«ابحث فيما هو آتٍ».. بديل «التربية والتعليم» للامتحان
 
 

قبل أسبوع تقريبًا، اتصل قريب لي يُخبرني أن حارس العقار الذي يسكنه سأله إن كان بإمكاني إعداد مشروع بحثي لنجله، الطالب بالصف الخامس الابتدائي، لعدم استطاعته القيام بذلك. اعتذرت برفق.

نجل حارس العقار أحد ملايين الطلبة في المرحلة ما بين الصف الثالث الابتدائي وحتى الصف الثالث الإعدادي طُلب منهم إعداد مشروع بحثي عوضًا عن امتحان نهاية العام، نتيجة تعليق الدراسة بالجامعات والمدارس ضمن إجراءات مواجهة انتشار فيروس كورونا، التي اتُخذت في 24 مارس الماضي لمدة أسبوعين ثم جُددت مرة أخرى في 8 أبريل الجاري.

اتصال قريبي جاء بعد إعلان وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني عبر منصات مختلفة عن تفاصيل الموضوعات المطلوبة. المطلوب من من الصف الثالث الابتدائي حتى السادس الابتدائي بحث في أحد أربعة موضوعات هي: السياحة، الطاقة، الصحة، المياه. وتختلف العناصر وعدد الكلمات المطلوبة باختلاف المرحلة الدراسية. أما محاور موضوعات الصفوف من الأول إلى الثالث الإعدادي فهي: تحسين البيئة العلمية والتكنولوجية، الزيادة السكانية والأمن الغذائي، البيئة. وأيضًا تختلف عدد الكلمات المطلوبة باختلاف المرحلة الدراسية.

ونشرت «التعليم» عبر موقعها الرسمي قوالب للبحث المطلوب كتابةً لكل صف من صفوف المرحلة الابتدائية والإعدادية ومعايير الحكم عليه. على سبيل مثال النموذج الاسترشادي للصف الثالث الابتدائي؛ يتضمن عنوان الموضوع، مقدمة، عناصر الموضوع في عدد كلمات يتراوح ما بين 200 إلى 250 كلمة، صورتين، محتوى الموضوع، النتائج، ثم المصادر في الختام. وهناك ستة معايير للحكم على المشروع منها: «تكتب عنوانًا جذابًا للمشروع، تعرض المشروع بطريقة منظمة، تستخدم مفاهيم من المواد الدراسية المختلفة».

تحدث «مدى مصر» إلى عدد من الطلبة والمعلمين والباحثين؛ استحسن الطلاب الفكرة «لسهولتها» فيما تخوف المعلمون والباحثون من عدم استعداد الطلبة لهذا النمط من التعلم والاختبار، إضافةً إلى السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي تُعيق قدرة بعض الطلبة من إتمام المهمة في المقام الأول. 

«فكرة حلوة وأحسن من الامتحانات»، يقول محمد عبدالحميد، الطالب بالصف الثالث الإعدادي بمدرسة الحلمية الإعدادية. فسر رأيه بأن «الامتحان يحتاج إلى مجهود ذهني كبير، لكن البحث هنعمله من البيت من غير أي مجهود». معيار عبدالحميد لاختيار موضوع البحث هو السهولة. «مفيش حاجة في دماغي أعملها، هختار من حاجات الوزارة حاجة سهلة، أعملها وخلاص عشان السنة تعدي ومش شاغل بالي هيتطور في إيه بعد كده».

عدلي صلاح، طالب بالصف الثالث الإعدادي بمدرسة المشير أحمد إسماعيل الإعدادية، هو الآخر لا يعتقد أن المشروع يحتاج لبذل مجهود مثل مجهود المذاكرة، «شوية بحث على الإنترنت وهخلصه». يتفق معه زميله بنفس المدرسة والصف، محمد أحمد: «الأفضل مشروع لأنه بيلم كل المواد بدل ما أذاكر لامتحان لكل مادة».

«المشروع أكيد أحسن»، يضيف صلاح، بسبب تجنبه مخاطر الإصابة بفيروس كورونا في حالة جلوسه داخل لجنة مزدحمة.

قد يكون استسهال المشروع من قِبل الطلبة أمرًا غير مبشر من حيث القيمة التعليمية، لكن بعضهم يرى فرصة لتعلم جديد من خلاله. يرى صلاح مثلًا استفادة أكبر له من المشروع بالمقارنة بالامتحان. «هيعلمني حاجات أكتر عشان في المراحل الجاية والجامعة لو طلبوا مني مشروع أعمله أكون اتدربت عليه قبل كده». ويتمنى صلاح إلغاء الامتحانات بعد ذلك والاكتفاء بطلب مشروع.

يُثني عبدالحميد علي، معلم تاريخ بإحدى المدارس الخاصة، على المشروع، كوسيلة لتشجيع الحس البحثي عند الطلبة، وهو الأمر الذي ينقصهم سواء في المناهج الحالية أو طريقة تدريسها. «الطالب سينتبه في مرحلة مبكرة لمعنى المشروع البحثي والبحث عن المعلومة بدلًا من حفظ كلمتين ورصهم في الامتحان. 

لكن علي يتخوف من ظاهرة رصدها في الطلبة الذين يُدرس لهم. «تفكيرهم أصبح من سيقوم بالمشروع بالنيابة عني؟ وهناك من بدأ يعرض خدماته على أولياء الأمور لعمل البحث بمقابل مادي، وللأسف أولياء الأمور تنساق وراء ذلك لأن الطالب أول مرة يعي معنى البحث». 

ربما تعود هذه الظاهرة إلى غياب الاهتمام بالبحث في التعليم بشكل عام، الأمر الذي يتجلى أيضًا في انعدام البعد النقدي في جمع المعلومات وطرحها. بالنسبة للطلبة الذين يتعامل معهم علي، البحث هو «إنه يخش على جوجل يكتب العنوان ويطبع النتيجة اللي هتطلعله»، على حد قوله.

كذلك ترى غصون توفيق، الباحثة في الحق في التعليم، إن فكرة المشروع البحثي تنمي عند الطلاب مهارات التفكير النقدي والعمل الجماعي، لكنها تتساءل: هل يبدأ ذلك من الصف الثالث الابتدائي؟ هل الطالب مُدّرب على ذلك؟ وحتى في المرحلة العمرية الأكبر، ما شرحه وزير التعليم من القيام ببحث متطور، بدأت توفيق في القيام به عندما كانت في مرحلة دراسة الماجستير. كما تُشير إلى مشكلة متكررة في المراحل الإعدادية والابتدائية في المدارس العامة، وهي عدم معرفة القراءة والكتابة بين الطلبة بالرغم من تقدمهم في المستوى التعليمي، فكيف إذًا سيبحثون؟

يتفق عبدالحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم، مع توفيق في استحسان فكرة المشروع البحثي، لكن لديه ملاحظاته. «يجب أن يكون الطالب مؤهلًا له، وأن يكون من الأنشطة الدائمة داخل المدرسة عمل المشاريع. فضلًا عن أن تكون المدرسة مُجهزة لذلك بمكتبة بها مراجع مختلفة، وبنية تحتية من إنترنت وأجهزة كمبيوتر لأن ذلك لا يتوفر في كل بيت مصري، مع تدريب المعلمين للطلبة على ذلك».

من ناحيته، يقول الطالب محمد أحمد عن المشروع: «موترني إني مدربتش عليه قبل كده ودي حاجة جديدة أول مرة تتعمل، ومحدش ساعدني من المدرسين لأن محدش عارف حاجة». ولذا يتجه للعمل الجماعي لحل المشكلة، «اتفقت مع مجموعة من أصحابي نشتغل على البحث، هنشوف الموضوع عن إيه وكل واحد يتوكل بحته». 

يرى طايل أن نمط التعليم الموجود حاليًا لا يؤهل الطلاب لكي يكونوا باحثين أو يعملوا بشكل جماعي. ويفسر: «يحتاج هذا إلى سياق تعليمي كامل قائم على البحث عن المعلومة وليس تلقينها أو الحصول عليها جاهزة».

تتحدث توفيق عن جزء آخر من المشكلة، وهي اللامساواة التي ستظهر في تنفيذ المشروع طبقًا للسياق الاجتماعي الاقتصادي المحيط بالطلبة. فالكثير من الأمهات والآباء المتعلمين والأخوات الأكبر سنًا سيساعدون ذويهم، لكن ماذا عمن لن تستطيع أسرته، بسبب الأمية، فِعل ذلك؟ وفقًا لتعداد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2017 بلغت نسبة الأمية في مصر 25.8%. 

في أماكن أقل حظًا، يتحدث معلمون عن نفس المشكلة. نجلاء شوقي، معلمة لغة عربية بمدرسة شبرامنت الإعدادية بمحافظة الجيزة، لديها عدة ملاحظات حول «المشروع». «أنا على سبيل المثال أعمل معلمة في قرية، والفئة التي أتعامل معها، سواء من الطلاب أو أولياء الأمور، صعب عليهم للغاية فكرة عمل مشروع وبحث من خلال الإنترنت، هذا إلى جانب إنهم لا يوجد لديهم إنترنت من الأساس».

وتستغرب شوقي من فكرة طلب الوزارة التواصل مع المعلمين لإنجاز الأبحاث. «نحن الآن لا نذهب إلى المدرسة، فضلًا عن أن طرق التواصل الأخرى [إلكترونيًا] أسهل لطلبة المدارس الخاصة، الذين يمكن أن يتواصلوا عبر تطبيقات التواصل من خلال الفيديو، لكنه أمر غير معتاد لطلبة القرية».

في تصريحات متفائلة نقلتها صحيفة «المصري اليوم»، قال وزير التربية والتعليم طارق شوقي، إن «تطبيق نظام التقييم بالمشروعات البحثية على طلاب المدارس سيستمر خلال السنوات المقبلة وهو غير مرتبط بأزمة انتشار فيروس كورونا فقط».

يعلق طايل: «تخوفي الأساسي أن وزير التعليم من بداية توليه المنصب يلجأ للحلول الشكلية بعيدًا عن جوهر المشاكل التي تُقابل الحق في التعليم في مصر».

اعلان
 
 
محمد أشرف أبو عميرة 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن