ديتوكس| خُلاصة معازِل
 
 
Sunset 1972 Andy Warhol
 

#جو عام

«حين يعمل المرء يكون بالضرورة في عزلة مطلقة. لا يمكنه عمل مدرسة، ولا أن يشكل جزءًا من مدرسة. ما من عمل إلا وهو عمل أسود، غير مشروع، لكنها عزلة مفرطة الازدحام. ليست مزدحمة بالأحلام، ولا بالأشباح أو المشروعات، بل باللقاءات… من أعماق هذه العزلة يمكن للمرء القيام بأي لقاء كان».

المصدر: موقع الرسام مازن كرباج

«محاورات دولوز» جيل دولوز وكلير بارنت، ترجمة أحمد حسان (المحروسة، 2018)

تخفت أصوات الشارع، لا نكات ولا سعال ولا شتائم على القهوة، تسكت أصوات الزهر على الخشب. لم يبق سوى الكلاب. ترى هل هم سعداء بالمساحة التي تُركت لهم؟ تستعيد الكلاب المدينة، تسيطر على المُدن، فهم سُكّان المدن الأكثر جدارة بلياليها بعدما حُظرت حركة البشر. هم أيضًا يشعرون أن شيئًا ما يحدث، نستشرف من نباحهم المستمر والملتاع أحيانًا ما يوحي بذلك. حين نسمع صوتًا يتهادى من الخارج، نخمن أن صاحبه طفل وحيد يغني مقطعًا من المهرجان الشهير: «بهوايا… إنتِ قاعدة معايا!» ولكنه لا يكمل. يذكر الموقف بحياة قبل العزل التي تبدو الآن بعيدة، ثم يصمت هو الآخر. ربما يحاول أن يسجل رد الفعل، لعل يائسًا يصرخ مرددًا بقية المهرجان، أو نسمع، معه، تفاعلًا من ابنة الجيران على مهرجانها الذي غاب صوتها عنه.

كيف ستكون مدينة يحكمها الخوف من الفيروس، وتسود لياليها الكلاب والقطط والعرس، وأصوات غناء متقطعة؟

في العزلة، لا يساعد الإنترنت. الدائرة لا تتوقف عن اللّف: جاري تحميل البيانات. تبدو الدائرة انعكاسًا لما يدور بعقل الكثير منّا الآن، أثناء الانتظار. المجهول مخيف، ولكن الانتظار أثقل. نكتشف أن قاسمًا مشتركًا يجمعنا لأول مرة، علينا التواصل من خلال هذا المشترك الإنساني الوحيد الذي نعاصره، هل كنّا ننتظر فرصة للتواصل؟

ماذا ننتظر حقًا؟ هل نفتقد الحياة التي عطّلها الفيروس، أم نخشى رجوعها؟ أنترقب إمكانية الالتحام بالآخرين من جديد، أم اختراق المرض لأجسادنا، كي نتوقف عن الخوف منه؟ الأمر أشبه بالـ«سائرين البيض» الذين تخيلهم جورج آر آر مارتن في ملحمته: خطر واحد يهدد البشرية بأكملها، يجبرها على تنحية كل ما دونه من هموم لمواجهته. ولكن في واقع الأمر، فالهموم لا تنزاح، بل نجلس معها الآن في البيت، تناطحنا أثناء الليل والنهار، دون مفر. العمل قائم والجوع -لا للأكل وحده- قائم، والحب بكل ما يجلبه من ألم أحيانًا.

يمكث القلق بداخلنا ويأبى أن يتحرك، كشعرات المانجو العالقة بين الأسنان، كما تصف أرونداتي روي الأمر في روايتها البديعة، «رب الأشياء الصغيرة». تكتب روي عن الفيروس وما فعله بالعالم فتقول: «ما الجائحة سوى بوابة» نعي ذلك، ولكننا لا زلنا ننتظر أمامها، ولا نعلم متى نتمكن من المرور إلى الجانب الآخر.

تتوالى الأسابيع وتتكرر أيامها، مثل ليال بيضاء ممتدة. نحاول أن نفعل جديدًا في عطلتنا الطويلة، نكسر روتينًا، لنصنع جديدًا، فلا نصبح فيما نبات فيه، لنعبر البوابة.

رغم الملل و القلق، نعى أن غدًا ليس كاليوم، في ما يلي نقدّم خلاصات فشيخة لعلها تكون عونًا في نهارات المعازل الذاتية ولياليها.

 

#قراءة

في العزلة قدّم لنا جورجيو أجامبين، الفيلسوف الإيطالي، تأملاته، والتي ترجمها المترجم والكاتب الجزائري صلاح باديس، كما ظهر جان لوك جودار، المخرج وناقد الأفلام الفرنسي/ السويسري، مُتحدثًا لايف على انستجرام.

وللعزلة أيضًا اخترنا بعضًا مما جرى في عزلة الأسابيع الماضية مما كُتب أو صُور من يوميات أو لقاءات حيّة عبر فيسبوك.

بالنسبة لليوميات، نرشح للقراءة ما نشره «ختم السلطان» ضمن «أيام الكرنتينا» وبها كتب روائي عزت القمحاوي، وفيديو للشاعر عماد فؤاد، وصوّرت الفلسطينية أمية أبو حنا فيديو، وانضمت أديبات وأدباء غيرهم في هذه السلسلة اليومية. أما اللقاءات فمنها نرشح لكم بثًّا حيًّا وفيه يجتمع كاتب مع حضور في حديث عن الأوبئة وفكرة العزلة، وهو ما جرى بين محمد عبد الله سامي صاحب رواية «درب الإمبابي». أما «مدينة» فسار بشكل مختلف مقدمًا «كوابيس» واكبت الكرنتينا العالمية بسبب «كورونا»، وكانت أول حصيلة سبعة دونها أحمد ناجي. وفي إطار اليوميات أيضًا، هناك رسوم مازن كرباج كذلك.

ومع امتداد «عطلة العمل» هذه، نرشح للقراءة ما نشره «مدى مصر» في سلسلة «كوكبة» المعنية بتقديم توليفات تضم أعمال أدبية وفنية، وتربط كل توليفة منها ثيمة محدد، كان أحدثها «حافظ/ي علي هدوئك».

من يوميات مصطفى محيي: ذات يوم في المَعزل

لا أتابع تواريخ الأيام هذه الفترة إلا مساءً عند صدور بيان وزارة الصحة عن الأعداد الجديدة من المصابين والمتوفين بسبب فيروس كورونا. أدون الأرقام في جدول خاص بي أمام تاريخ اليوم، لأقارنها بما سبقها من أرقام. أفكر في معدل زيادة الإصابات أسبوعيًا، محاولًا فهم إلى أين يتجه الفيروس، مدعيًا -بيني وبين نفسي- أني أعرف شيئًا ما. هي محاولة لإدخال الفيروس في معمل الملاحظة والتوقع. أفكر: عليَّ أن أضيف إلى هذا الجدول الخط الزمني للخطوات الحكومية مثل تعليق الدراسة والسفر وفرض حظر التحرك، ليصبح ممكنًا توقع متى قد يتراجع المنحنى عن الصعود. بخلاف ذلك، لم تعد تواريخ الأيام هامة، في غياب مواعيد لقاءات أو حضور فعاليات أو ترقب أي شيء قادم.

ساعتين في بداية اليوم بين السابعة والنصف والتاسعة والنصف هما الأكثر شبهًا بالصباحات العادية، حيث يمكن التركيز على قراءة كتاب أو تعديل نص ما كتبته فيما سبق، قبل أن يصحو العالم (أو على الأقل هذا الجزء الذي يستيقظ في نفس التوقيت) وننشغل بالهلع الجماعي من الفيروس.

هناك عالمين ألاحظ أحدهما من غرفة المعيشة والآخر أرقبه من بلكونة المطبخ. تحوّلت الأولى إلى غرفة العمل بوجود اللابتوب والموبايل ودفتر الملاحظات والقلم الذي وجدته ذات يوم في المكتب قبل الجائحة دون صاحب معروف فحملته معي للمنزل. بحكم العمل أتنقل بين الأخبار المحلية والعالمية، أحاول التقاط زاوية ما للكتابة عنها. هذا العالم يُمثل كل صخب العزلة. أمر على كل ما يكتبه الأصدقاء والصحف والمواقع والمارة والعابرون وأبناء السبيل. هذا عالم يحكمه كوفيد-19.

بينما يظهر العالم الآخر من بلكونة المطبخ مختلفًا. لا يبدو محكومًا حتى الآن بحمى الفيروس، فالمارة يتحركون ببطء وهدوء، بعضهم يرتدي الكمامة التي أصبحت شيئًا غير مُستغرب في مظهرنا الخارجي. أفكر: هناك آخرون يغادرون المنزل، وأنا أشعر بالغيرة. هناك من قرروا أن أقصى ما يمكنهم تقديمه للوقاية من الفيروس هو ارتداء كمامة، وربما غسل الأيدي بعد العودة لبيوتهم. تستيقظ شريكتي فأناقشها في فكرة اصطحاب صديق أو اثنين خلال التمشيات الأسبوعية كل جمعة. تعجبها الفكرة، فأقرر اغتنام الفرصة وطرح فكرة أخرى عن تبادل الزيارات المنزلية مع دائرة محدودة وموثوقة من الأصدقاء لا تزيد عن شخصين إذا ما استمر الوضع طويلًا، فأفشل في إقناعها.

يبدو المنزل مسكونًا بالفيروس رغم تطهيره المستمر بالكلور والتزامنا البقاء فيه ومحاولة تدشينه كمساحة آمنة، بينما العالم الخارجي أقرب للعادي.

Night Windows 1928 Edward Hopper

يوم آخر

فترة حظر التحرك هي الوقت المناسب للتواصل مع الأصدقاء، جميعنا في البيت، انتهى أغلبنا من عمله مدفوع الأجر وبقيت الأعمال المنزلية غير المدفوعة التي لا تنقطع طوال اليوم، بعد أن ضاعفها وجودنا الدائم في المنزل.

لنبدأ التواصل مع الأصدقاء..

في مكالمة هاتفية مع سلمى الطرزي، كنت أقول لها إن الجائحة جعلتنا جميعًا نرتد إلى حالة بدائية تمامًا، مشغولين بمحاولة البقاء على قيد الحياة حرفيًا: نُؤمّن ما يكفينا من الطعام لفترة لا تقل عن أسبوع حتى لا نضطر إلى المغادرة أكثر من مرة، نحمي المنزل من مخاطر الفيروس بالكلور والكحول إن وجد، وفي حالة مغادرة البيت نتخذ جميع الاحتياطات اللازمة بما يليق بمَن يواجه خطرًا خارج مساحته الآمنة. فأضافت سلمى أن الجائحة أعادت إنتاجنا كمجرد كائنات حية مُهدد بالانقراض. ما يجمع بين البشر في هذه التجربة أننا مشتركين في نفس الجينات. نحن في هذه التجربة فصيلة الهومو سابينس المهددة بالانقراض، تمامًا كالسلاحف البحرية أو الباندا.. لا أكثر ولا أقل.

وفي مكالمة أخرى مع رندا شعث، قالت إن الساعة الأولى من النهار ظريفة. ففي كل يوم، تتواصل مع نحو عشرة صديقات في أماكن مختلفة من العالم، تختار تيمة لقائمة أغاني، وتبدأ في توليفها، ليسمعونها معًا. الكل هنا وهناك في نفس الوقت. بعدها يعود اليوم إلى ارتباكه بين التوتر والقلق، أو انتظار الساعات المملة لتمر هي وقطتها حلاوة.

The Artist’s Sitting Room in Ritterstrasse 1851 Adolph Menzel

الغد

لم تكن تواريخ الأيام فقط هي ما تعرض للاختفاء مع العزلة، بل المستقبل نفسه. أدخلتنا الجائحة في زمن بيني يقع بين «لم نعد مثلما كنّا» و«لم نصبح ما سنصير إليه». هذه الفكرة تحديدًا تأتي برعاية الأنثروبولوجي البريطاني فيكتور تيرنر (1920-1980). في الفترة البينية أو the liminal phase التي يمر بها فرد (مثل المرحلة بين الطفولة والبلوغ) أو المجتمع (مثل المرحلة بين الإقطاع والرأسمالية) تتوقف القواعد الحاكمة القديمة عن كونها مُسيطرة تمامًا، دون أن تستقر قواعد حاكمة جديدة. هي ذلك القطع في حركة التاريخ نحو مستقبل حاولت الحداثة مصادرته عبر التحكم فيه، وبالتالي نفيه كزمن مليء بالاحتمالات. في تلك المرحلة البينية يختفي المستقبل المُصادَر المُحدَد مُسبقًا، ليعود مرة أخرى زمنًا مليئًا بالاحتمالات في جميع الاتجاهات.

المرحلة البينية ليست فراغًا، لكنها أيضًا ليست امتدادًا مطابقًا لما سبقها، ولن تكون مشابهة لما سيأتي بعدها، وإن كانت تمهد له. بحسب عمق القطع الحادث مع ما هو قديم، ستتغير القواعد الحاكمة في المستقبل. هل الجائحة هي القطع الأكبر في مسار التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية؟ لن نعرف الآن، لكننا سنرى لاحقًا.

 

The Pilgrim of the World at the End of His Journey 1847 Thomas Cole

 

#مشاهدة

نوارة بلال تكتب كخبيرة قضت أيام الكرنتينا السابقة تشاهد  أفلامًا ركزت أغلبها على فكرة واحدة «نهاية العالم»:

هذه دعوة لمشاهدة ممتعة لنهاية العالم من على الأريكة مع مشروب من اختياركم/ن لتهيئة الجو لاستيعاب النهاية، وتأتيكم/ن الدعوة برعاية مدعومة بكل حديث عابر عن وباء، عن عاصفة، أو فيروس، أو نهاية، أو خوف، أو بدائل وكحول إيثيلي. كما تأتيكم/ن مختارات أفلام نهاية العالم برعاية -إن لم تكن متضمنة في الترشيحات- الكائنات الخرافية متمثلة في كائن الجودزيلا، فمع أول حديث جمعي عن الاجتياح تملكني شعور رفض لأي نهاية للعالم لا تتضمن الجودزيلا. لو عصف بنا التنين (عاصفة الـ 12 من مارس الماضي)، يحاوطنا الوباء، ولا يزال العالم واقعه عبثي كما هو وأكثر، فـ يا نهاية درامية تخسف بنا نهائيًا يا إما بلاش.

من هنا بدأ هوسي بإعادة زيارة أفلام تندرج تحت عنوان «أفلام نهاية العالم»، كلها أفلام شاهدتها من قبل، أعرفها، وتقوم بعمل تفنيطة  للسيناريو الأمثل للنهاية، الذي بدوره يتحوّل لرحلة بحث عن تصالح مع فكرة النهاية. لكن الوصول للتصالح كما الحال به رحلة تنقلنا من حالة ذهنية إلى أخرى مصحوبة بتكوين شعوري يهيئنا أو يبعدنا عن ذلك التصالح؛ تشبه تلك الرحلة المراحل الخمسُ للحزنِ والفقد أو هكذا تراءى لي تصنيف أفلام نهاية العالم.

أول مرحلة هي «الإنكارُ والعزلة» يمثلها فيلم «This Is the End»، وهو كوميدي ابوكاليبتي أمريكي/كندي إنتاج 2013، من إخراج وكتابة سيث روغن وايفان غولدبرغ، ومن بطولة جيمس فرانكو وجونا هيل وسيث روغن وجاي باروتشيل وداني ماكبرايد وكريغ روبنسن. ينتهي الفيلم بأبطاله راقصين في الجنة مع ظهور فريق باك ستريت بويز مؤديين أغنية «باك ستريت باك»، ما يدعونا إلى اكتشاف أن نهاية العالم ليست مشكلة على الإطلاق، ولما لا ينتهي العالم إذا كانت هذه النهاية بصحبة مجموعة من الممثلين الأغنياء المنتشين، فإن كان الموت ضحكًا نسخة واردة لنهاية العالم فأهلًا بها، أهلًا بالهزل والانتشاء والمرح، لكن ذلك الترحيب هو ترحيب باللاواقع، بالهذيان ونشوة اللامعقول، لذا لنسمي الأشياء بمسمياتها فهي نهاية ناكرة للفاجعة معزولة عن الألم الجمعي وهوله.

يأتيني «غضب» المرحلة الثانية في فيلم «outbreak» للمخرج ولفغانغ بيترسن بطولة داستين هوفمان ورينيه روسو ومورغان فريمان، إنتاج 1995.

فيلم كوارث/خيال طبي، يركز على تفشي فيروس «موتابا» الخيالي الشبيه بالإيبولا والمُصنع سريًا من قِبل بعض جنرالات الجيش الأمريكي. بصراحة، وبكل صراحة، الغضب يتملكني من التكرار الممل الشيفوني السخيف للبطل الأمريكي المُنقذ الجبار مصحح المسار، قدر ما تكون تلك الأفلام الأسهل للتمتع بالحركة والأحداث أو العالم من جديد، على قدر ما تسبب الحنق من التعالي الأمريكي المتسبب في الفيروس، ولكن دائمًا والأهم أنه يخلصنا منه، ويخلص الكون من الشرور حتى لو هو صانعها.. وأتخيل الغضب شعورًا موائمًا للفيلم، لأنه يعطي شعورًا فاعلًا، منفعلًا مقبلًا على الحركة والتخريب. تراودني نفسي عن الانجراف مع الغضب فعلًا، وإن كان صوته محفزًا للتغيير.

يجسد المرحلة الثالثة: «المساومة» فيلم «Waterworld» هو فيلم ابوكاليبتي/خيال علمي أمريكي إخراج كيفين رينولدز، بطولة كيفن كوستنر إنتاج 1995. تدور أحداث الفيلم عام 2500 حيث تذوب القمم الجليدية القطبية، يرتفع مستوى سطح البحر لأكثر من 7600 متر، وتغطي المسطحات المائية الأرض تقريبًا. ما هو مقدار المساومة التي نستطيع تخيله لاستمرار الحياة؟ كل ما أعرفه أن الخط الفاصل بين سيطرة التوتر على جهازي العصبي والتحكم في زمام الأمور هو الاحتمال الأغلب -حتى الآن- أن العودة أمر وارد، ليس لما هو «طبيعي» ومألوف من ممارسات الإنسان، المواطن في الكون العصري الحداثي الملمع بالتقدمية بالضرورة، إنما لبعض من ممارسات إنسانية قديمة الأزل، متمدينة في سياقها ومنهجها. أن نعود للأرض حركة وتجمع وعمل ونزهة واحتكاك بالآخر، لكن ما زال الأوقع أن يحدث ذلك الحراك على الأرض.. فهل يصل بنا الأمر إلى المساومة على المسطح الذي نعيش عليه؟

يعبّر عن مرحلة «الاكتئاب»، هي الرابعة فيلم «I Am Legend»، هو فيلم ما بعد ابوكاليبتي/خيال علمي أمريكي من إخراج فرانسيس لورانس وبطولة ويل سميث، إنتاج عام 2007.

يبقى روبرت نيفيل (ويل سميث) خبير علم الفيروسات حيًا وحيدًا في المدينة بعد إصابة جموع البشر بفيروس قاتل. طب ما أكيد لازم يصل الشخص منّا لنهاية إكتئابية لو قام من النوم وحده تمامًا في المدينة مع كلبه الصدوق. تخيّل/ي أن ثقل الصمت الذي يستحوذ على المجال الصوتي مع بداية الحظر وحتى الصباح التالي هو كل ما تعرفه/يه طوال الوقت. صمت ومجال بصري أوحد تكاد تكون أنت/ أنتِ العنصر الوحيد المتحرك في لوحة صماء، في الأغلب ملوثة وداكنة وإخراجها بُذل فيه من الجهد لإغراقك في هالة من الضيق والاختناق.

نبلغ المرحلة الخامسة: «الإذعان والقبول» مع «perfect sense»، دراما رومانسية ابوكاليبتية من إخراج ديفيد ماكنزي وبطولة إيفا جرين وإيوان ماكريجور، إنتاج 2011.

تدور أحداثه حول قصة حب بين عالمة أوبئة وطبّاخ، وسط كارثة وبائية تفقد البشر حواسهم/ن؛ الحاسة تلو الأخرى. يلتقط الفيلم حسيًا نهاية الأحاسيس، نتتبع تكيف البشر مع المأساة بعد الأخرى.

ومع كل مُحسِّس مفقود يُخلق وعيًا متزايدًا لما يعنيه الوجود كإنسان -الشم والتذوق والاستماع والبصر واللمس، يتمسك ذلك الوعي المخلوق بذاكرة عميقة لمحسسات اتصل بها دومًا. يوصلنا الفيلم إلى الخسارة حتى منتهاها، الفقد في اكتماله. ويقدّم سكينة تتسع لقبول النهاية التامة الكاملة، فالخسارة شخصية للغاية في حسيتها، لكّن الآخرين يواسونك في شمولية اللامحسوس. لا يضاهي الغياب التام والصمت المحتم وطئًا إلا الإذعان للمنتهى، بلا وعود لعودة أو بداية جديدة.

 

#سماع

بلاي ليست إيقاعية صُممت لوضع المُستمعة/المُستمع في مرونة مناسبة للتمارين المنزلية، «فلكس» قائمة من إعداد مها النبوي:

 

#سلام

وفي الختام، نترككم مع «مونة الغزالين» في نسختها الأولى وهي من إعداد سارة رفقي.

 

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن