حان وقت فرض ضرائب الثروة على الأغنياء

في أيام الكوارث والمصائب الكبرى التي تحل على الدول، على الجميع أن يتحمل مسؤولية استمرار الحياة والحفاظ على الأنفس والمجتمعات وصيانتها، وما يترتب على ذلك من درء أخطار تلك الكوارث وحصارها من جهة، وضمان الاحتياجات الأساسية لكل أفراد المجتمع من جهة أخرى.

كارثة تفشي فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» التي حلت على مصر كما غيرها من الدول، لم تكشف قصور المنظومة الصحية في مصر وحسب، بل أظهرت أيضًا إلى أي حد يعاني اقتصادنا المأزوم من اختلالات هيكلية فادحة، فالإجراءات التي فرضتها الحكومة للحد من تفشي الوباء، أثرت بشكل بالغ على كل فئات المجتمع، لكنها ضربت الشرائح الأكثر فقرًا والطبقة المتوسطة في مقتل، وباتت ملايين الأسر غير قادرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وهو ما يستدعي البحث عن حلول بديلة وغير تقليدية تحفظ للمجتمع سلامته في حال تعرضه لكوارث أو أزمات جديدة.

بعد أحداث ثورة يناير 2011، أعاد العديد من الخبراء والساسة تداول مقترح بفرض ضريبة على ثروات الأغنياء لمن تزيد ثروته على عشرة ملايين دولار، واعتبارها جزء لا يتجزأ من حزمة الإجراءات المطلوبة لإصلاح الاقتصاد المصري.

مقترح «ضريبة الثروة» جاء على خلفية الأزمة الاقتصادية التي مرت بها مصر نتيجة تأثر الاقتصاد بما جرى في الثورة وما أعقبها من أحداث، وهو ما دفع الحكومة حينها إلى بحث إمكانية الاقتراض من مؤسسات مالية دولية، وكان البديل الذي قدمه اقتصاديون ونشطاء فرض تلك الضريبة لمرة واحدة بنسبة تترواح بين عشرة و 25% على من تزيد ثروته على عشرة ملايين دولار.

أسس أصحاب المقترح فكرتهم، على أن سياسات مصر الاقتصادية على مدار العقود التي سبقت الثورة أدت إلى ذهاب أغلبية الدعم للأغنياء، وهؤلاء لم تحصل الدولة من ثرواتهم أكثر من 1% ضرائب، في حين تحملت الطبقات المتوسطة والفقيرة ما يقرب من 20-25% من دخلها في شكل ضرائب، وبالتالي حان وقت أن يدفع الأغنياء وبأثر رجعي حق الدولة والمجتمع عليهم.

مع الوقت، وعقب الانتكاسات التي تعرضت لها ثورة 25 يناير، وُأد مقترح ضريبة الثروة، كما وأدت العديد من الأفكار التي تولدت من قلب ميادين الثورة.

في 2018 أعاد مشروع «حلول للسياسات البديلة» التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة، إحياء المقترح، ونشر موقع المشروع على شبكة الإنترنت ورقة بحثية بعنوان «نحو ضريبة على الثروة في مصر».

وبحسب الورقة البحثية التي أعدها الباحث أسامة فوزي، فإن مصر تفتقد لأي بيانات رسمية عن توزيع الثروة، ويكاد التقدير الوحيد المتوفر هو تقرير مجموعة «كريدي سويس» المصرفية السويسرية العملاقة حول توزيع الثروة في العالم، والذي يضع مصر من بين 12 دولة ذات «لامساواة حادة جدًا»، فهي من بين أعلى تسع دول تنمو فيها «اللا مساواة في الثروة» بمعدل سريع للغاية، مما يتطلب تدخلًا سريعًا لعلاج هذه المشكلة.

ووفقًا لهذه البيانات، فإن تقديرات حصة الـ 10% الأعلى دخلًا بين المصريين من إجمالي ثروة البلاد زادت من 61%‏ في سنة 2000، إلى 65.3%‏ في عام 2007، حتى وصلت إلى 73.3%‏ في 2014.

«باستخدام هذه البيانات لحساب إجمالي الثروة المملوكة للفئات الأغنى من السكان، فإن متوسط نمو الثروة السنوي في الفترة من 2000-2014 بلغ 7%‏ بين شريحة الـ1%‏ الأعلى من السكان، و5%‏ بين الشريحة العشرية الأعلى، بينما بلغ متوسط نمو إجمالي الثروة 4%‏، ومتوسط نمو الناتج المحلي للفرد 2%»، حسب الورقة البحثية.

الأرقام المذكورة أظهرت تفاوتًا كبيرًا في توزيع الثروة بين شرائح المجتمع المصري، فنحو 75% من الثروات تتركز في يد 10% فقط من السكان، وهو ما ينذر بآثار اجتماعية واقتصادية وخيمة، «الانتقال السريع والحاد للثروة إلى الفئات الأعلى من السكان، له آثار سلبية على إعاقة النمو الاقتصادي وزيادة المضاربة واختلال ميزان المدفوعات، بالإضافة للآثار الاجتماعية التي تنتج عن تمركز الثروة واتساع الهوة بين فئات المجتمع بشكل يؤثر على استقراره».

ونظرًا إلى أن السياسة الضريبية في مصر تفتقد إلى سياسة موحدة وشاملة على الثروة، قدمت الورقة البحثية مجموعة من الخطوات التي يجب اتخاذها نحو تطبيق ضريبة على الثروة في مصر كإحدى وسائل التعامل مع أزمة ارتفاع «اللا مساواة في توزيع الثروة» بين فئات المجتمع.

وخلصت الورقة في النهاية إلى ضرورة وجود سياسة ضريبية متكاملة لمعالجة أزمة الصعود الحاد لـ«اللامساواة في توزيع الثروة والدخل»، لما لها من آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية لا يمكن تجاهلها، «لذلك فإن سياسات إعادة توزيع الثروة هي بمثابة علاج ضروري للتعامل مع جميع المشكلات التي تنتج عن تركز الثروة وسوء توظيفها».

وأشارت الورقة إلى مقترحين لتطبيق تلك الضريبة، الأول للخبير الاقتصادي حسن هيكل المدير التنفيذي الأسبق للمجموعة المالية «هيرمس القابضة»، والذي اقترح فرض ضريبة على الثروة اسماها «ضريبة ميدان التحرير» بنسبة تتراوح بين 10 -25 % على من تزيد ثرواتهم على عشرة ملايين دولار لمرة واحدة لتحسين الوضع المالي للدولة.

والثاني للاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي الذي اقترح في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» فرض ضريبة تصاعدية منتظمة على الثروة، بحد أقصى 10%، «إذا كان الهدف الأساسي هو الحد من اللا مساواة وضبط أنماط تركز الثروة».

بعد أن انتبهت الحكومة المصرية لخطورة تفشي فيروس «كوفيد-19»، اتخذت عددًا من الإجراءات الاحترازية التي تحد من انتشاره، فقيدت إلى حد ما حركة المواطنين ودعتهم إلى الالتزام بمنازلهم بعد أن حظرت التجوال مساءً وقللت من الكثافات في أماكن العمل، وأغلقت المحال العامة، وعلقت الدراسة.

أثرت تلك الإجراءات بشكل بالغ على حركة الاقتصاد الذي أصابه الركود، إلا أن أكثر الفئات تضررًا مما جرى، كما ذكرنا أعلاه، هي الشرائح الأشد فقرًا وتهميشًا، والتي لا تملك سوى الخروج من المنازل للبحث عن لقمة العيش، حتى لو مثل خروجهم من منازلهم خطورة على حياتهم.

معادلة تلك الشريحة من المجتمع صعبة للغاية، ففي الوقت الذي تدعو فيه حكومات العالم ومنها المصرية المواطنين إلى العزل المنزلي رافعة شعار «خليك في البيت»، لا يملك الفقراء ما يمكنهم من البقاء في منازلهم ولو ليوم واحد، فهؤلاء يعملون على توفير احتياجاتهم «يوم بيوم».

ورغم مخاطر العدوى بـ «كورونا»، يغامر الملايين من هؤلاء يوميًا بركوب المواصلات العامة والتزاحم في أماكن التجمعات حتى يعودوا إلى أسرهم بما يسد الرمق، إلا أن ما يتحصلون عليه لم يعد يكفي، فدخول تلك الشريحة من العمالة غير المنتظمة انخفضت إلى أدنى مستوياتها بفعل حذر باقي المواطنين من الاختلاط.

وللمساهمة في تخفيف أعباء تلك الشريحة، أقرت الحكومة منحة للعمالة غير المنتظمة قدرها 500 جنيه لمدة ثلاثة أشهر، لكن إلى أي حد تكفي تلك المنحة في سد احتياجات هؤلاء الفقراء؟ وماذا عن العمال والموظفين في شركات القطاع الخاص، التي شرع بعض ملاكها في تسريحهم لتقليص الخسائر الناتجة عن الركود وتقلص حركة الاقتصاد؟.

وفي الوقت الذي توقفت فيه الحكومة المصرية عند خطوة إقرار منحة العمالة الغير المنتظمة ومناشدة رجال الأعمال عدم تسريح العمالة، تبنت عدد من حكومات الدول خططًا عاجلة استهدفت مساندة الفئات المتضررة اقتصاديًا من هذا الوباء.

الصحفي المتخصص في الملف الاقتصادي محمد جاد قدم ورقة نشرت على موقع مشروع «حلول للسياسات البديلة» التابع للجامعة الأمريكية تحت عنوان «ماذا تخبرنا التجربة الدولية عن حماية الطبقة العاملة من تداعيات كورونا الاقتصادية؟»  تضمنت عددًا من الخطط التي اتبعتها عدد من الدول.

الحكومة الدنماركية، تعهدت لفترة مؤقتة، بتغطية 75% من رواتب العاملين في الشركات الخاصة (بحد أقصى ما يساوي نحو 3,300 دولار شهريًا) طالما التزمت الشركات بعدم تسريح عمالها. وبالنسبة للعاملين بالساعة الذين تم الاستغناء عنهم، تعهدت الحكومة بتحمل 90% من أجورهم (بحد أقصى ما يساوي نحو 3,800 دولار في الشهر).

وتبنت السويد سياسة أخرى مؤقتة لدعم الأجور، حيث سمحت الدولة للمُشغلين بتقليل عدد ساعات عامليهم بنسبة 40%، على أن تدعمهم الدولة بسداد 90% من الأجور.

وفي تشيلي، وسّعت الحكومة نطاق تأمين البطالة ليشمل غير القادرين على العمل من المنزل. وخصصت منحًا للفئات المحرومة من العمل في القطاع الرسمي، ويصل عددها إلى 2 مليون عامل.

وفي المنطقة العربية، أعلنت المملكة السعودية مؤخرًا عن لحاقها بركب سياسات دعم الأجور، حيث تتحمل الدولة 60% من أجور العاملين في المنشآت الخاصة لمدة ثلاثة أشهر، تشجيعًا للشركات على إبقاء العمالة.

أما في مصر، خرج رجال الأعمال بتصريحات مستفزة مثلت ضغوطًا على الحكومة، طالبوا فيها بإنهاء الإجراءات الاحترازية، وعودة العمال والموظفين إلى أعمالهم حتى ولو أدى ذلك إلى وفاة البعض «تزيد عدد الإصابات والوفيات، لكن سيبقى هناك شعب قائم وناقص شوية، أفضل من شعب مفلس تمامًا ولن نجد ما نأكله»، قالها أحدهم، فيما حذر آخر من «الدمار الاقتصادي»، الذي سينتج عن استمرار الإجراءات الاحترازية، رافضًا مطالبة البعض رجال الأعمال بالتبرع للمشاركة في تحمل تبعات الأزمة «أي حد يقولي اتبرع هقوله آسف ماقدرش.. واللي يحتاجه البيت يحرم ع الجامع».

وفيما بدا أنه استجابة لضغوط وتهديدات رجال الأعمال، قررت الحكومة الأسبوع الماضي تخفيض عدد ساعات الحظر، وبدأت حملة إعلامية جديدة تدعو المواطنين إلى الخروج للعمل، للحفاظ على الاقتصاد مع مراعاة التعليمات الطبية من ارتداء الكمامات وتجنب الزحام، وذلك بديلًا عن حملة «خليك في البيت» التي تم الترويج لها منذ أول مارس. واكتفى رئيس الجمهورية في كلمته قبل أيام بمناشدة القطاع الخاص بالحفاظ على العمالة وعدم تسريحها، «على الاقل خلونا نحافظ أن العمالة الموجودة بالكامل فى القطاع الخاص، بتعمل ولا يتم ابدا تسريحها».

إذا كانت الدولة لا تملك ما تحمي به الشرائح الأشد تضررًا من الكارثة التي حلت علينا، فعليها أن تبحث مرة أخرى مقترح فرض ضريبة على ثروات الأغنياء، خاصة أن عددًا كبيرًا من هؤلاء كونوا ثرواتهم من خلال إعفاءات ضريبية والحصول على أراضي الدولة بأسعار بخس وعلى الطاقة بأسعار مدعومة للغاية ثم باعوا منتجاتهم بأسعار عالمية، فضلا عن تهرب معظمهم من كل ضمانات حقوق العمال من تأمين صحي واجتماعي، وعدم التزامهم بقواعد حماية البيئة.

في إحصائها الأخير، كشفت مجلة «فوربس» عن وجود أربعة أثرياء مصريين ضمن قائمتها لعام 2020، يتقدمهم ناصف ساويرس والذي يملك خمسة مليارات دولار، ويليه محمد منصور 3.3 مليار دولار، ثم نجيب ساويرس  بثلاثة مليارات دولار، وأخيرا ياسين منصور 2.2 مليار دولار.

ووفقًا لتقرير الثروة الصادر عن شركة «نايت فرانك» لعام 2019 والذي نشرته جريدة «جارديان» البريطانية منذ أيام، فهناك 764 شخصًا فاحش الثراء في مصر يمتلك كل منهم أصولًا تزيد عن 30 مليون دولار، ويتوقع التقرير بأن تكون مصر الثانية من حيث سرعة وزيادة النمو بنسبة 66% بحلول عام 2024.

وبحسبة سريعة عن حجم ثروات كبار أغنياء مصر الذين تتعدى ثرواتهم 30 مليون دولار، نجد أن هؤلاء يملكون ما يقرب من 36 مليار دولار، ولو أضيف إليهم ثروات من يملكون ثروة تتعدى عشرة ملايين دولار، سيتحول الإجمالي إلى رقم فلكي، ولو فُرض على هذا الرقم ضريبة ثروة في حدود من 10-25%، لمرة واحدة أو بشكل تصاعدي، فستُحصل الدولة رصيد يكفي لتحسين معيشة الشرائح الأكثر فقرًا واحتياجا في الأزمات وغيرها، ولتمكنت من دعم موازنة التعليم والصحة، بالشكل الذي يضمن تقديم خدمة أدمية لكل مواطن.

في المقابل لا يزال 33% من المصريين يقعون تحت خط الفقر، ولا يتعدى دخلهم الشهري 735 جنيهًا بحسب ما أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء العام الماضي، هؤلاء غير قادرين على توفير احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومسكن وتعليم وصحة ومواصلات، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في النظام الضريبي برمته.

أظن أنه قد حان الوقت لأن يدفع أثرياء مصر ممن تضخمت ثرواتهم من المتاجرة في أقوات الفقراء والطبقة المتوسطة وأصول الدولة، ما عليهم وبأثر رجعي للمجتمع بكامله، وأن تشرع السلطة وبرلمانها في إقرار ضريبة الثروة بما يحافظ على بنية المجتمع وسلامته.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن