تدوينة: لماذا رفض أهل شبرا البهو أن يدفنوا طبيبة؟

إيطاليا مرة أخرى؛ خلال «الكوميديا الإلهية» التي ألّفها دانتي أليجري، والتي تعد من أبرز وأهم الملحمات الشعرية في تاريخ الأدب الإيطالي، يتخيّل الشاعر الشهير أنه يدلف إلى غابة موحشة ليعرف حينها بأنه قد ضَل طريقه. سيذكر بعدها أنه التقى بفرجيل، وهو إيطالي آخر كَتَب «الأنياذة» في نهاية القرن الأول قبل الميلاد. يعده الأخير بزيارة الجحيم التي قال عنها دانتي إنها تشبه هاوية سحيقة مخروطية الشكل، وكما وصف دانتي المخروط بأنه مقلوب إلى أعلى كأن سكان الجحيم بحاجة إلى مزيد من العذاب، تحدث أيضًا عن اختبار الأدوار الأرضية لجهنم، أفران شاسعة بأقصى درجات حرارة، تتغذى على أجساد بشرية مطبوخة بألسنة لهب إلهية الصنع. يصف دانتي المكان بقوله: «لا أمل لكم أيها الداخلون هنا».

أعتقد أن دانتي لو ذهب مع فرجيل إلى بعض المراكز الطبية الحكومية في مصر سيترك العبارة ذاتها على الأبواب.

لا يمكن الفصل بين ظاهرة اعتداء بعض المواطنين على الأطباء في مصر بسبب تأدية عملهم، وحالة الفوضى التي شهدتها قرية «شبرا البهو»، التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، بعد أن رفض أهلها دفن طبيبة متوفاة بـ«كورونا» بمقابر القرية، أضف إلى ذلك لغز وفاة 30% من الحالات المُصابة بـ«كورونا» في مصر قبل وصولها إلى المستشفيات، يمكن القول بإن الظواهر الثلاث يرجع السبب فيها إلى إيمان البعض بأنه لا أمل هناك.

على الرغم من الإشادة الشعبية بالأداء الحكومي في التعامل مع أزمة «كورونا» إلى الآن، إلا أن الظواهر الثلاث السالف ذكرها ترجع إلى عدم مقدرة المواطن على تصديق إمكانية أن هناك مَنْ يعبأ بأمره «حقًا».

لذا عندما صرح وزير المالية محمد معيط، منذ أسبوعين، بزيادة مخصصات الصحة بمشروع الموازنة للعام المالي المقبل بقيمة 23.4 مليار جنيه لتصل إلى 95.7 مليار جنيه، سيصاب الناس في قرى نائية، ونجوع مدقعة، بارتباك تُفهم مبرراته جيدًا. ميزانية الصحة التي تمّ زيادتها الآن تعّرضت للتخفيض قبل عامين لتصل إلى 1.7% من الناتج القومي، بينما نصّ الدستور قبل «كورونا» أيضا ألا تقل نسبة الإنفاق على الصحة عن 3%‏، يتساءل حينها رجل في قرية «شبرا البهو»: «هل يأبهون بصحتي حقا؟ يخشون على صحتي؟ أم على اقتصادهم؟ لا، لا أحد يهتم بشأني».

نفس الرجل الذي لم يكمل تعليمه، اعتدى منذ عام على طبيب حديث التخرج يتقاضى 45 جنيهًا مقابل 12 ساعة في النبطشية المسائية لأن الأخير طلب منه أن يتحصل على السرنجة البلاستيكية وأكياس القطن والبلاستر من خارج المركز الطبي لعدم توافرها، نفس الرجل سمع المذيع الشهير وهو يقول إن البعض لا يحب أن يرى مصر كدولة كبيرة تهدى مليون ونصف كمامة طبية فاخرة إلى إيطاليا (قارة أوروبا بأكملها أرسلت 2 مليون كمامة). يتساءل الرجل وهو يشاهد هذا التبرع السخي قائلًا: «ألم يكن أولى بالدولة الكريمة التي تتصدق بأموالها ومعداتها الطبية لإيطاليا والولايات المتحدة وتصدر الرداء الطبي الواقي لمستشفيات في لندن ومانشستر، أن توفر محلول الملح وبكرة الشاش وجهاز الوريد للمركز الطبي التابع القرية؟ المركز الذي يقبع أمامه مقلب زبالة يرتع فيه أحجام مختلفة من الجرذان، ألم يكن أجدر إنفاق المال في سبيل توسعة صالات الانتظار الضيقة التي لا يمكن أن تليق بمستشفى؟ أو إصلاح لمبات النيون الكابية في الاستقبال؟ أو حتى تجديد حمام المستشفى ذي الحوض المشروخ؟ أو زيادة مرتبات الأطباء الثابتة منذ العصر الجليدي كي لا يهربون من العمل بالقرى. لا، لا أحد يهتم بأمري».

عندما يمرض هذا الرجل بـ«كورونا»، سيختار بفعل اليأس من كل هذا عدم الذهاب إلى المركز الطبي الذي يعرف أنه أطلال بيمارستان في العصر المملوكي، أو ربما سيذهب عندما تسوء حالته ليرفع نسبة المتوفين الذين فارقوا الحياة قبل الوصول إلى المستشفى.

وعندما تتوفي الطبيبة التي كانت تعمل بالمركز الطبي بـ«شبرا البهو»، سيخشى البعض أن تصيبهم جثتها بالفيروس، ولذلك سيتظاهرون لعدم دفنها، وإن أكد المسؤولون أن دفن الجثمان لا يشكل أدنى خطورة على الصحة العامة، ولكن بفعل اليأس، تكونت لدى البعض من أهل القرية قناعة جمعية حاملة لإرث طويل من الإحباطات وخيبات الأمل، بأنهم غير مهمين، وأنهم مجرد قرابين تقدم فداءً لحياة السكان الأكثر أهمية في المدن، وأن قريتهم كما لو كانت غير مرئيّة.

وبفعل اليأس لن يغر طبيب امتياز أبدًا التكليف الرئاسي الذي أمر برفع رواتب أطباء الامتياز بالمستشفيات الجامعية إلى 2200 جنيهًا بدلا من 400 جنيهًا.

الزيادة أغضبته في واقع الأمر لأنها تعني أن مصر انتظرت وباءً عالميًا تنتقل فيه فيروسات عبر الرذاذ حتى تتذكر أن يومية طبيب الامتياز 13 جنيهًا، ولذلك فبعد انتهاء الأزمة ستقلع طائرة هو على متنها من مطار القاهرة إلى مطار عبد العزيز آل سعود، في السعودية حيث يعمل 60% من الأطباء المصريين.

في كتابه «تجاوز مستويات الوعي» يضع ديفيد هاوكينز اليأس في مقدمة المشاعر الإنسانية التي يمكنها أن تسحق الوعي لمستوى تقييم 20 وما دون، ليصبح الإنسان الذي يسيطر عليه اليأس أقل وعيًا من إنسان «نيانديرتال المنتصب» الذي كان هنا قبل 40 ألف سنة من الآن، والذي كان وعيه يصل إلى المستوى 80 أو 85.

يقول هاوكينز أيضًا إن اليأس  قد ينتج عن التجارب الحياتية الأولى للأطفال كالإهمال أو إساءة المعاملة العاطفية أو الجسدية (ما يمكن تطبيقه على الأطفال من الممكن أن يسرى على الشعوب)، وأنه، أي اليأس، يؤدي إلى الإصرار على المصلحة الذاتية البدائية، والاستخفاف بحقوق الآخرين، ثم النظر للمختلفين على أنهم منافسون وأعداء وليسوا حلفاء، بل أن الإنسان لا يستطيع حينها التوصل إلى فوائد التعاون والتراحم التي وصلت إليها عائلات حيوانية في مملكة الثدييات ومملكة الطيور، مما يعني أن وعي بعض البشر قد ينزل حينها أسفل ذلك المستوى، ثم يحاول البعض أن يعوض عن ذلك الشعور خلال مرحلتين: أولًا التعنت، وثانيًا الإسقاط.

عندما يمكن قيادة المصابين باليأس، يتكون لدينا جماعة أمن أهلية تعنتت وقامت بتعليق دفن الطبيبة الشابة في الدقهلية، وقبلها جماعة أخرى حاول أعضاؤها طرد طبيبة من شقتها لأنها تعمل في مستشفى الحميات. أما بخصوص مرحلة الإسقاط، فالطب النفسي يخبرنا أنه غالبًا ما يرتكب القتلة البائسون أفعالهم منطلقين من ذريعة معاقبة النساء «السيئات»، ولكننا هنا أمام مستوى خطير من إسقاط بالغ التدني للتأثير في الحكومة واستدرار عطفها يتلخص في «أنا سأضرب الطبيب وسأحاول طرده من شقته وعندما يموت سأرفض أن يدفن، سأفعل كل هذا، كي تنظري فقط يا حكومة، لمدى معاناتي».

اعلان
 
 
أحمد ممدوح حجازي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن