أصابع النفط الصخرية

في 6 مارس الماضي دعت السعودية دول «الأوبك بلس» إلى اجتماع  بمقر منظمة «أوبك» في فيينا، لحث الدول المصدرة للبترول على تخفيض معدلات إنتاجها ومطالبة روسيا بتخفيض الإنتاج لمواجهة الانخفاض المتسارع في الطلب على البترول، وكذلك لتقليل العرض لمواجهة الانخفاض الحاد في الطلب على البترول، وتعزيز الأسعار والمحافظة عليها.

كان مقترح الطلب السعودي يقضي بأن تُخفض دول «الأوبك» إنتاج مليون برميل بترول يوميًا، مقابل قبول «شركاء أوبك» وفي مقدمتهم روسيا، بتخفيض ما يقارب نصف مليون برميل يوميًا، بإجمالي تخفيض 1.5 مليون برميل يوميًا.

قوبل الطلب السعودي بتعنت روسي. رفضت روسيا خفض نصيبها من إنتاج البترول بخشونة، وفشلت المفاوضات بين روسيا والسعودية في الوصول إلى اتفاق.

الرد السعودي جاء سريعًا وحاسمًا وتصعيديًا بصورة غير متوقعة.. استمرت السعودية في الدفع بمعدلات إنتاجها من البترول دون تخفيض بل وهددت بزيادتها، فهوت أسعار البترول العالمية من 65 دولار لبرميل البترول مطلع يناير الماضي لما دون 30 دولار للبرميل في مارس الفائت، بالتزامن مع انتشار وباء كورونا عالميًا وفشل اتفاق التخفيض. ومن ثم تضررت المصالح السعودية والروسية والأمريكية، وصرنا أمام معركة عض أصابع ثلاثية في انتظار أي الأطراف سيتراجع عن قراره، ويبادر إلى تخفيض معدلات إنتاجه من البترول.

حرب أسعار البترول العالمية الدائرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، التي أعقبت فشل اتفاق«أوبك بلس» الأخير، وتزامنت مع انتشار وباء فيروس كورونا، وما تبعه من بوادر تباطؤ اقتصادي عالمي، هي عوامل محورية  أساسية أدت إلى انهيار أسعار البترول عالميًا في الربع الأول من 2020.

لماذا تعنت الروس؟

رفض الروس التخفيض لأنهم -وفقًا  لتقديراتهم– رأوا أن التخفيضات المتوالية في معدلات إنتاجهم للبترول، تصب في مصلحة شركات إنتاج النفط الصخري الأمريكية، وتساهم في توسع وزيادة حصص الأخيرة السوقية على حساب النفط الروسي، وتقتطع من النصيب الروسي في أسواق إنتاج البترول العالمي.

كما جاء الرفض الروسي ردًا على حزمة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على روسيا (على  قطاع شركات النفط والغاز الروسية بوجه أخص) بُعيد ضمها لشبه جزيرة القرم.

تتوفر لدى روسيا الأسباب الكافية لتحطيم صناعة النفط الصخري الأمريكي، فقبل اكتشاف النفط الصخري الأمريكي -بحسب التقديرات الروسية- لم تكن الولايات المتحدة لتجرؤ على فرض عقوبات اقتصادية على الدول المُصدرة للنفط مثل فنزويلا أو روسيا، إذ أن فرض تلك العقوبات كان سيؤدي بالضرورة إلى خفض الإنتاج، وخفض الإنتاج -مع ازدياد الطلب الصيني على البترول- كان سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما كان سيضر بمصلحة المستهلك، أي الناخب الأمريكي.

بحلول 2016، وصل ترامب إلى قمة الإدارة الأمريكية، وتزامن ذلك مع تسارع وتيرة الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، ونجاحها في تحقيق بوادر الاكتفاء الذاتي وتصدير النفط الصخري. حينها صار باب فرض العقوبات على الدول المناوئة للولايات المتحدة مفتوحًا على مصراعيه وأيسر من ذي قبل. 

على ضوء الفرضية السابقة نستطيع فهم السر وراء قدرة واشنطن على فرض عقوبات اقتصادية قاسية على قطاعات الطاقة والغاز والنفط في فنزويلا وإيران، (كان ترامب قد أعلن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة العمل بالعقوبات عليها، بل ومعاقبة الدول الحليفة إذا استمرت في استيراد النفط منها). تلك العقوبات شلت اقتصادي البلدين، وساهمت في نشوب اضطرابات اجتماعية واقتصادية كبيرة بهما، أضف إلى ذلك الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد الروسي.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، التي تصفها بعض التقديرات بأنها صاحبة أكبر مخزون من النفط الصخري، لديها نفط تقليدي Conventional Oil ونفط صخري Shale Oil؛ النفط الصخري يُنتج بواسطة ضغط المياه الممزوجة بالكيماويات التي تكسر الصخور لينساب النفط الخفيف من مسامها، ومن ثم الحصول على النفط والغاز المسرب من داخل  تلك الصخور، وهي طريقة استخراج أصعب وأكثر تكلفة نسبيًا، مقارنة باستخراج النفط الخام السائل عبر استخدام تقنية حفر الآبار بمنصات النفط التقليدية وضغط الهواء والبريمات، سواء كانت تلك الآبار في البر أو البحر.

وبالتالي، فإن الحفاظ على مستوى الإنتاج سيهوي بأسعار البترول العالمي، ويجعل تكلفة استخراج النفط الصخري أعلى من نظيرها التقليدي، وبالتالي يتطلب ذلك البيع بسعر أعلى من البترول الخام التقليدي، وحينما لا يرتفع سعر برميل النفط الواحد عن حوالي 55 دولار، ستخسر شركات النفط الصخري نقطة  تعادلها السعري، أي نقطة تعادل سعر الاستخراج مع سعر البيع دون خسارة، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى إفلاس شركات النفط الصخري التي تعاني من مديونية ضخمة للبنوك الأمريكية، وتعتمد نقطة تعادل سعرية أعلى من البترول التقليدي.

مع انهيار الأسعار دون 31 دولار لخام غرب تكساس  للبرميل، ستعجز أكثر من 100 شركة من شركات النفط الصخري عن تحقيق أي ربح وفقًا لتقرير بلومبرج، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى عجز شديد عن سداد مديونيتها، وهو ما قد يفسر الإصرار الروسي الأخير بالإحجام عن تخفيض إنتاجهم من البترول التقليدي بهدف إخراج شركات النفط الصخري من سوق البترول العالمي.

وماذا عن بن سلمان؟

النظرة الأولية لمجريات الأحداث الأخيرة، قد توحي بأن رد فعل السعودية على القرار الروسي الخشن برفض التخفيض، بزيادة معدلات إنتاج الأولى من البترول، جاء متسرعًا وانفعاليًا بعض الشيء، ولكن النظرة المتمعنة في سياق الأحداث تحيلنا بالضرورة للنظر في الخطوات الاصلاحية الهيكلية التي أجرتها السعودية على مدار الخمس سنوات الأخيرة، استبقت بها ما قد تؤول إليه أسواق البترول الدولية  من مصاعب وتحديات، ولمعرفة تلك الخطوات علينا العودة قليلًا للوراء، وتأمل فحوى الحديث المُطول النادر الذي أجراه محمد بن سلمان في 2017.

«2030» وحماية ظهر المملكة

في 3 مايو عام 2017، وفي حوار أجراه معه المذيع السعودي داوود الشريان عبر القناة السعودية الأولى، قدم محمد بن سلمان بنفسه أوراق اعتماده  للسعوديين كولي عهد مُرتقب للمملكة، قبل أقل من شهرين من توليه المنصب خلفًا لمحمد بن نايف ابن شقيق الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، والذي يقبع الآن في السجن.

أحدث الحوار ضجة إعلامية. حيث كشف فيه بن سلمان أوراقه وأفاض في شرح خططه ورؤيته للإصلاح الاقتصادي والإداري للدولة، بدرجة من الاستفاضة لم يكررها في أي من حواراته القليلة اللاحقة.

شرح بن سلمان خطواته التنفيذية لما أسماه «رؤية 2030»، والتي تهدف في مجملها إلى تقليل اعتماد السعودية على الفوائض النفطية مقابل تعزيز اعتمادها على إيرادات قطاعات غير نفطية عبر زيادتها ومضاعفتها. وركز على شرح برامج مرحلة (2016-2020) من «رؤية 2030» وهي المرحلة الإصلاحية المهمة والمؤثرة، والتي تقاطعت تداعياتها لاحقًا، على حرب الأسعار النفطية في 2020 الدائرة  بين الرياض وواشنطن من جهة وموسكو من الجهة الأخرى.

كانت نسب العجز في ميزانية السعودية -وقت تاريخ صدور الحوار-  قد انخفضت؛ تضاعفت الإيرادات غير النفطية من 111 مليار ريال سعودي إلى 200 مليار. وضُبطت الميزانية؛ فبعد أن كان الإنفاق الحكومي يزيد عن الميزانية الموضوعة، استطاعت الحكومة  توفير ما يقارب 10% من الميزانية الأساسية، وبعكس أزمات الثمانينيات والتسعينيات وأزمة 2009 النفطية، فإن الحكومة استطاعت التحكم في أسعار السلع الأساسية وفقًا لحوار بن سلمان مع «الشريان».

كانت السعودية خارجة لتوها من مرحلة انكماش اقتصادي؛ حيث اضطرت إلى تطبيق سياسات تقشفية سريعة تمثلت في تخفيض بدلات وحوافز رواتب المواطنين، ورفع الدعم عن الوقود والكهرباء، ولحقتها بالمثل دول مجلس التعاون الخليجي، لاحتواء تداعيات انهيار أسعار البترول مطلع 2016.

في هذه المرحلة، على هامش مطلع  2016، كانت شركات النفط الصخري الأمريكية في مرمى النيران السعودية، كيف؟

شركات النفط الصخري الأمريكية تعتمد بصورة كبيرة على  قروض ضخمة من البنوك الأمريكية، تُشكل ديونًا تثقل كاهلها. استغلت السعودية الفرصة السانحة، ورفضت تخفيض حصة إنتاجها من البترول، بهدف إفلاس شركات النفط الصخري والإطاحة بها من سوق إنتاج البترول العالمي (السعودية تمتلك حصة في مصافي النفط الأمريكية في تكساس وكاليفورنيا).

رفض السعودية تخفيض إنتاج البترول في 2016، أدى بالتبعية إلى انهيار الأسعار لما دون 30 دولار للبرميل آنذاك، وفي سياق موازٍ، استغلت شركات البترول العملاقة، مثل إكسون وشيفرون الأمريكيتين وتوتال الفرنسية، الظرف العالمي وانهيار الأسعار، واشترت شركات النفط الصخري بعد تراكم الديون عليها، وكان هذا الشراء بمثابة قُبلة الحياة لصناعة النفط الصخري الأمريكي.

فشلت الجولة بالنسبة للسعودية، وفشل مسعاها في الإطاحة بشركات النفط الصخري الأمريكية، ووصلت الأطراف المتصارعة لحالة من التعادل، وسيطر توازن الضعف على الجميع مما مهد لدخول روسيا حلف «الأوبك بلس».

في 30 نوفمبر 2016، ونتيجة لانهيار أسعار البترول، وقّعت دول «الأوبك» بقيادة السعودية اتفاقًا مع روسيا، يقضي بتخفيض الإنتاج العالمي من البترول، عُرف لاحقًا باتفاق «أوبك بلس»، وشمل الدول الأعضاء بالأوبك المصدرة للبترول زائد روسيا. وأدى هذا الاتفاق إلى  تخفيض حصة الروس من إنتاج النفط العالمي.

بالتبعية، نجحت السعودية بموجب هذا الاتفاق في إعادة بدلات رواتب المواطنين، والتعافي من مرحلة الانكماش المؤقتة، وبدأت التركيز على إتمام خطة بن سلمان في طرح أسهم شركة «أرامكو» -أكبر منتج ومُصدر للنفط في العالمبالبورصة السعودية والمضي قدمًا في خطوات «الإصلاح الاقتصادي».

تعتمد خطة بن سلمان في الإصلاح الهيكلي بصورة رئيسة على «صندوق الاستثمارات العامة». وهو كيان اقتصادي سعودي سيادي، يضم الأصول المعلنة وغيرالمعلنة للمملكة، بالإضافة إلى قيمة طرح أسهم «أرامكو» بسوق البورصة والأرباح الدورية للشركة.

أهداف استثمارات ذلك الصندوق، وفق رؤية 2030، هي المساهمة في ألا يزيد الدين العام عن 30%، والاستثمار في قطاع التعدين والذي تُقدر قيمة العوائد منه تريليون و30 مليون دولار، وفقًا لتصريحات بن سلمان.

النمو بقطاع السياحة والترفيه لتحويل الإنفاق من إنفاق خارجي وخروج أموال من المملكة (تقدر بـ 22 مليار دولار) إلى عائد داخلي (يستهدف نصف ذلك المبلغ)، وهو ما انعكس بعد ذلك في صورة إنشاء «هيئة الترفيه» السعودي المعنية بالترويج للسياحة الداخلية وإقامة العروض المسرحية والغنائية وإنشاء دور العرض السينمائية، واستقدام فرق موسيقية واستعراضية أوروبية، وتجلى لاحقًا في إقامة مهرجان «مواسم الرياض» بالعاصمة، ومهرجان «شتاء طنطورة» بمنطقة العُلا غرب السعودية، ومهرجان «البحر الأحمر السينمائي» السعودي، والذي حال انتشار وباء كورونا دون إقامته.

أيضًا على مستوى الهيكلة الداخلية، فإن قرارات التوطين والسماح للنساء السعوديات بقيادة السيارات لأول مرة في تاريخ المملكة، أدت حسب الإحصاءات التي نشرتها مؤسسة النقد السعودي «ساما» إلى تراجع التحويلات بنسبة 9.7% خلال عشرة أشهر من عام 2019 لتصل إلى 104 مليارات ريال مقابل 115.2 مليار ريال خلال الفترة المقابلة في عام 2018.

أغلب الإصلاحات الهيكلية لوحظ أثرها في المساهمة في نمو موارد الدخل غير النفطية في عام 2018 و2019، وهو ما يجعل السعودية قادرة بشكل كبير على تحمل تبعات قرارها، بزيادة إنتاجها النفطي من 10 ملايين برميل إلى 13 مليون برميل يوميًا بحلول أبريل 2020، بعد فشل مفاوضات «الأوبك بلس» مع روسيا لخفض الإنتاج للسيطرة على انخفاض سعر النفط، في ظل تراجع الطلب العالمي.

في 2020، ورغم حرب أسعار البترول الدائرة، نستطيع أن نلمح من بين ثنايا الصراع، تقاطع مصالح روسي-سعودي خفي. يرى أن هذه اللحظة الأمثل لشن الحرب على شركات النفط الصخري الأمريكية؛  نتيجة سببين رئيسيين؛ ضعف الطلب العالمي على البترول بسبب تفشي وباء الكورونا عالميًا، وارتفاع ديون شركات النفط الصخري الأمريكية، وصعوبة إيجاد تمويل لها.

حرب أهلية نفطية في الولايات المتحدة

تزامنًا مع الحرب المستعرة بين روسيا والسعودية حول تخفيض إنتاج البترول، تواجه الولايات المتحدة تعقيدات داخلية تحول دون تخفيضها للإنتاج طواعية. بالنسبة لشركات البترول التقليدي العملاقة مثل إكسون موبيل، فإنها ترفض تخفيض الإنتاج سعيًا منها لإفلاس جميع شركات النفط الصخري المستقلة، بغرض شرائها بثمن بخس بعد تحطيمها تمامًا للقضاء على أي مظهر للمنافسة، واحتكار السوق النفطي الأمريكي الداخلي مرة أخرى في صورة احتكار القلة (Oligopoly).

في حين أن بعض شركات النفط الأمريكية الأخرى مثل Marathon ترفض التخفيض لارتفاع سقف ديونها، والتي تصل ديونها إلى خمسة أضعاف إجمالي الربح، ومن ثم فأي تخفيض للإنتاج سيؤدي حتمًا إلى إفلاسها.

2019.. لحظة زهو عابرة 

5 فبراير 2019، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليُعلن مزهوًا في خطاب له أمام الكونجرس، نجاح بلاده -لأول مرة منذ عام 1953- في تحقيق اكتفائها الذاتي من إنتاج البترول، وتحولها -وفقًا لترامب- من أكبر دولة مستوردة للنفط الخام، لواحدة من أكبر الدول المُصدرة للبترول عالميًا، وباعتمادها الكبير على تسارع وتيرة إنتاج النفط الصخري، ولحقتها تصريحات أخرى بنفس النبرة لترامب يقول فيها إن «أمريكا لم تعد تحتاج لبترول الشرق الأوسط».

مأزق ترامب

الأطراف المتصارعة على الجانب الآخر وضعهم ليس بالأفضل، شركات النفط الصخري الأمريكية مهددة بالإفلاس بشكل كبير لعدم قدرتها على تسديد ديونها، ولن يستطيع ترامب إنقاذها بورقته الدولية المفضلة بفرض عقوبة أخرى على دولة مصدرة للنفط؛ فقد استنفد كل أوراقه: حظر تصدير النفط على إيران، حظر تصدير النفط على فنزويلا، وفرض عقوبات اقتصادية على قطاع النفط والغاز الروسي.

بعبارة أخرى، قائمة الدول «المارقة» المُصدرة للبترول، التي كان يمكن لترامب فرض حظر على تصديرها قد انتهت، لذلك فلا يوجد ما يستطيع تقديمه على المستوى الدولي لإنقاذ تلك الشركات.

ولنكن أكثر وضوحًا، فإن ترامب يُمسك في يده بسلاح ذي حدين في تلك الأزمة المتعلقة بانخفاض أسعار البترول؛ فمن جانب فسعر برميل البترول الحالي (دون 30 دولار للبرميل) يفيده على المدى القصير، في ما يتعلق بالدعاية التي يفضلها دائمًا، وهي تسويقه  لقدرته على الوصول بالولايات المتحدة للاكتفاء الذاتي من إنتاج الغاز الطبيعي والبترول، وتوفير البترول للمواطن بسعر منخفض، مما سيؤمن له قاعدة تصويتية لصالحه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

لكن على الجانب الآخر، فإن تلك الشركات الموضوع مصيرها على المحك، إن أفلست فستقوم بتسريح العديد من العمال، وهم سيشكلون بالتأكيد كتلة انتخابية تتحرك ضده، بالإضافة الى أن عددًا كبيرًا من مُلاك تلك الشركات هم من ممولي حملة ترامب الانتخابية. ولذا فإن إفلاس شركات النفط الصخري الأمريكي قد يُعيد الولايات المتحدة لوضع التبعية للخليج في ما يتعلق بالنفط. 

وبعد كل ما مرت به الأسواق المالية الأمريكية من ركود و ضعف في الطلب على السلع، من المرجح  أن تحمل تقارير الربع سنوية الخاصة بالاقتصاد الأمريكي أرقامًا كارثية تعكس انكماش الاقتصاد الأمريكي في الربع الأول من 2020، بالتزامن مع تحرك اللوبي التابع لشركات البترول العملاقة بالكونجرس للضغط على الإدارة الأمريكية للوصول لحلول مع السعودية تنقذ الشركات من ذلك الوضع الحرج.

تحركات لوبي الطاقة والبترول الأمريكي 

لم تتأخر تحركات قطاع النفط الأمريكي كثيرًا. صرح سكوت شيفلد رئيس شركة Pioneer Natural Resources، وهي واحدة من شركات البترول الأمريكية الكبيرة والتي تبلغ قيمتها السوقية 11 مليار دولار لقناة CNBC الأمريكية بتاريخ 26 مارس الماضي؛ أن قطاع الطاقة والبترول طالب الرئيس الأمريكي بالضغط على السعودية لوقف حرب الأسعار، كما تواصل 13 سيناتور في الكونجرس الأمريكي بالسفير السعودي لدى الولايات المتحدة لبحث تلك المسألة. وذلك بالتوازي مع تواصل وزير الخارجية الأمريكية هاتفيًا مع بن سلمان في إطار الضغط عليه لإنهاء حرب الأسعار بينه وبين روسيا.

حملت تصريحات شيفيلد تحذيرات للسوق الأمريكي، مفادها أنه إذا لم تتوقف الحروب النفطية المتبادلة بين الرياض وموسكو، فإن الولايات المتحدة ستتحمل تكلفة هذه الحرب، مما قد يضطرها لاستيراد 60% من احتياجاتها النفطية من نفط الشرق الأوسط، وستفقد ريادتها في الإنتاج وبالتالي تفقد ما حققته من اكتفاء ذاتي.

جدير بالذكر، أن شيفيلد هو من رؤساء شركات البترول الأمريكية القلائل الذين تسنى لهم حضور مؤتمر أوبك الأخير. وعلى صعيد موازٍ، عزا شيفيلد أسباب حرب الأسعار النفطية بين بن سلمان وبوتين إلى أن «روسيا تقوم بغش السعودية وتُزيد من إنتاجها النفطي منذ ديسمبر 2019» وهو ما يعد خرقًا لاتفاقات «أوبك بلس»، بالإضافة إلى تعنت روسيا في آخر اجتماع ورفضها تخفيض إنتاجها من البترول.

وتجدر الإشارة أيضًا، وفقًا لتصريحات شيفيلد أنه بعد توقيع اتفاقية «أوبك بلس» في 2016 المعنية بتخفيض الإنتاج، أن الولايات المتحدة (التي كانت تنتج ثمانية ملايين برميل يوميًا) استفادت من هذا الاتفاق، وزادت إنتاجها أربعة ملايين برميل إضافية، ليصبح إجمالي ما تنتجه يوميًا أكثر من  12 مليون برميل، وهو الأمر الذي يعني من ناحية أخرى أنها استفادت من الاتفاق لزيادة حصتها السوقية من مبيعات البترول العالمي على حساب الطرفين الروسي والسعودي وباقي الدول الأعضاء. 

ما مدى التأثير الأمريكي على القرار السعودي؟

«كورونا Covid-19» صار قوة عظمى جديدة تنافس الولايات المتحدة والصين، ويحدد مصير اقتصادات العالم وأسواقه. ترامب حاول دعم شركات البترول بشكل غير مباشر عبر ملء المخزون الاستراتيجي النفطي، ولكن الأسعار لم تحرك ساكنًا، ولم تراوح مكانها دون 30 دولار للبرميل. مبادرات ترامب بشأن أسعار النفط تواجه تحديات كبيرة في ظل هيمنة أزمة كورونا وحظر حركة الطيران والسياحة ومؤشرات تباطؤ الاقتصاد وتراجع الطلب العالمي على السلع والخدمات وضعف معدلات الاستهلاك.

في سياق متصل، استمرت ضغوط قطاع الطاقة الأمريكي على السعودية، ممثلًا في اعتزام ترامب إرسال «مبعوثة خاصة للطاقة» إلى الرياض، وهي فيكتوريا كوتس التي انضمت إلى البيت الأبيض منذ بداية تولي إدارة ترامب الحكم. وعملت نائبة لمستشار الأمن القومي لترامب وتخصصت في شؤون الشرق الأوسط، وسبق لها العمل كمستشارة للسياسة الخارجية لحاكم تكساس (إحدى الولايات الأمريكية الهامة في مجال إنتاج البترول الأمريكي).

ثم ماذا؟

إجمالًا، يمكن القول بأن شركات البترول العملاقة تستغل كورونا وإجراءات حظر الطيران الدولي وتباطؤ الاقتصاد العالمي، بالتوازي مع حروب روسيا والسعودية النفطية التي تستهدف أيضًا قطاع النفط الصخري الأمريكي، لتشن حربًا شعواء على شركات النفط الصخري المتوسطة والصغيرة. ويمكن النظر لها بوصفها حربًا موازية تشنها للإنفراد بالسوق الداخلي النفطي الأمريكي، وإلى أن تضع تلك الحروب الشعواء أوزارها، فإن انخفاض أسعار البترول الحالي مرشح للاستمرار.

بناء على كل ما سبق، الفترة القادمة قد تشهد ثلاثة سيناريوهات أساسية: إما اكتشاف علاج لكورونا  Covid -19 في خلال أقل من ثلاثة شهور؛ وهو ما سيساهم في زيادة الطلب على البترول وارتفاع أسعاره، وحدوث استقرار نسبي يُمكّن شركات النفط الصخري الأمريكية من إعادة جدولة ديونها. وإما العجز عن ذلك في المدى المتوسط والطويل، ومع تعنت دول «أوبك بلس» وعدم تخفيض الإنتاج ما سيؤدي إلى إفلاس شركات النفط الصخري والإطاحة بها خارج سوق إنتاج النفط العالمي، مما قد يخلق قاعًا للأسعار ترتد منه إلى أعلى. وأخيرًا، قد تتراجع الأطراف المتنازعة (السعودية أو روسيا أو كلاهما)، مقابل الوصول إلى تسوية مع المنتجين من خارج «أوبك بلس»؛ تسوية مفادها تقاسم أعباء تخفيض الإنتاج، وهو ما قد يساهم في رفع أسعار البترول نسبيًا.

اعلان
 
إسلام ميلّبا 
مصطفى ميلّبا 
يوسف الحريري 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن