معانٍ متفرقة حول «كورونا»: مؤامرة.. تفكير سحري.. أم هشاشة إنسانية؟

قبل أن تشتد الجائحة، كنت أستقل القطار قادمًا من المنيا إلى الجيزة، استوقفتني عبارة قيلت بصوت مرتفع: «الكورونا دي بتيجي للأغنيا، احنا الفقرا ربنا حامينا». ما أثار دهشتي هو أننا -ومعنا صاحب العبارة- نتواجد بعربة بالدرجة الأولى في قطار VIP، فنحن إذن هؤلاء الأغنياء الذين سيصب الله عليهم لعنته لا محالة. ظلّت العبارة تتأرجح في رأسي بينما أتساءل ما الأفكار والمعاني التي دار في فلكها البعض بينما تتمترس الكورونا في بؤرة الاهتمام، من أين يأتي الناس بالمعنى الذي يتشكل حول المرض؟ لماذا ينشغل الناس في وقت الأوبئة والشدائد بتشكيل معنى (ما) لما يمرون به؟

طيلة الخمسين سنة الماضية، شهد علم الاجتماع الطبي اهتمامًا متصاعدًا بتقديم أطروحات مختلفة حول المعنى الثقافي والاجتماعي لما يشهده التاريخ الإنساني من أمراض، باعتبار المرض جزء من خبرة الإنسان العامة التي تنطلق من استبصاره الداخلي ورحلته الشخصية في إيجاد معنى لمعاناته ولمرضه ومن خلال رصد قطع الأحجية التي تشكل لاحقًا البناء المعرفي المرتبط بالمعنى الذي يتداوله مجتمع بعينه عن مرض ما.

أشار بيتر بيرجر وتوماس لوكمان Peter Berger & Thomas Luckmann في كتابهما الصادر عام 1966: البناء الاجتماعي للواقع- أطروحة حول سوسيولوجية المعرفة، أن ديناميكية التفاعل مع الأمراض بشكل فردي أو جماعي، يساهم في بناء أطر معرفية تقدم تفسيرات للواقع أو كيفية إدراك هؤلاء المعنيين بواقعهم في لحظة زمنية معينة. بل أن رصد المعنى الذي يختبره الفرد «المريض»، كيف يؤطر تجربته في المرض، كيف يتفاعل المجتمع (مجموعاته) مع الضوابط الطبية والاجتماعية، وميكانيزمات التشتيت أو المراوغة حول تلك الضوابط، يخبر الكثير حول كل ما سيتم الرجوع إليه كلبنة لبناء معرفة تشاركية حول هذا المرض كتأريخ مجتمعي. 

منذ أن ظهرت جائحة الكورونا، حوصرنا بتدفق رهيب في المعلومات الطبية غاية التخصص، غير أن هناك رغبة في التحرر من التمترس حول المعرفة الطبية فحسب، وتجاوزها نحو اكتشاف كيف يتم تخليق المعنى الثقافي والاجتماعي للكورونا في اللحظة الآنية، نفعل ذلك سويًا من خلال المقال التالي، نقطع الرحلة للخلف حيث عالم الإرث الإنساني الثقافي الشفهي، كما يظهر نفسه في الأساطير وحكايات الفلكلور الشعبي لنستكشف كيف يتوطن في ذاكرتنا الجمعية عبر الأجيال «معنى المرض» وما يمليه من ديناميكيات وصراعات داخل الفرد، وتنعكس بظلالها على الخارج، ثم نتوقف في اللحظة الآنية، نرصد كيف عبرت مفاهيم حملناها من القدم حول المرض، ثم رصد بعض السلوكيات التي تشير إلى إسقاط «فهم مشترك» على ما نعانيه اليوم. لا يتبنى المقال اتجاهًا مستقبليًا أو فيما يسميه البعض «ما بعد الكورونا»، أميل إلى ترك المساحة مفتوحة يقودنا فيها الخيال وحده والأمل.

نظرية مؤامرة

حين اجتاح فيروس كورونا العالم، لم يكن شأنًا طبيًا فحسب أو كارثة إنسانية تتجاوز كل ما عرفه الإنسان قبل لحظة تفجره الكبرى، لقد صاحبه أيضًا عودة الروح إلى سلسلة من الأساطير والخرافات ونظريات المؤامرة التي طالما وجدت تربة خصبة في كل موقف إنساني يفتقر إلى الشفافية في تداول المعلومات أو تبادل أنصافها أو حجبها بالكلية، ولربما يضرب بجذوره في العمق النفسي للميل الفطري لدى الإنسان نحو «التفكير السحري/ الخيالي» وخاصة حين يعجز عن فهم ما يلتبس عليه.

أكثر نظريات المؤامرة رواجًا في جائحة «كوفيد 19» التي تقول إن الفيروس مُخلّق تقنيًا وفق تكنولوجيا الـ 5G، ويدير خيوط المؤامرة العقل الفذ بيل جيتس. قدم نظرية المؤامرة تلك الفيزيائي الأمريكي توماس كوان، في بداية مارس الماضي عبر فيديو تم حذفه لاحقًا من قبل إدارة يوتيوب. بنى كوان مقترحه على أن نظام 5G تم تصميمه ليسبب خللًا في الحمض النووي لجهاز المناعة البشري، تمّ إضفاء التشويق على تلك الفرضية بتطعيمها بعدد من الرسائل السرية المخبأة بعناية في التصميم البيولوجي للفيروس. نجم عن تداول تلك النظرية أن قام عدد من «المؤمنين» بها بإحراق أبراج الـ 5G في بريطانيا، كما قاموا بتوجيه التهديدات نحو المهندسين العاملين في تلك الشبكة. وبسبب النهم الشديد إلى فهم ما يحدث عبر العالم، تمّ تداول تلك النظرية، بل والدفاع عنها باستماتة من قبل مشاهير، ليس في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل لقد ظهر مفتي جمهورية مصر العربية الأسبق علي جمعة، وهو يربط فيروس كورونا بنفس نظرية المؤامرة تلك، التي نفتها بالكلية منظمة الصحة العالمية.

يشير ستيفان لواندوسكي Stephan Lewandowsky، رئيس قسم علم النفس المعرفي بجامعة بيرستول البريطانية، إلى أنه في وقت سيولة المعلومات من ناحية وحجبها من ناحية أخرى أو التلاعب بها حين يتم تقديم أنصاف البيانات أو تقديم البيانات باعتبارها حقائق أو القفز بدون أدلة نحو تخليق علاقات سببية لتفسير ما لا يمكن تفسيره، في مثل هذا الوقت تتعاظم الحاجة للتمييز بين الحقائق، والأساطير، والمغالطات.

إن الرحلة التي تقطعها نظريات المؤامرة بصحبة الجائحة لم تكن شيئًا مستحدثًا، فهي تضرب بجذورها في التاريخ الإنساني، نذكر على سبيل المثال: وباء الأنفلونزا القاتل الذي اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية عام 1918، ازدهرت معه نظرية مؤامرة يقف وراءها الألمان الذين أرسلوا من خلال بحارتهم الفيروس لكي يقضي على الولايات المتحدة الأمريكية.

أثناء طاعون عام 1630 في ميلان بإيطاليا، حُبكت نظرية مؤامرة حول أصل الوباء، عن طريق توليفة من الخرافات الشعبية والتي تمّ تداولها وتصديقها بشكل أدى إلى محاكمة وتعذيب بل وإعدام شخصين بريئين من تهمة نشر الوباء. ولقد استخدم الإيطالي أليساندرو مانزوني تلك الواقعة لبناء روايته الرائعة «الوباء» وتأريخ ما حدث للمجتمع الإيطالي حينئذ. ظهرت الرواية للنور بعد مئتي عام في سنة 1827.

من ناحية أخرى، قام مواطنه، المؤرخ الإيطالي كارلو جينزبيرج، بتتبع رحلة تشكل نظرية المؤامرة ذاتها وهوس المجتمعات في تخليق تلك النظريات التي تؤسس فرضية مفادها أن هناك «قوة شريرة» تعمل ضد مجتمع بعينه، وأن تلك القوة التي تعلن عن نفسها من خلال الوباء غير المفهوم يمكن معرفة مصدرها من خلال المجتمع ذاته. 

قام المؤرخ الإيطالي في كتابه «تاريخ الليل» الصادر عام 2017  بتقصي وتأريخ وفهم السحر والشعوذة، وتتبع المسار الذي يتداخل فيه تخليق نظرية المؤامرة مع اضطهاد شرائح بعينها في المجتمع وقت حدوث الأوبئة. 

يذكر الكتاب، في إطار خيالي يجمع بين الأساطير الأكثر شهرة وتداولًا، تصورات المجتمع عن الآلهة الوحشية، الممارسات الروحانية التي توصم بالسحر أو الشعوذة، يتتبع ذلك المسار الأنثروبولوجي في منطقة بعينها واقعة بين فرناس وجبال الألب، بغية أن يؤرخ لنظرية مؤامرة انتشرت في القرن الرابع عشر الميلادي مفادها أن هناك اجتماعات ليلية يتم عقدها في الأماكن المقفرة، يظهر فيها شرائح بعينها وهي الشرائح التي يتم اضطهادها في المجتمع مثل اليهود، المسلمين، ممارسو أعمال السحر والشعوذة، من يتم نعتهم بالكفر والزندقة، وحين يجتمعون يمارسون عربدة تصل إلى احتقار كل ما يرمز للمعتقد المسيحي مثل الصليب ويمارسون الجنس مع الشيطان كقوة شريرة عظمى، وفي حضور «الأبراص» التي تكن جزءًا من تلك الطقوس، تنطلق قوة الشر العظمى التي لا يعرفها المجتمع ولم يشهدها من قبل. 

استخلص جيزنبيرج في بحثه الجذور التي تقف وراء اضطهاد فئات بعينها وبخاصة السحرة والمشعوذين، بل والهوس لتخليق نظرية مؤامرة تؤجج العلاقة الديناميكية بين مفهوم المجتمع حينذاك حول «الشر» وقدرته على إعادة تجسيده وصبه كقوة اضطهاد للفئات المهمشة داخل المجتمع، ويتضح ذلك من ممارسات التعذيب والاعترافات التي كانت تنتزع بشتى صنوف التعذيب من كل من يتم اتهامه بممارسة طقوس السحر أو الشعوذة أو وصمه بالزندقة والكفر بالمعتقد المسيحي، والتي سادت في القرنين الخامس والسادس عشر. لم يكن الاضطهاد موجهًا فقط نحو فئات في المجتمع، بل امتد أيضًا لـ«البَرص» باعتباره تجسيدًا لقوى شيطانية شريرة، مما أدى إلى وصم أيضًا من أصيب بالبرص/ الجذام في ذلك الوقت كونه حتمًا انضم لتلك الاجتماعات الليلية الماجنة التي تم تحقير فيها الصليب، فأصابته اللعنة، والوباء.

قوى شيطانية

ظهر المعلم الروحاني الصيني إدوار لي كي مينج في فيديو تم تداوله سريعًا عبر الإنترنت يشرح لجمهوره كيفية ارتداء الكمامة. قام بعدد من الحركات وكأنه يكتب حروفًا بالصينية متمتمًا بأصوات تعرف بـ«استدعاء القوة الشافية في وجه اللعنة»، ثم استتبع ذلك بعدد من الفيديوهات مؤكدًا «شر» الفيروس.

في 13 أبريل الجاري، تمّ رصد عدد من سكان القرى في مقاطعة توماكورو الهندية، يقومون بتفريغ ثمرات جوز الهند ووضع عيدان شجرة «النيم» ثم تركها أسفل تلك الشجرة التي تعد وفق الطقوس الهندية، الشجرة الشافية، واعتقادهم أن بقاء حبات جوز الهند أسفل الشجرة الأم سيُسرّع من القضاء على الأرواح الشريرة التي جلبها فيروس كوفيد 19. 

ذكرت إيميلي بالستيس، أستاذ مساعد علم النفس بجامعة نيويورك، أنه في الأزمنة التي تشهد توترًا عاليًا يميل الناس إلى ما يسمى بالتفكير «السحري»، ويظهر ذلك في تبينهم لعدد من الخرافات التي توحي لهم بأنهم قادرون، ولو بشكل طفيف، على تحجيم ما يشعرون به. واستطردت بقولها إن ذلك ما هو إلا مرحلة من مراحل الإنكار والرفض لما حدث.

أما من الناحية الدينية، فقد عاد إلى الذاكرة الإنسانية وباء الطاعون والكوليرا وغيرهما من الأوبئة والجوائح، التي حملت سمة «نهاية العالم» أو «يوم الحساب»، فامتدت الصلوات بجميع الديانات طالبة الغوث والعون، وفي بعض المناحي الأكثر تطرفًا، ظهر الاستعداد لـ«يوم القيامة» أو الاستدلال عليه من علامات كونية بعينها. يذكر الكاتب نيكولا ميكافيللي، الذي شهد وباء الطاعون بإيطاليا، ودون ما رآه ولاحظه كالتالي:

«لقد بحث الناس عن السبب وراء كل ما يحدث، البعض منهم أرجعه إلى تنبؤات العرّافين، والبعض ذكر أن الأنبياء والرسل قد ذكروا ذلك، لقد حاول الجميع فهم، ليس الوباء فحسب، بل ما صاحبه من مصائب سقطت على الجميع».

في حدود علمي، حتى تاريخ كتابة المقالة، لم يظهر أي ملمح يميل إلى التفكير الخرافي أو حكايات شعبية يمكن اقترانها مع الكورونا، سوى حادثتين، الأولى في لبنان حين ظهرت فتاة ادعت أن القديس «مارشربل» قد ظهر لها بينما يقوم بأخذ التراب من ضريحه، وغليه فيتم شفاء مرضى الكورونا، الأمر الذي أثار لغطًا دينيًا واسعًا في الشهر الماضي. 

شهدت مصر لغطًا أيضًا حين قام المذيع عمرو أديب بإعادة حلقات خبيرة التاروت بسنت يوسف، والتي توقعت في قراءة ليلة رأس السنة أن العالم سيشهد كارثة كبيرة، وتنبأت بالمسار المتوقع لتلك الكارثة. مما يدعو للتوقف، هو أن ظهور جائحة كورونا قد فتح مجالًا أوسع للاستماع لحكايات الجدات اللواتي عاصرن الكوليرا، أخبرتني إحداهن أنها حين تمّ تشخيصها بالكوليرا وقد كانت طفلة صغيرة، توجب عليها التهام «فأر أبيض» بحسب ما اعتقده الناس حينئذ أن «ابتلاع الحيوان الذي يحمل نفس الروح الشريرة، قادر على تجديد القوة الشافية»، وبالفعل، تستكمل قصتها، قامت والدتها بسلق الفأر الأبيض وقدمته لها على هيئة حساء أرنب صغير، والعجيب في القصة أنها بالفعل نجت من الكوليرا ولا زلت على قيد الحياة.

بلوت تويست سياسي

ظهر إدوارد سنودن، صاحب الحدث الأشهر لتسريبات معلومات من جهاز المخابرات الأمريكية، ليعلن أن كورونا ما هو إلا محاولة من الحكومات لما أسماه «هندسة القهر» The architecture of oppression، وأن الحكومات تسعى إلى تقييد وتقويض الحريات الفردية من خلال هذا الفيروس المختلق. ثم حذر من الإجراءات السلطوية التي تمارسها الحكومات تحت غطاء «كورونا»، وتنبأ بأن العالم سيفقد كل ما حصل عليه من حريات، وما ينتظرنا بعد ذلك هو المزيد من التقييد.  

الألم من خواء «قوالب» الفهم، هل يدفعنا لتخليق «هوية» للمرض؟

في عام 1983، قدم كلٌ من جوزيف شنايدر وبيتر كونراد، كتابًا شديد الخصوصية والرهافة التي تجمع بين التوثيق العلمي والمسار الإنساني في الفهم والتقصي، «الصرع: الخبرة والسيطرة على المرض». تتبع العالمان، ما يمر به المريض والمحيطون به أيضًا فيما يشبه الركض وراء متاهات شخصية لإيجاد هوية لـ«المرض»، وحين تتضح «علّته» قد يجد المريض حينئذ قدرته وقوته على النجاة. يقولان إن البشر يتشاركون في الرغبة في إضفاء معنى لمرضهم، يقومون بتطويع جميع معتقداتهم الدينية التي آمنوا بها قبل الإصابة، وربما احتفظوا بها بعد معرفتهم بالمرض، في بعض الأحيان يلتقطون المعنى من طبقتهم الاجتماعية أو علاقاتهم بذويهم، بل قد يصل البعض في مسعاه أن يستخدم بياناته في التأمين الاجتماعي والصحي كمدخل لمعنى لماذا أصيب بهذا المرض.

إن تلك المحاولات تشير إلى عمق الألم الإنساني الذي يشعر به الإنسان أمام ما يجهله، ويتعاظم هذا الألم ويصبح غائرًا حين يجد نفسه أمام ما لا يمكن فهمه، ليس على المستوى الفردي فقط، بل الجماعي والكوني أيضًا. يلجأ الإنسان في تلك المرحلة شديدة التعري أمام ضآلته وانكشافه أمام ذاته التي عرفها قبل المرض، إلى إعادة ترميم هويته، عن طريق تخليق «هوية» للمرض، وحين النجاة تنفصل الهويتان بالكلية، ثم يكون لدينا هوية جديدة للمريض -إذا ما أراد- ويصبح عنوانها «ناجٍ من السرطان» على سبيل المثال.

أتبنى ذلك الإطار في فهم مسعى البشر باختلاف مشاربهم لفهم وتأطير وتفسير ما يصعب فهمه، وبخاصة في حالة كارثية مثل جائحة الكورونا.

اعلان
 
 
ريهام عزيز الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن