أبعد من الأسعار: عندما تصاب أسواق النفط بعدوى الفيروس

نُشر النص الأصلي لهذا المقال في مدونة «VERSO» وتُرجم بعد موافقة الكاتب. يستعرض آدم هنية في المقال الآفاق المحتملة لأزمة النفط الحالية وتأثيراتها المختلفة على البيئة والاقتصاد السياسي للعالم ومستقبل صناعة النفط على المدى القصير والطويل. نُشر المقال قبيل التوصل للاتفاق الأخير بخفض الإنتاج الذي وقعته الأطراف المختلفة في «أوبك بلس» في 12 من أبريل الجاري، والذي خفض الإنتاج العالمي بحوالي 10% بواقع 9.7 مليون برميل يوميًا، وهو ما توقعه المقال، وكذلك قبيل الانخفاض التاريخي في سعر برميل نفط غرب تكساس إلى قيمة سالبة (حوالي -37 دولار للبرميل وقت نشر هذه الترجمة). لكنه يتجاوز الآثار اللحظية للاتفاق ويسعى لتحليل الآثار طويلة الأمد على صناعة النفط في العالم.

أصبحت الأبعاد البيئية لأزمة انتشار فيروس كورونا «كوفيد-19» أكثر حضورًا في النقاشات الأخيرة، مع انتشار مساهمات مهمة تستعرض الوباء وعلاقته بالزراعة الرأسمالية، والخسارة المطردة للتنوع البيولوجي وتدمير النظم البيئية الطبيعية. لكن هناك عنصر ما زال غائبًا في البعد البيئي لأزمة «كوفيد-19» والذي -في رأيي- يتطلب المزيد من الاهتمام. هذا العنصر هو التقاطع الشديد بين الوباء والصدمة التي أنتجها في قطاع صناعة الوقود الأحفوري. إذ تمر أسواق النفط العالمية بتحولات غير مسبوقة بفعل تلك الصدمة في الوقت الحالي. وبينما تظل المسارات والاحتمالات على المدى الطويل مفتوحة حتى الآن، إلا أن تلك اللحظة التي نعيشها من المؤكد أنها سوف تُعيد تشكيل سياسات النفط، وقد تساعد الأزمة كذلك على التخفيف من الاحتباس الحراري لعقود قادمة.

عمدت الكثير من الدول، والتي تمثل مجتمعة ما يقرب من 90% من الناتج الإجمالي العالمي إلى فرض شكل من أشكال الإغلاق على الاقتصاد. يشمل ذلك الغلق أجزاء كبيرة من المصانع ووسائل النقل وقطاع الخدمات والبيع، وبالتالي انخفض الطلب العالمي على النفط لمستويات غير مسبوقة. بالفعل كانت التقديرات تشير إلى أن توقف قطاع النقل فقط في الولايات المتحدة يخفض 5% من الطلب العالمي على النفط، نفس النسبة تقريبًا سوف تختفي من الطلب العالمي إذا توقفت أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا عن قيادة السيارات. وقدر المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول في 25 مارس الماضي أن الطلب العالمي على النفط سوف يهبط بواقع 20 مليون برميل يوميًا، وسرعان ما تمت مراجعة تلك التقديرات إلى 30 مليون برميل يوميًا. لم تكن تلك الصدمة مسبوقة لأسواق الطاقة العالمية سواء على مستوى سرعة الانتشار أو حجم التأثر، تخطت الصدمة كل الأزمات الكبيرة في القرن الأخير، بما فيها الكساد الكبير في 1929 والأزمة المالية العالمية في 2008.

 وبالتوازي مع الانخفاض الكبير للطلب العالمي على النفط فإن العرض ما زال في طريقه نحو الارتفاع، تأثر العرض بإعلان السعودية وروسيا، في بداية مارس، عن إزالة القيود على معدلات إنتاج النفط لديهما. ومع تأثيرات الوباء، فإن تلك «الحرب النفطية» دفعت أسعار النفط لأقل مستوياتها منذ عقود. جعل هذا الانخفاض الكبير في الأسعار الكثير من المنتجين يهرعون للبحث عن مستودعات لتخزين هذا النفط في البر والبحر لتجنب بيعه وتحمل الخسائر الناجمة عن البيع في هذا الوقت. ومع اقتراب مستودعات العالم من الامتلاء، فإن تجار النفط، اليوم، يتوقعون أن يدفع لهم المنتجون حتى يسحبوا هذا الفائض النفطي الكبير. كل تلك العوامل ساهمت في زيادة التوقعات بإفلاس العديد من شركات النفط في عام 2020، تلك الافلاسات المتوقعة قد تُعرض بنوك ومؤسسات مالية كبيرة لأزمة حادة مثل تلك التي حدثت في 2008.

لكن ما الذي يمكن أن تعنيه تلك الصدمة الكبيرة في أسواق الطاقة على مستقبل صناعة الوقود الأحفوري؟ وهل يمكن أن تمثل تلك الصدمة نهاية الاعتمادية المستمرة على النفط؟ يخمن بعض المحللين أن ذلك يمكن أن يكون الشيء الإيجابي الوحيد في أزمة وباء كورونا الحالية. «الوباء يمكن أن يقتل صناعة النفط وينقذ المناخ» كان هذا هو العنوان العريض لعدد صحفية «جارديان» في الأول من أبريل، فمع الخروج المتوقع لكثير من المنتجين الصغار للنفط من السوق بفعل الأزمة والإضعاف المستمر للمنتجين الكبار مثل «إكسون/Exxon»، و«رويال داتش شل/Royal Dutch Shell»، و«بريتش بتروليوم/BP» يقربنا ذلك بشكل كبير من الانتقال بعيدًا عن استخدام الوقود الأحفوري.

تلك السيناريوهات المثالية والتي غالبًا ما تتجافى مع حقيقة رأسمالية الكوارث التي نعيشها، والتي ترتبط بشكل هيكلي باستخراج واستغلال الوقود الأحفوري، نجحت تلك النسخة من الرأسمالية في تضمين «النفط» في كل جوانب حياتنا المعاصرة. وككل أوقات التغيرات الكبرى فإن الطريق الذي سنسلكه من أجل الخروج من هذه الأزمة ذات الأوجه المتعددة؛ انخفاض سعر النفط، وركود اقتصادي، ووباء متفشي -سوف تعتمد بالأساس على قدرتنا على بناء بدائل سياسية فعالة لرأس المال الأحفوري «fossil capital». يجب أن ننتبه للرابحين والخاسرين من تلك الأزمة الحالية، كما يجب أيضًا أن نحذر من الخلط بين الآثار المؤقتة -والشديدة- لانهيار الاقتصاد القائم على النفط وبين تلاشي هذا النظام نفسه.

الشرق الأوسط وروسيا ونفط الولايات المتحدة

هناك قصة طويلة ومعقدة خلف صعود الرأسمالية المرتكزة على النفط، تبدأ تلك القصة باستبدال الفحم بالنفط والغاز في بداية القرن العشرين، وصعود الشرق الأوسط (بقيادة السعودية) في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. تلك القصة تتضمن أيضًا العديد من الحروب والثورات والتقلبات الشديدة في أسعار النفط العالمية، في السبعينات والثمانينات، والتغيرات الهيكلية في صناعة النفط العالمية. ترتبط تلك القصة بشكل كبير بسؤال كيف شكّل التمويل العالمي فترة ما بعد الحرب، تلك الحقيقة التي غالبًا ما يتجاهلها الكثيرون أثناء الحديث عن النفط كسلعة مادية وفقط، حيث لعبت التدفقات النقدية والتي غالبا ما تُدعى «البترودولار» دورًا مهمًا في بناء أسواق المال العالمية، خاصة أسواق المال الأوروبية في ما يلي الستينيات، وبالتالي صعود الهيمنة الأنجلو-أمريكية المالية على العالم. أيضا مهدت تلك الأموال الطريق لأنماط الاعتماد على الدين والتي سوف تستمر لعقود في تشكيل العلاقة بين شمال وجنوب العالم. أصبح النفط، وباختصار شديد، متغلغلًا في كل جوانب النظام الرأسمالي العالمي مع نهاية القرن العشرين.

 مع بدايات عقد الألفية الثالثة، كانت أسعار النفط العالمية في زيادة مستمرة مدفوعة بصعود الطلب الصيني على النفط، ثم انخفضت الأسعار بشدة مع أزمة 2008 الاقتصادية، ولكن سرعان ما عادت لمستويات مرتفعة إلى نحو 114 دولار للبرميل في منتصف 2014. مثّلت تلك الفترة طفرة مالية لدول الشرق الأوسط المصدرة للبترول، وساهمت في تغيرات كبيرة في الديناميات السياسية لمنطقة الشرق الأوسط كلها، ولكن تلك الفترة أيضا ساهمت في صعود المنتجين الصغار والهامشيين في سوق النفط في كل العالم تقريبا. ظهر ذلك بوضوح في الاستثمارات الكبيرة التي ضُخت في تطوير إمدادات النفط والغاز «غير التقليدية»، والتي كانت عبارة عن احتياطات عالقة من النفط والغاز يصعب استخراجها بسبب الكلفة العالية. كان الحافز الأساسي وراء تطوير تلك الطرق غير التقليدية لاستخراج النفط هو الأسعار العالية والمستمرة للنفط في تلك الفترة.

بالطبع كانت صناعة النفط الصخري الأمريكي أحد أكبر المستفيدين من تلك الطفرة السعرية المستمرة، فالنفط الصخري الذي ظل محبوسًا في الرمال والصخور لملايين السنين أصبح اليوم في المتناول بفضل سعر النفط المرتفع، فمن خلال تفتيت الصخور بضخ السوائل فيها مما يسمح لها بالتفتت وخروج النفط لسطح الأرض. هناك العديد من الطرق لتحديد التكلفة المطلوبة من أجل إنتاج النفط الصخري، تختلف تلك الطرق بحسب نوعية الحقول وتكلفة التكنولوجيا المستخدمة في الاستخراج، تكلفة العمل.. إلخ. بشكل عام، فإن منتجي النفط الصخري الأمريكيين يحتاجون لأن يكون سعر النفط حوالي 45 دولارًا للبرميل حتى يستطيعوا تحقيق أرباح. على العكس من ذلك فتكلفة إنتاج النفط السعودي حوالي أربعة دولارات للبرميل والروسي حوالي عشرة دولارات للبرميل. تلك المقارنات يجب أن تُأخذ بحذر، لأن السعودية وروسيا هي دول وليست شركات بالتالي فهي تعتمد على عوائد النفط والغاز من أجل تمويل الموازنة العامة.

بهذا المعنى، فإن السعر المطلوب لبيع النفط في تلك الدول هو أكبر من تكلفة الإنتاج الاقتصادية البحتة، ويميل هذا السعر للتقلب تبعًا للمتطلبات التمويلية في الموازنة أي مستويات إنفاق الحكومة. ليس هناك شك أن المستويات المرتفعة لأسعار النفط في العقدين الماضيين، كانت الدافع الأساسي لجذب الاستثمارات في قطاع النفط غير التقليدي، كما قادت أيضًا تلك الاستثمارات لتحسينات مستمرة على تقنيات استخراج تلك الاحتياطات النفطية غير التقليدية.

كانت أحد نتائج تلك الاستثمارات بالطبع هي كارثة بيئية واجتماعية كبيرة حيث ارتكزت تلك الاستثمارات على توظيف العنف المدعوم من الدولة في أحيان كثيرة ضد السكان الأصليين في الولايات المتحدة وكندا من أجل الحفر وإفساح الطرق أمام أنابيب النفط والبنية التحتية اللازمة لإنتاجه وتوزيعه. لكن النتيجة المباشرة لتلك الاستثمارات كانت الطفرة النفطية التي حققها الإنتاج المحلي للنفط في الولايات المتحدة. فبين عامي 2009 و2014 تضاعف إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة ثلاث مرات، وأصبحت الولايات المتحدة مُصدرًا للنفط في بداية 2011 وأخذت موقع السعودية لتصبح المنتج الأول للنفط بحلول عام 2013، وهو الموقع الذي ما زالت تحتفظ به حتى اليوم. بمرور الوقت، أصبحت الولايات المتحدة بعيدة كل البُعد عن التنبؤات المذعورة للتبعية في مجال الطاقة والتي كانت قد شكلت صناعة السياسة الأمريكية في بدايات عقد الألفية الثالثة.

«أوبك بلس» وحرب النفط في 2020:

لكن الزيادة الكبيرة في مخزون النفط العالمي والناجمة بالأساس عن الإنتاج الكبير للولايات المتحدة -والذي ترافق مع تحديث الطلب الصيني للطاقة والسوق العالمي الذي بدأ يتحول نحو الطاقة المتجددة- جعلت تلك الطفرة السعرية تنتهي بحلول منتصف 2014. فقد «خام برنت» 70% من سعره في 2015 فقط، ليصبح حول مستوى 30 دولارًا للبرميل مع بداية 2016. كان ذلك الانخفاض في السعر هو الأكبر منذ ثلاثة عقود، بالتالي خسرت الكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة في مجال النفط الكثير من الأموال. تُقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية «EIA» الخسائر المُجتمعة للشركات المدرجة بالبورصة والتي تعمل بإنتاج النفط في البر بحوالي 67 مليار دولار في عام 2015 فقط.

لم يكن منتجو النفط الأمريكيون وحدهم من تأثروا بفعل انخفاض الأسعار الكبير في 2014- 2016. تقريبًا كل الدول المصدرة للنفط واجهت عجز متزايد في ميزانياتها العمومية ونزيف مستمر في احتياطاتها المالية، شمل هذا بالطبع المملكة العربية السعودية، والتي بددت ثلث احتياطها الأجنبي في الفترة ما بين منتصف 2014 ونهاية 2016. وفي مواجهة تلك الضغوط المالية المتزايدة بدأت السعودية وروسيا اتخاذ الإجراءات التي من شأنها رفع السعر مرة أخرى، بدأ الاثنان في الاتفاق حول تخفيضات في الإنتاج اليومي للنفط. هذا التحالف والذي نما بحكم الأمر الواقع قد تمثل في اتفاقية مشتركة والتي سميت لاحقا بـ«أوبك بلس»، تأسست «أوبك بلس»، في ديسمبر 2016، بالاتفاق بين أوبك و11 دولة أخرى منتجة للنفط لكنها ليست عضوة في أوبك. وحتى أزمتها الأخيرة في بداية مارس الماضي كانت «أوبك بلس» إلى حد ما ناجحة في إبقاء سعر البترول في الهامش الضيق بين 50-80 دولارًا للبرميل.

بالنسبة للشركات الأمريكية العاملة في مجال النفط، والتي لم تكن ملزمة بأي من تلك الاتفاقات الدولية حول خفض الإنتاج، كانت «أوبك بلس» بمثابة هبة من السماء. لأن الاستقرار النسبي لأسعار البترول جراء اتفاق «أوبك بلس» أوقف موجة من الاستحواذات على الشركات الصغيرة وإفلاسات في صناعة النفط الأمريكية وقعت بالتزامن مع هبوط الأسعار الحاد في 2015. كما أن استقرار الأسعار ساهم في ضخ المزيد من الاستثمارات للقطاع وبالتالي التوسع في عمليات التنقيب الجديدة عن النفط الصخري.

بحلول يناير 2020 كان الإنتاج اليومي للبترول في الولايات المتحدة يقارب 12.7 مليون برميل، بزيادة بلغت 45% عن معدلات الإنتاج في ديسمبر 2016 (تاريخ توقيع اتفاق أوبك بلس) وبزيادة كبيرة عن معدلات الإنتاج في 2008 والتي كانت أقل من خمسة ملايين برميل يوميًا. توضح تلك الأرقام أنه في الوقت التي سعت فيه معظم دول العالم لخفض إنتاجها من النفط في ضوء اتفاق «أوبك بلس»، تركت شركات النفط الأمريكية حرة في زيادة إنتاجها بشكل كبير. بتعبير كيث جونسون في مجلة «السياسة الخارجية» في 27 مارس الماضي: «لم تُساهم أي دولة في العالم في تغذية تخمة البترول العالمية كما فعلت الولايات المتحدة، وعلى الرغم من الانخفاض الأخير في الأسعار ما زالت الشركات الأمريكية تزيد من إنتاجها».

ولكن في السادس من مارس هذا العام، سقط تحالف «أوبك بلس» بعدما رفضت روسيا طلب أوبك بخفض انتاجها بأكثر من مليون ونصف برميل يوميًا. لم ترفض روسيا فقط طلب أوبك، ولكنها أعلنت أنها لم تعد ملُزمة بعد الآن باتفاق ديسمبر 2016. تبع هذا القرار قيام السعودية برد سريع حيث أعلنت، في 8 مارس، إن المملكة لم تعد هي الأخرى مُلزمة بتخفيضات الإنتاج، وأنها سوف تسعى لزيادة إنتاجها من النفط لحدود 12.3 مليون برميل يوميًا خلال أبريل، بدلًا من 9.7 مليون برميل يوميا في مارس، حتى إنها أعلنت أنها تخطط لزيادة إنتاجها لـ 13 مليون برميل في أقرب فرصة. ومع تلك الزيادة الكبيرة من الإنتاج، فإن سعر «خام برنت» هبط لما دون 30 دولارًا في غضون 48 ساعة فقط. انهارت بورصات المال في العالم بما في ذلك مؤشر «داو جونز» الصناعي والذي سجل 2000 نقطة انخفاض في 9 مارس، وهو الانخفاض اليومي الأكبر في تاريخ المؤشر.

 لم يتضح السبب الرئيسي وراء خروج السعودية وروسيا من اتفاق «أوبك بلس» حتى الآن؛ بعض المتابعين للأمر يخمنون أن روسيا ربما سعت للانتقام من العقوبات الأمريكية عليها وخاصة تلك المفروضة على أكبر شركات النفط الروسية «Rosneft» في فبراير الماضي. البعض الآخر يجادل بأن القرار الروسي يجب أن يُفهم في سياق السياسة الداخلية الروسية، والتي يسعى من خلالها بوتين لحشد المزيد من التأييد من النخب الاقتصادية الروسية والمرتبطة هيكليًا بصناعة النفط، والتي بدورها طالما عارضت وجود «أوبك بلس». بعض المحللين الآخرين يصفون قرارات السعودية وروسيا بـ «اللعبة الذكية» التي اتفق عليها الاثنان مسبقًا.

وبعيدًا عن الدوافع اللحظية لقرار السعودية وروسيا، فإن الهدف الاستراتيجي لتلك الأفعال بدا واضحًا للجميع.

رأت الدولتان، لسنوات عديدة، منتجي النفط الأمريكيين غير الملزمين باتفاقات تخفيض الإنتاج يكبرون ويستولوا على حصة أكبر من سوق النفط العالمي على حساب السعودية وروسيا. فمن خلال التهديد بإغراق السوق بالمزيد من النفط -وهنا، تصبح أفعال السعودية أكثر كفاءة نظرًا لقدرتها الفريدة على زيادة الطاقة الإنتاجية في وقت قصير- فإن سعر البترول سوف يستمر في الانخفاض. لكن على السعودية وروسيا أن يتحملا ألم أسعار النفط المنخفضة لسنوات عديدة، على أمل أن يدفع ذلك منتجي النفط الأمريكيين، خاصة هؤلاء المنتجون بكلفة عالية، خارج السوق.

حرب أسعار النفط في وقت الوباء:

لكن في الأيام التالية لصدمة سوق النفط العالمي المتخم بالعرض، أصبح واضحًا للجميع أن انخفاض الأسعار سوف يستمر لمستويات لم تكن معهودة جراء تفشي «كورونا» الجديد والذي بدأ يشق طريقه خارج الصين. مثّل الهبوط الحاد الذي أصاب الطلب الضربة الأولى لمنتجي النفط، التي تبعها الضربة الثانية بإعلان السعودية وروسيا زيادة إنتاجهما اليومي ما يلقي بأسعار النفط لما دون العشرة دولارات في المستقبل. لتأتي الخسارات في أسعار النفط بنهاية مارس على النحو التالي؛ برميل غرب تكساس الوسيط سجل أقل من 20 دولارًا، بهبوط 60% عن مطلع العام، وهو أقل سعر منذ 18 عامًا. أما «خام برنت» المعبر الأكبر عن أسعار النفط في العالم فقد انخفض إلى 23 دولارًا للبرميل، وهو السعر الأقل منذ 2002. الأهم، أن تلك الأسعار لم تكن لتعكس أسعار بيع كل أنواع النفط في السوق، خاصة أن بعض تجار النفط أعلنوا بيع أنواع أخرى بأسعار ثمانية دولارات للبرميل. ومع توقعات بانخفاض السعر لمستوى عشرة دولارات بدأت شركات النفط في خفض إنفاقها على الاكتشافات الجديدة، وحفر الآبار، والنفقات الرأسمالية.

ولمواجهة ذلك الانخفاض الكبير في الأسعار هرع منتجو النفط من أجل تخزينه على أمل أن يتيح لهم ذلك تحقيق الربح في المستقبل. لكن المشكلة أن مساحات تخزين النفط محدودة جدًا خاصة على اليابسة وهناك تكاليف لوجستية وتقنية كبيرة لعملية التخزين لضمان تخزين النفط بشكل آمن. يقدر المحللون أن حوالي ثلاثة أرباع القدرة التخزينية للمستودعات النفطية مشغولة بالفعل، ومن المرجح أن تمتلئ تلك المستودعات العالمية بنهاية مايو. وبحلول منتصف مارس كانت شركات خطوط النفط الكبرى في الولايات المتحدة أكثر قلقًا من استخدام شركات الإنتاج للبنية التحتية التي تمتلكها شركات خطوط النفط، أي الأنابيب والمستودعات، من أجل تخزين النفط وليس ضخه لأماكن أخري ومن ثم أصرت تلك الشركات على الحصول على فواتير «المستلم النهائي» للنفط قبل القبول بضخ أي نفط في الخطوط. وبما أن غلق الآبار وتعليق الإنتاج مؤقتًا هي عملية مكلفة للشركات، خاصة أن بعض عقود إيجار الأراضي تشترط الإنتاج المستمر من تلك الآبار فإن كثيرًا من الشركات سوق تفضل بيع البترول بسعر رخيص على أن تُوقف الإنتاج. بحلول منتصف مارس أيضًا، كان تجار النفط يقدمون العطاءات من أجل الحصول على «حامض أسفلت وايومنغ» « Wyoming Asphalt Sour» وهو منتج غالبًا ما يستخدم في إنتاج القار بسعر سالب 19 سنتًا، أي أن التجار يطلبون من المنتجين أن يدفعوا لهم من أجل أن يخلصوهم من هذا الفائض الإنتاجي.

كل هذا مثّل الكثير من الضغوط على سلاسل القيمة (أي سلسلة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك- المترجم) في قطاع النفط، بداية من منتجي النفط الخام سواءً كانت دول أو شركات أو حتى المصافي وشركات البتروكيماويات. باتت حالات الإفلاس وغلق الآبار شبه حتمية في الأسابيع القادمة وخاصة في أوساط المنتجين الذين يعتمدون على أسعار النفط العالية في الولايات المتحدة وكندا، تلك الشركات التي تنشط في استخراج النفط الصخري تحديدًا سوف تكون معرضة لضرر كبير. يمكننا أن نلحظ ذلك في تنبؤات الاحتياطي الفيدرالي في دالاس في مارس، حيث أشار في تقرير استطلاع قطاعي النفط والغاز الشهري أن «الفترة الحالية هي الأكثر سوءًا لقطاع النفط في ولاية تكساس» ،مضيفا أن «توقعات الأسعار تقترب من أن تكون الأقل تاريخيًا».

التمويل والنفط:

 من أجل أن نفهم المسارات المحتملة لتلك الأزمة وتأثيرها على أسواق الطاقة علينا أن نلقي نظرة معمقة على العلاقة بين صناعة النفط والاقتصاد الأوسع. من الضروري في تلك الحالة أن ننظر للعلاقات المتشابكة بين شركات الطاقة وأسواق المال العالمية والتي تتضح جليًا في السياق الأمريكي حيث تم ضخ المزيد من الاستثمارات في شركات الطاقة في السنوات الأخيرة. لم تكن تلك الاستثمارات والقروض التي ضُخت في قطاع الطاقة في الولايات المتحدة في شركات إنتاج النفط فقط، بل في شركات بقطاع خدمات النفط، والمصافي، والشركات الوسيطة مثل شركات خطوط الأنابيب. هذا الدين الآن صُنفت أجزاء كبيرة منه على أنها ديون سيئة. بشكل واضح كانت شركات الطاقة الأمريكية أكبر مُصدر للسندات السيئة في السنوات العشر الأخيرة في الولايات المتحدة. واليوم، تستحوذ تلك الشركات على 11% من سوق الديون الرديئة في الولايات المتحدة. تتجلى المشكلة الحالية في الحجم الكبير للديون غير المدعومة بأي ضمانات والتي قامت شركات الطاقة الأمريكية بموجبها بسحب الكثير من المال من البنوك. زادت نسبة الديون غير المدعومة بضمانات عن الديون الجيدة لأول مرة في 2016، وصلت في يناير 2019 لما يقرب من 70 مليار دولار مرتفعة بذلك عن مليار دولار واحد في 2015.

ومع الهوة السحيقة التي سقط فيها الطلب العالمي على النفط بعد انتشار وباء فيروس كورونا المستجد، والتي تزامنت مع قرار السعودية وروسيا بزيادة الإنتاج فإن الكثير من شركات الطاقة أو الشركات الأمريكية المرتبطة بها تواجه تخفيض حتمي في التقييمات المالية. قدرت مجموعة «يو بي أس/UBS Group»، في 16 مارس، أن ما يقرب من 140 مليار دولار من السندات التي أصدرتها شركات الطاقة الأمريكية في خطر محدق وهو أن تخسر تلك السندات قيمتها الجاذبة للاستثمار. وبينما يستمر هذا الدين الكبير في الانتقال نحو فئة الديون السيئة، فإن زيادة الإنتاج من النفط سوف تعمل على خفض أسعار سندات الطاقة الأمريكية وبالتالي زيادة الفائدة عليها، حيث يزيد العائد على السندات كلما هبطت قيمتها. ربما يكون أحد التأثيرات المباشرة لذلك هو أزمة سيولة حيث ستجد شركات الطاقة الأمريكية صعوبة أكبر في إقناع المستثمرين بشراء ديونها، وهي عملية صعبة خاصةً أن كثير من تلك الشركات سوف تتجه لإعادة التفاوض حول ديونها في 2020 ولكنها في نفس الوقت سوف تكون مجبرة على دفع فوائد كبيرة على سندات الدين الخاصة بها.

المحصلة النهائية لتلك الحالة سوف تكون بلا شك إفلاس الكثير من شركات الطاقة الأمريكية في فترة 2020-2021. بالطبع كانت الضحية الأولى لذلك السقوط الحر هي شركة «وايتنج بتروليوم/Whiting Petroleum» والتي بدأت في إجراءات إعلان إفلاسها في أول أبريل الحالي. كانت «وايتنج بتروليوم» هي أكبر شركة مستقلة للبترول في داكوتا الشمالية (ثاني أكبر الولايات الأمريكية في إنتاج النفط). تحمل تلك الشركة على عاتقها 2.8 مليار دولار من الديون، ولكن قبل أيام من إعلان الإفلاس كافئ مجلس الإدارة نفسه بعلاوة قدرها 14.6 مليون دولار، حصل منها المدير التنفيذي للشركة على 6.4 مليون دولار. بالطبع كان هذا المدير التنفيذي أكثر حظًا من ثلث عمال الشركة الذي تم تسريحهم في يوليو الماضي. «وايتنج بتروليوم» هي بالطبع الأولي في موجة سوف تستمر من إفلاس شركات الطاقة الأمريكية. على سبيل المثال، قدرت شركة «ريستاد إنرجي/Rystad Energy» في 3 أبريل، أنه إذا استمرت أسعار البترول في حدود الـ 20 دولارًا في 2020-2021 فإن أكثر من 500 شركة أمريكية في مجال الطاقة قد تكون عرضة للإفلاس، وهو أكبر رقم لإفلاس جماعي للشركات في التاريخ الحديث.

 مثل تلك التخلفات عن سداد الديون يمكنها أن تحدث اضطرابًا كبيرًا في مكونات النظام المالي الأخرى. فصناديق التقاعد، وشركات التأمين، والبنوك والمؤسسات المالية جميعها تمتلك حصصًا كبيرة في ديون قطاع الطاقة الأمريكي. وبالتالي فهي عُرضة للخطر في حالة حدوث موجة من الإفلاس في قطاع الطاقة. البنوك المحلية الصغيرة في الولايات المتحدة هي الأخرى متورطة بشكل كبير مع قطاع البترول والغاز. في السنوات الأخيرة، كان هناك انتشار كبير لممارسات من قبيل «توريق» ديون الشركات المدينة بمبالغ ضخمة، يتم ذلك عبر تجميع تلك الديون في حزم كبيرة من الائتمانات والأوراق المالية المختلفة والتي تعرف بـ «التزامات الديون المضمونة/ CLO»، على الرغم من صعوبة تصنيف تلك الالتزامات المضمونة تبعا للقطاعات الاقتصادية المختلفة وبالتالي تحديد من هو المالك النهائي لها، لكن موجة من العجز عن سداد الدين في قطاع النفط والغاز الأمريكي من المحتمل أن تؤدي إلى تسلسلات من السقوط في أسواق المالية تمامًا كما حدث مع أزمة الرهون العقارية في 2008. تلك التقاطعات والاعتماد المتبادل بين القطاع المالي وقطاعات الاقتصاد الحقيقي ليست مُقتصرة فقط على قطاع النفط. فتلك الائتمانات يتم تداولها اليوم بنفس الطريقة التي كانت تصنع وتتداول بها قبل أزمة 2008 المالية. ومع ذلك يبرز قطاع النفط كأحد الألغام المحتملة في أسواق المال اليوم. فالمعدلات المرتفعة من الديون غير الآمنة، والحضور الكبير للسندات السيئة والأنواع الأخرى من أدوات الدين غير المستقرة، مع الصدمة السعرية الناتجة عن الأزمة، كل تلك الأشياء تجعل قطاع النفط مُرشحًا بشدة أن يكون سببًا في أزمة مالية أخرى تمتد لباقي القطاعات الاقتصادية، بالضبط كما كان القطاع العقاري هو شرارة الأزمة المالية في 2008-2009.

الرابحون والخاسرون.. والمناخ

أصبح مؤكدًا اليوم أن المكونات المختلفة لصناعة الوقود الأحفوري سوف تواجه أزمة شديدة فيما تبقى من 2020 وربما حتى في 2021، لكن ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك للمستقبل البيئي لهذا الكوكب؟ لسوء الحظ ما لم يتم تحدي رأس المال الأحفوري الآن فإن الأزمة لن تُغير الكثير. السيناريو الأكثر ترجيحًا اليوم هو أن موجة كبيرة من الافلاسات في قطاع الطاقة قد تُسرع من عملية المركزة والسيطرة المتزايدة لشركات النفط الكبرى مثل «إكسون» و«شل» و«بريتش بتروليوم» وشركات أخرى في القطاع، لأنها أكثر قدرة على تحمل الأزمة الحالية من المنتجين الصغار. تلك الشركات تميل لأن تكون شركات مندمجة أفقيًا، أي أنها نشطة على امتداد سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، بما في ذلك المصافي، ومن المرجح أن تعوض تلك الشركات خسائرها في النفط الخام من خلال تقليل كلفة تشغيل عمليات الإنتاج في تلك المصافي. وبما أن تلك الشركات هي شركات عالمية فإنها تمتلك الكثير من الاحتياطات والأصول الموزعة في كل العالم تقريبًا، وليس فقط في حقول النفط الصخري مرتفع التكلفة. على الجانب المالي، غالبًا ما تمتلك تلك الشركات محافظ مالية متنوعة، وآفاق نموها غالبًا ما ترتبط بالأسواق المالية الخارجية، بما يتضمن صناديق التقاعد. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة تستحوذ «بريتش بتروليوم» و«شل» على خُمس عوائد الأسهم في الشركات المئة الأكبر في بورصة لندن.

ذلك السيناريو الأخير، هو بالتحديد ما توقعته الشركات المالية الكبرى في العالم في غضون الـ 12-18 شهرًا القادمة، ومثالا على ذلك أشار بنك «جولدمان ساكس» مؤخرًا إلى أنه على الرغم من أن الأزمة الحالية سوف «تُغير قواعد اللعبة في قطاع النفط» فالنتائج المحتمل للأزمة سوف «تجعل الشركات الكبرى تتجه لتقوية وتعزيز أصولها الأفضل والتخلص من أصولها السيئة»، بالتالي عندما تعود الصناعة مرة أخرى بعد الأزمة سوف يكون هناك «القليل من الشركات التي تمتلك أصولًا ذات جودة عالية». تُبرهن الخلافات الكبيرة داخل صناعة النفط حول الدعم الحكومي لشركات النفط الصخرية على صحة توقعات «جولدمان ساكس». في تلك الحالة يُمكن لنا النظر إلى تحليل «جاستن ميكولكا/ Justin Mikulka» الدقيق، والذي وثق فيه سعي «إكسون» لتسريع انهيار الشركات الصغيرة في القطاع، ومعارضتها الكبيرة للتدخل الحكومي في دعم قطاع النفط الصخري الأمريكي. ينقل جاستن تصريحات المدير التنفيذي لإحدى شركات النفط الصخري «Pioneer Natural Resources» والذي قال في حوار مع شبكة «CNBC» إن «الجهود الرامية لإقناع إدارة ترامب بالتدخل من أجل دعم منتجي النفط الصخري لا تسير بشكل جيد، لأننا نواجه معارضة كبيرة من إكسون التي تُهيمن على معهد البترول الأمريكي وجمعية منتجي النفط والغاز في تكساس.. إذ تفضل إكسون أن يُفلس كل المنتجين المستقلين حتى يتسنى لها أن تستحوذ على ما تبقى من السوق».

لهذا السبب فإن اللحظة الحالية تمثل خطرًا كبيرًا على حملات العدالة المناخية. في الولايات المتحدة، مثلًا، وافقت إدارة ترامب على تخفيف القيود البيئية على محطات توليد الكهرباء والمصانع والمنشأت الصناعية الأخرى، مما يسمح لهؤلاء بالرقابة الذاتية على مستوى الانبعاثات الملوثة للبيئة التي ينتجونها. ووفقا لتقرير نشرته الـ«نيويورك تايمز» مؤخرًا فإن تلك السياسة الجديدة قد تم تقديمها من قبل وكالة حماية البيئة كجزء من حزمة الإجراءات الحكومية لمواجهة الوباء الحالي، لكن المؤكد أن هذا الاقتراح كان صادرًا بالأساس عن معهد البترول الأمريكي، الذي تتحكم فيه شركات النفط الكبرى، والذي أرسل خطابًا لإدارة ترامب بنفس المضمون في 20 مارس. ليست شركات النفط وحدها من تحاول استغلال تلك الأزمة للإفلات من القيود البيئية، فالبنوك الكبرى والشركات المالية هي الأخرى تدفع في سبيل المزيد من التساهل في متطلبات مواجهة التغير المناخي وتأخير مواعيد اختبارات الضغط الخاصة بالتغير المناخي.

تلك المقترحات الساعية لتقويض القيود البيئية الحالية والتي هي غير كافية في الأساس، قد تجعل شركات النفط الكبرى في موقع قوة للاستفادة من عالم ما بعد الوباء. أسعار النفط الآن هي في ذروة انخفاض تاريخي، لكنها لن تظل كذلك على المدى الطويل. أحد التأثيرات الجدية للدمار الذي يلحق بالطلب العالمي على النفط اليوم، هو إعلان الشركات الكبرى في مجال النفط تخفيض النفقات الرأسمالية خاصة في مجال استكشاف وتطوير الحقول الجديدة. بالنسبة للكبار في صناعة النفط تلك التخفيضات كانت في حدود 20% في الأسابيع القليلة الماضية، بالنسبة لقطاع النفط الصخري توقع أحد خبراء الطاقة خفض النفقات بنسبة 40%  في هذا العام. يستغرق الأمر وقتًا طويلًا وتكلفة كبيرة من أجل إعادة تشغيل تلك الآبار الجديدة، ولهذا السبب فإن تأثير خفض النفقات الرأسمالية اليوم سوف نشعر به في قيود العرض لوقت غير قليل في المستقبل. يخلق هذا مع الوقت احتمالية انتعاشة كبيرة في الأسعار في المستقبل بعد تجاوز الأزمة الحالية، ويمكن أن يخلق ذلك حافزًا كبيرًا لموجة أخرى من الاستثمارات في توسيع إمكانات صناعة النفط عالميًا، كما حدث في الطفرة الأخيرة لصناعة النفط الصخري الأمريكي.

إذن، كيف يمكن أن ينعكس ذلك كله بعيدًا عن الولايات المتحدة وكبار اللاعبين في سوق النفط العالمي؟ هنا ينبغي علينا التفرقة بين كبار الدول المنتجة للنفط وصغار الدول المُصدرة للنفط. ليس هناك  شك في أن دولًا مثل السعودية، والإمارات ودول الخليج الأخرى سوف تشهد تفاقم عجز ميزانياتُها الحالي وضغوط كبيرة على الإنفاق الحكومي إذا استمرت أسعار النفط لفترة طويلة في مستويات منخفضة. تلك الدول، على الرغم من ذلك تمتلك معدلات ديون منخفضة بالتالي يُمكنها أن تقترض بسعر جيد من الأسواق الدولية. يمثل الهيكل الفريد للتركيب الطبقي في دول الخليج، والتي يعتمد على عمالة مؤقتة مهاجرة تُشكل ما يقرب من نصف قوة العمل في تلك الدول، فرصة لتصدير تلك الأزمة لأوطان هؤلاء العمال. بالتالي فإن أي انكماش اقتصادي يمكنه أن يرسل هؤلاء العمال إلى أوطانهم مرة أخرى، كما حدث في أزمة دبي 2008 والتي أعقبت الأزمة المالية العالمية.

في الواقع، ومثل القوة المحتملة التي سوف تكتسبها شركات النفط الكبرى في ظل الأزمة الحالية، فإن دول الخليج قد تشهد صعودًا في قوتها الإقليمية خاصة إذا تضررت أسعار الأصول في الدول المجاورة في عالم ما بعد الأزمة الحالية. أحد الأسواق المهمة في تلك الحالة هي الهند، والتى تغزوها الشركات الخليجية خاصة بعد التوقعات المستقبلية بزيادة الطلب الهندي على الطاقة في السنوات القادمة. أيضا الترابط الاستراتيجي التي تحاول دول الخليج بنائه مع الشبكات التجارية والمالية المرتبطة بالصين هي هدف محتمل. يبقى النفط الخام وقطاع البتروكيماويات هامًا جدًا لهذا الترابط المنشود، وبالتالي فإن العمل في مشاريع هامة في تلك القطاعات مستمر حتى في ظل الأزمة، على سبيل المثال، مصفاة الرويس في أبوظبي والتي سوف تصبح أكبر مصفاة ومجمع بتروكيماويات في العالم حال الانتهاء منها.

بالنسبة للدول الفقيرة المُصدرة للنفط فإنها سوف تواجه مشاكل أكبر كنتيجة عن انخفاض الأسعار الحالي. يشمل ذلك الإكوادور وفنزويلا وإيران -الأخيرتان يصارعان الآن عقوبات أمريكية أيضًا. دول أخرى سوف تتأثر مثل نيجيريا والتي تعتمد على النفط حيث يشكل 57% من الإيرادات الحكومية و90% من مصادر العملة الأجنبية، وحيث تعتمد نسبة كبيرة من السكان العاملين في القطاع العام على إيرادات النفط والتي تُحوَل إليهم كأجور أو معاشات تقاعد. يصعب توقع مدى العجز الممكن في التمويل لتلك الدول.

بالطبع لا يجب أن نُلقي باللائمة فيما يتعلق بالمشاكل التي تواجهها هذه الدول على أسعار النفط المُنخفضة، ولكن على الميراث الاستعماري الطويل. والذي رسخ للحروب في تلك المناطق وعلاقات التبعية الاقتصادية التي جعلت تلك الدول في قلب الاقتصاد العالمي وجعلتها في قلب معركة الوباء الحالية. نيجيريا مثلًا يمكنها أن تعتمد على البترول كنسبة كبيرة من الناتج المحلي ولكن نصف تلك الإيرادات تستخدم كخدمة للدين الأجنبي. لذلك فإن أي محاولة لتجاوز الاعتماد على الوقود الأحفوري على المستوى العالمي يجب أن تتحدى خليط النفط، والديون، وأسواق المال العالمية.

في وقت كتابة تلك السطور هناك حديث عن اتفاق محتمل لخفض الإنتاج بين الولايات المتحدة روسيا والسعودية. يمكن القول إنه لن يكون لهذا الاتفاق تأثير مستدام على أسعار النفط خاصة في ظل الضرر الكبير الذي لحق بالطلب العالمي على النفط. بعض المتابعين قد أشاروا لسخرية القدر وهم يرون «جمهوريون» محنكون طالبوا في السابق بحل منظمة «أوبك» لأنها تعمل مثل «الكارتل» يطالبون اليوم بالجلوس مع السعودية وروسيا من أجل أسعار النفط. بلا شك يعمل الخليط الفريد بين الوباء، والركود الاقتصادي الناتج عنه كمحفز لإعادة ترتيب الخطابات السياسية، والتحالفات غير المتوقعة والآفاق الجديدة للتغيير السياسي العالمي. لكن تلك اللحظة أيضًا هي اللحظة التي يمكن فيها للترتيبات القائمة أن تعود للعمل وتعزز من مصالح الأقوياء. نواجه اليوم خطر أن تعود صناعة النفط أقوى من السابق، وتحتل موقعًا أفضل في قلب النظام السياسي والمالي العالمي، تلك النهاية يمكنها إن تحققت أن تزيد من حجم الكارثة التي أنتجها انتشار هذا الوباء.

أدم هنية: هو أستاذ دراسات التنمية في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية «SOAS» بجامعة لندن، حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة يورك، وقام بالتدريس في جامعة الشيخ زايد بالإمارات. تشمل اهتمامات هنية البحثية؛ الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، والهجرات العمالية والطبقة وتكوين الدولة بدول مجلس التعاون الخليجي. صدر له بالعربية مؤخرا كتاب «جذور الغضب: حاضر الرأسمالية في الشرق الأوسط».

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن