ديتوكس| الجسد: إدراك جديد
 
 

#جو عام

هذا الويك إند نقدم الرابع والثلاثين من أعداد «ديتوكس»، يتزامن ذلك مع «الجمعة العظيمة» ضمن أسبوع الآلام التي يستعيد فيها المسيحيون ذكرى صلب جسد المسيح. اليوم أقامت الكنيسة الأرثوذكسية قداس الجمعة العظيمة في وادي النطرون دون حضور شعبي بسبب جائحة فيروس «كورونا» المُستجد، وهو ما يتزامن مع لحظة إدراك جماعية بالجسد وصحته.

تطور فهمنا للجسد، عبر تراكم الخبرات، سياسيًا وإثنيًا واجتماعيًا وثقافيًا، لكن «كورونا» وإجراءات الوقاية منه غيّرتا حياتنا اليومية وحركة أجسادنا وعلاقاتنا بالآخرين. فهو صار محكومًا بمعايير الصحة التي باتت تتحكم وتتداخل وتتغلغل في التجمعات، ومفهوم العمل، والسياسة، والشعائر الدينية، والعلاقات والتواصل، والأمور الاقتصادية كذلك.

وقايةً من الفيروس، انسحبنا جميعًا طواعية في معازِلنا لنقابل ذواتنا فرادى في توقيت واحد.. هكذا ينزاح الجسد قليلًا بعيدًا عن تنوع إدراكنا له ويتجسد في مفهومه العضوي، محصورًا بين حالتين الحجر والعزل الصحيين.

34# هو عدد من لحم ودم وإحساس، يحاول فهم تغيّر شمل فهمنا لأجسادنا مؤخرًا، بالتزامن مع «كورونا». متنقلًا بين ما تفعله اليوجا بنا، وما يدور في أدمغة بعضنا حول العلاقة بالأجساد والأجسام، وينتقي أيضًا من حضور الجسد في الأفلام «برمجة»، ويرشح موسيقى أزاح حس البشر فيها أنغام الآلات.

ولنبدأ باليوجا، تحدثنا مع هالة بركات، الباحثة ومؤسسة مركز «روحانا» لليوجا، فرشحت لنا الآتي:

 

#قراءة

هدير المهدوي: زجزاج

في ليالي الحظر الطويلة وأيام العزل الذاتي نبحث عن بعض الألفة في أوقات غير مألوفة بشكل استثنائي، في بحثي عن الألفة أحيانًا، حين يستمر حماسي لأكثر من ثلاث دقائق، أشاهد أفلامًا أحبها. قررتُ منذ أيام أن أشاهد فيلم «As Good As It Gets» (جيمس إل. بروكس، 1997)، وكان أمرًا غريبا أن ألاحظ أمورًا جديدة في فيلم مفضل شاهدته عشرات المرات. في الحقيقة أنا ألاحظ أمورًا غريبة في كل ما أشاهده على التلفاز أو على شبكة الانترنت الواسعة، السيئة بسبب ضغط الاستخدام وسوء بنيتها التحتية، أو على مكتبتي السينمائية التي جمعتها لسنوات. ألاحظ غرائب من قبيل أشخاص يجلسون بالقرب من بعضهم البعض دون خوف، يتصافحون، يرقصون، يسهرون، يتأملون في حديقة عامة، وأفزع حين أرى البطل ممسكًا بمقبض الباب دون تطهيره، أو البطلة مستندة على سطح مجهول بالشارع في انتظار شيء ما!

لكن بالعودة إلى فيلمي المفضل، الذي حققت فيه انتصارًا وشاهدته لنهايته بتركيز، دون أن أمسك بهاتفي، أو أفتح الثلاجة، أو أجول حول نفسي في المنزل بلا هدف. المهم، الفيلم يدور حول كاتب ناجح، لكنه شخص كريه. الكاتب مصاب باضطراب الوسواس القهري، لا يحب أن يلمسه أحد، أو يقترب منه، لذا يسير بشكل زجزاجي ومُثير للحزن للغاية في شوارع نيويورك المزدحمة متجنبًا الاقتراب من الناس، والخطو فوق الفواصل الأرضية، لا يغيّر مكانه في المطعم، ولا يغيّر المطعم، يأكل بأدوات طعام بلاستيك جديدة في كل وجبة، ولا يستخدم أدوات المطعم، ويغسل يده بمياه ساخنة، مستخدمًا الصابونة لمرة واحدة، ويتأكد من غلق الباب أكثر من مرة. تجعلك هذه الأمور تتعاطف مع هذا الشخص التعيس ولو قليلًا، أمورًا شاهدتها مرارًا، لكن هذه المرة بدت متسقة مع الجو العام، أما مَنْ لا يعاني من هذا الوسواس القهري فهو مَن يبدو الآن خارجا عن السياق.

Edvard Munch: the scream, 1893 - المصدر:

حياتنا تغيّرت تمامًا خلال الشهرين الماضيين، نحن عالقون في أجسادنا الآن، منتبهون لها أكثر من ذي قبل، حريصون عليها، ومتماهون مع دواخلها من قلق وخوف وأفكار، لا نخرج منها، فكل ما هو خارجها قد يكون مصدرا للخطر، حتى هؤلاء الذين اعتبرناهم طيلة حياتنا مساحة آمنة، سواء كانوا الأهل أو الأصدقاء، لطالما ظننت أنهم سيكونوا استثناء في أوقات عزلتنا وتباعدنا الحالية، لكن في الواقع أن الهلع تمكن منّا بالكامل، وربما يكون الهلع أمرًا جيدًا فيجعلنا أكثر حرصًا تجاه مجتمعاتنا في عدم نشر هذا الوباء الكابوسي.

ألاحظ نفسي مؤخرًا متوترة من اقتراب أي شخص مني، غريب كان أم قريب، يأتي هذا التوتر من ارتباك المسافة الواجبة حول جسدي لحمايته، والمسافة الواجبة حول أجساد من أحبهم أيضًا لحمايتهم. أصبحت أقوم بحيل خوفًا من مصافحة في موعد ضروري، كأن أقابل الناس ويدي في جيبي، منعًا لأي حرج محتمل، ما يعني أنني على أن انتبه قبل نزولي الشارع ليس فقط من وجود معقم اليد والمناديل الورقية، ولكن عليّ أن ارتدي شيئًا له جيوب أيضًا للحماية.

Egon Schiele: Death and the Maiden, 1915

في الحقيقة رغم كل هذا إلا أنني لطالما ظننتُ أن للموت قدسيته في كل الثقافات والأديان، لذلك لم أفهم بالكامل ذلك المشهد لغاضبين رفضوا دفن طبيبة ماتت بسبب «كورونا»، خوفًا من نقل الجثمان للعدوى، أو بمعنى أدق ربما لم أستطع التعاطف معهم، حتى لو فهمتُ سبب هذا الغضب. كان الأمر مثيرًا للحزن للغاية حين علمتُ مدى صعوبة إجراءات الدفن حاليًا، سواء لأشخاص ماتوا بسبب كورونا أو لأسباب أخرى. أصحاب سيارات الدفن مذعورين، العاملون بالمقابر مذعورين، والأهالي المكلومين أيضًا مذعورين من الدفن بطرق غير مألوفة. جميع مَن في المشهد السابق عالقين في فكرة الجسد تلك، في فكرة أجسادهم في مقابل الأجساد الأخرى. الأهالي الغاضبون يفكرون في حماية أجسادهم، والأهالي المكلومين يفكرون في أجساد ذويهم الراحلين، يريدون لهم رحيلًا لائقًا.

في وسط هذا «التلطيش» الذي نتعرض له جميعًا، أنظر إلى ذلك العداد الذي ترتفع أرقامه كل دقيقة، وأشعر بضيق شديد في التنفس، عشرات الآلاف من الأشخاص ضحايا هذه الصفعة القدرية، هم أكثر بكثير من مجرد أرقام في هذا العداد اللعين، ومئات الآلاف ربما من أحبائهم، حزانى في هذا الصمت. وحيدون مذعورون، عالقون أيضًا دون الأمور البسيطة المعتادة في الحياة، كالمواساة، بل الأسوأ أنهم قد يوصمون بسبب أجساد أحبائهم التي حملت هذا المرض، وقد يجعل موت أحبائهم منهم أكثر تهميشًا. ما يحركنا الآن بشكل أساسي هو غريزة البقاء، التي جردتنا من كل ما اعتدنا عليه، تدفعنا لحماية أجسادنا من الخطر غير المرئي هذا، من الخطر الذي قد يداهمنا عبر أكثر شئ جميل عرفته البشرية وهو التواصل الحسي الإنساني. حين تسيطر غريزة البقاء، وننغلق داخل أجسادنا، يتجسد خطر آخر، كان واضحًا بين الأهالي المتظاهرين ضد دفن الطبيبة، وهو خطر أن نفقد ما يسمى بالإنجليزية empathy ما يعني فهم الآخر ومشاركته وجدانيًا، والتضامن معه ربما.

نوارة بلال: حلم حسي في ليلة ربيع مُوبئة 

جلستُ في فراشي محملة بثقل الاستلقاء على مرتبة مريحة، استنفذت في شرائها الوقت والتفكير والمال حتى أتمدد في راحة أينما شئتُ، راحة لنومي القلِق ولظهري المتوجع من الوزن الزائد، والانزلاق الغضروفي وآثار عملية جراحية في آخره تتطلب أن أنام على جانبي الأيسر واضعة وسادة بين فخذي حتى ارتاح.. فا ها أنا شبه جالسة/ شبه مستلقية/ شبه نائمة في يوم آخر محجور، استحضر «أزمة» شخصية محورها تفصيلة جسدية أخرى.

شعري يؤزمني. بدأتُ حلاقته بيدي مستخدمة المقص منذ أربع سنوات ونصف. ومنذ ذلك الحين لم يطُل قط حتى أضع به رابطة شعر لعمل زعرورة حتى. خلال تلك السنوات فضلتُ إحساس أن أضع يدي على رأسي فأتحسس دماغي مباشرة دون عوائق حتى لو كانت شَعري ذاته. لكن منذ بداية العام، قررتُ -مع عدة قرارات من نوعية النهوض بالذات لمكانة إنسانية وشعورية ومجتمعية أعلى- أن أترك شعري يطول.

لوحة سوزان فالادون 1865- 1938: «الغرفة الزرقاء» 1923

تدعونا قراءات النمط الأنثوي الأصلي (archetype) لاستمداد الشجاعة وحمل التاريخ والخبرة المتراكمة في التمسك بالشَعر الطويل. في أزمتي الذاتية الجسدية الصغيرة كنتُ أتوق للتخلص من الشَعر الذي تركته ينمو على رأسي منذ ديسمبر الماضي، مأزومة بين الثبات على قرار يرفعني لمكانة أنثوية نمطية أكثر شجاعة في حمل تاريخي الشخصي وبين رغبتي الأكثر قربًا لقلبي وإحساسي بذات جسدي في تلك اللحظة من أبريل الحجر الصحي أن أصبح أكثر خفة. وأنا أشرح لصديقتي تلك المعضلة وأتنفس في مخدتي مُعربة عن انزعاجي الشديد، سألتني: «وهل تلك الفترة هي ما تريدي أن تبدأي بحملها على جسدك؟ هل ربيع الكورونا هو ما تريدي توثيقه من تاريخ يحمله جسدك؟» لم تنهِ تساؤلها حتى كنتُ حاملة المقص في الحمام ممسكة بخصلات شعر، ويستعيد جسدي حسية منتشية والمقص يتخللها ويقطعها هوجًا ويتركها مُلقاة بين الحوض وأرض الحمام البيضاء.

 جلست صديقتان بجانبي متوجستان من النهاية الدرامية التي سيؤل إليها رأسي. ومع بداية تشكل النُقر المتناثرة تاركة الفراغات في رأسي، قامت صديقتي لمداوة المنظر المعيب فزادت الوضع سوءًا، وأصبحت خلفية رأسي أشبه بلعبية الكرة عندما يجزون خطوط صانعين لموضة. وقفنا نحن الثلاث ناظرات في المرآة، طبطبت صديقة على رأسي ممسكاها في يدها قائلة: «جميلة قوي»، وضحكنا. لم تخل الضحكات من يقين واحد، فالحجر يحميني من ذل المجتمع الحاكم. أشعر الآن براحة مع شعري القصير.

 جلستُ مرة أخرى على فراشي أحدث ذلك الصوت الداخلي المتحكم والحاكم على إخفاقي في اتباع النمط الأنثوي الأصيل لأكون امرأة ذات حكمة، عندما تراها ترى تلك الحكمة في تمسكها بتاريخ محمل بالتجارب في شَعر طويل. لا يخلو التقييد الحركي من حنقي تجاه حرية خيال وحركة الأنماط المقدسة، أفضل أن العن  النمط الأنثوي الأصيل في يومي العصري هذا.

نساء الحكايات والروايات والأساطير لا يرونها ويعشنها بين أربع حيطان. للحكاية الأصلية مسار، تملؤه العراقيل، طريق يمتلئ بالمخاطر، ومحفوف بالاختيارات والألغاز. أما تاريخي اللحظي يملؤه الاحتياج الشديد للنبض الحسي، للتعبير الجسدي، الاحتكاك، التلامس.. ليس فقط الاحتكاك بآخر، أو لمس آخر، إنما إحساس نابض بالحياة.

أشعر في منزلي أن كلي محدد ومبعثر في آن واحد. بين المعنى اللحظي لوجودي المادي والذهني في أنشطتي البسيطة اليومية التي تستحوذ على تفكيري، وبين كل احتياج نفسي وذهني وجسدي فيما هو معتاد، ولكن غير مُتاح، خاصة في مساحة محددة لن تتحرر من حدودها ولن تحررني من محدوديتي. فاستمد السلوان في كتابات دونا هاراواي عن النسوية السيبورجية؛ والتي تعرفت عليها خلال العمل على ورشة «حلقة نسج الحكي وقص النسيج» مع الصديقة كيرستن شرويدنجر، في ربيع 2018، خلال الورشة التي اهتمت بالبحث عن تاريخ الحكي الشفهي الأنثوي والممارسات النسيجية والتجريب بأشكال الحكي وعلاقتها بالحرف المختلفة. خلال الورشة قمنا بترجمة عدة نصوص ومنها نص هاراواي SF: Science Fiction, Speculative Fabulation, String Figures, So Far   https://adanewmedia.org/2013/11/issue3-haraway/

و إن لم أكن أتخيّل أن اللجوء إليها سيكون قريب العهد هكذا، فهي الأقرب للحظة الراهنة.  تقول هاراواي في نصها: «الخيال العلمي أو الخيال التأملي أو ألعاب تشكيل الخيط أو ما توصلنا إليه حتى الآن»، إن «ممارسة خلق الخرافة التأملية النسوية بأسلوب علمي. فما يهم هي المواضيع التي نستخدمها للتفكير في مواضيع أخرى معها؛ ما يهم هي القصص التي نرويها لنروي قصصًا أخرى معها؛ ما يهم هي العقد التي تَعقِد العقد، وما هي الأفكار التي تستدعي التفكير في الأفكار، وما هي الروابط التي تربط الروابط. ما يهم هي القصص التي تصنع العوالم، وما هي العوالم التي تصنع القصص». وفي صنع القصص والعوالم تداوي للحظة نزاع حسي حاضر ماضٍ، فالماضي بالنسبة لها هو «المنطقة المتنازع عليها».

 وتدعونا هاراواي إلى النظر في  خصائص وظيفة الخيال العلمي باعتباره لعبة من ألعاب التشكيل بالخيط، حيث يتمّ استلام النمط وتسليمه، والفشل في معظم الأحيان، وربما النجاح أحيانًا في العثور على شيء له معنى؛ شيء مترابط منطقيًا وربما جميل، نتيجة تبديل وصلات تنتقل من يد إلى يد، لخلق عوالم جديدة، نحتاجها بشدة حاليًا، داخليًا وحولنا. كما تجذبنا  للتعرف على لعبة «مهد القط» لأنها «مثل الخيال العلمي هي لعبة تسليم الأنماط واستلامها، من يد أو يدين، أو ربما أفواه أو أقدام، أو أنواع أخرى من أطراف أخطبوطية، مع الإمساك حتى الوصول إلى شكل من شكل آخر، ومن ثم التبديل عن طريق إضافة شيء جديد؛ اقتراح عقدة أخرى وشبكة أخرى. أو ربما من الأفضل قول إنها ليست الأيدي هي ما تقوم بالتسليم والاستلام، بل الأشكال وعملية صناعتها. يمكن أن يلعب مهد القط وتشكيل الخيط أشخاص عديدون بجميع أنواع الأطراف، طالما استمر إيقاع العطاء والقبول».

تأكد هاراواي أن عوالم الخيال العلمي هي ببساطة عملية صنع أنماط كفعل تشاركي تملؤه المخاطر، وفي ما يشابهه يمكن التفكير في «مهد القط» cat’s cradle بنفس الطريقة، كعملية خطرة في حالة طارئة ولحظة تاريخية محفوفة بالمخاطر.

كم كنتُ أتمنى أن أجد الجواب لنداء الجسد المُشتاق في تقارب حسي مع بني آدمين آخرين، لكن بما إنه ليس الحل الأمثل لما يفعله الوباء بالجسد، ولا هي دعوة تناسب الصوابية السياسية، فأتخيّل الأطيب للنفس الخائفة هي بعض من الخيوط  المنسوجة التي تسمح للفرد اللعب مع الذات الحسية، وتترك هامشًا من المخاطرة في خلق راوبط من السلاسل النسيجية مع آخر واحد، أو آخرين. وتأتي الدعوة مقواة ومدعمة ببعض من الصبر والتأمل التخيلي.

yuku, (2000), Miwa Yanagi

#مشاهدة

برمجة جديدة من «ديتوكس» تضمّ خمسة أفلام، خمس معالجات تركز على الجسد، حدوده وإمكانياته: بداية من الهوس باكتماله، وحين يتعطل، أو يتحدى الفناء، في مرض الجسد أو عندما يترقب مرضًا، حين يتآكل خلف جدران السجن. 

نأمل أن تكون مشاهدة البرمجة مناسبة للتفكير في فهم أجسادنا خلال اللحظة الفارقة التي أحاطت بنا/بها.

«The skin i live in»  

بيدرو ألمودوفار، 2011

جراح يقرر أن يتجاوز خسارته العاطفية الضخمة جراء فقده لزوجته في حادث حريق، تاركًا الجراحات التجميلية ليدرس سُبل التعافي من مخاطر الحرق أو تفاديه.

يحضر الجسد في الفيلم الإسباني من خلال غلافه الحساس؛ الجلد الذي يتحدى الخسارة. نشاهد محاولة للتدخل في الجسد، فيسعى الجراح إلى تعديل طبيعته في تجربة سرية، وذلك عبر نسجه لجلد لا يحترق. الجلد المُخلَق، يغيِر طبيعة الجسد، لكن بعيدًا عن هذه التجرية نكون، حائرين، أمام هوس الجراح بزوجته، حيث تثمر تلك التجربة السرية نسخة طبق الأصل من الزوجة ولكنها أخرى، تتسم بجلد غير قابل للاحتراق.

كما يدخلنا الفيلم في دوامة ألمودوفار الممتعة حينما يقدّم شخصيات معقدة أخرى بخلاف البطل المهووس باكتمال الجسد، والذي جسده أنطونيو بانديراس.

«Cleo de 5 à 7»  

آنييس فاردا، 1962

كليو (كولين مارشاند) مغنية بوب، ناجحة إلى حد ما، ولكن لم تعرف الشهرة الكبيرة بعد. أول ما نلاحظه بشأنها أنها جميلة، وهو أمر لا يغيب عنها كذلك، يظهر في لغة جسدها، وفي وعيها بنظرات المارة الموجهة نحوها في الشارع. تزور كليو عرّافة في بداية الفيلم، تقرأ الورق وتخبرها أن كل شيء على ما يرام – حتى ورقة الموت التي سحبتها ربما تعني فقط أن تغيّرًا عنيفًا سيطرأ على حياتها- ولكن بعد خروج كليو من الغرفة، تخبر العرّافة زميلتها بأن كليو ينتظرها مصير أسود. نعلم بعد ذلك أن كليو في انتظار نتيجة تحليل ستخبرها إذا ما كان يمكن إزالة الورم الذي ينمو في معدتها، أم أنه حكم بالإعدام.

نقضي مع كليو ساعتَي الانتظار، بينما تقابل عشيقًا في شقتها الخالية من أي شيء سوى سرير وبيانو وقطتين صغيرتين، وتتجول في شوارع المدينة وتقابل رجلًا غريبًا يساعدها على معرفة نفسها. تقول كليو، بعد أن تشاهد نفسها في عدد لانهائي من المرايا بداخل محل لبيع القبعات، إنها ستظل مقتنعة أن صحتها بخير طالما ملامحها تبدو كما هي، دون تأثر. ماذا يعني المرض لوجه وجسد كهذين، اعتادا أن يُنظَر إليهما، فلم تعد صاحبتهما قادرة على رؤيتهما بمعزل عن تقييم الآخرين؟

«Cries and Whispers»  

إنجمار برجمان، 1972

نعلم منذ البداية أن أجنيس (هارييت أندرسون) على وشك أن تفارق الحياة. نهش السرطان جسدها والوجع لا يفارقها. شحب لونها، خفّ شعرها، وصارت أشبه بخيال يطفو في المنزل الكبير. كارين (إنجريد ثالين) وماريا (ليف أولمان)، أخواتها، جاءتا لتكونا معها في تلك اللحظة العصيبة، ولكن وجودهما لا يهون الموقف، بل يجعله أكثر تعقيدًا. نعرف من تفاعلات الشقيقات الثلاث أن تاريخًا مليئًا بالألم يجمعهن، ولكن لا نعي طبيعة المشاكل، ولا متى بدأت. يعتمد الفيلم على الكثير من مشاهد الفلاشباك، ولكنها تنقل لنا مشاعر مكثفة، تخبرنا أشياءً ما على المستوى الوجداني، ولكن لا تمنحنا أي معلومات متماسكة. الحقيقة الواحدة هنا هي صراخ أجنيس وعجز من حولها عن مواساتها: المرض، والموت القريب، وانهيار الجسد أمام تهديده. اللون الأحمر يطغى على كل شيء: يقول برجمان إنه يعتقد أن الروح البشرية من الداخل تبدو كغشاء أحمر اللون. لا يخلو الفيلم من مظاهر الأمل، المتجسدة في آنا (كاري سيلوان)، خادمة العائلة المخلصة، والوحيدة التي تتمكن من منح أجنيس شيء من الراحة في مأساتها.

«The Diving Bell and the Butterfly»

جوليان شابيل،2007

في هذا الفيلم الفرنسي، نعايش حالة نادرة يمرّ بها جسد جان دومينيك بوبي الشهير بـ «جون دو» (42 عامًا)، رئيس تحرير مجلة موضة فرنسية، هي «locked-in syndrome»، فقد شُل بالكامل عدا عين واحدة، وعبر تحريك جفن هذه العين الوحيدة العاملة يتواصل مع العالم. مسجى على فراش المستشفى يكتسب صاحب الجسد المشلول خبرات النطق/ إغلاق الجفن مرة بما يعني نعم، ومرتين تعنيان لا، كما يتعلم البلع أيضًا. ثم نتابع سرد جون دو لحياته قبيل شلله. وهو لا يعبّر إلا بعينه التي صارت نافذته على العالم وصلته به. يسترجع السرد الفرص الضائعة، وفجأة يقرر أن يكتب مذكراته من داخل جسد لا يساعده على التعبير إلا عبر رمش العين، ونرى إمكانية حدوث ذلك. فيلم المخرج جوليان شابيل، قائم على مذكرات بالعنوان نفسه للكاتب الفرنسي جان دومينيك بوبي.

«Hunger» 

ستيف مكوين، 2008

تقبع الأجساد هنا في السجن، حيث يأبى أصحابها أن يغتسلوا أو أن يرتدوا ملابس الحبس، في تمرد على وصفهم بالمجرمين: هم معتقلون سياسيون، لأفعالهم دوافع وأبعاد سياسية، ولن يرضيهم سوى الاعتراف بذلك، على الأقل. المكان هو بلفاست عام 1981، والسجناء هم بعض أعضاء الجيش الجمهوري الأيرلندي. أحدهم، بوبي ساندز (مايكل فاسبندر)، يبدأ إضرابًا عن الطعام كخطوة تصعيدية، ونرى أثر ذلك تدريجيًا على جسده هو وزملائه الذين يتبعون مبادرته (فقد فاسبندر أكثر من عشرين كيلوجرامًا أثناء التصوير)، وعلى نفسيتهم كذلك. في أحد مشاهد الفيلم القليلة التي ترتكز على الحوار، يشرح طبيب لعائلة بوبي بتفاصيل موجعة عملية انهيار وظائف الجسم تحت وطأة الجوع.

لا ينشغل الفيلم بشرح الوضع السياسي، بل بظروف أبطاله في السجن، بكل ما يتضمنه ذلك من تفاصيل حسية، تنقل جزءًا غير هين من الألم للمشاهد: الجدران الملطخة بالطعام والفضلات البشرية، البول الذي يغمر الأرضيات، قرح الفراش التي تملأ جسد بوبي النحيل. يضعنا الفيلم وجهًا لوجه مع حدود الجسم البشري، ولكن المثير للتأمل هنا ما يقابل تلك الهشاشة من صلابة روحية وصفاء ذهني حاد في مواجهة الموت.

#سماع

جمعت Björk بيورك، خلال إعداد ألبومها «ميدولا» الصادر في 2004، أصواتًا بشرية للعديد من المؤدين لإنتاج هذه التجربة، قُدم الألبوم بلا موسيقى، بل صُنعت موسيقاه عبر ما ينتجه البشر من أصوات، تآلفت وتضافرت أصوات الصفير والنخر والهمهمات وغيرها من الأصوات التي تصنع إيقاعًا، مع صوت المغنية لنسمع هذه التجربة الفريدة التي يحضر خلالها الجسد من خلال حسه، وجهده المسموع، والّلذين أزاحا أنغام الآلات.

Oceania:

نرشح للسماع «ميدولا»، أو إعادة سماعها مجددًا، فالتجربة التي قُدمت قبل ستة عشر عامًا، لا تشبه نماذج خفيفة مثل مقلدي أصوات الآلات الموسيقية، بل تصنع أفقًا لم يسبق تقديمه في إطار الموسيقى، كما تعكس طموح مُنتجة موسيقى مشغولة بالتجريب وطرح أسئلة حول ما تقدمه الموسيقى، وكذلك كيف يمكن حضور الصوت البشري مجاورًا للغناء للتعبير عن أصوات الحياة اليومية.

يضم «ميدولا» أربعة عشر تراكًا، ستجدونها في قائمة سبوتيفاي التالية:

#سلام 

تزامن عزلة الأجساد فرادى، دفع سلافوي جيجيك، الفيلسوف السلوفيني، لتقديم نصائح، وترجمها موقع «كتب مملة»، ورأينا أن ذلك خير ما نختتم به عددنا، ومن ضمنها قوله إن «هذا ليس وقتًا مناسبًا للبحث عن الأصالة الروحانية. تبنوا كل الطقوس الصغيرة التي تضفي الاستقرار على حياتكم اليومية، بدون أي شعور بالخجل».

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن