عام مالي جديد: الإنفاق الاجتماعي في موازنة «كورونا»
 
 

يقدم البيان التحليلي للموازنة العامة الذي عرضه وزير المالية محمد معيط يوم الإثنين الماضي، على البرلمان، والبيان التمهيدي للموازنة العامة، الصادر قبل أيام، أول صورة عن الإنفاق الحكومي في أول سنة مالية بعد فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19».

ومع ذلك، تبدو الصورة ضبابية بعض الشيء لأن موازنة العام الجديد أعدت خلال المدة من نهاية نوفمبر 2019 حتى نهاية فبراير 2020، بحسب البيان التمهيدي، واستندت على تقديرات المؤسسات الدولية بشأن الاقتصاد العالمي في يناير 2020 قبل أزمة «كورونا». وقررت وزارة المالية الإبقاء على تقديرات الموازنة، كما أرسلت لمجلس النواب لحين إجراء أي تعديلات، تبعًا لوزير المالية.

البيان التمهيدي للموازنة العامة هو أول وثائق الموازنة العامة، يليه صدور الموازنة العامة نفسها في وثيقتين هما البيان المالي والبيان التحليلي للموازنة العامة، ثم موازنة المواطن -وهي نسخة مبسطة من الموازنة لغير المختصين، ثم التقارير الشهرية لمتابعة تنفيذ الموازنة، وتقرير نصف العام المالي، وتقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، وهي الوثيقة الوحيدة غير المتاحة للنشر.

يمثل البيان التمهيدي الإطار العام لتصور الحكومة حول إنفاقها في العام الجديد، وبالذات فيما يتعلق بالإنفاق الاجتماعي، وهو على ما يبدو «إطارًا تقشفيًا»، كما تقول هبة الليثي، المشرفة على بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لـ«مدى مصر». وتستند الليثي في رأيها إلى معدل النمو في مخصصات دعم السلع التموينية والدعم النقدي بصورة خاصة. بينما يمنح البيان التحليلي للموازنة صورة تفصيلية أكثر للإنفاق الحكومة في العام المالي.

لفهم توزيع الموارد في الموازنة، ينبغي أولًا أن نعرف أن تصنيف الموازنة يقوم على نوعين أساسيين من التصنيفات: الاقتصادي، والوظيفي، إلى جانب تصنيف إداري يمثل مزيجًا بين التصنيفين الأساسيين.

وفقًا لدليل تصنيف الموازنة العامة للدولة الصادر عن وزارة المالية، يقوم التصنيف الاقتصادي على تصنيف الموارد وفقًا لطبيعتها والهدف منها (مرتبات، وسلع وخدمات، وفوائد، ودعم ومنح، وشراء أصول، وسداد قروض.. إلخ). فيما يقوم التصنيف الوظيفي على تقسيم المصروفات وفقًا للوظائف التي تستهدف الحكومة تحقيقها (دفاع، أمن، بيئة، إسكان، صحة، تعليم.. إلخ).

ووفقًا للتصنيف الاقتصادي، يعد الدعم والأجور هما أبرز أشكال الإنفاق الاجتماعي، الذي يمس غالبية الناس. فيما يعد الصحة والتعليم أبرز أشكال الإنفاق الاجتماعي، وفقًا للتصنيف الوظيفي.

أولويات الدعم

فيما يتعلق بالدعم، والذي يمثل المجال الأساسي الذي استهدف برنامج «الإصلاح المالي»، والذي بدأ مع موازنة 2015/2014، خفض مخصصاته أو السيطرة على نمو بعض مكوناته، انخفض إجمالي مخصصاته بنسبة صغيرة (0.4%) ليصل إلى 326.3 مليار جنيه، بدلًا مما كانت قد نصت عليه موازنة العام الحالي من توقعات بارتفاع مخصصاته في العام القادم لتصل إلى 360.29 مليار جنيه. وبذلك يكون الدعم قد تراجع في موازنة عام 2021/2020، بدلًا من نموه بنسبة تقترب من 10% كما كان متوقعًا.

ويوضح الشكل التالي أولويات الموازنة في توزيع موارد الإنفاق على عدد من بنود الدعم الأساسية بناءً على حجم نمو كل منها في موازنة العام الجديد مقارنة بمخصصات كل بند في موازنة العام الحالي، مقابل متوسط معدل التضخم المتوقع في العام المالي الجديد.

وتستهدف وزارة المالية معدل تضخم يتراوح بين 6-12% خلال عام 2021/2020، بمتوسط 9%.

المصدر: البيانات التمهيدية والتحليلية للموازنة العامة وحسابات «مدى مصر»

ويمثل معدل التضخم معيارًا لتقييم نمو الإنفاق في الموازنة العامة، إذ ينظر إلى أي نسبة نمو في الإنفاق على أي بند تقل عن معدل التضخم كنمو «سلبي»، لأن التضخم يلتهم الإنفاق الإضافي.

وبناءً على ذلك، يعد نمو مخصصات التأمين الصحي والأدوية وعلاج غير القادرين على نفقة الدولة والدعم النقدي نموًا سلبيًا، في حين يعد نمو دعم تنمية الصادرات ودعم الإسكان الإجتماعي نموًا إيجابيًا. أما الإنفاق على دعم المواد البترولية والسلع التموينية في العام الجديد، فقد انكمش قياسًا بالعام الحالي حتى دون النظر إلى معدل التضخم، إذ يبلغ الإنفاق على دعم السلع البترولية 28.19 مليار جنيه في العام الجديد مقابل 52.96 مليار جنيه العام الحالي بانخفاض يتخطى 46%، ويبلغ الإنفاق على دعم السلع التموينية العام القادم 84.4 مليار جنيه مقابل 89 مليار جنيه العام الحالي، بانخفاض يتخطى 5% تقريبًا.

وفي المقابل، فقد بلغ الانخفاض في دعم الكهرباء مستوى «تاريخي»، وصولًا إلى 100%، ما يعني «نجاح» الحكومة في التخلص نهائيًا من دعم الكهرباء.

ويمثل تراجع دعم السلع التموينية استمرارًا لسياسة انتهجتها الموازنة العامة منذ عدة سنوات، بالحد من نمو مخصصات دعم التموين عبر تخفيض عدد المستفيدين وتحديد معايير لتقليص قائمة مستحقي هذا الدعم.

ترى سلمى حسين، الباحثة الأولى في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن «الوقت ليس مناسبًا أبدًا لتخفيض عدد المستفيدين من دعم السلع التموينية. فالأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا في انعكاساتها على حياة الناس ستؤدي إلى أن يفقد الكثيرون جزءًا من دخلهم أو كل دخلهم، وسرعان ما سينعكس ذلك على مستوى استهلاكهم»، على حد قولها، موضحة أن «تخفيض الاستهلاك عمومًا يطال استهلاك الأسر من الطعام.. الحل في هذه الحالة هو استخدام آلية متوفرة بالفعل وهو نظام دعم السلع التموينية لتقديم المزيد من الطعام لمزيد من الأسر حتى لو انطبقت عليهم معايير الاستبعاد من الدعم.. في هذه الأوقات نحتاج لاستهداف من هم قريبين من الفقر بالدعم أيضًا».

أما الدعم النقدي، فترى هبة الليثي أن «نموه الضعيف هذا يعود في جانب منه إلى سياسة وزارة التضامن الاجتماعي في مراجعة المستفيدين من برنامج تكافل [الموجه للأسر الفقيرة التي تضم أطفالًا في مراحل التعليم] بعد ثلاث سنوات من بدء تلقي تلك الأسر لهذا النوع من الدعم تمهيدًا لوقف استفادتهم منه مقابل ضم أسر أخرى»، مضيفة أنه «بصورة عامة، يؤدي هذا الإجراء إلى زيادة بطيئة في أعداد الأسر المستفيدة».

وكانت وزارة التضامن الإجتماعي قد بدأت في صرف معاشات تكافل وكرامة المشروطة بدءًا من العام المالي 2016/2015 بعد عام من استحداث هذا النظام من الدعم النقدي الذي لجأت إليه الحكومة للسيطرة على فاتورة الدعم بدءًا من منتصف عام 2014.

ترى الليثي ضرورة وقف هذه المراجعة حاليًا والسماح بالمزيد من المرونة في ضم المزيد من الأسر لبرامج الدعم النقدي إجمالًا. «من المهم أن تستفيد وزارة التضامن الإجتماعي من قاعدة البيانات التي توفرت لديها بحيث تسمح للمزيد ممن رفض حصولهم على دعم نقدي بسبب عدم انطباق الشروط بالكامل عليهم بالحصول عليها»، حسبما توضح.

الأمر ذاته أشارت إليه هانيا الشلقامي، الأستاذة في مركز البحوث الاجتماعية في الجامعة الأمريكية، وأحد مصممي برنامجي «تكافل» و«كرامة»، في لقاء أجراه معها مركز حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية يوم الأربعاء الماضي، حين اعتبرت أن برنامجي «تكافل» و«كرامة» يمكنهما المساهمة في مواجهة الفقر الناجم عن تداعيات انتشار فيروس كورونا إذا اتسع نطاقهما لضم عدد أكبر من الأسر.

وفي المقابل، يمثل النمو الملحوظ في مخصصات دعم تنمية الصادرات -وهو دعم غير موجه للفقراء أصلًا- استمرارًا لسياسة دعم المصدرين خصوصًا بعد أزمة «كورونا». وكانت الحكومة قد أعلنت عن توفير نحو 2.5 مليار جنيه للمصدرين حتى نهاية يونيو 2020 لسداد مستحقات برنامج دعم الصادرات، ضمن قائمة من القرارات العاجلة في مواجهة «كورونا».

فيما يأتي النمو الكبير في مخصصات دعم الإسكان الاجتماعي هذا العام، ضمن سياسة التوسع في ضخ الاستثمارات العامة لقطاع الإسكان عمومًا.

أما الأجور في الموازنة، فكانت إجمالًا أكثر حظًا من الدعم. بحسب البيان التمهيدي، خصصت الموازنة الجديدة للإنفاق على الأجور 335 مليار جنيه، بارتفاع يتعدى 11% عن مخصصات الأجور العام الحالي. يمثل معدل النمو هذا نموًا إيجابيًا قياسًا لمعدل التضخم المتوقع، رغم أنه أقل عن معدل نمو الأجور العام الماضي.

ويظهر الشكل التالي معدل تطور مخصصات الأجور في الموازنة العامة.

 

المصدر: الموازنة العامة للدولة والبيان التمهيدي لموازنة العام المالي 2020/2021

التعليم والصحة.. لا جديد تحت الشمس؟

وفقًا للبيان التمهيدي للموازنة العامة، تبلغ مخصصات الصحة 245.5 مليار جنيه بزيادة 78.9 مليار جنيه بنسبة زيادة 45% عن العام المالي الحالي.

تختلف هذه القيم بشكل كبير عن قيم أخرى لمخصصات الصحة يشير إليها نفس البيان، والتي تبلغ حوالي 93 مليار جنيه بحسب البيان، بزيادة قيمتها حوالي 20 مليار جنيه عما حصل عليه قطاع الصحة العام الماضي.

القيم المختلفة لمخصصات الصحة جاءت بسبب استناد البيانات إلى مفهوم مختلف عن مفهوم التصنيف الوظيفي في تعريف الإنفاق على الصحة، والذي يقتصر على إنفاق وزارة الصحة فقط كجهة مسؤولة بشكل مباشر عن الصحة، بحسب مصدر رفيع المستوى في وزارة المالية تحدث إلى «مدى مصر» مشترطًا عدم نشر اسمه.

وقال المصدر إن وزارته لجأت لمفهوم آخر اعتبرته مفهومًا «أعم وأشمل» على حد تعبيره، بحيث يتضمن «ليس فقط الجهات «الموازنية» [الجهات المسؤولة بشكل مباشر عن نمط معين من الإنفاق كوزارة الصحة بالنسبة للإنفاق الصحي] ولكن تم إضافة إنفاق [على الصحة والتعليم] من قبل الهيئات الاقتصادية وبعض الشركات والتي تندرج أيضًا ضمن المخصصات الموجهة لكل من قطاعي الصحة والتعليم».

ووفقًا لهذا المفهوم، «فهذا التعريف يشمل الإنفاق فيما يتعلق بالصحة مثلًا -بالإضافة للمؤسسات التابعة لوزارة الصحة- أي جهات أخرى تقدم خدمة صحية من قبيل مستشفيات الشرطة والدفاع والأزهر والتأمين الصحي الشامل والبرامج الخاصة به»، تبعًا للمصدر.

وفضلًا عن كل ما سبق، فهذا التعريف يشمل «إضافة نصيب هذه الجهات [الصحة والتعليم] من أعباء خدمة [فوائد] الدين حيث استفادت هذه القطاعات من الصحة والتعليم من هذه الديون»، كما يقول المصدر.

الاستراتيجية الجديدة في حساب قيم الإنفاق على الصحة والتعليم بدأت قبل سنوات، حيث لجأت وزارة المالية والبرلمان معًا لتعديل تعريف الإنفاق على الصحة والتعليم، على نحو يسمح بتضخم مخصصات الإنفاق على التعليم والصحة كي تستوفي الاستحقاقات الدستورية.

على سبيل المثال، أضاف البرلمان لمخصصات التعليم الإنفاق على قطاع الشؤون الثقافية في الأزهر ودعم اشتراكات الطلبة والمنح الدراسية في وزارة التضامن الاجتماعي في موازنة 2017/2016.

لكن هذا المفهوم واجه رفضًا من عدد من المراقبين من بينهم المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والتي اعتبرت أن «الحكومة تحاول التملص من الالتزام الدستوري عبر إضافة بنود أخرى لمخصصات الصحة في الموازنة كالصرف الصحي والفوائد على الدين العام». وفضلًا عن ذلك، يواجه هذا التعريف المستحدث تشكيكًا في مصداقيته بسبب ضم الإنفاق على مستشفيات تابعة للجيش والشرطة المخصصة أصلًا لخدمة أفراد الجيش والشرطة فقط.

ووفقا لهذا التعريف المستحدث، يمثل الإنفاق الحكومي على الصحة 3.72% من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي يستوفي الاستحقاق الدستوري بشأن الصحة، في حين أن الإنفاق على الصحة استنادًا لمفهوم التصنيف الوظيفي يقل عن نصف الاستحقاق الدستوري.

وينص الدستور الحالي على أن «تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالى»، قبل أن يجري الاتفاق في مجلس النواب على تطبيق مفهوم الناتج المحلي بدلًا من مفهوم الناتج القومي بسبب ندرة البيانات حول المفهوم الآخير. ويشير مفهوم الناتج المحلي إلى إجمالي قيمة الإنتاج داخل البلاد، أما الناتج القومي فهو مفهوم يشمل إنتاج المصريين خارج حدود البلاد، شاملًا الاستثمارات المصرية في الخارج على سبيل المثال.

ويوضح الشكل التالي معدل الإنفاق على الصحة كنسبة من الناتج المحلي وفقًا للتعريف القائم على التصنيف الوظيفي للموازنة العامة مقابل التعريف المعدل المستحدث من وزارة المالية.

 

المصدر: حسابات مدى مصر استنادًا لبيانات وزارة المالية

الأمر ذاته ينطبق على قطاع التعليم. قال البيان التمهيدي إن الحكومة خصصت للإنفاق على التعليم 363.6 مليار جنيه، بارتفاع قدره 46.9 مليار جنيه (بنسبة زيادة 14.8%). وتمثل هذه المخصصات، تبعًا للمصدر، ما تعتبره وزارة المالية واقعًا ضمن الإنفاق على التعليم تبعًا للتعريف المعدل الذي استحدثته الوزارة. على سبيل المثال، تشمل حسابات الإنفاق على التعليم «وفقًا لهذا المفهوم مدارس هيئة المجتمعات العمرانية في المدن الجديدة». وبناءً على ذلك، ترى وزارة المالية أنها بذلك تكون قد أوفت أيضًا بالاستحقاق الدستوري.

وينص الدستور الحالي على أن تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومى الإجمالى، وأن تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم الجامعى لا تقل عن 2% من الناتج القومى. وبذلك، فيتعين على الدولة تخصيص 6% من الناتج المحلي على الأقل للإنفاق على التعليم إجمالًا.

أما الإنفاق على التعليم، وفقًا للتقسيم الوظيفي، فلا يتجاوز 157.58مليار جنيه في البيان التحليلي للموازنة العامة، وبالتالي يمثل -كنسبة من الناتج المحلي- أقل من نصف الاستحقاق الدستوري.

ويظهر الشكل التالي الفارق بين الإنفاق على التعليم وفقًا للتقسيم الوظيفي ووفقًا للتعريف المستحدث من قبل وزارة المالية، ويتضح من الشكل أن الإنفاق على التعليم وفقًا للتعريف المستحدث يصل إلى 5.3% من الناتج المحلي، في حين أن الإنفاق على التعليم وفقًا للتصنيف الوظيفي يمثل 2.78% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

المصدر: حسابات مدى مصر استنادًا لبيانات وزارة المالية

 

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن