي؟ هل يكفرون بالعلم؟ ألا تحذر وزارة الصحة من التقارب في جميع المنصات الإعلامية؟

الآن، مع تحفظّي على التقارب في كل الأحوال، أعتقد أنني أفهم.

الجوع كافر.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن