كرامة المصريين في «كبد»

ما بين «كَبَد» في سورة البلد: «لقد خلقنا الإنسان في كَبَدٍ»، وتعني المشقة والمعاناة، و«كبد» اسم المنطقة الصحراوية التي أقامت بها دولة الكويت مراكز إيواء مؤقتة للعمال الأجانب المخالفين لقانون الإقامة حتى تقوم دولهم بإجلائهم، تتجسد معاناة ومأساة آلاف العمال المصريين العالقين في الكويت.

ومن مركز إيواء «كبد» وغيره من المراكز التي أقامتها السلطات الكويتية، وجه المصريون العالقون نداءات استغاثة متكررة يطالبون فيها حكومتهم بإعادتهم إلى بلدهم بعد أن ضاقت بهم كل السبل، إلا أن الحكومة المصرية لا زالت تماطل في الرد على هؤلاء، بعد أن نفت عنهم صفة «العالق» الذي يستحق العودة، فما كان منهم إلا إعلان الإضراب عن الطعام احتجاجًا على ما وصفوه «تجاهل الحكومة المصرية لنداءاتهم ورفضها لاستقبالهم».

مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة وثقت جانبًا من نداءات العمال المصريين العالقين في مراكز الإيواء، والتي تطورت إلى احتجاجات يومية وصلت إلى الإعلان عن الإضراب عن الطعام.

العمال المصريون رددوا في تلك المقاطع شعارات تندد بـ«تجاهل الحكومة المصرية لمطالبهم بالعودة إلى بلدهم»، في وقت استقبلت فيه باقي الدول رعاياها، وفق قولهم، هتف المحتجون «عايزين نروح.. عايزين نروح» وسط محاولات من رجال الأمن الكويتي لتهدئتهم.

هؤلاء العمال الغاضبون الذين سقطوا كغيرهم من آلاف المصريين ضحايا للفقر والعوز، في بلادهم ولـ «تجار الإقامات» في الكويت، سلموا أنفسهم للسلطات الكويتية التي دعت، بعد تفشي فيروس كورونا في البلاد، العمالة المخالفة إلى الاستفادة من مبادرة «سافر بأمان» والتي تعفي مخالفي قانون الإقامة من الغرامات، فضلًا عن تكفلها إيوائهم حتى حجز تذاكر سفرهم، وعودتهم إلى بلادهم.

يعيش معظم العمال المحتجزين في مراكز الإيواء منذ وصولهم إلى الكويت في ظروف حياة غير آدمية، فبعد أن دفع بعضهم «تحويشة العمر» وباع البعض الآخر ممتلكاته واستدانوا ليحصلوا على عقد عمل أو إقامة، وصلوا إلى الكويت فلم يجدوا لا عمل ولا إقامة، واكتشفوا أنهم ضحايا تجار وسماسرة الإقامات، وهو ما اضطرهم إلى القبول بالعمل في ظروف غير مواتية وبرواتب متدنية في أماكن صحراوية بعيدة بلا أوراق أو مظلة حماية، كهاربين مخالفين لقوانين الإقامة. 

مر ما يقرب من شهر على إقامة نحو ستة آلاف مصري في مراكز الإيواء الكويتية، ومع ذلك لم تستجب الحكومة المصرية إلى نداءاتهم، وبدلًا من أن تحدد لهم جدولًا زمنيًا لإجلائهم، أصدرت قبل أيام بيانًا تعرف فيه من هو العالق الذي ستعمل على إعادته.

 البيان المنشور على الصفحة الرسمية لمجلس الوزراء الأسبوع الماضي عرَّف «العالق» بأنه كل مصري كان في زيارة مؤقتة لإحدى الدول، أو كان مسافرًا بغرض السياحة، أو في رحلة علاج، أو في مهمة عمل، أو نشاط تجاري أو ثقافي، أو كان حاضرًا في مؤتمر بالخارج، أو من الطلاب الذين أُغلقت المدن الجامعية الخاصة بهم، ولم يتمكنوا من العودة إلى مصر بسبب توقف حركة الطيران جراء تفشي فيروس كورونا.ودعت الحكومة من ينطبق عليهم التوصيف الجديد إلى تسجيل أسمائهم في أقرب سفارة مصرية، تمهيدًا لإعادته إلى مصر، وهو ما صاعد من غضب المصريين المحتجزين في مراكز الإيواء في الكويت.

فالتعريف الحكومي لم يشمل العمال الذين تم تسريحهم من وظائفهم أو أُجبروا على الحصول على إجازات مفتوحة بدون رواتب، أو ممن كانوا يعملون في قطاعات أوقفت بعض الدول نشاطها بسبب تداعيات انتشار «كوفيد- 19»، أو ممن دفعتهم الظروف إلى مخالفة قوانين الإقامة، وأصبحوا بلا عمل أو دخل.

العمال المصريون في الكويت صدمهم البيان الحكومي، خاصة أن العديد منهم لا يستطيع تحمل تكاليف الإقامة خارج بلده بعد أن قُطعت أرزاقهم، فالإقامة في تلك الدول بلا مصدر رزق حولتهم إلى «شحاتين» يستجدون لقمة العيش، وينتظرون «كرتونة» الصدقة من الجمعيات الخيرية الكويتية في مشهد يُعرض كل مصري لإهانة بالغة، بحسب ما نشروه على حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي. 

وزيرة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج نبيلة مكرم، بدورها، زادت الطين بلة وضاعفت من حالة الغضب، بعد أن دعت هؤلاء العاملين إلى «الرفق بالوطن»، مؤكدة أن «الدولة المصرية تسعى لإعادة كل المصريين الموجودين في الخارج، ولكن لا بد من الوعي بقدرة الدولة الاستيعابية»، على حد قولها.

وأضافت الوزيرة في تصريحات صحفية أن الوزارة تعيد الآن العالقين من الخارج الذين لا يملكون إقامات ثابتة، أما المرحلة الثانية فستشهد إعادة المصريين الذين يحملون إقامات عمل في الخارج.

لا أعلم إذا كانت الوزيرة قد تابعت مقاطع الفيديو المتداولة التي تظهر مأساة العمال المصريين في مراكز الإيواء بالكويت، قبل أن تدعوهم إلى «الرفق بالوطن» أم لا؟ فهؤلاء لم يجدوا من يرفق بهم سوى الحكومة الكويتية التي جمعتهم في مراكز إيواء وخصصت لهم وجبات إعاشة انتظارًا لأن تعيدهم دولتهم إليها.

«دفعت في البلد 80 ألف جنيه علشان أجاي الكويت، وبعد ما جيت اختفى الكفيل، ولا لقيت شغل ولا سكن، فاشتغلت فاعل بـ 80 دينار شهريًا، بشتغل 13 ساعة في اليوم»، قالها أحد العمال المصريين في مركز للإيواء بلكنة صعيدية، مضيفًا أنه بعد انتشار كورونا سلم نفسه للسلطات الكويتية التي أودعته بدورها أحد المراكز تمهيدًا لإعادته إلى مصر، «محدش سامع لينا، عايزين نرجع بلادنا».

وأضاف عامل آخر في مقطع فيديو نشرته صفحات لمصريين في الكويت: «بقالي سنتين مخالف، وأصرف ما أتقاضاه أولا بأولا، وبعد كورونا الحكومة الكويتية نقلتنا لمراكز الإيواء ووفرت لنا الوجبات، لكن فيه احتياجات تانية مش هنقدر نقولهم وفوروها.. مش بنعرف نغسل هدومنا ولا بنعرف نشرب شاي أو نجيب سجاير»، داعيًا الحكومة المصرية إلى سرعة إعادتهم «كفاية علينا إهانة لحد كدة.. كل البلاد بعتت خدت ولادها ماعدا إحنا الحكومة سايبنا ومحدش بيسأل فينا».

الصفحة الرسمية للمصريين بالكويت، نشرت «رسالة من مواطن مصري»، أعلن فيها شكره للسلطات الكويتية، وانتقد لا مبالاة الحكومة المصرية «ما يحزننا هو رد فعل الحكومة الحالية من لا مبالاة، وعدم الشعور بالمغتربين العالقين.. منهم من هو ملقى في مدارس إيواء بأعداد كبيرة وخدمات مشتركة وهذا أكبر خطر.. ومنهم سيدات وأمهات وأطفال لا يعلمن مصيرهن ويقتلهن ألم الانتظار.. ومنهم من هم ملقون في الصحراء بلا طعام ولا ماء ولا مأوي يحميهم من حرارة الشمس الحارقة»، بحسب نص الرسالة.

وتساءلت الرسالة: «أين دور حكومتنا ودولتنا تجاه العالقين لماذا التعنت والتقاعس في تنفيذ المهام وأخذ القرار؟ .. هل ليس من حقهم أن يعودوا إلى بيوتهم وأسرهم».

أزمة هؤلاء في مراكز الإيواء، والتي قاربت على الشهر، توالت خلاله إهانات وضغوط وصلت إلى دعوة البعض إلى التخلص منهم وإلقائهم في الصحراء، في حين طالب نائب كويتي بإلزام سفارات الدول التي لم تجلي رعاياها المخالفين بتكاليف ومصاريف الحجر والإعاشة وأي خدمات «لعدم تعاونها في ترحيل رعاياها»، وذلك كشكل من أشكال الضغط على الحكومة المصرية تحديدًا، بعد أن شرعت معظم الدول في إجلاء رعاياها.

النائب الكويتي صالح عاشور، أكد أن ذلك حق لدولة الكويت، مضيفًا «عوضًا عن ذلك علينا أن نتخلى عن مسؤوليتنا بإيوائهم وإعاشتهم وفحصهم، وبالتالي نحتاج للحسم ولقرار جريء من الحكومة بدون أي تساهل».

مع كل تلك الاستغاثات والنداءات والاحتجاجات من جهة العمالة المصرية والضغوط الكويتية، اكتفت الحكومة المصرية بتصريح للمتحدث باسم وزارة الخارجية يقلل فيه من حدة الأزمة، ويعد بأن الدولة حريصة على إعادة العالقين المصريين في مراكز الإيواء الكويتية. 

المستشار أحمد حافظ، المتحدث باسم وزارة الخارجية، قال في تصريحات تليفزيونية قبل أيام إن الدولة المصرية على علم بوضع المصريين الموجودين داخل مراكز الإيواء في دولة الكويت، مؤكدًا أن التواصل مع السلطات الكويتية يتم بشكل حثيث.

وأشار حافظ إلى أن الحكومة «تعمل على قدم وساق على إعادة أبنائنا الذين يتعرضون للظرف الصعب»، مضيفًا: «سيكون ذلك تدريجيًا وفقًا للقدرات الاستيعابية للدولة»، لافتًا إلى إعطاء الأولوية للأطفال والنساء في العودة.

وأوضح متحدث الخارجية أن السفير طارق القوني، سفير مصر بالكويت، أبلغه أن عدد الأطفال والنساء داخل مراكز الإيواء يبلغ 270، قائلًا إن السلطات الكويتية توفر لجميع المصريين داخل مراكز الإيواء سبل الإعاشة.

تصريحات السفير، لا تعني أن الحكومة اتخذت قرارًا بالشروع في إعادة العمال المحتجزين في مراكز الإيواء والذين يصل عددهم 6700 مصري بحسب ما ذكر النائب المصري أحمد طنطاوي في بيانه العاجل الذي قدمه إلى الحكومة الأسبوع الماضي.

طنطاوي اقترح على الحكومة البدء فورًا في تكليف السفارة المصرية باستقبال بيانات الحالات ذات الأولوية القصوى من خلال الرسائل البريدية والإلكترونية والاتصالات الهاتفية، ومن ثم فحصها وتحديد العاجل منها للبدء في تنفيذ خطة إجلاء منظمة على عدة مراحل، وبحيث يتم استقبال العائدين مباشرة، بعد الكشف عليهم، بالأماكن المخصصة للعزل ولمدة 14 يومًا، سواء في الفنادق وبسعر التكلفة لمن يتحمل دفعها، أو لغير القادرين بالمدن الجامعية وعلى نفقة الدولة المصرية، وبما يمكن أن يضاف إليها من تبرعات المصريين.

لم تلتفت الحكومة إلى بيان طنطاوي أو طلبات الإحاطة التي تقدم بها غيره من نواب، كما لم يرق قلب مسؤوليها لنداءات الرعايا المغتربين، وبدا عبر تصريحات ممثليها أنها غير مستعدة لاستقبال هؤلاء المواطنين في بلدهم قبل أن تحرقهم حرارة صيف الكويت، أو تستجيب بالسلطات الكويتية إلى بعض الدعوات وتوقف إيواءهم وإعاشتهم. 

هؤلاء مواطنون مصريون، هم رعايا الدولة المصرية، إجلاؤهم وإعادتهم إلى بلدهم مسؤولية السلطة المصرية، وأي مماطلة هي تنصل وهروب من المسؤولية، وما يتعرض له هؤلاء من إهانات طالت، ليس السلطة فقط، بل كل مصري غيور على كرامة بلده.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن