الصحة النفسية و«كورونا»: مفاوضة العزلة والخوف
 
 
المصدر: «Ri_Ya» pixabay.com
 

«الموجة التالية لإصابات فيروس كورونا، ستكون موجة نفسية بالأساس»، هكذا عبّر الطبيب النفسي مصطفى حسين عن توقعه في حديث قصير أثناء الإعداد لهذا التقرير. فرضت الجائحة إجراءات التباعد الجسدي، ومشاعر مختلفة تتراوح بين الخوف من المرض وافتقاد التواصل الإنساني والإحساس بالإنهاك من الأخبار المفزعة التي لا تنتهي. 

تقلص العالم لدى الكثير منّا ليصبح بنفس مساحة المسكن الذي يعيش فيه. وخَلَقَ الانقطاع المفاجئ عن الحياة كما عرفناها إحساسًا هائلًا بالقلق. الروتين يُشجّع على الاطمئنان، وفقدانه يجعل الإحساس بالاكتئاب سهلًا. اضطراب في العالم يقابله اضطراب داخل عقولنا، وبين الاضطرابين نحاول مناورة العزلة والخوف والإحساس بالعَطَل، واكتشاف كيفية العيش مع الاضطراب. 

غير أن المشاعر المؤقتة الجديدة لأغلب من يعيشها الآن، هي واقع اختبره من قبل كل من تضعهم التصنيفات الطبية تحت مظلة «المرضى النفسيين» و«الأشخاص المصابين باضطرابات الشخصية». وبينما شكّل اضطراب العالم بسبب الجائحة فرصة للاعتراف بالحاجة إلى إبطاء إيقاع الحياة وقبول مشاعر الخوف والإحساس بالعَطَل، لم تكن تلك هي الحالة السابقة التي عاشها من تحدثنا معهم في هذا التقرير.

هنا، يُشاركنا ثلاثة أفراد جوانب من حياتهم اليومية في ظل «كورونا»: يتحدثون عن اضطراباتهم الشخصية وتفاعلها مع اضطراب العالم من حولهم، وعن المناورات اليومية للاستمرار.

يبدأ علي*، 33 سنة، يومه بشكل طبيعي. يتناول الإفطار ويشرب القهوة ويدخن سيجارة أو أكثر في البلكونة، قبل أن ينزل إلى شمس الشارع. يقف فقط مستمتعًا بالشمس والبقاء في مكان متسع، قبل أن يعود إلى حجرته مرة أخرى. ربما يقضي بعض الوقت على إحدى ألعاب الموبايل قبل أن يعمل قليلًا من المنزل. يتناول الغداء ثم يغادر حجرته مع نهاية النهار ليمارس الجري في الشوارع المجاورة. يعود مجددًا قبل بدء حظر التجول، ليجري مكالمة طويلة مع رفيقته المقيمة في بلد أخرى. يعمل قليلًا قبل أن ينام. 

هذه هي النسخة الأفضل من أيام علي، لكن هناك نسخة أخرى أسوأ بكثير، حين تتقلص مساحات تواجده بين السرير والبلكونة، كما يتراجع ما يقوم به من أنشطة لتقتصر على التدخين وشرب القهوة ومحاولات النوم، بلا قدرة على أو رغبة في التواصل مع أحد، أو الحركة أبعد من تلك الأمتار المعدودة.

في زمن الجائحة، احتاج الأمر إلى مجهود ضخم من علي، والكثير من تمارين الإلهاء كذلك، فقط للوصول إلى تلك الصيغة: موجات من القلق يسفر عنها «الأيام السيئة»، قبل أن تتراجع قليلًا لتسمح بأيام جيدة/ عادية، ثم تتكرر الدورة مرة أخرى. 

«على مدار تاريخي المرضي، دي أسوأ اللحظات على الإطلاق»، هكذا يصف علي لـ«مدى مصر» الأسابيع الماضية. التاريخ المرضي الذي يقصده هو فترة تجاوزت 10 سنوات منذ تشخيص حالته بـ«داء التوهم المرضي» المصحوبة باكتئاب واضطراب القلق. داء توهم المرض يجعل صاحبه يتخيل أعراض مرضية، وفي بعض الأوقات يشعر بها كأنها حقيقية، ليخلق كل ذلك خوفًا دائمًا من فقدان الحياة.

في البداية، مع الأسابيع الأولى لانتشار فيروس كورونا كانت هناك حالة من الخوف والقلق التي ابتلعت أي مخاوف أخرى لدى علي. لاحقًا، «مع إدراك أن العالم كله عايش في نفس الأزمة، وإن مفيش مخرج قريب، بدأ الخوف المرتبط بكورونا يتفاعل مع كل المخاوف الأخرى»، هكذا يصف علي تطور الإحساس بالخوف. 

يأخذ التفاعل بين الخوف الخاص بكورونا وبين «توهم المرض» أشكالًا مثل التفكير في سيناريو الإصابة بأزمة قلبية، وهو هاجس قديم لدى علي، يُدفع خطوة أخرى بأن يفكر في عدم قدرته على الذهاب إلى المستشفى خوفًا من الإصابة بعدوى فيروس كورونا، مما سيؤدي إلى وفاته وحيدًا في البيت. 

سيناريو آخر، أن يؤثر الاكتئاب والقلق الدائم على مناعته، مما يجعله أكثر هشاشة في مواجهة العدوى بفيروس كورونا. يزيد ذلك السيناريو من الإحساس بالقلق، مما يزيد من ضعف المناعة، مما يرفع من فرص الإصابة بالفيروس، وهكذا. 

يعمل علي صحفيًا. يشرح هنا كيفية تأثير ذلك على قدرته على التعامل مع الجائحة قائلًا: «أنا شغلي بيفرض عليَّ متابعة السوشيال ميديا طول الوقت، في الوقت اللي كل شخص بيتعامل مع نفسه باعتباره ممثل منظمة الصحة العالمية، وكل الناس بتنشر أخبار عن ارتفاع معدلات الإصابة في كل مكان في العالم، والأعراض الجديدة للفيروس، وتفاعل المرض مع المدخنين، وبالتالي نتيجة ده، أبدأ أنا نفسي أحس بالأعراض، سواء كحة أو صعوبة تنفس». 

بلا قدرة على الوصول إلى أي من أشكال الدعم النفسي المختلفة، تصبح مهمة التعامل مع كل هذه المشاعر أكثر صعوبة. يقول علي إنه لم يعد قادرًا على مقابلة الأصدقاء بسبب إجراءات التباعد الجسدي، كما توقفت جلسات العلاج النفسي لأن معظم العيادات النفسية أُغلقت مع انتشار الفيروس، ولا يشعر علي بالراحة على الإطلاق في جلسات العلاج أونلاين. ويفسر ذلك بأنها لا تحقق نفس درجة التواصل مع المُعالج، كما أنه لا يشعر بالأمان في استخدام تطبيقات مثل «زووم» على سبيل المثال للتحدث من خلاله في أدق تفاصيل حياته الشخصية. 

ربما لا تختلف حياة علي الآن كثيرًا عن السنتين الماضيتين في عزلتها كما يقول، لكن الفرق هنا في الاختيار أو غيابه، «لما ده يتفرض عليك بمنطق الخوف، يبقى شيء مختلف. ومش خوف إن حد هيوقفك ويعاقبك لما تخرج من البيت. لا، ده خوف إنك تمرض وتموت». 

يصف علي فيروس كورونا بأنه يجعلنا نعيش حالة أشبه بالحياة في ظل أنظمة شمولية: «مش هتقابل أصحابك ولا أهلك، ولو قابلتهم مش هتسلم عليهم ولا تحضنهم، ولو قعدتوا مع بعض هتقعدوا بعيد، ومش هتخرج من البيت إلا للضروريات فقط، ولو خرجت هيبقى بشروط معينة زي إنك تلبس كمامة وتحاول ما تلمسش أي حاجة وتفكر بشكل دائم في المسافة بينك وبين باقي المارة، وهترجع البيت قبل الساعة 8 بالليل عشان حظر التجول». 

الحياة التي يعيد الفيروس إنتاجها «خالية من أي ترفيه أو حياة اجتماعية. باختصار، الفيروس يحولنا لماكينات على صورة شبيبة الحزب الشيوعي بتاع ماوتسي تونج. وده مش بيحصل لأن فيه حد بيفرض الحياة دي عليك، لكن نتيجة الرقابة الذاتية، وده أصعب».

«انتظار المصيبة هو أصعب شيء على الشخص صاحب اضطراب الشخصية الحدّية. وأنا كان طول الوقت عندي إحساس إني في انتظار الموت. كان عندي إحساس إننا في نهاية العالم وهنشوف أحداث مأساوية». بدأ الإحساس بنهاية العالم لدى شيماء*، 30 سنة، مع إعلان الحكومة المصرية، في منتصف شهر مارس، تعليق الدراسة ثم وقف حركة المطارات وخفض عدد العاملين في الدولة. 

كانت شيماء اتخذت عدة قرارات بالفعل، سابقة على إجراءات الدولة، لحماية بناتها الثلاث. قررت إبقائهن في المنزل، كما منحت المربية إجازة طوال فترة الأزمة، وبقيت هي في البيت لرعاية الأطفال. 

تقول شيماء: «في العادي ما أقدرش أستغنى عن مربية البنات، لأن ممكن جدًا لفترة 10 أيام أبقى غير قادرة على فعل أي شيء بسبب موجة حادة من التغير المزاجي. وقتها، المربية بتبقى أساسية لرعايتهم. لكن في النهاية كنت مضطرة إني أستغنى عن خدماتها في الوقت ده، لأني مش عايزاها تبقى بتنزل كل يوم وبتركب مواصلات وبتقعد مع البنات». 

رغم أن القرارات الحكومية السابقة جلبت لها بعض الهدوء في البداية، لأنها شعرت بأن خوفها طوال الأسابيع السابقة على تلك القرارات كان مبررًا، إلا أن مشاهد خلو الصيدليات من أدوات الوقاية الشخصية والتزاحم على محلات السوبرماركت لشراء المستلزمات المنزلية المختلفة أثار ذعرها مرة أخرى. 

ظلت شيماء تدور على الصيدليات في محاولة لشراء كحول للتعقيم، وفي خيالها ذلك الخوف من اختفاء المواد الغذائية من المحال التجارية، مُضافًا إلى مخاوف سابقة من إصابة أحد أفراد أسرتها بالفيروس، أو عدم وجود المال الكافي لديها لمواجهة فترة طويلة من عدم العمل، أو تفاقم الوضع العام بسبب الجائحة والوصول إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي. 

تقول «كان ده الوحش اللي بيخلقه التفكير المفرط. وقتها كان بيجيلي أفكار انتحارية كتير». تشرح شيماء أن الأفكار المُحفزة على إنهاء الحياة في مثل هذه الظروف تُصبح أكثر تواترًا مع انتظار مصيبة لا تقع، غير أن جولات العلاج المستمرة والطويلة التي خاضتها ساعدتها على تخطي تلك المرحلة، والسيطرة على أفكارها. فضلًا عما سبق، يتسبب اضطراب الشخصية الحدّية لصاحبه في تغيرات مزاجية عنيفة وسريعة صعودًا وهبوطًا. وفي مناخ عام مليء بالذعر، يحتاج الأمر جهدًا مضاعفًا للسيطرة على التغيرات المزاجية.

طوال الأسابيع الماضية، حاولت شيماء إبقاء نفسها وبناتها مشغولات طوال الوقت، لتجنب ترك أي مساحة للقلق أو التفكير في المستقبل أو الإحساس بالملل. بالإضافة إلى المهام المنزلية التي عادة ما تطلب من بناتها مساعدتها في أدائها، تحاول اكتشاف أساليب جديدة للتسلية في المساء، مثل تلوين الزجاجات الفارغة، أو محاولة صناعة مسرح أراجوز من صناديق الورق المقوى، أو غيرها من الأعمال اليدوية. 

محاولات شيماء المستمرة لخلق روتين يومي للبنات وإبقائهن بعيدات عن الملل قلّص من الوقت المتاح كي تقضيه مع نفسها، خاصة مع عدم وجود مساعدة كافية من الأفراد الآخرين بالأسرة. تشرح: «في الأول، البنات كانوا بيناموا الساعة 8 بالليل ويصحوا 6 الصبح، وبالتالي كان عندي يوميًا من الساعة 8 إلى 12 بالليل لنفسي. دلوقتي، الوقت ده اختفى تمامًا لأن الروتين اليومي للبنات انتهى تمامًا برضه». تحاول شيماء مرة أخرى إعادة الروتين لحياتها وحياة أسرتها، إلا أنها تواجه مقاومة من الأطفال تزيد من اضطراب اليوم والإحساس بالإرهاق والتوتر.

ما يُضاعف أيضًا إحساس شيماء بالتوتر هو صعوبة الوصول للدعم النفسي في تلك الأوقات. فمع إغلاق العيادات النفسية، لم يعد متاحًا إلا جلسات العلاج النفسي أونلاين، التي تسير بحسب سرعة الإنترنت المنزلي التي تزداد بطئًا مع ضغط المستخدمين المعزولين في منازلهم. في النهاية، قد تضطر إلى إكمال الجلسة على التليفون، دون قدرة على رؤية طبيبها، مما يقلل من الإحساس بالتواصل.

بالإضافة إلى جلسات العلاج الفردية، تشارك شيماء في اجتماعات دورية لإحدى المجموعات العلاجية. قبل الجائحة، كان حضور اجتماعات المجموعة أمرًا ممتعًا بالنسبة لها. حيث تقضي نحو ساعتين ونصف بين مجموعة من الأقران الذين أصبحوا أصدقاءً مع مُضي الوقت. ومع التحول للاجتماعات عن بعد، ظهرت مشكلات جديدة، فبعض المشاركين لا يملكون رفاهية الخصوصية في منازلهم، بالإضافة إلى زيادة التوتر والقلق لدى أغلب أفراد المجموعة مما يجعل السيطرة على الاجتماع أمرًا صعبًا ومرهقًا بدرجة كبيرة.

وسط كل هذا الصخب، ورغم الصعوبات، تحاول شيماء أن تستلهم من محاولات رعاية نفسها إحساسًا بالقيمة وتقدير الذات، لا يعتمد بالضرورة على ما تُنتجه. قررت أن تؤجل مؤقتًا أي مشاريع مرتبطة بالعمل، بعد أن شعرت بالغضب تجاه كل الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي للاستفادة من وقت العزلة المنزلية بشكل «مُنتِج». تقول «هذا وقت النجاة» وليس أكثر. 

تقارن ذلك بإحساسها تجاه الأوقات السابقة على الجائحة: «طول الوقت، العالم كان بيحسسني إني لازم أشتغل أكتر عشان أثبت إني شاطرة، طول الوقت لازم أجري، لأن العالم نفسه بيجري، وما ينفعش أقف. ولو في أي وقت كنت تعبانة، هتبقى مشكلتي أنا الفردية، مش مشكلة حد تاني»، مضيفة «لكن دلوقتي العالم كله قاعد.. واتضح إنه ينفع نقعد عادي». 

العزلة والوحدة والاضطراب وافتقاد التواصل الإنساني مع الآخرين هي معالم الحياة التي فرضتها جائحة كورونا على الكثير من الناس. قد يبدو الوضع استثنائيًا للكثيرين، لكن بالنسبة لـ «إيلين»* فالأمر مختلف. 

كتبت إيلين السطور التالية قبل أيام من حديثها مع «مدى مصر»: «أمثالنا من الأشخاص الذين يعانون من المرض النفسي لا يحتاجون إلى  كابوس نهاية العالم ليشعروا بأن حياتهم مُعطّلة مرات ومرات، خاصة في عالم لا يعترف إلا بنمط واحد لعمل الجهاز العصبي، عالم يفرض علينا إحساس بالعار والتهميش دائمًا لأننا لا ننتج بالطريقة المطلوبة منّا. أمثالنا ممن ليسوا غيريين جنسيًا يعانون يوميًا للتواصل مع بعضهما البعض، لأننا نعيش في عالم ووسط أناس يحاولون دائمًا إبقائنا متباعدين، بنفس عدائية وإصرار الجائحة».

لا يعني ذلك أن العيش في زمن الجائحة يجعل التجربة اليومية بالنسبة لـ إيلين شبيهة بما سبقها من سنوات. على العكس، تزداد التجربة صعوبة لسببين بحسب ما تشرحه: الأول أنها مريضة بالاضطراب ثنائي القطب، والثاني أنها كوير [ذوو الهويات الجندرية غير النمطية]. 

تقول إيلين: «في الطبيعي، أنا بعمل مجهود عشان يتم قبولي في العالم. لازم أراقب تغيرات مزاجي كل يوم، ساعات نومي، معدل تسارع أفكاري، لازم أتأكد إني بعمل تماريني الرياضية، إني منتظمة في جرعات الدواء، إني ما عنديش أعراض ذهانية. بحس كأني عايشة في معسكر جيش. دي الحياة العادية بتاعتي».

ما تصفه إيلين، 40 سنة، تعمل في مجال التعليم، في الفقرة السابقة هي الإجراءات التي تفرضها على نفسها في الأوقات العادية، فقط كي تلبي متطلبات العالم منها: أن تظل مُنتجة، ومتماسكة، ومُستقرة، بأقل قدر ممكن من الاضطراب. تضيف الجائحة لكل ما سبق طبقة أخرى من «القلق والهلع الجماعي»، كما تقول إيلين. غير أنها مرهقة بالفعل من كل ما تقوم به في الأيام العادية، ولا تتحمل بأي حال إضافة هذه الطبقة من الهلع، أو فرض المزيد من الرقابة على ذاتها. 

«أنا مش بتعامل مع الموقف ده لوحدي، أنا كمان بتعامل مع جغرافيا إنسانية لدوائر من البشر بتعاني بشكل أو بآخر. تخيل حجم المجهود اللي بعمله أنا أو غيري للتأكد إن الناس القريبين مني سواء في الدوائر الكويرية [ذوي الهويات الجندرية غير النمطية] أو في دوائر المرض النفسي كويسين، ومش منهارين، وبيلاقو الدعم الكافي»، هكذا تصف إيلين العبء الإضافي لكورونا. 

لكن أكثر ما يُثير غضب إيلين هو إدراك العالم الآن فقط أنه «مقبول إنهم يخافوا من العزلة، مقبول إنهم يبقوا مُحبطين أو مكتئبين،  مقبول ما يبقوش قادرين ينتجوا». لا ترى إيلين أنه من العدل أن يحتفي العالم بحكمة تعلمها فقط في زمن الجائحة، بينما لا يلتفت إلى حقيقة أن ما يمر به الآن من مشاعر خوف من عدم الإنتاج أو العزلة أو فقدان التواصل هي المشاعر اليومية لمن يعانون من مرض نفسي بينما يتعاملون مع متطلبات العالم الذي لا يرى بالضرورة احتياجاتهم. 

تشرح ذلك بقولها «أنا عمري ما حد قالي إن عادي إني أبقى مش منتجة، محدش قالي إنه مقبول إني أبقى مكتئبة وتعبانة من العزلة […] كأن الموضوع كان محتاج جائحة على مستوى العالم عشان الناس تفهم ده بعد شهرين بس من العزلة، بينما أنا عشت حياتي كلها بحاول توفير ده لنفسي». 

وترى أن «العالم» لن يتعلم من تلك التجربة كيف يُغير قوانينه وأطر العمل الخاصة به لكي تُصبح أكثر إدماجًا للمختلفين، كما لن يتغير ليصبح أكثر انفتاحًا على البشر بتنوعهم، سيكون الأمر أقرب إلى فترة مؤقتة، سرعان ما يعود العالم بعدها إلى ما سبق. في النهاية، ترى إيلين أن «محدش بيقول أنا دلوقتي جربت الإحساس بالعزلة، فأنا متعاطف مع الناس اللي كانت معزولة قبل كده، أو أنا جربت الإحساس بالخوف من النبذ فأنا متعاطف مع الناس اللي كانت حاسة بالنبذ. الخطاب ما زال متمحور حول تجارب الغيريين جنسيًا والمقتنعين بوجود نمط عصبي واحد. كإننا ملناش مكان في الدنيا وهنفضل ملناش مكان في الدنيا».

تختم إيلين بقولها: «جزء مني مش عايزة الجائحة تنتهي والحياة ترجع طبيعية. عندي فرصة دلوقتي إني أقول مش أنا بس اللي الإيقاع بتاعي مش ماشي مع الدنيا، أنتم كمان. وبالتالي هستغل الفرصة دي وآخد حقي كامل من الوقت السابق على الجائحة. هخلي بالي من نفسي، وأحط ضغط أقل على روحي، وأسمح لنفسي أبقى منتجة أقل.. زيكم كلكم».

* الأسماء المذكورة في التقرير وبعض التفاصيل الشخصية غير حقيقية للحفاظ على خصوصية المصادر.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن