هموم خط المواجهة الأمامي.. المسعفون
 
 
المصدر: موقع هيئة الإسعاف المصرية
 

يبلغ كريم السويفي من العمر 32 عامًا. يعمل في هيئة الإسعاف بمحافظة بني سويف منذ 13 عامًا. 

مرّ السويفي بعدة مواقف لا ينساها أثناء عمله في الفترة الأخيرة مع حالات الاشتباه والإصابة بفيروس كوفيد-19 «كورونا». تحامل فيها على نفسه؛ «مرة كنت شايل مصاب وكنت محوله لمستشفى بعيدة جدًا عن المحافظة اللي أنا فيها وأنا كنت تعبان جدًا جدًا يعني، تقلصات ومغص كلوي، كنت متقطع، عشان خايف أكون أخدت العدوى من المريض وأنقلها لحد، لما أنزل»، يقول السويفي.

أصعب تحدي يواجه السويفي هو نقل المصاب بطريقة آمنة دون ضرر على نفسه أو غيره، مع التعامل مع حالة المُصاب النفسية وهو يشعر إنه يتوجه إلى الموت. «أصعب إحساس يصل إلى المُصاب هو كونك تخاف منه، وأنه أصبح غريبًا على الناس، هنا يأتي دوري لتغيير ذلك الإحساس بطمأنته».

السويفي وغيره من زملائه بهيئة الإسعاف الذين تعاملوا مع حالات الاشتباه والإصابة بفيروس كورونا، تأثروا مهنيًا وشخصيًا بتعاملهم مع تلك الحالات وواجهوا تحديات مختلفة، وذلك بالرغم من حصولهم على أساسيات مكافحة العدوى. وفي نفس الحين، كانت لديهم شكواهم من عدم مساواتهم بباقي أعضاء المهن الطبية. 

لا تقف التحديات على لحظة التعامل مع المُصاب أو حالة الاشتباه، لكن أيضًا لحظة التوجه إلى المريض نفسها قد تكون ثقيلة على المُسعف.

يقول محمد أمجد*، 26 عامًا، مسعف بمحافظة القاهرة «ببقى وأنا رايح متوتر من كل حاجة، عايز أقولك ببقى خايف جدًا، وبحس بالأعراض بتاعة كورونا قبل ما أروح. كل اللي خدناه في دورات مكافحة العدوى واللي عدى علينا في الكتب والمدارس تقريبًا كده بنحس بيه. يعني أنا بحس بالصداع؛ صداع ونشفان ريق ورعب وذعر برضه».

كان السويفي سعيدًا بإجراءات مكافحة العدوى والتي تمثلت في بدلة ونظارة واقيتين، ماسك N95، حذاء أبيض طويل «كزلك»، قفازات. ويتم تغيير الماسك والقفاز فور وصوله إلى المستشفى فضلًا عن تطهير النظارة والبدلة والـ«كزلك»، والسيارة. ويقول السويفي إن البدلة الصفراء الذي يرتديها أكثر أمانًا لأنهم لم يستخدموها مسبقًا إلا في الحالات الصعبة مثل القُرح السريرية أو البتر، لأنها لا تُدخل نقطة دم إلى جسد المُسعف.

بحسب وائل سرحان، نقيب المسعفين، المسعفون الذين يتعاملون مع حالات الإصابة والاشتباه بفيروس كورونا أخذوا دورتين، إحداهما للوقاية من العدوى، وشملت كيفية التعامل مع المُصاب دون الإصابة، والأخرى لمكافحة العدوى بتعريف المسعف بكيفية انتقال الفيروس، وطرق تطهير نفسه وسيارته.

يقول سرحان إن العاملين بالهيئة معتادون على المهام الاعتيادية مثل الحوادث والأمراض غير الوبائية وخلافه، وأصبح لديهم خبرة في ضغط العمل لتعاملهم مع حالات المظاهرات والهجمات الإرهابية، لكن التعامل مع كورونا يختلف جذريًا، فهي جائحة لم يحدث مثلها منذ قرن. 

ويوضح سرحان أن العمل على تلك الجائحة أصبح مرهقًا على المُسعف، نفسيًا وماليًا؛ «لقينا لأول مرة مسعفين بيغمى عليهم نتيجة ضغط الشغل». يُفسر سرحان أن ضغط العمل يأتي بسبب التعامل يوميًا لنقل حالات الاشتباه بجانب الإصابات، فضلًا عن أن «الإسعاف» أُضيف إليها مهام أخرى مثل نقل المتعافين إلى منازلهم، ونقل جثث المتوفين. يأتي هذا في ظل عدد سيارات إسعاف محدد مخصص للتعامل مع فيروس كورونا.

 كانت وزيرة الصحة هالة زايد قد أشارت في تصريحات صحفية، منتصف الشهر الجاري، إلى وجود أكثر من 500 سيارة إسعاف تنقل حالات الإصابة والاشتباه بالفيروس، ويعمل عليها أكثر من 2200 مسعف، وأكثر من 820 فردًا للدعم اللوجستي.

يصف السويفي الوضع من ناحيته: «مثلًا في أوقات مبنلحقش ننام، تيجي من القاهرة عينة إيجابية لإحدى الحالات الساعة 4 الفجر، نضطر نتحرك نروح على مستشفى العزل الأقرب لبني سويف في أسيوط». يُكمل السويفي: «4 ساعات رايح و4 جاي بالبدلة الواقية ولا أستطيع الأكل أو الشرب بها ولا أدخل إلى الحمام وقت ارتدائها».

العمل مع حالات «كورونا» لم يكن صعبًا على المسعفين أثناء أدائهم مهامهم وحسب. كان له تأثيره على حياتهم العائلية أيضًا.

يقول السويفي «دلوقتي وأنا نازل من المواصلة اللي راكبها لحد البيت، قلبي بيكون بيدق جامد عشان خايف تكون العدوى اتنقلت ليا وأنقلها لأولادي»، علاقة المسعفين الذي تحدثنا إليهم بأولادهم تغيرت نوعًا ما، حالهم كحال الكثير من الأهالي الخائفين من نقل العدوى لأبنائهم. «ابني متعود لما باجي بيجري عليا أحضنه وأبوسه، لكن منعت ده، هو لاحظ وقال بابا مابقاش يحبني»، يقول السويفي.

أما أمجد يصف ما حدث له بـ«الأزمة الاجتماعية»؛ قرر عزل نفسه منذ بداية الأزمة في غرفة داخل منزله لا يخرج منها، ويدخل له الطعام من أسفل الباب كما المعزولين في الحجر الصحي، خوفًا من نقل العدوى لأفراد منزله.

بالنسبة لأمجد، الأمر لا يتوقف على تعامله مع أهل منزله، إذ يشكو من تغير أسلوب تعامل بعض أصدقائه معه. «في البعض عارفين إننا شغالين في الإسعاف، تلاقيه تجنب إنه هو يقعد معاك، يعني مثلًا متعودين نقعد مرة في الأسبوع نهون على بعض تلاقيه تجنب ده. وواخد جنب منك ومش عايز يسلم عليك».

إلى جانب تغير معاملة الأصدقاء. تعرض البعض إلى التنمر منذ بدء عملهم مع حالات «كورونا».

يوضح أحمد سيد*، الذي يعمل كمُسعف بالهيئة منذ عام 2008 «اللي يقولك يا كورونا ويقولك ابعد عني متلمسنيش، هما بينفروا مننا، مش زي الأول يعني، حتى معاملتنا مع الناس بره بقت معاملة سيئة مش حلوة؛ ببقى عايز أوصلهم إن المسعف اللي بيشتغل مع الحالات دي، إنسان عادي انت ذات نفسك أو أي حد مُعرض للإصابة دي أو الفيروس ده، متحاولش تحسسه إنه طالما اتعامل مع المصابين دول يبقى هو اتصاب». 

رويدًا رويدًا بدأ سيد يشعر إنه منعزل عن الناس، وتولدت لديه مشاعر مضطربة تجاه عمله، «حاسس إن أنا بعمل حاجة مكنتش عايز أعملها، بس هو خير في الأول والآخر إننا بنساعد الناس إنهم يوصلوا للمكان المناسب ليتلقوا علاجهم».

يقول سرحان إنه فضلًا عن أن التخوف من نقل العدوى إلى أسرهم دفع العديد من المسعفين إلى عدم الذهاب إلى منازلهم منذ بدء الأزمة، واستبدلوا ذلك بتأجير شقق يسكنون فيها، أو يسكنون في مقر العمل، ويأكلون على حسابهم، كان بعض المسعفين يعمل في مهن حرفية بجانب مهنته لضعف أجورهم، إلا أنهم توقفوا عن ذلك حاليًا.

يُشير سرحان إلى مشكلة أخرى تعرض لها المسعفون مؤخرًا من بعض المستشفيات الخاصة، التي تخدع المسعفين: «بعض تلك المستشفيات عندما تظهر لديهم حالات اشتباه أو إصابة بكورونا يرفضون إعلان ذلك خوفًا من غلق المستشفى، ثم يطلبون الإسعاف كما لو أنها حالة عادية، ليذهب المسعف دون أن يتخذ إجراءات الوقاية من العدوى، ليكتشف بعد ذلك أنها حالة كورونا».

تتمثل خطورة ذلك في احتمالية انتقال العدوى للمُسعف، بالإضافة إلى من ينقلهم بالسيارة لاحقًا.

بلغ عدد الإصابات بين المسعفين على مستوى الجمهورية إلى 19 إصابة، فضلًا عن عشرة إصابات بين ذويهم في محافظات المنوفية، الأقصر، الفيوم، القاهرة، سوهاج، وقنا، بحسب تصريحات صحفية لسرحان، الثلاثاء الماضي.

يوضح سرحان لـ«مدى مصر» أن دور الهيئة يتمثل في تلقي بلاغات نقل المصابين والمرضى جراء الحوادث والإصابات في المنزل، والكوارث والأوبئة، ثم نقل المصاب للمستشفى التي يختارها أيًا كانت حكومية أو خاصة أو تابعة للقوات المسلحة أو الشرطة، فضلًا عن نقل المصابين بين المستشفيات في بعض الأحيان. 

وفقًا لقرار جمهوري صدر عام 2009، فإن هيئة الإسعاف هي هيئة عامة مستقلة، يبلغ عدد العاملين بها 17 ألف موظف، ولديها 3200 سيارة إسعاف على مستوى الجمهورية. 

من جانبهم، شعر السويفي وسيد وأمجد ببعض المساندة المعنوية في الفترة الماضية، لكنهم ينتظرون تقديرًا ماديًا أيضًا.

يُبدي السويفي اعتراضه على استبعادهم من كادر المهن الطبية، «النقطة بجد اللي هي وحشة جدًا، إحنا مفروض تبع الكادر الطبي أو تبع الأطباء والتمريض وكده، لما جه اتكلمنا وكده، طلعنا مش تبع الكادر الطبي، يعني ماخدناش في الـ 70% أو الـ 75% اللي الريس قال عليهم، إحنا ماطلعناش معاهم، التمريض بس والأطباء والفنيين والأشعة والامتياز اللي خدوا. الإسعاف هي الوحيدة اللي طلعت براهم، دي حاجة برضه صعبة خالص، أنا برضه خط الدفاع الأول وأنا اللي بشيل، أنا اللي بتعامل أول واحد سواء اشتباه أو مؤكد، وانت بتتعامل بعدي، إزاي أنا بتعامل في اﻷول، و إزاي أبقى بره الكادر الطبي؟».

كان الرئيس عبدالفتاح السيسي قرر في 29 مارس الماضي زيادة بدل المهن الطبية بنسبة 75%، وإنشاء صندوق مخاطر لأعضاء تلك المهن. وفي  4 أبريل الجاري تقدمت النائبة إيفلين متى بطرس بمقترح برلماني لإدراج العاملين بهيئة الإسعاف في زيادة بدل المهن الطبية. 

وأوضحت بطرس في اقتراحها أن هيئة الإسعاف والعاملين فيها غير مخاطبين بقانون تنظيم شؤون أعضاء المهن الطبية رقم 14 لسنة 2014 وتعديلاته الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 137 لسنة 2014، حيث أن الهيئة لها لائحة خاصة بها، وذلك طبقاً لقرار رئيس الجمهورية رقم 139 لسنة 2009 بإنشاء هيئة الإسعاف.

قبل عام 2009، كان تأهيل العاملين بهيئة الإسعاف عن طريق دراسة دبلوم الإسعاف بعد الانتهاء من المرحلة الإعدادية، لكن تلك الدبلومة أُلغيت. وفي 2009 أعلن وزير الصحة الأسبق حاتم الجبلي، عن مسابقة لتعيين مُسعفين بالهيئة من حملة المؤهلات المتوسطة والعليا. حصل المتقدمون على دورات أساسية ووُظفوا بدرجتي مساعد أخصائي، لمن تلقى الدورات، ومشرف لمن درس دورات زمالة نظمتها وزارة الصحة حينها للمسعفين لمدة عامين، بحسب أمجد.

يشرح سرحان أكثر قصة ذلك البدل: «عندما صدر القانون رقم 14 لسنة 2014 الخاص بتنظيم عمل المهن الطبية واللائحة التنفيذية له، أقروا حافزين للعاملين بالمهن الطبية، هما حافز بدل مهن طبية يبلغ 200 جنيه، وكان للأطباء، والحافز الآخر 300% من أساسي المرتب للعاملين بالطوارئ في المستشفيات، لكن لعدم خضوعنا للقانون لم نأخذ البدل، ثم قامت النقابة حينها بالتفاوض مع وزير الصحة الذي تفاوض مع رئيس الوزراء، وذلك لاستحداث بدل للعاملين بهيئة الإسعاف وتمت الموافقة على ذلك». 

ثم عُدل القانون في نوفمبر 2014 ليُصبح الحد الأدنى لبدل المهن الطبية 400 جنيه والحد الأقصى 700 جنيه، مع رفع بدل الطوارئ 700% لأطباء الطوارئ، و600% لباقي الطاقم، لكن ذلك التعديل لم يتم بالمثل للعاملين بهيئة الإسعاف الذين حصلوا على بدل 150 جنيهًا فقط. 

أرسلت النقابة مطلبها لرئاسة الوزراء، التي أرسلت الأمر لوزيرة الصحة هالة، وما زال الأمر قيد الدراسة والعرض.

* اسم مستعار لإخفاء هوية المصادر بناء على طلبها.

اعلان
 
 
محمد أشرف أبو عميرة 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن