ما بين «الشَقلَبَة» والطب النفسي: كيف يتعامل أطفالنا مع «كورونا الرِزِل»؟
 
 
الفنان، أحمد ناصر، يؤدي عروضًا ترفيهية للأطفال، لتشجيعهم على ارتداء الكمامات للوقاية من فيروس كورونا المستجد. - المصدر: محمد عبدالغني - صورة: رويترز
 

تحدث «مدى مصر» إلى الطبيبة النفسية للأطفال، هند بدوي، وعدد من الأطفال، لإلقاء نظرة أقرب على كيفية فهم الأطفال لفيروس كورونا، وطريقة التعامل معه ومع تداعياته.

أنس، 7 سنوات: [كورونا] مش هيجيلي، عشان أنا عارف إزاي هيجيلي؛ لو أنا مش غسلت إيدي، لو أنا مش غسلت وشي، لو أنا مش نضفت سناني، لو أنا مسكت وشي، لو أنا مسكت حاجة كان فيها فيروس.. كده. أنا باعمل الحاجات اللي تخلي الفيروس يمشي، أنا مش خايف.

بيسان، أم أنس: تفتكر مامتك أو باباك ممكن يجيلهم الفيروس؟

أنس: ما أعرفش.. عشان فيه ناس كتير عمالة تموت من الفيروس. أنا مش خايف، أنا واخد بالي. بس إحنا ممكن نجيب ميكروسكوب عشان نقدر نشوف الفيروس. ولو شوفناه ممكن نعمل عليه فَخ؛ نحطه كده في علبة.. علبة مقفولة.

تعيد بيسان السؤال: طيب انت قلقان أحسن مامتك أو باباك يجيلهم الفيروس؟

أنس: آه، أنا قلقان، عشان أنا كده هاعيش لوحدي.. طيب انتي تعرفي هيجيلك ولا ﻷ؟

بيسان: ﻷ مش عارفة

أنس: ممكن مش يجيلك!

بيسان: طيب إيه اللي ممكن يحصل لو مامتك أو باباك تعبو؟

أنس: لو عييو ممكن يروحو للدكتور بسرعة وبعدين يرجعو مش عيانين. لو مش راحو للدكتور ممكن يبقو عيانين كل شوية، بس لو راحو، الدكتور هيعرف إن هم عندهم وبعدين يكشف عليهم وبعدين يرجعوا كويسين.

بيسان هي واحدة من أعضاء فريق «مدى مصر» الذين تناقشوا مع أطفالهم، أو الأطفال المحيطين بهم، حول مدى إدراكهم لـ«كورونا»، وتجربتهم خلال اﻷسابيع الماضية، وتصوراتهم المستقبلية بخصوصه.

إن كنا، نحن الكبار، لا نعرف إلى متى ستستمر الجائحة، وما نجم عنها من حالة طوارئ عالمية، لكننا نعلم أنها ستكون جزءًا من قصة بداية حياة الجيل الحالي من الأطفال الصغار.

«يُمكن لمعظمنا استعادة بعض الذكريات من سن الثالثة أو الثالثة والنصف، لكن الذكريات تصبح أقوى بداية من سن السادسة»، تقول هند بدوي، طبيبة نفسية للأطفال، والتي عملت في القاهرة منذ ما يقرب من عقد من الزمن قبل أن تنتقل إلى لندن، حيث تمارس حاليًا العلاج باللعب. وتستكمل: «إذا استمر هذا الوضع لمدة تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر، واستغرق الأمر عامًا للعودة إلى الحياة الطبيعية، كما يقول البعض، فإن معظم الأطفال دون سن السادسة سيكون لديهم بعض الذكريات عن هذا الوقت، ولكنها لن تكون كثيرة. أما بالنسبة للأطفال أكبر من تسع سنوات، فمن المرجح أن تصبح الجائحة حدثًا مؤثرًا في تكوينهم».

مثلنا جميعًا، تعتمد تجارب الأطفال في الأزمة الحالية على صحتهم وطبقتهم الاجتماعية والاقتصادية ومكان إقامتهم. وبالنسبة للأطفال الذين تتغير حياتهم بسبب فقدان الدخل، أو الذين يعانون من مرض أو موت أقاربهم، فعلى اﻷرجح ستحدد هذه اﻷحداث ذكريات هذه الفترة من حياتهم.

في جميع الحالات، سيكون لطريقة تعامل المحيطين مع الجائحة وعواقبها تأثيرًا أساسيًا على التجارب المعيشية للأطفال وذاكرتهم عن هذا الوقت. «الأمر الأكثر أهمية هو كيفية حفاظ أقاربهم على البيئة المنزلية»، تقول بدوي.

قد يشكل هذا الأمر ضغطًا رهيبًا على الآباء، الذين يعانون بالفعل من الإجهاد. «من المهم أن نستوعب أن الأطفال لا يحتاجون آباءً مثاليين.. لا يوجد آباء مثاليين»، تقول بدوي، مشددة على أننا لم نواجه مثل هذا الموقف من قبل. وتضيف: «إنهم بحاجة إلى آباء جيدين بالقدر الكافي»، في إشارة إلى الفكرة التي طرحها المحلل النفسي للأطفال الشهير دونالد وينيكوت.

تبدأ مساعدة الأطفال بالتحدث إليهم. من المرجح أن يجمع الأطفال بعض المعلومات من هنا وهناك، من وسائل الإعلام، ومن المحادثات التي يستمعون إليها، ثم يقومون بما يميل الأطفال إلى القيام به: تكوين قصة داخلية متماسكة لمساعدتهم على فهم الأشياء.

أميمة والدة ملك: ايه هو فيروس كورونا؟

ملك، 11 عامًا: هو فيروس زي سارس وميرس والحاجات دي، يعني من عيلة كورونا، اﻷول جه من الصين، كانت أول حالة في الصين يعني، بسبب الخفافيش، الخفافيش دي أكتر حيوانات في الدنيا بتحمل فيروسات وميكروبات والحاجات دي عشان هي بتتنقل كتير يعني، وهي ما بتتعديش من الحاجات دي عشان هي عندها خلايا في جسمها بتخليها تصد أي فيروسات أو كده.

«لا يجب أن تفترض ما يعرفه الأطفال. حتى إن كنت تعتقد أن أطفالك يعرفون عن الفيروس، اجلس وتحدث إليهم»، تقول بدوي. «كُن مستعدًا. أجب عن أسئلتهم بإجابات قصيرة وبسيطة. لا تقدم معلومات أكثر مما طلبوه. امنحهم الوقت للفهم، وسوف يعودون ويطلبون المزيد من المعلومات إن كانوا بحاجة إليها». الإرشادات المرئية، مثل هذه باللغتين الإنجليزية والعربية، يمكن أن تساعد الآباء على إثارة فضول الأطفال حول الفيروس، وتقدم لهم شرحًا وتشجعهم على اتخاذ الاحتياطات دون إثارة مخاوفهم.

أخبر الأطفال أن معظم الناس لن يمرضوا بشكل خطير، وأن هناك أشياء يمكننا القيام بها للحفاظ على صحتهم، وأن العلماء يعملون بجد لاكتشاف علاجات. “ولكن لا تقدم أي وعود لا يمكنك الوفاء بها، ولا تكذب أبدًا، لأن كذبك سيُكتشف على الأرجح عندما يطرحون عليك نفس الأسئلة لاحقًا”، تقول بدوي. يميل الأطفال الصغار إلى طرح الأسئلة مرارًا وتكرارًا، فهذه هي طريقتهم لطمأنة أنفسهم.

أميمة: انتِ امبارح قُلتلي إن الكورونا فيها حاجة كويسة وحاجة وحشة.. إيه بقى كويس وإيه وحش؟

ياسين، شقيق ملك، 6 سنوات: الكويس يعني عشان الحظر وبابا بقى بييجي بدري، ووحشة عشان مش بينزلونا، وانتو كمان حابسينا، والحكومة نفسها حابسانا.. الحكومة الرزلة.

أميمة: خايف تتعدي؟

ياسين: مش خايف أتعدي.. الكورونا رزلة. بس أنا عايز أنام.

أميمة: طيب ممكن أسألك سؤال أخير: بتتمنى إيه، إن الكورونا تمشي؟

ياسين: باتمنى إن الكورونا دي تخلص وتخلصنا إحنا كمان معاها، عشان التمارين ملغية، وإحنا عايزين ننزل بقى ونخرج. وعايز أسافر. وباقول يا رب ما تفضلش لحد عيد ميلادي، 30 خمسة.

أميمة: وهنعمل إيه لو الكورونا استمرت لحد رمضان؟

ياسين: لو استمرت في رمضان هننزل برضو، ما هو مش هنفضل طول حياتنا يعني قاعدين هنا.

ما يبدو على المحك بالنسبة للأطفال هو تعرضهم لتجارب متنوعة وأشياء يتطلعون إليها. يمكن أن يساعدنا هذا في تأكيد الفكرة المعروفة بأن الأطفال يحتاجون إلى روتين. الروتين يجعل الأطفال -والبالغين- يشعرون بالأمان. اختلال الروتين مرهق: لن يعرف الطفل ما يجب عليه توقعه.

«علينا أن نحاول فرض بعض السيطرة على اليوم. لا ينبغي أن تكون شديد الصرامة أو تحاول إنشاء مدرسة منزلية مثالية، ولكن لا تدع الطفل يشعر أن فترة الصباح لا تختلف عن فترة المساء. حاول القيام بشيء جديد أو مختلف كل يوم»، تقول بدوي، مشيرة إلى أن أحد المشاعر شديدة الارتباط بالاكتئاب هي الإحساس بأن الأيام متشابهة. أشياء بسيطة يمكن أن تساعد في تمييز الأيام، وزيادة إحساسنا بالوقت، مثل الاتفاق على أن الجمعة، يوم الطبخ معًا، والإثنين، للرسم معًا، كما أن المشي أو قيادة السيارة في الهواء الطلق مطلوب، كلما أمكن ذلك.

عندما سألت ندى، أحد أعضاء فريق «مدى مصر»، بنات أختها: ما الأشياء الجديدة التي يفعلونها الآن وهم في المنزل؟ هتفت ماريا ومي، 7 و5 سنوات، بصوت واحد: «بنحافظ على المسافة القانونية»، تسألهما عن تلك المسافة فتجيبان: نبعد عن بعض متر ونُص، وتشرح ماريا: «نبعد عن بعض كده هو، ليه، عشان النفس، وعشان لو حد تعبان.. وما ينفعش نبقى في أماكن زحمة». 

«بننام متأخر شوية، وقاعدين برة بنتفرج على Beauty and the beast (فيلم الجميلة والوحش) ودي أول مرة»، وتهتفان سويًا: «وبنتسحب» ثم تضحكان، قبل مزيد من الشرح: «زي النينجا، نتشقلب، ونتسحب من غير ما حد يشوفنا»، وتوضح أمهما أن هذا يندرج تحت «اﻷنشطة الحركية». وتكمل ماريا: «الوقت الوحيد اللي أنا باشوف فيه الشارع بابُص من البلكونة، وكل يوم بأكل القطة بتاعتي، [على السطح].. بابُص من الشباك وأرميلها أكل».

تقول بدوي إن اختلال الروتين المنتظم يتفاقم في الوضع الحالي، بسبب المتغيرات المستمرة في جميع جوانب الحياة، وتطورات انتشار الوباء المستمرة، بالإضافة إلى التعليمات المختلفة بشأن ما نستطيع أو لا نستطيع القيام به خارج المنزل. يجب على الآباء أيضًا شرح القيود التي قد تكون مربكة للطفل، مثل لماذا تسمح لنا الحكومة بالذهاب إلى السوبر ماركت ولا تسمح لنا بالذهاب إلى المدرسة.

وتضيف أن الأمر الأكثر إثارة للقلق على الإطلاق هو أن الآباء لا يستطيعون إخبار أطفالهم بموعد انتهاء الجائحة. قد يكون تأثير هذا أسوأ على الأطفال الذين لديهم تاريخ من اضطرابات الصحة العقلية.

قد يصبح الطفل عدوانيًا، أو انسحابيًا، كما تقول أم لطفل عمره 7 سنوات. «في الأسبوع الأول [من البقاء في المنزل]، كان مبسوط بالنوم إنه مش بيروح المدرسة. في الأسبوع الثاني، بدأ يلبس كأنه بيجهز للخروج، ويشيل شنطته، ويكمّل اللي كان بيعمله في البيت. ولكن في الأسبوع الثالث، سكت تمامًا. بالعافية باقدر أسحب منه كلمة. ولما قدرت، قال إنه متضايق ﻷني لما بارجع البيت أنا أو باباه، مش بنحضنُه ونبوسُه مباشرة، وبنطلب منه يستنى لحد ما نغسل إيدينا ونغيّر هدومنا».

بشكل عام، لا يستطيع الأطفال التعبير عن مشاعرهم بالكلمات. هذا هو السبب في إصابتهم بنوبات غضب وحالات انهيار، وإمكانية «تصرفهم» بسلوك عدواني، ﻷن لديهم مشاعر لا يعرفون ماذا يفعلون بها. وهنا يمكن للوالدين المساعدة عن طريق استعارة طرق من العلاج باللعب -وهو شكل من أشكال العلاج النفسي يستخدم سرد القصص واللعب للسماح للأطفال بالتعبير عن أنفسهم. أحد الأمثلة الشائعة هو إشراك الأطفال في لعبة يقومون فيها باختلاق شخصية خارقة وبناء قصة حولها، ما يسمح لهم بالتعبير عن نظرتهم وشعورهم إزاء الناس والعالم من حولهم.

تقول بدوي: «عندما نعبر عن المشاعر أكثر أثناء اللعب أو المحادثة، فإنها تصبح أقل حدة. هذا مهم جدًا للتعامل مع الخوف. إخراج معاناتنا على السطح يساعدنا على تجنب معالجة مشاعرنا بطرق أكثر تحديًا من الناحية النفسية، أو باللجوء إلى سلوك تخريبي. سيجد الشعور طريقة للخروج على أي حال. وكلما تحدثنا عنه، أصبح أقل حدة». وتوصي بدوي بسرد القصص باستخدام الـ Soft toys (الدباديب) لمساعدة اﻷطفال في التعبير عن الغضب، أو استخدام «اللعب الفوضوي أو الحسي»، أي السماح للأطفال باللعب بمجموعة من المواد المثيرة للاهتمام مثل: الدقيق والفاصوليا الجافة وكريمات الحلاقة أو الماء، لمساعدة الأطفال الأصغر سنًا على الاسترخاء.

تقول بدوي: «ليس هناك شك في أن وقت مشاهدة التليفزيون ويوتيوب سوف يزيد». لكن تذكر أن الشاشات يمكنها فصلنا أكثر عن الحياة الاجتماعية من حولنا. وهو ما يمكننا محاولة التخفيف من حدته عن طريق اللعب التفاعلي، وخاصة مع الأطفال الأصغر سنًا، احرص على التواجد مع الأطفال في نفس الغرفة، والتعليق على ما يفعلونه».

قالت سولي، 10 سنوات، لعمتها هبة: «التعلم من البيت مزعج. لازم تكتب أسئلتك، وتستنى لحد ما المدرس يشوفها ويرد عليها، لكن لو كنت في الفصل ممكن ببساطة ترفع إيدك. وكمان المدرسين مش بيقدروا يفضلوا يكتبوا طول الوقت، عشان كده بيبقى صعب علينا نفهمهم».

«أول ما صحيت من النوم كنت عادي كويسة، أول بقى ما سمعت خبر إن إحنا بدل الامتحانات، وبدل البحث اللي هنعمله، هنعمل بقى بروجكت كامل، بقيت مودي يعني.. زيرو»، هكذا ردت ملك على أمها حين سألتها عن يومها، أما شقيقها ياسين فحين سألته أميمة: «طيب انت أصحابك وحشوك؟»، رد باقتضاب وقليل من الحدة: «أيوه.. سيبيني أنام بقى».

يوجد في مصر 24.2 مليون طفل في سن الدراسة، حسب أحدث أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وهؤلاء تختلف مشاعرهم حول البقاء في المنزل. البعض، من الذين يعانون من التنمر، على سبيل المثال، يشعرون بالراحة. ولكن بالنسبة للغالبية العظمى، قال الأطفال الذين تحدثنا إليهم في المرحلة الابتدائية إنهم يفتقدون أصدقاءهم، وهي المرحلة السنية التي يكون التواصل مع الأقران فيها شديد الأهمية.

تعمل المدارس على توفير آليات التعلم عبر الإنترنت، لكن عبء إدارة بيئة التعلم بأكملها يقع على عاتق أولياء الأمور. النصيحة العامة التي تقدمها بدوي -وكذلك مقولات الخبراء التربويين في وسائل الإعلام- لأولياء الأمور هي أن ينتهزوا الفرصة، إن كان ذلك ممكنًا، ليصبحوا أكثر مشاركة في تعلم أطفالهم، دون الضغط على الجميع لإنشاء «مدرسة منزلية» مؤقتة مثالية.

من المهم التخلي عن فكرة قدرة أولياء الأمور على استنساخ مناخ المدرسة في المنزل. تتضمن نصائح مساعدة الأطفال على الدخول في نسق تعليمي جديد، محاولة التوصل لجدول مشترك معًا وتحديد مناطق معينة للعمل المدرسي.

بالنسبة للأطفال في أول المراحل التعليم الأساسي، مثل الذين يتعلمون القراءة والكتابة، قد يكون من المفيد لأولياء الأمور التركيز على هذا النشاط التعليمي أثناء التكيف مع إيقاعهم واهتماماتهم الخاصة. إنه وقت مناسب لتشجيع المشروعات العاطفية، كلما أمكن، واستخدام اهتمامات الأطفال وأنشطتهم لربطهم بالمنتديات عبر الإنترنت؛ دروس الموسيقى أو الرقص، على سبيل المثال. استخدام الإنترنت لإبقاء الأطفال على اتصال مع الأطفال الآخرين يمكن أن يساعدهم أيضًا على فهم أنهم ليسوا وحدهم في مُعاناتهم.

بالنسبة للعديد من الأطفال، فإن تجربة مرض أو موت شخص أو أحد أفراد الأسرة، ستصبح ذاكرتهم المُحدِدة للوباء.

تقول بدوي: «إذا مرض أحدهم وعُزل ذاتيًا في غرفة داخل المنزل، كن صريحًا وصادقًا مع الأطفال. قدِّم المعلومات بنفسك، ولا تنتظر حتى يكتشفوها. ثقتهم فيك هي أمر مهم للغاية». أطلع الأطفال على المُستجدات، مثل: المريض مصاب بحمى، وأعطيناه الدواء. وهذه هي المعلومات التي قالها الطبيب.

يمكن للطفل التحدث إلى الشخص المعزول عبر الهاتف، إذا كانت صحته تسمح بذلك، أو يمكنه كتابة رسائل للمريض. «نستطيع مساعدتهم بتلك الطريقة. يمكننا الغناء معًا أو سرد القصص أو لعب بعض الألعاب. استخدم أي طريقة للحفاظ على تواصلك مع الأطفال».

إذا ذهب الشخص إلى المستشفى، قدم معلومات واقعية مرة أخرى، وأعط إجابات قصيرة وصادقة لأسئلة الأطفال. من المهم إدراك مشاعرهم والاعتراف بها. يمكن أن تقول: «أنا حزين أيضًا، وأفتقده مثلك». وضح للأطفال أننا لا نستطيع إرسال رسائل نصية إلى المريض أو نتحدث معه هاتفيًا، إن كانت حالته لا تسمح.

«من الصحي أن تبكي مع طفل، ولكن بدون ذعر»، تقول بدوي. «إذا كنت قلقًا للغاية، فجرِّب المحادثة مع أحد الأصدقاء أو الأقارب الذين تثق فيهم قبل التحدث إلى الطفل».

في أسوأ الأحوال، عندما يحتضر أحد الأقارب أو الأشخاص الذين يعرفهم الطفل، تنصح بدوي الآباء والأمهات ومقدمي الرعاية: «علينا أن نبلغهم الخبر بأنفسنا. علينا أن نحزن مع الطفل، ونبكي معه، ونمارس طقوس الحزن على الميت في المنزل إن أمكن. مثل الصلاة عليه، أو كتابة رسالة له. احرص على الإجابة عن أسئلة الأطفال بصدق دائمًا، وتحدث إليهم مرة أخرى عن الفيروس: أخبرهم أن تأثيره قوي على بعضنا، لكنه ضعيف على معظمنا. طمئنهم بأنك موجود معهم».

«لحسن الحظ، سيتذكر معظم الأطفال كيف تصرفنا داخل المنزل وكيف تعاملنا مع هذه الفترة العصيبة، أكثر من تذكرهم للفيروس نفسه»، تقول بدوي: «علينا رعاية أنفسنا كآباء، وإلا فإننا لا نستطيع مساعدة أطفالنا».

تتشكل الطريقة التي يتفاعل بها الأطفال مع التحديات العاطفية من خلال كيفية تفاعل الأشخاص من حولهم. من المهم دائمًا أن يعتني الآباء بأنفسهم، ولكن الأمر يصبح صعبًا بسبب القلق الناجم عن الوباء. حتى في العزل الذاتي مع بقية أفراد الأسرة، تنصح بدوي الآباء بتخصيص وقت لأنفسهم يوميًا، لاستجماع قواهم حتى يتمكنوا من رعاية أنفسهم وعائلاتهم. «لا أقصد وقتًا للطهي أو للعمل، أو الوقت مع الزوج/ الزوجة. أعني أن يجلس أحدنا بمفرده فعليًا، أو أن يقوم بفعل شيء مريح أو ممتع أو لا يقوم بفعل بأي شيء على الإطلاق. استيقظ قبل موعد استيقاظ الأطفال بساعة، أو اذهب إلى السرير بعد ساعة من نوم الأطفال، إذا كنت بحاجة إلى ذلك».

يمكن أن يساعد هذا الجميع على التأقلم. من المتوقع أن تتعرض العلاقات الأسرية للضغوط؛ لقد ارتفعت معدلات الطلاق في المدن الصينية فور رفع الحظر، ويتلقى محامو الطلاق في الولايات المتحدة الكثير من الاستفسارات عبر الهاتف. ليس هذا أمرًا سيئًا في كل الأحوال، ففي بعض اﻷحيان يجب إنهاء العلاقات الزوجية. لكن على الآباء والأمهات الذين يعانون من توتر في العلاقة الزوجية، أو انتهت زيجاتهم فعليًا رغم استمرار التعايش معًا، أن يجدوا طرقًا لإدارة الوقت الإضافي في المنزل. «إذا كان الطفل كبيرًا بما يكفي ومُستعدًا لتقبل الحقائق، أقترح أن تخبراه أنكما تُعتبران شريكين تجاريين في هذه الفترة. لا تجبرا نفسيكما على التواجد بالقرب من بعضكما البعض. اتفقا على نشاط عائلي تقومان به معًا على نحو منتظم؛ تناول الغداء أو العشاء، على سبيل المثال. حاولا التباعد بقية اليوم، ولا تجبرا الأطفال على مشاهدة التوتر والشجار».

إن النظر للأمور من منظور الأطفال يحطم الأسطورة القائلة بأننا يمكن أن نكون وحدنا في المجتمع، سواء كأفراد أو كوحدات عائلية.

حتى عندما تبدو العائلات معزولة عن العالم الخارجي، وتضطر إلى إدارة معظم وقتها كوحدات قائمة بذاتها، فإن كيفية تأثير الوباء عليها وقدرتها على التعامل مع هذه المتغيرات تتشكل من خلال البنى الفوقية الاجتماعية والاقتصادية، والامتيازات التي يمكنهم الحصول عليها، وإلى أي مدى أخفقت تلك الأنظمة في تلبية احتياجاتهم.

طريقة تعامل طفل يعيش في منزل له حديقة مع وباء كورونا وتأثيراته، ستختلف تمامًا عن طفل يعيش في شقة بلا نوافذ حقيقية. الأطفال الذين يعتمد آباؤهم على أجور يومية أو أسبوعية يعيشون واقعًا نفسيًا يختلف عن أولئك الذين يمكن لوالديهم العمل عن بُعد، أو أولئك الذين دخل آباؤهم السجن، أو من يعيشون مع شخص متعسف. وقد تبدو الكثير من النصائح حول الأبوة والأمومة والتعليم المنزلي بلا قيمة بالنسبة لأسرة تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية أو الدعم الأساسي. مثلما تجبرنا الجائحة على الانسحاب من المجتمع، فإنها تسلط الضوء على قسوة الحقائق الاجتماعية والسياسية والطبقية، وتصبح هذه الحقائق أكثر صلابة عند النظر إليها من منظور الأطفال، الذين يجبروننا، على الفور، على التفكير في مدى اعتمادنا بعضنا على البعض.

اعلان
 
 
ياسمين الرفاعي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن