مفردات عالم الكورونا| «تباعد اجتماعي»
هذا الذي هبط علينا من السماء
 
 
 

للكلمات والمصطلحات دورة حياة اجتماعية؛ تولد في سياقات معينة، تعيش وتتعايش في بيئات متنوعة، تشير إلى المرجح، وتحدد أفق الممكن، ويُعاد إنتاجها في ممارسات وخطابات مختلفة. أدخلت «الكورونا» إلى حياتنا مفردات استجدت على الأذن والعقل، مُوسعّة من رقعة قاموسنا اليومي ومُحدِّدة المسموح به، مُشيرة لقطيعة مع عالم كان، وآخر سيكون.

النص التالي إذًا هو نتاج رسايل صوتية رايحة جاية بين ثلاثة مترجمين «متباعدين اجتماعيًا» في ثلاث مدن مختلفة (الباقة الغربية – القاهرة – الإسكندرية) تأملوا فيها «التباعد الاجتماعي» الذي أصبح على كل لسان، وذلك في أولى حلقات «مفردات عالم الكورونا».

في حوارهم في هذه الحلقة، يناقشون بعض الأسئلة المبدئية التي طرحها الوضع القائم:

إزاي «التباعد» يبقى «اجتماعي»؟ وإيه اللي نفهمه من ترجمته كده؟

مين جمهور «التباعد الاجتماعي»؟ مين اللي يقدر عليه؟ وبأي ثمن؟ إيه اللي يحصل لما نمّد «التباعد الاجتماعي» لآخره؟ 

إيه هي خطوط التماس بين المرئي (المجتمع) والغير مرئي (الفيروس)؟ وإزاي العلاقة دي بتُحيل لسرديات تخص «نهاية العالم» و«يوم القيامة»؟ وهل اللي جي مختلف فعلًا عن اللي راح؟ 

أحمد السروجي: مسا مسا ع الناس الكويسة. جمعناكم النهارده في هذا الجروب لممارسة الـ social distancing وطبعًا لأغراض الونس والفرفشة وما إلى ذلك. والظريف حقيقي إنه كل واحد في الجروب ده في مدينة مختلفة. أنا في الحجر الصحي الذاتي في إسكندرية. إنت يا حسين في القاهرة، ويا بكرية إنتي داخل الخط الأخضر.

[يمكن السماع هُنا]

 

 

بكريّة صائب: هو أنا بدي أضل أذكرك من وين أنا؟ أنا من «الباقة الغريبة» من داخل الخط الأخضر أيوة، بس يعني لازم تتذكر من وين أنا. هي باقة مش قرية، أو بطلت قرية بشكل رسمي، بس بتتصرف كـ قرية، وأنا بتعامل معها على إنها بلدة كبيرة. يعني الفلاح الفلسطيني تم بلترته والناس أصلًا معظم أراضيها اتحولت لعمارات وبنايات سكنية، فـ أقل فيه كروم يعني، وشغل فلاحين وقرية يعني.

[يمكن السماع هُنا]

حسين الحاج: مساء الخير، عايز أبتدي بس من نقطة كلمة «بلترة» كمدخل لموضوع كلامنا النهارده عن مفردات عالم كورونا. الحقيقة لما نبص على كلمة «بلترة»، هي مختلفة بشكل ما عن كلمة «بروليتاريا»، لأن إحنا بنحولها من كلمة بتصف «العامل»، لأنها تصف عملية التحول للعمل الصناعي (وطبعًا فيه معاني كتيرة تحت كلمة عامل لأنه عامل ذو صفات معينة، زي إنه بلا نقابة، ما عندوش حرفة، وما عندوش شيء يملكه غير قوة عمله.

بالتالي، زي ما كلمة «بروليتاريا أو Proletariat» بتصف عامل من نوع معين وكلمة بلترة بتبيّن لنا التحوّل اللي بيحصل للناس في العالم، كذلك إحنا لما بنبتدي نعرّف الحاجات في اللحظة اللي إحنا عايشينها، ونتكلم عن تباعد اجتماعي أو حجر صحي أو عزل ذاتي، فالحقيقة إنه أول ما المفاهيم دي بتدخل دماغنا بيتبدي العالم يتضح لينا بشكل مختلف.

أعتقد إن فيه ناس لما بيكون غايب عنها المفاهيم دي ما بتكونش عارفة تعمل إيه بالظبط، العالم بيختلف بمجرد ما أنت تعرّفها، ودي أهمية الأسماء، دي أهمية المفاهيم، دي أهمية المصطلحات؛ إن نظرتك للعالم بتختلف أول مابتعرف تحط مفاهيم وأسماء على الحاجات نفسها، على الحالة المرضية اللي إنت بتعيشها.. على الوضع اللي إنت بتعيشه، وبالتالي ابتكارنا وتصحيحنا طول الوقت كمان للمفاهيم والمصطلحات والكلمات اللي بنقولها بيساعدنا على تعامل أحسن مع الوضع.

[يمكن السماع هُنا]

بحاول أتخيل إنه يعني ممكن ناس بالنسبالها الوضع الحاصل أشبه بيوم القيامة: الناس بتموت من الحمى وما حدش فاهم ارتفاع درجة الحرارة جي منين.

أحمد السروجي: طب والله ياعم حسين مبسوط إنك أطلقت أول رصاصة. وعندك حق تمامًا لما بتشير إلى إنه طبعًا ده شيء (الكورونا) بقى مرتبط بتصورات شعبية سمعناها كلنا حوالينا الفترة الأخيرة، باعتبار اللي بيحصل من علامات نهاية العالم الصغرى وكده.

أظن من ناحية ما، الحديث عن عالم الكورونا/نهاية العالم هو في جوهره سؤال عن قد إيه اللي بيحصل دلوقتي مختلف وح يمثّل انقطاع عما نعرفه عن العالم يمكن آخر 100 سنة، تحديدًا من ساعة آخر وباء – الأنفلونزا الأسبانية. لكن كمان فيه بُعد آخر له علاقة بمقولة مارك فيشر في كتابه الواقعية الرأسمالية (Capitalist Realism): «أسهل لنا نتخيل نهاية العالم من تخيّل نهاية الرأسمالية»، بمعنى إنه في عالم اليوم، تخيّل طُرق وبدائل تانية لعمل الأشياء أصبح أصعب من تخيلنا لفناء البشرية نفسها.

من ناحية تانية، أظن إن مفردات عالم الكورونا هي مفردات عالم اللا مرئي، بحيث إن هنا العدو/الآخر هو في كل مكان وفي ولا مكان. عالم الكورونا/الفيروس بيمثل الذعر الأعظم لأنه ذعر غير مرئي. فلما هذا الشئ الغامض الغير مرئي بيجي وبيعطل عمليات التشغيل الرأسمالية الاعتيادية في العالم فبيبقى فيه لحظة من التعرية: تعرية لكل المؤسسات وكل الخطابات وكل أوهام السيطرة القومية والمؤسساتية. وهنا المصطلحات المستخدمة شايلة ومتحملة بخطوط تماس المرئي مع الغير مرئي: التباعد الاجتماعي محتاج يعيد تشكيل المرئي (الاجتماع) وحمايتنا من الغير مرئي (الفيروس). ولذلك، محاولتنا للاشتباك مع إيه بيتسمى إزاي، هو محاولة للاشتباك بالظبط مع هذه التعرية المفاجئة. 

بكريّة صائب: بخصوص المرئي والملموس، بفكر إنه على المستوى الفردي، كون الوباء غير مرئي بيضطر الفرد لتغيير تقاليده اليومية بهوس أكثر، الأمور العادية بتستجلب خوف ورعب، الفرد نفسه ممكن يكون فيروس أو وكيل للفيروس في كل يوم، الكحة اللي هي شيء عادي بتتحوّل لمأزق خصوصًا مع وجود شهّاد على الواقعة. مش بالضرورة الناس تكون واعية بنفس المستوى للمسؤولية المطلوبة، ولكن بؤر تفشي الوباء بتستمرّ بالظهور. ففي هون مسؤولية فردية جدًا، وبتتطلب إعادة نظر في منهاج الحياة الأساسي، استهلاكنا للأغراض وتقسيمنا للوقت أخذ صيغة أخرى مرتبطة بالخوف. الخوف حرّك وساوس موجودة أو لفتنا لأمور ما كنا بنوقف عنها كثير. الخوف هاي المرة مش خوف ع خطر بيداهمنا إحنا لوحدنا، خصوصًا فيما لو كنا أشخاص معافين، هو توتر وحرص ومسؤولية تجاه «الآخر» (الحميمي القريب والعام المجهول). العنصر الأقوى هون هو عنصر الخوف.

حسين الحاج: الفكرة اللي جاتني من الكلام اللي بتقوله يا سروجي، إن «نهاية العالم» كلمة يمكن جديدة ومش جديدة، أقصد مش جديدة لإنها متداولة في إطار كتب الخيال العلمي أو إطار الخطابات الدينية طول الوقت، بس جديدة لما بقت أكتر انتشارًا في أفلام السينما من قبل كدا وأكتر انتشارًا في خطاباتنا الاجتماعية بشكل قوي.

من هنا الكلام عن القيامة أو الـ «apocalypse»، اللي ممكن تعمل منها نسبة «apocalyptic» مثلًا وتوصف بيها شعورك بالحوادث، بس في العربي إنت لسه بتقول «القيامة»، ممكن عشان لسه الوصف مش منتشر قوي عندك لأن القيامة بالنسبالك لحظة معينة.. شعور القيامة نفسه أو إن إنت تحوله لحدث متكرر وبيحصل طول الوقت ده جديد، ده مستحدث شوية.

فأقصد إنه إزاي إحنا في اللحظة اللي بنعيشها دلوقت بقى الإحساس أو الشعور بالقيامة داني لدرجة إن كل مرة بتتفرج على فيلم ولا بتقرأ رواية بقيت بتستعمل المصطلح ده، اللي هو «apocalyptic»، بس إنت في ثقافتك مثلًا مش عارف تعمل ده، لأنه القيامة بالنسبة لك لحظة في نهاية التاريخ. زي ما إحنا كنا بنتكلم عن كلمة «بروليتاريا»، وهي كلمة بتوصف حد بيشتغل بس في نفس الوقت أنت قادر تخليها عملية من تحويل الفلاح لعامل أو فلاحين بيدخلوا ضمن جيش العمال.

[يمكن السماع هُنا]

فأنا أقصد الكلام عن عملية تحويل العالم بالشكل دا أو إدخاله في لحظات متكررة. يعني في بعض الترجمات مثلًا نهاية العالم بتتسمى «المحرقة»، اللي عادة بتترجم مقابل كلمة «holocaust» برضه، بس في ناس بترجم كلمة «apocalypse» بالمحرقة باعتبار إنه مش بالضرورة العالم ينتهي عند الـ apocalypse اللي إنتو بتتكلموا عنه، لأ ده ممكن العالم يكمل عادي، عشان نتجاوز الشئ الديني اللي في الموضوع.. المرتبط يعني بنهاية العالم حقيقةً، لكن ممكن العالم يكمل بعد حدوث كذا محرقة يعني.

بكريّة صائب:  مهم ربط المفهوم الديني لنهاية العالم والقيامة بالاستخدامات والاصطلاحات الحديثة اللي بلشت تُستخدم بالقرن العشرين والواحد وعشرين. يعني في النهاية كلمة apocalypse جاية من مفهوم ديني، مش من مفهوم اللي انبنى وتُبنيّ خلال القرن العشرين فقط. تداوله بسياقات خيال علمي وشو اللي رح يصير في المستقبل هو اللي «حديث» ربّما، لإننا إحنا اللي غيّرنا في الخطاب تبعنا، غيّرنا في طريقة حكينا عن نهاية العالم، بس عمومًا بنلاقينا بنستخدم مصطلحات وتصورات نشأت أصلًا من محل رغبة جماعية كَنَسِيّة اللي هدفها تخلق شعور جماعي.

القيامة هي ولا مرة شعور فردي هي شعور جماعي، هي النهاية اللي بتمسّ المصير، مَصير أكثر من شخص واحد. وإحنا دايمًا بندوّر، العالم دايمًا بيدوّر، على إشارات اللي بتدلّنا على المصير الحاسم. وفيه كتير رموز مفاهيميّة انخلقت على الطريق وبتمنحنا إحساس التواجد في قصة معيّنة، يعني فيه هون سردية والسردية هاي بتعيد على حالها. هو لولب فكرتنا عن البداية وعن النهاية. كلمة «قيامة» من بين أسماء وأشكال أخرى للآخرة، فيها فعل حيّ فعل «بيقوم» وهو حالة غير ساكنة وليست passive، إنما حالة ما بتستدعي معها حركة.

الكارثة دايمًا مربوطة في عنصر زمني برضه، هي حالة ما موجودة عالحدود وإحنا بنعرفش ملامحها وأشياء عنها إلا بعد ما بتصير. المحرقة هي نموذج ممتاز لمحاولات في إنه نعطي بُعْد مرئي وملموس وقابل للتخيّل لمعاني الكلمة هاي، وبحب ألفِت هو إن الكلمة المستخدمة بالمقابل باللغة العبرية هي مش كلمة «محرقة»، الكلمة المستخدمة هي «شوآه» (Shoah) اللي مأخوذ عن العبارة التوراتية اللي معناها خراب أو دمار شامل واللي بتطرق، وما بتطرق لفعل «الحرق» نفسه ولشو صار بالكارثة بوصف دقيق، إنما بتمنحها تسمية شاملة أكثر. في القرن العشرين ثبتت لإنها تتطرق بس للـ holocaust.

مرات بشعر إنه البشرية موجودة في ماراثون بتدور فيه على الشعرة اللي ستقسم ظهر البعير وخلص تحسم نهاية العالم وتخلص من الهمّ. الشعور اللي موجود اليوم وساري في ظل الوباء هو شعور مش غريب لـ إلي، أنا متعودة إنه أعيش في جو الكارثة موشكة على الحدوث، وحاسة إنه كل حياتي اتمرنت لـ هاي اللحظة – مش عارفة ليش؛ يمكن عشان عشت إنتفاضتين أو عايشة في محل اللي الواحد مضطر إنه يكون عنده حياوات مزدوجة عشان يقدر إنه يمشّي يومه.

وشعور إنه تطلعي من البيت وتتوقعي سيناريوهات اللي ممكن تصير في محل اللي هو دايمًا قنبلة موقوتة هو شعور بالنسبة لإلي «عادي»، يعني في «عاديّة» ما بهذا الشعور في هذا المحل اللي أنا موجودة بيه. تكملة لمنحى الحديث اللي سبق. 

أحمد السروجي: كلامك مهم يا بك، وأربكني، لأني كنت فاصل في مخي ما بين «القيامة» باعتبارها لحظة و«نهاية العالم» باعتبارها سيرورة. اللي بحاول أقوله إن العالم كل شوية بيدخل في سيرورة نهاية العالم، في أوقات مختلفة في أماكن مختلفة. بالظبط زي ما بتقولي «نهاية العالم» بالفعل عندكم في فلسطين. لو اتكلمنا عن اللاجئين مثلًا، وأنا مش عاوز أقول المثال السهل الكليشيه، بس طبعًا هو فين الكلام عن الناس دي دلوقتي؟ لأنه يعني صباح الفل دي الناس اللي في مراكز الاقتصاد العالمي والمدن العالمية زي نيويورك وإيطاليا بيطلع دينهم. فاللي بحاول أقوله إنه مش عارف لو لازم التزم بالفاصلة ما بين «نهاية العالم» و «القيامة». لو إحنا باصين للقيامة باعتبارها سيرورة، فالعالم بيدخل في «قيامات» مختلفة ومنه بتتشكل السردية. بالمعنى ده، فنهاية العالم بدأت بالفعل في حتت كتير، لإن لكل مكان زمنيته.

عاوزنا ناخد فرصة نجيب في سيرة الكلام المهم اللي غربيّة طرحه عن التباعد الاجتماعي. بيقول إن التعبير بيشير لنوع من أنواع النبذ أو التشميس باعتباره عقاب. و شايف إن الأفضل تبني مسمّى فيها معادلة: تباعد جسدي+ تضامن اجتماعي. فيه اقتراح تاني من فادي عوض في التعليقات وهو «الحفاظ على مسافة اجتماعية». فرجوعًا لترجمة «تباعد اجتماعي»، فكلمة distancing تترجم لـ«مسافة»، لكن في اللحظة اللي نتكلم فيها عن الاجتماع، المسافة بتتحول لفضاء اجتماعي، حاجة بتتبني بحركة الناس وأصواتهم وحضورهم. 

فاللي بحاول أقوله إن «التباعد الاجتماعي» كممارسة هو خطاب أيدولوجي موجه لفئة معينة، لأن ناس معينة بس تقدر تمارسه، فئة معينة بس تقدر تنسحب من الفضاء وتخلق المسافة دي. بالمعنى ده، «التباعد الاجتماعي» كمصطلح بيساعدنا في فهم بُعد التعرية المبدئي اللي عملته كورونا على المستوى الاجتماعي، وصولًا بقى للحظة بتاعة الناس اللي من يومين طلعوا الساعة 2 الفجر يكبروا قدام بيتنا في إسكندرية وفضلوا كده بتاع تلتاية مثلًا، ودول طبعًا فئة غير متجانسة.

[يمكن سماع تسجيلات التكبيرات هنا]

 

[للسماع اضعط هنا]

 حسين الحاج: مساء الخير، واضح إننا رجعنا تاني للأسئلة المرتبطة بفكرة معنى كلمة social distancing أو التباعد الاجتماعي. هحاول أصيغ كلامي حوالين ده في محاولات التفريق الحاصلة بين الحجر والعزل والتباعد واللي بالنسبة للناس لسه مش مفهومة أوي لأن ده كلام مستحدث جدًا.

في النهاية كلمة الـquarantine أو الكرانتينا نفسها بالنسبالنا تعبير قديم أصلًا، يعني لما بتتقال بتتقال على مواني القرن الـ19، أو حتة في حي شعبي معرفش فين في إسكندرية، أو أوضة في المطارات يتقال عليها الحجر الصحي، بس إن الكلمات دي تتعمم ده جديد على الناس. كذلك العزل الذاتي، وأعتقد دلالاتها مش لطيفة على مسمع الناس، ودلوقتي بقى تصرف مفروض يتعمل أو واجب إحنا بنعمله. ودول كلمتين ممكن يكونوا مفهومين في إنه حد اتحط في الحجر الصحي، رغم إنها غير مستعملة في سياق عام ومتداول كل يوم.

[يمكن السماع هنا]

فكلمة تباعد اجتماعي أو حفظ المسافة الاجتماعية من ناحية كلمة فعلًا غريبة جدًا لأن كلمة الاجتماعي بتدل إن الناس بتبقى مع بعض، أقصد إن فيه مجتمع في النشاط دا.. فإن إنت لما تتكلم عن التباعد الاجتماعي فأنت بتفهمه كشيء عكس التواصل الاجتماعي بس مع ذلك التباعد مش بينفي التواصل، لكنه بيدمر ما هو اجتماعي فعلًا.

باحس إن كلمة التباعد الاجتماعي في الآخر بقت سارية بين الناس والناس بقت فاهماها بشكل من الأشكال لأنها بتتشرح لهم بطريقة ما، فبقت الناس قادرة تبلعه،.لكن في النهاية هي كلمة وهتاخد دورتها، وبعد فترة معينة مش هيبقى ليها معنى عند الناس إلا لما تقعد تشرحها تاني.

أظن المسألة إن الوضع غريب، ومحاولة إن إحنا نلاقي كلمات توصف الوضع الغريب ده بتتطلب إن إحنا نقعد نفهم الوضع، ومفيش مفر. هنحاول نلاقي كلمات وترجمات وأظن هنبقى موفقين في حاجات ممكن تكون politically correct، أو لطيفة على مسامع الناس أو أذهانهم، بس في النهاية هتبقى غريبة لأن الوضع كله على بعضه غريب. أسمع منكم دايمًا على خير.

بكريّة صائب:  بعتقد يا حسين، إنه فعلًا بعيدًا عن التحليل اللغوي والاستخدامات واللي حصل في.. شو أظبط عبارة… بفكر إنه عشان نقدر نوصل للجواب مهم نحكي أكتر كيف نحنا بنعيشه للحجر، وشو بنعمل، ووقتها المفردات بتصير تطلع من حالها. الوضع هون مثلًا صار إنه من هون لأسبوع رح يكون فيه حجر كلي مع شروط معينة اللي فيها الناس بتضل قاعدة في الدار وممنوع تطلع إلا إذا كان مسموح لها تروح على الشغل. بس في أنواع تجمهرات ممنوع تصير وبيصير مخالفات، في حواجز في مداخل البلدات، في مراقبة جماعية وفي شكل ثاني للانضباط.

من كام يوم روحت اشتري أغراض من «فارم» أكبر من صيدلية، وأول ما دخلت على المحل كان فيه صبية حاطة كمامة على وجهها ولابسة (جوانتي) وحاملة ميزان حرارة وبتقيس للناس الحرارة فكانت لحظة غريبة شوي وصادمة نوعًا ما، لأنه فجأة فيه حدا مهتم إنه بمحل عام يعرف درجة الحرارة تبعتي.

والسؤال الأول اللي سألته «لحظة إنتي بتستعملي أي ميزان حرارة؟ وميزان الحرارة رح تقربيه ع وجهي ولا لا؟» ف حكت انه مبتلامسش وجهي بس هو بيقدر يقيس عن بعد بسيط جدًا. وكانت واحدة من السلوكيات المثيرة اللي خلقها هذا الجو اللي هدفه يكون حذر أكتر. هل هذا تباعد اجتماعي؟ ظروف الفضاءات الاجتماعية بتختلف حسب سياسات ومساحات وأوضاع معينة. 

أحمد السروجي: رجوعًا للتباعد الاجتماعي، فهو بيطرح أسئلة من قبيل: مين اللي مهم في المجتمع ومين اللي شغله زي قِلّته؟ و مين اللي شغله أساسي من أجل ما يُسمي بالـ public good / interest أو المصلحة العامة؟

التباعد الاجتماعي ميقدرش عليه الكل، ولا مطلوب من الكل في ظل خطاب «العمال لازم ينزلوا» و«يلا نقفل على العمال في المصانع». فهو رفاهية من الآخر، تصور برجوازي أساسًا عن الفرد وعن المجتمع. هو خطاب موجه للفرد وليس للجماعة، ولكن موجه للفرد باعتباره مش بس جزء أساسي من الجماعة، بل باعتبار إنه سلامة الجماعة، بل شرط وجودها قايم على التزام الفرد بهذا التكنيك. خطاب «التباعد الاجتماعي» بيرّسم حدود مين مكتوب له النجاة، ومين مكتوب له الغرق، لأننا بننقل مسئولية الحفاظ على الصحة العامة من إيد المجتمع والمؤسسات السياسية والاجتماعية لإيد الفرد، فاللي يموت ذنبه على جنبه لأنه هو اللي مقدرش يمارس هذا التباعد.

وهنا بتفق وبختلف مع غربية لما بيتكلم عن مسافة اجتماعية أو ابتعاد جسدي + تضامن اجتماعي، فلازم ندرك هنا إن التضامن الاجتماعي لا يشمل الكل وهو خطاب موجه لفئة معينة قادرة على هذا التضامن، وعشان هي قادرة فهي ح تنعم بيه. المواطن الصالح في عالم الكورونا مش هو المواطن اللي قادر يستهلك لأن الاستهلاك في اللحظة دي مُعلّق بسبب ظروف السوق، لكن المواطن القادر على ممارسة تكنيك التباعد، وبهذا المعنى فهو تكنيك للضبط الاجتماعي.

بناءً عليه، منطق «التباعد» نفسه مستحدث وقديم، لأن آليات كتيرة حوالينا من قبل الكورونا حاضرة بصور كتيرة في ظل اقتصاد نيوليبرالي قايم على خطابات الفصل والعزل والتقسيم. لكن وقت الأزمة، ولأنها مرتبطة بالحياة العارية (bare life زي ما بيقول أجامبِن)، فقوة السلطة صاحبة السيادة بتطور خطاب على أساسه بتقرر مين يعيش ومين يموت. وذلك كمان من خلال التسويق للمسئولية الفردية في صورة «التباعد الاجتماعي» باعتبارها التكنيك الوحيد والأهم بدون النظر لأي سياقات أخرى للنجاة من هذه الجائحة.

بكريّة صائب: التباعد الاجتماعي مبيغيرش بموازين القوى الموجودة بالعالم، وأنا بوافقش العبارة المتداولة اللي بتقول «إن الوضع هو حالة عالمية وإنه الكل هسَا متساوي ومتوازن»، بفكر الإشي الوحيد اللي إحنا شركاء فيه في العالم هو الخساير… هذا هو الإشي الوحيد اللي بيجمع البشرية. وصعب عليّ أقبل فكرة إنه الوباء هذا بيجمع بين الشخص المرفّه اللي عايش في بيت مريح وشاسع وبين شخص أو عيلة من أفراد وناس اللي ماعندها حتى مكان تعيش فيه وتحس فيه بأمان.

العنصر الثاني اللي أنا بفكر فيه هو من بعد ما إحنا استخدمنا هاي الكلمة وثبتناها بحواراتنا وبأفكارنا وبالمنشورات اللي إحنا بننشرها وبالصور اللي إحنا بنطلعها، بالنكات تبعتنا، هو كيف رح نتصرف في الحيز بعدين؟ بعد ما الوباء يخفف من الانتشار والأمور شوي ترجع لمسالكها الطبيعية. في المحلات العامة، بالمواصلات العامة، تحديدًا في مشكلة «التفحيج« (Manspreading)، واللي هي مشكلة كتير شائعة مثلًا، وهذا السلوك هو سلوك نوعًا ما بيناقض التباعد الاجتماعي، وفي نفس الوقت بيضايق على ناس تاني اللي بيكونوا موجودين معنا بالحيز.

مطلوب هون إعادة نظر لكيف إحنا وعينا للتواجد في ازدحامات، ودعوة للتفكير بملامح العالم بعد هالصدمة، خصوصًا من ناحية التصرف في المكان العام.

 بعتقد مهم كمان، نحكي كيف إنه التباعد الاجتماعي ككل وممارساته بعالم كورونا هو مش إشي جديد علينا منعملوش بالأيام العادية. ببساطة، صرنا ننتبهله أكثر وصرنا أوعى لإله بسبب المسؤولية اللي فجأة صرنا حاسين فيها تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين.

برأيي، المهم هو مش القرار في استخدام العبارة التباعد الاجتماعي إنما السرعة اللي تم فيه تبني هاي العبارة واستخدامها باعتبارها إشي مفهوم ضمنًا ومش غريب، بل سائد أصلًا وموجود في الوعي الفردي والجماعي بشكل عام. الفرق اللي عملته اللحظة الفارقة هاي إنه صرنا أوعى للحيز، صارت الفضاءات إلها معاني تفاصيلها أدق. التواجد في مكان اللي هو دايمًا محتشد صار يطغى عليه جو من التشكك المفرط وعمومًا يعني الناس بتتفادى إنها تطلع من البيت. بس بتضل هناك الحاجة لإنه نطلع من البيت. عمومًا المدن مبنية أو الفضاءات اللي حوالينا مصممة بطريقة اللي برضه بتاخد بعين الاعتبار التباعد ما بين الناس، والتباعد ما بين البنايات، الشوارع بتفصل بين البنايات، ووعينا للأماكن وعي محفوظ، إحنا بنحفظ شكل الأشياء إلا لو تواجدنا في مكان جديد.

في الواقع، اللي بيمارسوه الناس هو «تباعد مادي» ومش تمامًا «اجتماعي». الناس بتتواصل مع بعض أكثر من قبل بوسائل مختلفة، في حفلات «زوم»، ولعب شدّة (كوتشينة) عن بُعد.

[يمكن السماع هنا]

صدف إنه بقرأ بفصائل الفضاءات لجورج بيريك هاي الأيام، الكتاب فيه تمارين لكيفية التعامل مع المكان والحيز والفضاء بكل زواياه من السرير للسقف، وفي واحدة من الفقرات بيذكر بيريك مشاهدته لمقطع اللي بيكون فيه ضريرين ماشيين في الشارع والضرير بيتحسس المكان بطريقة مختلفة عن الفرد العادي، إحنا بنشوف هاد المشهد يعني بمحلات معينة، بنشوف الناس اللي معهم العصا وماشيين وبيفحصوا العناصر اللي موجود بالفراغ، وممكن يكون اللي موجود في الفراغ محل احتشاد برضه. فالضرير هو الشخص اللي بيمارس التباعد الاجتماعي بطريقة معينة، أو التباعد عن الأجساد أو المجسمات اللي بتكون موجودة في طريقه. فـ في هون تأمل مختلف في المحلات اللي بنمشي فيها، في المحلات اللي إحنا بنحتاج إنه نزورها، مشوار تبضّع الخضروات لم يعد مفهوم ضمنًا.

طرأت تغيّرات على ممارسات السلطة في فرض نفوذها، سلوكياتها صارت مباشرة أكثر وملموسة أكثر في تنفيذ التحكم والرقابة، مثلًا، شفت فيديو مأخوذ بشط ما في حيفا بيوثّق لحظة إطلاق الشرطة لدرونز بغرض تصوير الناس وهمي ماشيين على الشط، لأنه صار في قوانين بتمنع المشي في العام وإنه اللي بيمشي بالشارع بيتخالف إلا إذا كان رايح يشتري ضروريات أو بعيد عن البيت بـ 100 متر بس. الظروف تبدو «مألوفة» لإلنا لإنه إحنا بنعرف هاي القصص من أفلام ديستوبية، من أدبيات ديستوبية، فـ هاي صورة مش كثير بعيدة عن خيالنا.

حسين الحاج: يمكن مدخلي الأخير لمناقشة مفهوم الـ social distancing أو التباعد الاجتماعي، وأنا يمكن مش باستنكر الترجمة، بس بـ أقول إنها طول الوقت محتاجة للشرح لأن بشكل ما فيها ما يسمى بالإرداف الرجعي أو الـoxymoron، أو إن منين بتقول شكل من أشكال الفصل والعزل بس معمم على مجتمع؟ وبالتالي دا ما بقاش مجتمع في رأيي، بقى ذرات متناثرة معزولة في غرف، وإنت بتقول على مجموع الغرف دي لما تتواصل بينها وبين بعضها من خلال التليفون والإنترنت وكل وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات مجتمع، إنما في النهاية أدائها الجماعي والاجتماعي مسلوب منها.

وهنا مسألة الاستلاب أو Alienation برضه شكل ينفع ندخل بيه عشان نفهم الحالة نفسها، إنه آه يا بكرية، فعلًا التباعد الاجتماعي مش خطاب أيديولوجي، لكن سلوك أفراد في ظرف ما، بس قابل بشدة للاستغلال من أطراف أو مراكز قوى وبنيات سلطة في المجتمعات المعاصرة بتاعتنا إنها تعمل نقلة وتحول في شكل المجتمع اللي إحنا عايشين فيه دلوقتي بدرجة ما لصالحهم.

[يمكن السماع هنا]

اللي باحاول أفكر فيه إن الكلام عن التباعد الاجتماعي في النهاية مربوط باللي برضه أحمد اتكلم عنه وهي فكرة التعرية، تعرية وضع كان فيه تباعد بس من ناحية نفسية بس كمان بتخلي ده أكثر تفشيًا في المجتمع. فهو أصلًا كان فيه مشاكل نفسية مزمنة في المدن المعاصرة، في المدن الكبيرة. أنا مش بتكلم عن سياق لا مديني، أنا بتكلم عن سياق مديني ومعاصر، وبقول إنه التباعد الاجتماعي لما بيسقط في الحياة دي.. الحياة المدينية، يبقى بيعيد، وهو ده اللي بحاول اقترحه، فكرة إعادة بناء الفاشية.

الفاشية والتفشي كانت حاجة مهمة بالنسبالي لما شوفتهم أول مرة في موقع منظمة الصحة العالمية وهما بيترجموا كلمة spread بيترجموها لفاشية، أنا كنت مستغرب جدًا، بس في نفس الوقت ده عمل كليك معايا، لأن دي حالة تفشي بس في نفس الوقت هي حالة من الهيمنة والسيطرة للشيء ده، أيًا كان بقى إذا كان المرض أو الناس اللي بتنتفع من تفشي المرض. الشيء ده بيديني الحاجة اللي كنا بنقول عليها من الأول الـapocalyptic، واللي هي واحدة من ترجماتها بالمناسبة «الانكشاف».

وهنا بقى نرجع لكلمة التعرية والكشف، إنه أنا مهتم بدلالات الكلمات كمترجم بيحاول يفهم إزاي ممكن نفهم المعاني من طرق مختلفة، بس بحاول أوصل لنقطة بتربط ما بين كل الافكار اللي إحنا تناولناها، واللي بتعبّر عن قلقنا حوالين المعاني اللي بتحملها كلمة التباعد الاجتماعي، أكتر حتى من self-isolation أو quarantine لأن دي كلمات، زي ما قولت قبل كدا، ممكن تبقى متعارف عليها بطرق مختلفة، بس الكلام عن التباعد الاجتماعي بيخلق شكل من أشكال البارانويا. إحنا ما بنسلمش على بعض، إحنا بنقف على مسافة، وكل دا ليه تبعات نفسية.

وفكرة العزل والقلق والاستغراب من الآخر بيخلق حالات العنصرة اللي بتحصل على شعوب لأنها بتاكل كذا ولا بتتصرف بأداء معين، يعني مثلًا الإنجليز يعنصروا على الطليان عشان بيحضنوا بعض أو بيسلموا على بعض بأي طريقة، وبالتالي فده اللي سبب انتشار للمرض عندهم أو ارتفاع في حالات الإصابة وده كلام في الحقيقة غريب جدًا، لأن تفسيرات إزاي المرض بيدخلنا من خلال ثقافتنا، ومن خلال الطريقة اللي إحنا بنعيش بيها بالطريقة دي شئ مخيف، وكأننا بنحاول ندور على ثقافة موحدة للتعامل وللسلام وللكلام وللعيشة تعمم على جميع الثقافات وعلى جميع البشر. أنا آسف على الإطالة.. شكرًا جدًا إنكم بتحيوا الكلام لحد دلوقت وتصبحوا على خير.

بكريّة صائب: أما عن الانتشار والتفشي، مُلفت، مثلًا، كيف الميمز بتنتشر بالعالم وكيف الناس بتستخدم عبارة viral لوصف مواد بصرية سمعية متداولة بكثرة وبسرعة على شبكة الإنترنت؛ فكروا في أصل الاسم المأخوذ عن الصفة نفسها اللي بترجع للتفشي الفيروسي. وبينما الفيروس ينتشر بغزارة، على الرغم من تناقل التجارب والعِبر ما بين الدول، الإنتاج بيوقّف في هذا الوقت في تساؤلات ضخمة على الإنتاج وجدواه وشراسته، ونشهد على شلّ لقواعد وتقسيمات وضعها الاستعمار وتبعيّاته في الـ200 سنة الأخيرة، وهاي بداية لمفاهيم جديدة من منظور جديد، ولإنها لحظة فارقة هذا وقت التساؤل: شو الممارسات اللي اعتدنا عليها سابقًا وبدنا نستغني عنها؟ وشو هي الصيغات اللغوية اللي كنا بنحب نجددها ع عالمنا؟

أحمد السروجي: وكنقطة أخيرة، أحب أشير إلى مقتطف للكاتبة الهندية أرونداتي روي في نصها «الوباء بوابة» (The Pandemic is a Portal) واللي بتدعو فيه لتأمل لحظة الوباء باعتبارها لحظة بتفتح إمكانيات جديدة، عتبة ما بين عالمين لازم نعبرها لتخيل ما يمكن أن يأتي. 

 

اعلان
 
أحمد السروجي 
بكريّة صائب 
حسين الحاج 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن