أي جانب مضيء في مأساة الوباء؟

إذا أوقفنا قطارًا على قضبانه فإنه لن يصل المحطة. ولو توقع أحدهم أن يقع حادث مروع على الطريق يموت فيه بعض الركاب إن واصل القطار طريقه، فسنكون أمام خيارات صعبة: هل نتوقف تمامًا وننتظر؟ وإلى متى ننتظر؟ ماذا لو كان بعضنا لا يمانع في الحركة لأنه يعرف أنه سيكون من الناجين، بل سيخسر إذا انتظرنا جميعًا؟ وماذا لو كان الأكثر عرضة لخطر الموت من الراكبين في العربات الخلفية عديمة الصيانة هم أيضًا بين بعض المصرين على الاستمرار لأن لا مأوى لهم لو توقف القطار واضطروا للنزول في وسط الصحراء؟

هذه جزء من أسئلة كثيرة لا إجابة واحدة عليها، يتعين أن نسألها بهدوء في أيام فيروس كورونا المستجد بدلًا من الاختيارات الثنائية السطحية والدموية التي يضعها بعض رجال الأعمال والمعلقين الاقتصاديين أمامنا: إما الخراب أو الدمار الاقتصادي، أو نقبل التضحية بواحد أو حتى 10% من السكان.

يقول لنا الملياردير الناجح نجيب ساويرس إن الفقراء قد ينفلتون في الشوارع سرقة واجرامًا وإننا سنموت من الجوع، بل وقد ينتحر البعض إذا توقف القطار عن السير و«تعطلت عجلة الإنتاج»، حتى لو اصطدم القطار السائر بقطار فيروسات كورونا المقبل. وينصحنا الرجل بعد أن أبلغنا بصلاته من أجل البلاد أنه إذا كان البعض منا قد يموتون في الحالتين فلنواصل السير وربما لن يحدث شيء فالأمر يقتصر على أسبوعين من الحمى، ولن يتعدى الضحايا واحد في المئة من المصابين، و90% من الضحايا سيكونون من العجائز، كما أراد أن يطمئننا.

نفس كلام ساويرس قاله ملياردير العقارات حسين صبور: «ما تزيد الإصابات. لكن هيبقى عندك شعب قائم وناقص شوية، ولا شعب مفلس تمامًا، وما نلاقيش ناكل بكرة».

رؤوف غبور هو الآخر انضم لحفلة التصريحات، مستنكرًا الدعوات الموجهة للقطاع الخاص للتبرع لجهود احتواء الوباء.

صنع ساويرس وأمثاله، وهو واحد من أغني ألف شخص في العالم، جزءًا لا بأس به من ملياراته بفضل ذكائه وحنكته العملية وميراثه وعائلته، وأيضًا بفضل علاقات سياسية مفيدة وترتيبات ضريبية مواتية وعمالة وأرض رخيصة ومسؤولين متعاونين وقوانين متساهلة.. ويبدو أن هذه الحنكة واللياقة غادرته عندما تحدث عن مصير البشر الآخرين، الأقل منه حظًا وثروة.

الحق أنه إذا كان ثمن بقاء الملايين على قيد الحياة هو وفاة مليون منهم فهذا أمر يمكن النظر فيه أو مناقشته. المشكلة هو من سيقرر أي مليون يموت؟ وأي نوع من الحياة سيحصل عليه الملايين الآخرين من أهل مصر، الذين حتى قبل أن يضطروا لمواجهة هذا العدو الغامض، كان ثلثهم يعيشون تحت خط الفقر؟ وهل فعلا يجب أن يموت كل هذا العدد؟ وما الخلطة الناجحة بين إجراءات الصحة العامة والسياسات الاقتصادية التي تسمح لنا بالعبور بخسائر أقل للفئات الأضعف؟

النقاط التي أعرب ساويرس عن قلقه بشأنها مشروعة. يخشى الرجل أن «قطاع السياحة اضطر للاستغناء عن العمال بالملايين أو تخفيض أجورهم.. ولو معملش كدة يفلس»، وحذر الرجل الذي تصل ثروته وفق تقدير موقع «فوربس» إلى ثلاثة مليارات دولار (قرب 50 مليار جنيه مصري) أن العمالة المعطلة ستلجأ للسرقة والإجرام ونصل إلى «الدمار» و«انهيار ومصائب» لا يمكن لأحد أن يحسبها. ودعا إلى أن يظل العمال في المصانع ليل نهار ودون اختلاط مع أحد خارج المصانع!

حل ساويرس يفضح عجزه، وعجز قطاع واسع من السياسيين وخبراء السياسات ورجال الأعمال والعمال أنفسهم، عن التفكير في مخرج من هذه الورطة الكونية غير المسبوقة منذ ذروة الحرب العالمية الثانية على الأقل. ولكن عجز العمال والفقراء والطبقات الوسطى مفهوم في ضوء خياراتهم المحدودة وضعفهم النسبي وعجزهم تحت ضغط الدولة عن التنظيم في مقابل النخب ورجال الأعمال.

يعجز ساويرس ومؤيدوه عن التفكير في ما هو أبعد من النظام الاقتصادي والتجاري والمالي السائد وكأنه نهاية تاريخ التطور البشري، ولا تعديل له. لا يفكرون في أنه حتى قبل فيروس كورونا المستجد كانت هناك حاجة ماسة لإصلاح جوانب عدة في هذا النظام. وتجلت هذه الحاجة العام الماضي في احتجاجات اجتماعية واسعة النطاق انتشرت من تشيلي إلى العراق ومن لبنان إلى فرنسا، مطالبة بتغييرات في السياسات الاقتصادية، بل ومسّت مصر، ولكنها لم تتسع بسبب إجراءات أمنية قاسية وصارمة أدت لاعتقال عدة آلاف بعد مظاهرات شارك فيها ربما عدة مئات.

السؤال والتحدي والقائم هو ببساطة وببعض الميلودرامية كالآتي: هناك خطر يهدد المجتمع والاقتصاد والدولة وسيكون هناك ثمن يتعين دفعه، ثمن يصل إلى حيوات ودماء البعض منا وبأعداد قد تكون كبيرة وغير مسبوقة؟ من يدفع الثمن؟ ومن يقرر هذا الأمر؟ وكيف نصل إلى هذا القرار؟

إذا توقف الجميع عن العمل الآن في مصر -وهذا ما لن يحدث- فإن ملايين من المصريين العاملين في القطاعات غير الرسمية الهشة بل والعاملين في المؤسسات المتوسطة والصغيرة سيخسرون قسمًا كبيرًا من دخولهم أو عملهم كله.. وعلى عكس ساويرس، ليس لدى غالبيتهم مدخرات تكفل لهم العيش عدة أشهر، ولا حتى أسابيع.

يجب إذن النظر في إجراءات دعم سريع لقطاع ضخم من العمالة الموسمية واليومية وفي مجالات مثل السياحة والتجارة التي ستتأثر دون شك وبقوة بغض النظر عن استعداد العمال فيها، أو إجبارهم تحت ضغط الحاجة، على الذهاب للعمل من عدمه، حيث لن يكون هناك عمل على أي حال، ولشهور طويلة أو سنة على الأقل وفقًا لتوقعات خبراء اقتصاد وأسواق متعددين. سنحتاج، والحال هكذا، على المدى القصير إجراءات سريعة من أجل دعم ملايين العاملين في القطاعات غير الرسمية وغير المؤمن عليهم والمفتقرين إلى أي أمان وظيفي، ومنهم باعة جائلين وعمال في المقاهي والمطاعم والمتاجر وبقية قطاع الخدمات وعمال بناء وفلاحين وحرفيين.. إلخ. ويعتقد أستاذ الاقتصاد الجامعي راجي أسعد أن 23% من العمالة في مصر على الأقل غير منظمة وهشة للغاية، بينما تتراوح تقديرات اتحاد النقابات شبه الرسمي ووزارة القوى العاملة بين 10 و14 مليون عامل في القطاع غير الرسمي.

لن تكفي المنحة الاستثنائية التي قررتها الحكومة بنحو 500 جنيه للفرد، بغض النظر عن عدد الأفراد الذين سيحصلون عليها (سجل قرابة 1.2 مليون شخص أنفسهم خلال عدة أيام كعمالة غير منتظمة في موقع إلكتروني لوزارة القوى العاملة منهم نصف مليون في أول أيام هذا الأسبوع فقط). دعونا نتذكر أن من يحصل على 736 جنيهًا مصريًا أو أقل في مصر تصنفه الحكومة نفسها بين الفقراء، أي العاجزين عن الوفاء بكل احتياجاتهم الأساسية. هؤلاء الفقراء هم ثلث مواطني البلاد أو قرابة 33 مليون شخص. إحصائيات نفس الحكومة تشير إلى أن هناك أكثر من سبعة ملايين من هؤلاء يعانون من فقر مدقع أو الجوع لأنهم يحصلون شهريًا على 500 جنيه للفرد. كل هؤلاء الفقراء يتأرجحون على حافة هاوية ولن ينقذهم منها إجبارهم أو اختيارهم الخروج للعمل لأن الاقتصاد كله في مصر وغيرها يعاني من حالة كساد متزايدة.

لن يكفي أيضًا أن تعلن مؤسسة ساويرس أنها ستقدم كراتين أغذية لـ60 ألف اسرة وهو أمر لا يكلف في الأغلب أكثر من مليون دولار (أو نحو 16 مليون جنيه). سيكون أمرًا مفزعًا ألا تكون هناك في حقيقة الأمر خطة طوارئ حقيقية وبتمويل جيد بشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص من أجل مساعدة ثلث الشعب المصري إذا اقتضت الحاجة في الأشهر القليلة القادمة، بدلًا من هذه الإجراءات الهزيلة.

المشكلة الوحيدة والرئيسية ليست السماح لرجل أعمال النسيج والنفط علاء عرفة، وأصحاب مصانع السيراميك والأسمنت والإنشاءات، بالاستمرار في العمل وإجبار العمال (أو منحهم حق الاختيار في العمل تحت خطر الوباء أو العيش تحت خطر الجوع)، وهو قرار قد يكون له تبعات صحية مدمرة على هؤلاء العمال. ولكن هذا القرار أيضًا لن يكون ذو فائدة كبيرة اقتصاديًا إذا سارت الأمور كما هو متوقع عالميًا. فدون معجزة سيضرب الكساد المخيم عالميًا معظم هذه الأنشطة سريعًا في مصر وخارجها، بما فيها سوق العقارات والإنشاءات وبالتالي مصانع الأسمنت والسيراميك وغيرها.

ستكون هناك دماء لعدة أعوام مقبلة وأثمان مرتفعة يتعين دفعها، وليس فقط لأسبوعين من تحمل الحمى والالتهاب الرئوي ثم العودة للعمل كما صور ساويرس لنا الأمر في لقاء تلفزيوني عجيب، تفاخر فيه في نفس الوقت بدهائه في أمور البيزنس، وكيف أنه وضع نصف استثماراته في الذهب الذي ارتفع سعر أوقيته في أربع سنوات بنحو 30% ليتعدى 1600 دولار! كيف خانت الرجل لياقته وهو يتحدث لمستمعين بعضهم قلق بشأن كيفية الإنفاق على علاج وتعليم، بل وإطعام أطفاله خلال أسابيع.

حتى لو تراجعت الدولة عن فرض حظر التجول ودفع ثمنه الاقتصادي أو فرضه بوسائل أمنية قاسية، فإن ملايين العمال في القطاعات غير المنتظمة سيتضررون على أي حال بسبب توقف السياحة والضعف المتوقع لتحويلات العاملين في الخارج. ويصل حجم القطاع غير الرسمي ربما إلى 40% من النشاط الاقتصادي في مصر، وسيواجه عماله أسوأ جوانب الأزمة سواء عجزوا عن الذهاب إلى أعمالهم بسبب حظر التجول، أو فقدوا وظائفهم بسبب الانكماش الاقتصادي الحاصل وتباطؤ الاقتصاد الحتمي.

وبينما تتسم إجراءات الحكومة ومبادرات القطاع الخاص لمساعدة الفئات الأكثر تضررًا من جوانب كارثة «كورونا» الاقتصادية بالضعف، قررت الحكومة منح القطاع الخاص إعفاءات أو تسهيلات ضريبية وتخفيضات في أسعار الطاقة ودعم المصدرين ودعم القروض العقارية وتسهيلات أخرى للمقترضين.

يواصل كبار رجال الأعمال، ومنهم عرفة وساويرس، حث الدولة على التدخل أكثر واتخاذ إجراءات سريعة لدعم القطاع الخاص، رغم أنهم نفس الأشخاص والتجمعات التي طالما دعت إلى، وتمكنت من، غل يد الدولة وإخراجها من مجالات عمل القطاع الخاص، وتنظيمه لحماية البيئة والعمال والموارد الطبيعية والصحة العامة، وفرض ضرائب معقولة على أرباحه وعلى الثروات المتزايدة لكبار الملاك والمستثمرين فيه.

نعم سنحتاج إلى تدخلات ذكية للدولة وأجهزتها الآن لمواجهة كارثة هي بالأساس في مجال الصحة العامة وحياة البشر، وفي المقام الثاني كارثة اقتصادية واجتماعية، وسنحتاج بدرجة أكبر للتفكير في المدى المتوسط والطويل. وربما لهذا حان الوقت للتفكير بجدية في حلول أكثر كفاءة وتأثيرًا من أجل إعادة توزيع الثروة في مصر. فوفقًا لتقرير سنوي صدر الشهر الماضي عن شركة فرانك نايت للعقارات في لندن، زاد عدد المليونيرات في مصر نحو 19% العام الماضي ليصبح لدينا 764 شخصًا تقارب ثروة كل منهم 30 مليون دولار (نحو 480 مليون جنيه). وفي نفس الوقت تستمر مصر في احتلال مرتبة متقدمة في قائمة الظلم الاجتماعي أو اللامساواة في الدخل في العالم.

يجب أن تكون ضرائب الثروة (بكل أنواعها) قضية للنقاش ووضع السياسات الملائمة في أقرب وقت ممكن. قدّر بحث نشره مشروع حلول للسياسات البديلة في الجامعة الأمريكية في القاهرة في 2018 أن ضريبة «شاملة على الثروة في مصر، يمكنها أن تولِّد عوائد تصل إلى 28 مليار جنيه سنويًا في المتوسط، أي ثلاثة أضعاف ما يتم تحصيله حاليًا ضريبةً على الممتلكات.. وذلك باتباع سيناريو تصاعدي يبدأ بمعدل 1%‏ للشريحة التي تمتلك أكثر من مليون دولار، ويتزايد تدريجيًا حتى يصل إلى 5%‏ لمن تفوق ثروتهم المليار دولار».

ضرائب الثروة ليست بدعة وهي مفروضة في عدة بلدان أوروبية منها سويسرا وإسبانيا. ولعل أهم عقبات هذه السياسة هنا هو ضعف واهتراء وفساد أجهزة الدولة البيروقراطية التي تنعدم الثقة في قدرتها على توظيف عائدات الضرائب في سياسات اجتماعية كفؤة وفعالة وخاصة في مجالات التعليم والرعاية الصحية التي يمكنها حتى من منظور رأسمالي رفع كفاءة وأداء الداخلين إلى سوق العمل.

في الأغلب لن تستجيب النخب المهيمنة ماليًا وسياسيًا لأية نداءات لتبني حلول عقلانية تسمح بالحد الأدنى من العدالة الاجتماعية على المدى المتوسط والطويل وتخفف آثار الصدمات المتتالية المقبلة بسبب فيروس كورونا على المدى القصير. لقد أجبر هذا الفيروس العالم كله على وضع كل شيء بما فيه المسلمات والعقائد الاقتصادية على طاولة النقاش، ولكن نخبنا ولأسباب يطول شرحها عاجزة أو غير راغبة حتى في الدخول في نقاش جدي في مثل هذه القضايا. ويبدو اﻷمر كما حدث من قبل في تاريخنا وتاريخ مجتمعات أخرى وهو أن يقع التغيير اللازم فقط بعد صدمات مروعة وخسائر هائلة، للأسف. لنأمل ألا يكون هذا هو الجانب المضىء الوحيد في أزمة «كورونا».

اعلان
 
 
خالد منصور 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن