«بلد الحظرين».. «كورونا» يعبر شمال سيناء بلا إصابات
 
 

150 كيلومترًا تقريبًا، هو طول الطريق الساحلي الذي يقطع محافظة شمال سيناء، وهي المسافة التي عبرها فيروس كورونا محمولًا في جسد شخصين وصلا إلى قطاع غزة، ونقلا الفيروس إليه، دون أن يصاب به أيٍ من أهالي شمال سيناء، بحسب التأكيدات الرسمية. وفيما طالب عدد من اﻷهالي بعزل محافظتهم عن باقي الجمهورية، تقاسمت الجهات التنفيذية والسكان تنفيذ عدد من الإجراءات الوقائية في مدن المحافظة التي زادها «كورونا» حظرًا على حظرها.

«كورونا» يعبر المحافظة بسلام

لم يكن الأحد 22 مارس، يومًا عاديًا في محافظة شمال سيناء، وخاصة في مدينة الشيخ زويد، وذلك عَقب إعلان حكومة قطاع غزة تسجيل أول حالتي إصابة بفيروس كورونا، وكانتا لشخصين وصلا القطاع قبل يوم واحد، عبر معبر رفح البري، في نهاية رحلة عودتهما من دولة باكستان.

بيان حكومة غزة لم يمر مرور الكرام على أهالي شمال سيناء، خاصة أن وصول الأفراد إلى القطاع يستلزم المرور بشمال سيناء من خلال سيارات الأجرة والملاكي التي يملكها أهالي المحافظة، والتي تتوقف عادة للاستراحة أو الصلاة في الكافيتريات والمساجد المنتشرة على الطريق من القنطرة شرق حتى معبر رفح.

بعد تواتر الخبر عبر حسابات سكان المحافظة على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ الأهالي في مهمة البحث عن السائق الذي أقل المصابين. وهي المهمة التي أثمرت عن الوصول لاسم السائق ومقر إقامته، لتبدأ موجة من مناشدة أقربائه أو من يعرفه بمطالبته بالتوجه ﻷقرب مستشفى. فيما طالبوا المسؤولين بمحاولة معرفة خط سير السيارة والنقاط التي توقفت بها.

مصدر مسؤول في مديرية الصحة في شمال سيناء، أكد لـ«مدى مصر» أن السلطات الفلسطينية من جانبها لم تبلغ الجانب المصري بأي إخطار، فيما تحركت المديرية بعد انتشار الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالفعل تم التوصل للسائق، الذي كان في محافظة الإسماعيلية، وطُلب منه التوجه إلى أقرب مستشفى، قبل أن يتم حجزه وإجراء التحاليل اللازمة له ولشقيقه الذي كان يرافقه في رحلة السفر، فيما دفعت المحافظة بفرق عقّمت منزل السائق في مدينة الشيخ زويد.

كان مصدر محلي قريب من السائق قال لـ«مدى مصر» آنذاك إن السائق عقب توصيله الفلسطينيين إلى معبر رفح، عاد إلى مدينة الشيخ زويد وأقام وليمة غداء حضرها قرابة 17 شخصًا من أقربائه، ما زاد حالة الفزع بين أهالي المدينة.

صباح يوم الإثنين، 23 مارس، وعلى صفحته الشخصية بفيسبوك، كتب سائق السيارة، أن نتيجة العينات التي تم أخذها منه ومن شقيقه أتت سلبية، ما يعني عدم إصابتهما بالفيروس. وهو ما أكد عليه بيان أصدرته محافظة شمال سيناء، وقالت فيه أيضًا إنه تم اتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية في جميع الاستراحات على طول الطريق الدولي في شمال سيناء، فضلًا عن فحص كل من خالطوا الحالتين في الشيخ زويد، بالإضافة لتفريغ كاميرات معبر رفح البري وتحديد كل من تعامل معهما من الجانب المصري من المعبر وتوقيع الكشف عليه.

وبعد يومين من إعلان نتائج تحليل السائق وشقيقه، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة عن إصابة سبعة من رجال أمن القطاع بالفيروس، بعد مخالطتهم للحالتين المصابتين، فيما لم يتم الإعلان عن ظهور أي حالات إصابة في شمال سيناء.

مطالبات بإغلاق المحافظة.. ولجان طبية على المداخل

مرور واقعة سائق الشيخ زويد بسلام، وتصريحات المحافظ اللواء محمد عبدالفضيل شوشة، وبيانات مديرية الصحة في المحافظة التي أكدت خلو المحافظة من فيروس كورونا، دَفعت الأهالي لمطالبة الجهاز التنفيذي وأجهزة الأمن في المحافظة بعزلها كليًا عن باقي الجمهورية، مثلما حدث إبان تنفيذ العملية الشاملة سيناء 2018؛ عندما أغلقت معديات قناة السويس ومنع الخروج أو الدخول إلى شمال سيناء إلا من خلال التنسيقات الأمنية.

من جهته، وخلال حواره الأسبوعي مع إذاعة شمال سيناء، الخميس الماضي، قال شوشة إنه لا يمكن إغلاق المحافظة بالكامل، ﻷن الكثير من السلع التي يعتمد عليها اﻷهالي تأتي من خارج المحافظة، فضلًا عن صعوبة منع سفر الحالات المرضية، مؤكدًا أن الأهم من ذلك هو اتخاذ الإجراءات الوقائية التي من خلالها يمكن الحفاظ على المحافظة خالية من فيروس كورونا.

أهم الإجراءات الوقائية التي تم اتخاذها على حدود شمال سيناء كانت وضع مراقبين من الإدارات الصحية على مداخل المحافظة للكشف على المسافرين. وأكد المحافظ خلال لقائه الإذاعي على وجود أطقم من المراقبين الطبيين على مداخل محافظة شمال سيناء الخمسة: ارتكاز بالوظة على الطريق الشمالي، وارتكازات جفجافة والجدي وصدر الحيطان ورأس النقب على الطريق الأوسط القادم من محافظة جنوب سيناء.

مصدر بمديرية الصحة بشمال سيناء، قال لـ«مدى مصر» إن المديرية دفعت، يوم 28 مارس الماضي، بأفراد من مراقبي الترصد، التابعين لفريق الأوبئة، التابع لقطاع لطب الوقائي، مزودين بكواشف حرارة للكشف على كل من يدخل أو يخرج من المحافظة عبر ارتكاز «بالوظة»، المشترك بين القوات المسلحة والشرطة، والذي يعتبر مدخل المحافظة من الطريق الدولي «القنطرة شرق/رفح».

وأضاف المصدر، أن الفريق يسجل أسماء القادمين إلى المحافظة وليسوا من المقيمين فيها وخط سيرهم ومكان وجودهم، ويبلغ الإدارة الصحية في المنطقة التي سوف يستقرون فيها؛ لمتابعتهم تليفونيًا خلال أيام وجودهم في المحافظة.

الإعلان عن الدفع بفرق طبية على مدخل المحافظة أسفر عن حالة من الارتياح بين الأهالي، سرعان ما تبدلت إلى غضب، بعد إعلان بعض الأهالي عبر حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، أنه لم يتم الكشف عليهم خلال سفرهم عبر الطريق الشمالي، كما لم يشاهدوا أي فرق طبية في ارتكاز بالوظة.

ثلاثة مواطنين حضروا إلى مدينة العريش يومي الأربعاء والخميس الماضيين، وعبروا ارتكاز بالوظة، أكدوا  لـ«مدى مصر» أنه لم يتم الكشف عليهم نهائيًا من قبل أي فرق طبية، ولكن أحدهم أشار إلى أنه شاهد شخصًا جالسًا على كرسي في حرم الارتكاز، وهو يحمل جهاز كاشف الحرارة، دون أن يتبين إن كان تابعًا لمديرية الصحة أو فرد أمن.

من جهتها، نشرت الصفحة الرسمية لمديرية الشؤون الصحية بشمال سيناء فيديو لعمليات الكشف على المسافرين في ارتكاز بالوظة، بوجود مدير الإدارة الصحية. فيما نفى محافظ شمال سيناء شهادات الأهالي الذين قالوا إنه لم يتم الكشف عليهم في الارتكاز، لافتًا، في حواره الإذاعي، إلى أن بعض المواطنين القادمين للمحافظة عبر الطريق الشمالي يتعمدون تجاوز ارتكاز بالوظة عبر طرق فرعية، مشددًا أنه سوف يتواصل مع أجهزة الأمن لإغلاق تلك الثغرات.

«بلد الحظرين»

ومن حدود المحافظة إلى داخل مدنها، التي انضمت لباقي مدن الجمهورية في تطبيق حظر تجوال من السابعة مساءً وحتى السادسة صباحًا، بسبب تفشي فيروس كورونا، وهو الإجراء الذي لم يمثل فارقًا كبيرًا للأهالي، خاصة في مدينتي العريش والشيخ زويد، اللتين يطبق فيهما حظر التجوال منذ عام 2014، ويبدأ في مدينة العريش من الواحدة صباحًا وحتى الخامسة صباحًا، وفي الشيخ زويد من السابعة مساءً وحتى الخامسة صباحًا.

وأمام القرارات الجديدة، تندر مواطنون من المحافظة على مواقع التواصل الاجتماعي من قرار الحظر، بدءًا من إطلاق اسم «بلد الحظرين» على المحافظة، وصولًا إلى أن لديهم خبرة ثمان سنوات في حظر التجوال ويمكنهم تقديم كورسات في الحياة في ظل الحظر لباقي المصريين.

أما على أرض الواقع، فشهدت اﻷسواق الرئيسية في وسط العريش ازدحامًا يوم الخميس، 26 مارس، بعد انتشار شائعات عن تطبيق حظر تجوال كامل في الأيام التالية بسبب انتشار «كورونا» في أرجاء البلاد، وسط إقبال من اﻷسر على شراء السلع الغذائية والخضروات والطيور، مع تنبيهات من الباعة أن «بكرة وبعده (الجمعة والسبت) مافيش سوق».

تلك المشاهد كانت مشابهة لما عاشه السكان أنفسهم في اﻷيام اﻷولى لبدء العملية الشاملة في شمال سيناء يوم 9 فبراير 2018، حين عُزلت المحافظة عن باقي الجمهورية ومُنع دخول كل ألوان الطعام والشراب لها لقرابة خمسة أشهر متواصلة إلا بكميات محدودة.

بخلاف اﻷسواق، شهدت شوارع العريش اصطفاف عشرات المواطنين أمام ماكينات الصرف الآلي «ATM»، غير مبالين بكل التحذيرات الخاصة بانتشار فيروس كورونا، يقول محمد عطية لـ«مدى مصر»: «الناس مفلسة على الآخر، بتستنى المرتب عشان تصرف على عيالها لا يهمها كورونا ولا غيره»، محمد الذي يعمل موظفًا في أحد القطاعات الحكومية في العريش يلقي اللوم على الحكومة ويتهمها في أنها هي من تسببت في هذا المشهد غير الآدمي والخطير في ظل تفشي وباء عالمي، «المفروض كانوا يقسموا أيام الصرف كل مصلحة يكون ليها ثلاثة أيام ومن ثم ضخ مرتبات المصلحة التالية، علشان الزحمة تكون أقل».

أزمة الزحام الشديد على ماكينات الصراف الآلي في مدينة العريش، تعتبر مشكلة متكررة من قبل ظهور «كورونا»، بسبب ندرة تلك الماكينات. ففي حين تضم المحافظة ست مدن، لا توجد ماكينات صرف آلي سوى في العريش، بواقع 25 ماكينة فقط موجودة في ستة أفرع لبنوك، من المفترض أنها تخدم قرابة 199 ألف نسمة في المدينة، وقرابة 460 ألف مواطن في المحافظة ككل، وبحسب الكتاب الإحصائي الصادر عن محافظة شمال سيناء في 2013 يعمل في القطاعين الحكومي والعام قرابة 46 ألف مواطن، وجميعهم يتقاضون رواتبهم من خلال ماكينات الصرف الآلي، بناءً على قرار وزارة المالية في 2015 بصرف جميع مرتبات العاملين في قطاعات الدولة من خلال نظام الدفع الإلكتروني.

في ظل الزحام أمام ماكينات الصرف اﻵلي، اكتفى مجلس مدينة العريش، الذي يقع في محيط مقره عدد من تلك الماكينات الصرف الآلي، بنشر بيان على صفحته على موقع فيسبوك طالب فيه المواطنين بـ«عدم التزاحم خلف ماكينات الصراف الآلى وعدم التزاحم في المحلات التجارية».

ورغم مشاهد الزحام في اﻷسواق وأمام ماكينات الصرف الآلي، أكد محافظ شمال سيناء، الأحد الماضي، أن المحافظة خالية من فيروس كورونا، مرجعًا ذلك إلى الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها المحافظة.

كان اﻷهالي قد تقاسموا مع المحافظة القيام بالإجراءات الوقائية، حيث بادر بعض اﻷفراد بتحضير سوائل التعقيم من الكلور المخفف بالمياه وقاموا بتعقيم بعض الشوارع والمحلات التجارية وواجهات المنازل في بعض أحياء مدينتي العريش وبئر العبد، فضلًا عن توزيع مستلزمات طبية (جوانتيات وكمامات وعبوات كحول) على الأهالي في شارع 23 يوليو الرئيسي، وسط مدينة العريش.

ومن جانبها عقمت المحافظة المصالح الحكومية وجامعة العريش والمدارس والأسواق الرئيسية وبعض الحدائق داخل المدينة، كما أصدرت بيانًا رسميًا بإغلاق مراكز الشباب وقاعات الأفراح ومنع سرادقات العزاء.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن