ما نفهمه من خفض أسعار الوقود الأخير؟
 
 
صورة: Osman El Sharnoubi
 

يثير بيان لجنة تسعير الوقود الصادر مساء الجمعة عددًا من الأسئلة الأساسية على خلفية ما قد يُنظر إليه كانخفاض بسيط في سعر الوقود في الوقت الذي بدا الانخفاض الكبير في سعر البترول في العالم مبشرًا على نحو كبير بانخفاض أسعار الوقود في مصر.

نصّ قرار لجنة التسعير على تخفيض سعر لتر بنزين 80 و92 و95 بقيمة 25 قرشًا من قيمة كل منها، وتخفيض سعر طن المازوت للاستخدامات الصناعية بقيمة 350 جنيهًا.

الانخفاض الكبير في سعر البترول في العالم كان يمكن أن يتبعه قرار تخفيض الأسعار بالوصول للحد الأقصى المتاح لتحريك السعر -10%- الذي نصّ عليه قرار تأسيس اللجنة في ديسمبر من عام 2018. ولكن لم يحدث ذلك.

تضمن بيان لجنة تسعير الوقود للمرة الأولى «إقرارًا» بتسعير بعض المواد البترولية بأعلى من تكلفة إنتاجها أو بالفصل على الأقل بين انخفاض تكلفة الإنتاج وبين تسعير تلك المنتجات للجمهور، لتحقيق وفورات مالية في الموازنة العامة للدولة.

قال البيان إن اللجنة قررت تجنيب جزء من الوفر المتحقق من انخفاض تكلفة الإنتاج لمواجهة الارتفاع المتوقع فى التكلفة خلال الفترة القادمة -في حال ارتفعت أسعار النفط في السوق العالمي- و«كذلك مواجهة زيادة أعباء مواجهة تبعات أزمة كورونا».

القرار السابق يفسره عمرو عادلي الأستاذ المساعد للاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بقوله إن اللجنة كانت ستسعى لخفض سعر المواد البترولية إلى الحد الاقصى المُتاح لتحريك السعر لدعم مصداقية قراراتها كلجنة لتسعير الوقود بناء على سعر التكلفة، على نحو ما تبدو قراراتها برفع السعر، وذلك لو لم يكن الظرف الحالي استثنائيًا إلى هذه الدرجة.

ويقول عادلي إن اتجاه اللجنة للإعلان صراحة عن درجة من الفصل بين سعر التكلفة والسعر للجمهور هو تعبير عن صفة أصيلة لدى اللجنة كـ«أداة للتحرير المدار للاقتصاد» على حد تعبيره، «كما هو حال البنوك الحكومية مثلًا وكيف تعمل بشكل ضمني كذراع للبنك المركزي يستخدمها وقت الضرورة [يظهر تدخل البنك المركزي الخفي] حين تقرر طرح أدوات للإدخار ذات عائد أعلى من السائد في السوق على سبيل المثال، وكما هو حال سعر الصرف بعد تحرير الجنيه، الذي يظل سعره مدارًا على نحو ما من البنك المركزي، أي أنه مُحرر جزئيًا. هذا هو وضع المواد البترولية بعد تحريرها أيضًا».

إذا رجعنا خطوة للخلف لنرى صورة أوسع للمشهد، بحسب عادلي، الذي يوضح أن اتخاذ قرار بتحريك ضعيف لأسعار المواد البترولية يعني أن الحكومة تنحاز في هذه اللحظة لوجهة نظر ترى الأولوية لخفض عجز الموازنة لا لدفع النمو. عادة ما ينظر لأسعار الطاقة المنخفضة كأحد عوامل تنشيط النمو الاقتصادي، كونها تشجع على التوسع في الأنشطة الاقتصادية.

ويرى عادلي أن تخفيض عجز الموازنة كهدف له الأولوية الآن يعني أن الحكومة تسعى بكل السُبل لمنع تدهور المؤشرات المالية لتتمكن من الاقتراض الخارجي بأسعار فائدة معقولة في الوقت الذي تنضب فيه مصادر النقد الأجنبي الآخرى من قبيل السياحة على سبيل المثال.

لم يشمل قرار اللجنة السولار كأحد أنماط الوقود الأكثر استخدامًا شعبيًا، وهي المرة الثانية التي تقدم فيها اللجنة -حديثة النشأة- على استثناء السولار من قرار تحريك السعر.

السبب الأساسي للإبقاء على سعر السولار دون خفض، من وجهة نظر مصدرين تواصل معهما «مدى مصر»، هو أن السولار مُدعم أساسًا كما أن إنتاجه مكلف. يوضح ياسر عمر، عضو لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، في تصريحات لـ«مدى مصر»، أن مخصصات الدعم في الموازنة العامة تشمل السولار وبنزين 80، فضلًا عن البوتاجاز، وهو نفس ما يذهب إليه مصدر حكومي بارز سابق في وزارة البترول.

ويوضح عمر قائلًا إن السولار يستهلك 50% تقريبًا من إجمالي دعم المواد البترولية في الموازنة، والنسبة الباقية تتوزع بين دعم موجه للبوتاجاز يمثل النسبة الأكبر من النصف الآخر من دعم المواد البترولية، فضلًا عن نسبة أقل بكثير تذهب لدعم بنزين 80، «تبعًا للبيانات الحكومية التي عرضت على مجلس النواب وقت مناقشة الموازنة العامة».

وفضلًا عن ذلك، «فمصر تستهلك ضعف إنتاجها من السولار أي أنها تستورد نصف استهلاكها»، وفقًا للمصدر السابق في وزارة البترول، الذي أوضح أن هذا سبب «ارتفاع تكلفة إنتاج السولار نسبيًا» كما أوضح أن «السولار يكلف الموازنة العامة نسبة كبيرة من دعم المواد البترولية لكونه أكثر المواد البترولية استهلاكًا في مصر بفارق كبير للغاية عن حجم الاستهلاك المحلي من كل أصناف الوقود الأخرى».

وكان تقرير صادر عن وزارة البترول في منتصف عام 2018 قد أوضح أن استهلاك مصر من السولار سنويًا يتجاوز 15.4 مليار لتر مقابل 9.6 مليار لتر تقريبًا تمثّل إجمالي استهلاك مصر من نوعي بنزين 80 و92 مجتمعين.

ويقول عمر إن الجانب الأكبر من الوفورات التي قد تتحقق للموازنة العامة من انخفاض تكلفة إنتاج المواد البترولية سيتضح في صورة انخفاض في الإنفاق على دعم المواد البترولية في نهاية العام المالي عما كان مُخططًا في بداية العام الحالي 2020/2019.

وخصصت موازنة العام الحالي 52.9 مليار جنيه لدعم المواد البترولية، بانخفاض تجاوز 40% عن دعم المواد البترولية في العام المالي الماضي. كما يفترض أن ينخفض الدعم الموجه للمواد البترولية في العام المالي المقبل بنسبة تتجاوز 47% ليصل إلى 28 مليار جنيه، تبعًا لعمر.

وحتى قبل تشكيل لجنة تسعير الوقود والتحول نحو ما يُعرف بنظام التسعير التلقائي للمواد البترولية، «كان من المعتاد أن ترفع الحكومة سعر السولار بنسب أعلى من معظم المنتجات البترولية الأخرى، في كل مرة خضعت المواد البترولية لقرارات برفع أسعارها، لأن سعره ظل على الدوام مدعومًا بأكثر من مختلف الأصناف الأخرى»، حسبما قال لـ«مدى مصر» محمد سعد المحلل المالي في شركة «شعاع» لتداول الأوراق المالية.

وبخصوص الآثار المتوقعة من خفض أسعار الوقود على معدلات التضخم، ترى دينا أرمانيوس، أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة، أن استثناء السولار من القرار يخفض بشدة من التأثير الإيجابي عمومًا على معدلات التضخم.

وتوضح أرمانيوس لـ«مدى مصر» أن «ثمة ما نسميه بالتأثير المباشر لأسعار الوقود مقابل التأثيرات غير المباشرة لتلك الأسعار. التأُثيرات المباشرة لسعر الوقود -سواء في ارتفاعه أو انخفاضه- هي ما نراها في تكلفة المواصلات، أما التأثيرات غير المباشرة فهي التأثيرات الممتدة لكل حلقات الإنتاج التي تستهلك الوقود في كل القطاعات، من قبيل مكون النقل في الإنتاج على سبيل المثال في إنتاج الغذاء وبالذات الخضر والفاكهة التي تحتاج في نقلها لشاحنات تعمل بالسولار، فضلًا عن مكوّن الطاقة في الإنتاج الزراعي المتمثل في الأساس في وقود الجرارات الزراعية المعتمدة على السولار».

وترى أرمانيوس أن «التأثير غير المباشر للبنزين قياسًا للسولار يبدو أضعف بشدة، لأن الاستخدام الأساسي للبنزين هو السيارات الخاصة، وهو ما يمثل التأثير المباشر لهذا النوع من البنزين والذي ينصب على المواصلات وبالتحديد نقل الأفراد وعلى نطاق أضيق بكثير من السولار الذي يمثل وقود الحافلات وأنماط النقل الجماعي إجمالًا».

وقد سجل مؤشر التضخم السنوي العام في مارس الماضي 4.6%، والشهري 0.6%، وهو معدل معتدل للغاية بالمقارنة مع معدلات سابقة كتلك التي شهدتها مصر في منتصف عام 2017، لعدة أسباب مجتمعة -مرتبطة بتنفيذ شروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي- من ضمنها رفع أسعار الوقود، بنسب اقتربت من 60% على السولار وبنزين 80، وتجاوزت 40% على بنزين 92.

ارتبط تأٍسيس لجنة تسعير المواد البترولية بشروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي حول قرض بقيمة 12 مليار دولار. ووفقًا للاتفاق، كان يتعين على مصر التخلص من دعم الوقود عبر تطبيق آلية تضمن التحريك المتواصل والمرن لسعر بيع المواد البترولية للجمهور بناءً على التغيّر في تكلفة إنتاجه على نحو يمثّل «حماية الميزانية من تغيرات أسعار الوقود العالمية» تبعًا لوجهة نظر صندوق النقد الدولي.

ويختلف النظام الجديد عن الأسلوب الذي اتبعته مصر لتخفيض دعم الطاقة بدءًا من منتصف عام 2014 وحتى منتصف 2019، والذي اعتمد على رفع أسعار المواد البترولية عبر قرارات متوالية تضمنت ارتفاعات تراكمية عالية للغاية تجاوزت 650% بالنسبة لبنزين 80، و513% بالنسبة للسولار.

وأًصدرت لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية أربعة قرارات بشأن أسعارها منذ تأسيس اللجنة، من ضمنهم قرارين بتثبيت السعر وقرارين بالخفض.

ويوضح الشكل التالي نسبة الانخفاض في سعر المواد البترولية في اجتماع الجمعة الماضي مقابل الانخفاض الذي أقرته اللجنة في اجتماع أكتوبر الماضي.

المصدر: بيانات وزارة البترول وحسابات «مدى مصر».

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن