هُن في الحجر المنزلي.. بين أخطار الفيروس والعمل والعنف
 
 

إذا ارتدينا نظارة «الجندر» ونظرنا بها إلى أزمة فيروس كورونا العالمية، سنتمكن من رصد عدم المساواة الجنسانية بشكل واضح.  

لم تتخاذل السيدات على مستوى العالم في مكافحة الفيروس، بل كافحن ضده بكل الإمكانيات المتاحة، ضاعفن مجهوداتهن في النظافة المنزلية، وفي توفير الرعاية الصحية للأبناء، قمن بشراء جميع المستلزمات الطبية من الكمامات والقفازات والمطهرات حتى لو كانت عبئ على مصروفهن أو ما لديهن من أموال، حتى العاملات في القطاع الصحي لم تتراجعن عما تقدمنه من رعاية صحية للمرضى خوفًا من المخالطة، بل تقبلن المزيد من المهام الطبية التي تتطلب تحمُل المزيد من ساعات وضغط العمل، ولكن هل للوباء تبعات تؤثر على النساء، خاصة هؤلاء قليلات الحظ منهن؟

العنف ضد المرأة في الحجر المنزلي

إحدى العاملات بالقطاع التعليمي في مصر، طلبت عدم ذكر اسمها، تقول لـ«مدى مصر»: «كنت من أوائل الموظفين الذين حصلوا على إجازة مع بداية أزمة كورونا في مصر لكوني حامل، تعرضت خلال تلك الإجازة للضرب والإهانة من زوجي بحجة الإهمال في النظافة المنزلية، وهذه ليست المرة الأولى، هناك مرتان سابقتان انتهتا بتدخل الأقارب مرة وبتدخل الجيران مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم يأتِ أحد خوفًا من الوباء والعدوى».

بيان الخط القومي الساخن للعنف المنزلي في الولايات المتحدة الأمريكية قال إن «إساءة المعاملة مرهونة بالسلطة والسيطرة، حين يضطر المضطهدون للبقاء في المنزل بالقرب من الجناة، يكون بإمكان الجناة استخدام أي وسيلة للتحكم في ضحاياهم حتى لو كانت أزمة وطنية مثل فيروس كورونا المستجد».

بينما يناشد الإعلام الأفراد في جميع المجتمعات بعدم الاختلاط وترك المسافات الآمنة الكافية بينهم، تتقلص المسافات بين النساء والمعتدين داخل المنازل. وعلى الجانب الآخر لا تستطيع هؤلاء النساء الابتعاد عن المعنِفين والمنتهكِين بسبب انعدام الأمان المالي، وعدم توفير مصدر للدخل أو توقف هذا المصدر بسبب انتشار فيروس كورونا. لم يعد المنزل ملجًأ كما في الأوقات العادية والأوضاع الطبيعية، أصبحت النساء مجبرات للجلوس مع المعتدي، سواء كان شريك أو أحد أفراد الأسرة، وقت أطول بسبب الظروف الراهنة.

المزيد من العمل غير المدفوع

عدم المساواة الجنسانية في ظل أزمة كورونا لم يكن وليد اللحظة، بل أن جذوره ترجع إلى عدم المساواة بين النساء والرجال خاصة في مجال العمل، حيث ما زال عمل المرأة هامشي في كثير من المجتمعات، إلا أننا نجد أن الكثير من السيدات متمسكات بأعمالهن بالرغم من قلة الرواتب والبُعد عن المناصب القيادية مقارنة بالرجل، ولكن بسبب انتشار وباء كورونا قد يتم إجبارهن على ترك هذه الأعمال والتفرغ لتقديم الرعاية الصحية للأسرة نظرًا للاحتياج الشديد لها وبسبب الاعتماد الكُلي على المرأة في ذلك، مما يؤثر على زيادة اتساع الفجوة الجندرية بين الجنسين عالميًا في المستقبل.

قبل أزمة كورونا، أشارت دراسة لمنظمة العمل الدولية إلى أن النساء في العالم العربي يمضين 329 دقيقة، أي 5 ساعات و29 دقيقة في أداء أعمال الرعاية غير المدفوعة، و36 دقيقة في أداء الأعمال المدفوعة يوميًا، في حين يمضي الرجال 70 دقيقة في الأعمال غير المدفوعة، و222 دقيقة في الأعمال المدفوعة.

وبالطبع سيزداد المعدل الزمني الذي ستقضيه المرأة في إنجاز المهام المنزلية والرعاية الصحية للأسرة في ظل وباء كورونا المستجد. بالإضافة إلى مهمة التدريس للأبناء بعد غلق المدارس وتفعيل التعليم عن بُعد في أغلب دول العالم، ومن بينها مصر، ولا ننسى عبئ إضافي لدى العديد من النساء الملتزمات بالقيام بأعمالهن الرسمية عن بُعد، من خلال الإنترنت، ليجدن أنفسهن في نهاية اليوم مستنزفات جسديًا ونفسيًا.

عن الاستنزاف الجسدي والنفسي تحكي صديقة تونسية، طلبت عدم ذكر اسمها، تعمل في مجال تصميم الأزياء: «أنا متزوجة منذ سبع سنوات، ولديّ طفلان أحدهما لديه إعاقة في الحركة وهو ما يتطلب المزيد من العناية، وطوال هذه السنوات لم أتحمل مسؤولية الأعمال المنزلية أو أعمال الرعاية بشكل كُلي لأن هناك سيدة تساعدني في أداء تلك الأعمال، ولكن تفاقم أزمة كورونا وتوقف سوق العمل على مستوى العالم جعلني أجلس في المنزل وطلب مني زوجي الاستغناء عن أعمال السيدة التي تساعدني خوفًا على الأطفال من العدوى، ومنذ ذلك الحين وأنا أتحمل عبئ الأعمال المنزلية كاملة دون أي مشاركة منه بالرغم من جلوسه معنا في المنزل وبالرغم من التحاور بيننا في هذا الشأن، الذي غالبًا ما ينتهي بالصوت العالي وبرفضه المشاركة بحجة أنه يعمل من المنزل عن طريق شبكة الإنترنت، مع أن وقت عمله على اللابتوب لا يتعدى الخمس ساعات. أصبحت مطالبة بأعمال نظافة البيت، ونظافة الأطفال بهوس وليس بشكل عادي، وطهي الطعام الشهي يوميًا، والآن أعاني من حالة نفسية سيئة للغاية، أشعر أنني أواجه الأزمة بمفردي».

ولكن مريم، مصففة شعر مصرية، استطاعت أن تحول أزمة الحجر المنزلي لأسرتها إلى وقت لطيف تقضيه بمشاركة زوجها وأطفالها. تقول «سماعي خبر قرار رئيس الوزراء بغلق جميع محلات الكوافير في مصر للوقاية من فيروس كورونا أصابني بالحزن الشديد وجلست يومًا كاملًا أبكي، لم أعتد الجلوس في المنزل لأني شخص محب للعمل وبحب مهنتي جدًا، ومن الناحية المادية شغلي يمثل النسبة الأكبر من الدخل في البيت، ولكن زوجي استطاع أن يتحمل معي المسؤولية في الجزء المادي والمعنوي دون أن أطلب منه ذلك».

وتضيف «أمي الله يرحمها كانت تقول الرجالة مواقف وموقف زوجي وقت الأزمة ساعدني على الاستمرار وعدم الاحباط، أصبح يشاركني كل شيء في البيت، الطبخ، وغسيل الملابس، وغسيل المواعين، ومشاركة بنتي وابني في إنجاز الأبحاث المطلوبة منهما في المدرسة، والأجمل أنه يعمل كل ذلك بروح مرحة وخفيفة ولذلك أقوم بتصوير لحظات من مشاركتنا في البيت فيديو وأقوم برفعها على حسابي على فيسبوك لأنها لحظات تستحق أن توثق للذكرى».

مُجبرات على المخاطرة 

في ظل الانتشار الإعلامي لحملة «خليك في البيت» نجد أن هناك جلوس نساء في بيوتهن يعني انتهاء الأسرة وموت أفرادها من الجوع بدلًا من الموت بفيروس كورونا، حيث أن في مصر عدد الأسر التي تقوم المرأة بإعالتها 3.3 مليون أسرة بما يعادل 30% من الأسر المصرية، وذلك حسب نتائج تعداد مصر 2017. ولذلك إقناع هؤلاء السيدات بالتزام البيوت دون توفير سُبل تكفل أسرهن ضمن خطة الحكومة لمواجهة انتشار الفيروس هو أمر بالغ الصعوبة.

كما أن في كثير من تلك الأسر، نجد أن الرجل يُجبر المرأة على النزول من أجل كسب المال بالرغم من كل التحذيرات بعدم الخروج إلا للضرورة، فالضرورة بالنسبة له هو أن يأكل وأن يرى أبنائه يأكلون حتى إذا كان ذلك على حساب ربة الأسرة المعرضة للإصابة بالفيروس والتي لا تملك في أحيان كثيرة المال لشراء كمامة أو مطهر تستخدمه خلال تواجدها خارج البيت.

تقول بسمة: «أنا بصرف على أسرتي من صغري من أعمال مختلفة، مرة أبيع مناديل، ومرة أبيع شرابات، ولكن آخر حاجة استقريت عليها إني ببيع أدوات دراسية قدام جامعة، ومن يوم الحظر وإجازة الطلبة مبنزلش من البيت، لكن أمي وجوزها وأختي الصغيرة مش لاقيين يصرفوا، جوز أمي في البداية كلمني بالهدوء علشان أدور على شغل تاني، ولما كملت قعدة في البيت ضربني ومن بعدها بقيت بنزل حتى لو مفيش شغل وربنا بيرزق».

 عطيات، 50 عامًا، اعتادت بيع الخضروات في أحد الأسواق بالإسكندرية، وتعول أسرتها المكونة من زوجها العاجز عن العمل منذ سنوات، وثلاثة بنات، تقول: «عجز جوزي برجله ما منعوش إنه يضربني لما قعدت في البيت بعد ما الحكومة قررت تخلي سوق الخضار وتقفله، عشان كده قررت أنزل كل يوم أساعد خياطة في شارعنا، واللي بأخده منها بشتري به لقمة في البيت وده بيخليه يسكت».

ومن ثم، هن مستمرات في النزول بحثًا عن الرزق تارة، ولشراء مستلزمات الأسرة تارة أخرى، أو استجابة لرغبة رجل ما في الأسرة زوجًا كان أو زوج أم، وبالتالي تزداد احتمالية إصابتهن بكورونا، وانتقال الفيروس من خلالهن للأسرة بأكملها.

 ويصل خطر الإصابة بكورونا إلى النساء العاملات في مجال الرعاية المنزلية، خاصة المهاجرات منهن واللواتي يعشن مع أرباب أعمالهن، فقد يحول حظر التجوال في كثير من البلاد دون حصولهن على إجازاتهن الأسبوعية ومن ثم يصبحن بعيدات جسديًا ومعنويًا عن أسرهن، وقد يتعرضن للإهمال من حيث عدم إمدادهن بالمعلومات الكافية عن الفيروس والإجراءات الوقائية منه، وكذلك عدم شراء المستلزمات الطبية لهن، وكذلك قد يتعرضن للطرد حال إصابتهن.

العاملات في القطاع الصحي

 نستطيع القول بأن مجال الرعاية الصحية على مستوى العالم محمول على أكتاف أغلبها نسائي، حيث أن النساء يشكلن 75% من القوة العاملة في الرعاية الصحية عالميًا، وبالرغم من ذلك يستحوذ الرجال على 72% من المناصب القيادية في مجال الصحة على المستوى العالمي، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية،

مما يضع العاملات في القطاع في مواجهة الخطر. ويتعدى ذلك الخطر مجرد الإصابة بالعدوى، بل يصل إلى نقل العدوى لأكبر عدد ممكن من الأسر خاصة إذا كن يقمن برعاية أفراد ذوي مناعة ضعيفة مثل كبار السن والأطفال.

كما أن هؤلاء العاملات وعائلاتهن معرضات للوصم المجتمعي مثل المرضى أو المتعافين من الفيروس. تُعلق على ذلك نورا، ممرضة جزائرية، قائلة: «عند العودة إلى أسرتي بعد ساعات العمل المنهكة أسمع من الجيران والمحيطين كلمات قاسية بسبب مخالطتي لمرضى الفيروس، والأسرة ذاتها خائفة من التعامل معي منذ تصنيف الفيروس كوباء عالمي». وأضافت: «أمي تطلب مني ترك العمل باستمرار، والبقاء في المنزل، ولكنني لا أريد ذلك؛ لأن الهروب من مواجهة الأزمة سيساعد في سيطرتها على البلاد، بالإضافة إلى اعتمادي الكُلي على العمل معنويًا وماديًا».

 يشير تقرير أعدته هيئة «كير» الدولية المعنية بالقضايا الإنسانية، اعتمادًا على دراسات لأمراض وبائية سابقة، إلى أن النساء تتحملن عبئ ثلاثي الأبعاد في الأزمة، حيث إنهن «يتحملن مسؤولية الوقاية من المرض وجهود المواجهة، ويتعرضن لخطر الإصابة، إضافة إلى الأذى العاطفي والجسدي والاقتصادي».

بالرغم من إحصائية وزارة الصحة المصرية التي تقول إن 31% من المصابين بفيروس كورونا إناث، و69% منهم ذكور، إلا أن الكثير من الحكايات والشواهد تشير إلى أن معاناة النساء جراء الجائحة أكبر.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن