مفردات عالم الكورونا| «الأزمة»
 
 

كورونا فيروس صغير وسريع الانتشار. قيل إنه يجتاح الصين في البداية، ثم ركّع أنظمة الصحة العامة في أوروبا، وأخيرًا بدأ تفشي الوباء في مصر. وبينما كان العالم يتصارع مع الوباء وتداعياته، تأخرت الحكومات في إبداء أي رد فعل. بدأ الأمر بالإنكار، ثم تحوّل إلى القرارات السريعة الحاسمة، وتطوّرت الأوضاع إلى أن أصبح الفيروس الصغير شيئًا عميقًا، وغامضًا، وطاغيًا. وأصبح «أزمة».

 تخطر الكلمة تلقائيًا في أذهان الشعوب التي اعتادت المرور بتلك اللحظات المربكة، حيث تتوقف الحياة اليومية الطبيعية أو الأمل في الوصول إليها، ويبدو أن المجتمع بالكامل يواجه شبحًا مشتركًا. فالأزمات من جميع الألوان والأطياف دائمة في تاريخ العالم؛ أزمات سياسية، واقتصادية، وثقافية، وتجتمع كل تلك الأزمات الآن في ظلال الجائحة.

ولكن ما معنى أن نسمي وباء الكورونا «أزمة» مثل الانهيار الاقتصادي العالمي الذي حدث في عام 2007-2008، أو رفض الاتحاد الأوروبي لاستقبال المهاجرين واللاجئين الوافدين من خارج أوروبا بصورة آدمية؟ ما هي العلاقة بين الأزمة الراهنة في مصر وأزمات الدستور ما بعد ثورة 25 يناير، أو أزمات الخبز واللحم في السبعينيات مثلاً؟ ولماذا يطرأ على لساننا مصطلح الـ«أزمة» في مثل هذه اللحظات؟

في معناها الحديث، تُستخدم كلمة الـ«أزمة» كمعادل مباشر للمصطلح المنتشر بنفس المعنى في أغلب اللغات الأوروبية: crisis ،crise ،Krise ،crisi. يرجع المصطلح الأوروبي إلى أصول إغريقية ولاتينية، فكان في معناه الحرفي يعني «القرار» أو «الحُكم». ولكن استخدامه الحديث مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياق الطبي، فالأزمة هي اللحظة الحاسمة التي يتحول فيها المرض إما إلى الأفضل أو الأسوأ، وفي جميع الأحوال، هي اللحظة التي يتجلى فيها المرض في أقصى صورة له. إلى الآن، يبقى هذا الاستخدام الطبي للمصطلح شائعًا، بينما تضاعفت استخداماته السياسية والاقتصادية والثقافية وما إليها.

هناك حلقة وصل بين الاستخدام الطبي والاستخدامات الأخرى للكلمة، وهي التصور الشائع عن المجتمع بوصفه جسم إنسان. مثلما يعاني جسم المريض من الأزمة الطبية، يعاني الجسم الاجتماعي من الأزمات السياسية والاقتصادية والثقافية. ويقتصر دور الطبيب الماهر في مثل هذه الأحوال على تشخيص الأزمة ثم معالجتها عبر أحدث الوسائل التقنية والعلمية.

تم اعتماد هذا المجاز منذ أوائل ظهور العلوم الاجتماعية في أوروبا وفي مصر كذلك، عبر ما يُسمى بالمنهج الـ«عضوي» أو الـ«وظيفي»، والذي يحتم على جميع أعضاء المجتمع التعاون في سبيل إبقاء الجسم الكُلي على قيد الحياة. في السياق الاقتصادي مثلاً، تُعتبر الأزمة إحدى المراحل المتكررة في تاريخ الرأسمالية، بين النمو والركود الدوريين. وبينما يرى الاقتصاديون اليساريون أنها مرض مُزمن يستدعي تغييرات جذرية في بنية الاقتصاد لمعالجته، يفسر معظم الاقتصاديون تلك الأزمات وكأنها أمراض عابرة، يجب تخطيها لصالح حركة الاقتصاد والأرباح. كذلك أصبح المجاز الجسماني للأزمة منتشرًا إلى درجة أن أي مسؤول وأي إعلامي وأي خبير استراتيجي يتميز بمعرفة خطاب ممنهج عن طبيعة الـ«أزمة» وسبل معالجتها، مهما كانت الظروف ومهما كانت الأزمة.

وهنا يجب أن نتساءل: إذا وضح دور الطبيب والمريض أثناء معالجة الأزمة الطبية، مَن هو المريض ومَن هو الطبيب في الأزمة الاجتماعية؟ أو بمعنى أصح، مَن يجب إعانته في ظل انتشار الأزمة، ومَن لديه السلطة لتشخيصها ومعالجتها؟ هناك ثلاثة إشكاليات في هذا الانتقال بين الطب والمجتمع.

الأولي هي أنه لا توجد معايير محايدة وموضوعية لتشخيص «الأزمة». 

فبينما الجميع يواجه شبحًا واحدًا وموحدًا يُسمى «أزمة الكورونا»، ليس هناك وجهٌ  للمقارنة بين الناس التي تحتاج إلى يوميتها للبقاء على قيد الحياة والناس التي تستطيع التزام بيوتها خوفًا من الوباء، أو بين العمّال والعاملات الذين يخسرون فرص العمل ورجال الأعمال الذين يخسرون الأرباح. يعاني الجميع من الأزمة، ولكن تختلف تداعياتها كل الاختلاف، حيث تتفاقم الأزمة إلى عدة أزمات في الواقع: أزمة دخل، وأزمة وقاية، وأزمة عمل، وأزمة أرباح، إلخ.

تتجلى المشكلة الثانية في تعدد تلك الأزمات، فالأزمة ليست حالة فريدة واستثنائية، ولكنها حالة دائمة ومتكررة.

 إذا افترضنا أن الأزمات متعددة، كيف يمكننا توحيدها في صورة الشبح الهائم الذي نسميه الـ«أزمة»؟ وكيف يمكننا التمييز بين اللحظة الحاسمة التي يجب تخطيها للخروج من الأزمة والأزمات المتعددة التي تكاد أن تكون دائمة وبلا نهاية؟

نصطدم هنا بإشكالية تاريخية بامتياز، وهي كيفية التعامل مع اللحظة الراهنة بوصفها استثنائية في ظل تكرار المشاكل المعتادة التي تتكشف أثناء تلك اللحظات. فلا يمكن التفكير مثلاً في الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2007-2008 بوصفها مرحلة استثنائية، بما أن تاريخ الرأسمالية حافل بالأزمات الدورية المتكررة بمعدّل قد لاحظه الاقتصاديون منذ بداية القرن العشرين (في نظريات كوندراتييف عن الموجات الاقتصادية مثلاً). وكذلك أزمة الكورونا الحالية تحيل إلى وباءات سابقة عبر العالم وفي مصر (فيروس «سي» والبلهارسيا والطاعون مثلاً).

أما الإشكالية  الأخيرة، فهي أن الوسائل المستخدمة لمكافحة الأزمة تتمحور حول الحفاظ على المصالح التي يدافعون عنها، هؤلاء الذين يدّعون القدرة على إدارة الأزمة. 

واقع الأمر أنه لا يوجد موقع اجتماعي متميز يسمح بالتشخيص والمعالجة الشاملة للأزمة. على سبيل المثال، تصور أوائل علماء الاجتماع أنهم «أطباء المجتمع»، وتظاهروا بالقدرة على الإلمام بجميع المشاكل الاجتماعية وحلولها عبر تقنيات علمية وإحصائية دقيقة. انتشرت مثل هذه التقنيات في دوائر الإعلام والحكم، ولذلك يتصور المسؤولون والإعلاميون والخبراء اليوم أن لديهم قدرة فريدة للتعامل مع الأزمة. ولكن واقع الأمر أن شبح الأزمة أكبر مما يستطيع المسؤول والإعلامي والخبير أن يُلم به، وبالتالي فالوسائل المقترحة لمعالجة الأزمة هي وسائل معروفة ولكنها ليست بالشرط الوسائل المطلوبة.

على عكس الطبيب الذي ليس أمامه إلا المعالجة الشاملة للمريض حتى يبقيه حيًا، يستطيع الخبراء أن يدعموا فقط تلك القطاعات من المجتمع التي تعنيهم في مواجهة الوباء وآثاره، وفي الوقت نفسه أن يتركوا قطاعات أخرى لمواجهة المرض والموت وحدها. فالخبراء ليسوا أطباء في نهاية الأمر، وليس هناك جسم اجتماعي موحد لمعالجته. وما تكشفه الفجوة بين الإجراءات المطلوبة والإجراءات المتخذة بالفعل هي الفواصل والشروخ والصراعات المُزمنة في المجتمع، كما يكشف الوباء التردّي الهائل في الأدوات التنفيذية المتاحة لمواجهته بشكل يحافظ على السكان. فالمواجهة تتم في إطار تصور الحكومة الضيق عن أبعاد الأزمة ووسائل التعامل معها، ومن الواضح أن هذا التصور لا يشمل الحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأرواح.

نادرًا ما تُطرح مثل هذه التساؤلات عن طبيعة «الأزمة» أثناء وقوعها. الظرف الطارئ يحتم الفعل السريع والحركة السريعة، ولا مجال للجدال والتفكير في رأي المسؤولين. يتعمد هذا الموقف فصلًا تامًا بين التفكير والفعل، وهو شيء مستحيل، فهناك نمط تفكير مُتضمن في جميع أفعال المسؤولين والإعلاميين والخبراء عن طبيعة الأزمة والوسائل المتاحة لمعالجتها. إذن فإن رفض التفكير فيمن يحدد إطار الأزمة والضوابط التي تحكم إدارتها ليس إلا تفريغًا متعمدًا للواقع من محتواه السياسي. إن تشخيص ومعالجة الأزمة يتم أولاً بغرض الحفاظ على المصالح الكبرى قبل الاهتمام بحياة البشر المتورطين فيها. وليس هنا مما يدعو للمفاجأة، فالظرف الحالي يكرر جميع مساوئ الظروف الماضية، والأزمة الراهنة ليست إلا تفاقمًا للأزمات الدائمة.

اعلان
 
 
شهاب الخشاب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن